عودة الوحي من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

عودة الوحي من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

الرسالة

,

أول ما نزل بعد فترة الوحي

وفي أثناء فترة الوحي كان النبي يذهب إلى غار حراء، فيخلو فيه، ويتعبد به، وبينا هو نازل ذات يوم إذ سمع صوتا من السماء، فرفع رأسه فإذا جبريل في صورته التي خلقه الله عليها سادا ما بين الأفق، فرعب منه ثم رجع

__________

(1) الايتان 163، 164 من سورة النساء.

(2) الايات 51- 53 من سورة الشورى.

إلى السيدة خديجة- رضي الله عنها- فقال: «زملوني، زملوني» فزملوه فأنزل الله عليه:

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) «1» .

فكانت أول ايات نزلت بعد فترة الوحي امرة بالإنذار، وداعية إلى توحيد الله، وتعظيمه، وعبادته واحده وترك عبادة غيره.

يدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحدّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء- أي جهتها- فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت «2» منه حتى هويت على الأرض، فجئت أهلي فقلت: «زملوني، زملوني، فزملوه، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ.. إلى قوله: فَاهْجُرْ ثم حمي الوحي وتتابع» .

نزول سورة «الضحى»

ويرى ابن إسحاق أنه نزل بعد فترة الوحي سورة «والضحى» ، قال في سيرته: ثم فتر الوحي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فترة من ذلك حتى شقّ ذلك عليه، فأحزنه، فجاءه جبريل بسورة الضحى، يقسم له ربه، وهو الذي أكرمه بما أكرمه به: ما ودّعه ربه، وما قلاه، فقال تعالى:

__________

(1) المدثر: لابس الدثار وهو ما فوق الشعار، والشعار: هو الثوب الذي يلي الجسد، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الأنصار شعار، والناس دثار» . والمزمل: المتلفف في ثيابه ومعناهما متقارب. الإنذار: التخويف والزجر أي حقّق صفة الإنذار. وربك فكبر: عظم وخصّه بذلك. وثيابك فطهر: صنها عن الأقذار في الصلاة وغيرها، وقيل: المراد طهّر نفسك مما يستقذر من الأفعال والأخلاق. والرجز فاهجر: الرجز: الأوثان، اهجر: اترك، والمراد به أمته فقد كان صلّى الله عليه وسلّم منزها عن ذلك.

(2) أي رعبت منه.

وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى «1» (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3) .

ما صرمك أي قطعك فتركك، وما أبغضك منذ أحبك:

وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (4) .

أي لما عندي في مرجعك إلي خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا:

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (5) .

من الفلج «2» في الدنيا، والثواب في الاخرة:

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (7) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (8) .

يعرّفه الله ما ابتدأه به من كرامته في عاجل أمره، ومنّه عليه في يتمه، وعيلته «3» ، وضلالته «4» ، واستنقاذه من ذلك كله برحمته:

فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) .

أي لا تكن جبارا، ولا متكبرا، ولا فحاشا فظا على الضعفاء من عباد الله:

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) .

__________

(1) سجى: غطى كل شيء بظلمته، ومن اللطائف البلاغية القرانية هذا التطابق البديع بين المقسم به، والمقسم عليه: فانقطاع الوحي ظلمة ورجوعه نور وضحى له ما بعده، وقدم الضحى ليكون أول ما يقرع الأسماع كلمة مبشرة، وللإشارة إلى أن الظلمة عارضة، والنور أصل، وكذلك انقطاع الوحي عارض واستمراره هو الأصل.

(2) الغلب والنصر.

(3) العيلة: الفقر.

(4) يعني تحيره في هداية قومه، وقيل كان ضلّ أي غاب عن أهله وهو صغير فهداه الله إليهم.

أي بما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة «1» أي اذكرها، وادع إليها، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله «2» .

وذكر الطبري في تفسيره نحو ذلك عن ابن عباس، وكذلك ذكر بعض كتاب السير قديما وحديثا، والحق أن أول ما نزل بعد فترة الوحي هي الايات من صدر سورة «المدثر» كما ذكرنا أولا، لأن ما في السيرة لا ينهض من جهة قوة السند لمقاومة ما في الصحيح، لأن هذه الروايات- كما قال الحافظ في الفتح- لا تثبت، وتكون سورة الضحى من أوائل ما نزل بعد فترة الوحي وليست أول ما نزل، والمؤلفون في علوم القران وترتيب السور في النزول لم يذكر أحد منهم أنها ثاني سورة نزلت من القران، وإنما قالوا: إنها من أوائل السور نزولا «3» .

والحق في سبب نزول «والضحى» هو ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن جندب «4» بن سفيان البجلي قال: «اشتكى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يقم ليلة، أو ليلتين، أو ثلاثا، فجاءت امرأة «5» فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك «6» منذ ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله عز وجل: وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى....

وعلى هذا فتكون السورة نزلت في فترة أخرى غير هذه الفترة التي كانت بعد ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أكثر من ذلك كما ذكرت انفا، وأما هذه فلم تكن أكثر من ليلتين أو ثلاث، فاختلطتا واستبهمتا على بعض العلماء «7» ، فكن على بيّنة من هذا التحقيق، وشدّ عليه بيديك.

__________

(1) هذا رأي ابن إسحاق، والذي أراه أن يكون المراد جميع النعم من النبوة وغيرها، أثناء الدعوة سرّا وبعدها.

(2) سيرة ابن هشام ج 1 ص 241، 243.

(3) الإتقان في علوم القران ج 1 ص 10.

(4) بضم الجيم، وسكون النون، وضم الدال.

(5) هي أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب.

(6) بكسر الراء في الماضي، وفتحها في المضارع.

(7) البداية والنهاية ج 2 ص 17؛ فتح الباري ج 8 «سورة الضحى» .

الفصل الثاني أطوار الدّعوة الى الإسلام


ملف pdf

كلمات دليلية: