صاحبًا من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

صاحبًا من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

النبي مع أصحابه

وكان صلى الله عليه وسلم رؤوفا رحيما بهم، يتعهد حاضرهم، ويسأل عمن غاب منهم، ويسلّم عليهم، ويشمّت عاطسهم، ويواسي فقيرهم، ويعين ضعيفهم، ويشاركهم في السراء والضراء، ويعود مريضهم، ويشيّع ميتهم، ويكسو عاريهم، ويشبع جائعهم، ويرعى أراملهم، وأيتامهم، ويجالس فقراءهم والأعبد منهم، ويحنّك أطفالهم، ويبارك عليهم، ويداعب صبيانهم ليدخل السرور على نفوسهم.

ما رؤي مادّا رجليه بينهم، ولا عابسا في وجه أحد منهم، ولا استأثر عليهم بشيء لنفسه ولا لأهله، ولما عرض عليه صاحباه في ركوب البعير في غزوة بدر أن يعفياه من نوبته في المشي أبى، وقال: «ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما» . وكان مع أصحابه في سفر، فذبحوا شاة، فقال واحد منهم:

عليّ ذبحها، وقال الاخر: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال رسول الله: «وعليّ جمع الحطب» فقالوا: يا رسول الله نحن نكفيك العمل، فقال: «علمت أنكم تكفوني، ولكني أكره أن أتميز عليكم، وإن الله سبحانه وتعالى يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» ، وفي حجة الوداع ذهب ليشرب من السقاية، فأراد عمه العباس أن يميزه بشراب خاص من البيت، فأبى وقال: «لا أشرب إلا مما يشرب منه الناس» .

وكان كذلك لا يميز أهله بشيء، ففي قصة المخزومية التي سرقت، وأرادوا أن يشفعوا في عدم إقامة الحد عليها قال: «وايم الله: لو أن فاطمة بنت

محمد سرقت لقطع محمد يدها» «1» ، ولما جاءت ابنته فاطمة تطلب منه خادما من السبي وقد مجلت «2» يداها من الرحى والعمل، أبى وعلّمها وزوجها دعوات يدعوان بها عند النوم وقال: «لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم» «3» . وروى أصل القصة البخاري «4» .

وكان يستعين بالخاصة على العامة ويقول: «أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي، فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع إبلاغها امنه الله يوم الفزع الأكبر» وكان لا يأخذ أحدا بذنب أحد، ولا يصدّق أحدا على أحد، وروي عنه أنه قال: «لا يبلّغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» .

فهل رأيت في باب الحرص على الوقوف على أحوال الأمة، وإزالة شكاواها، وقطع باب السعاية والوشاية بالرعية أبلغ من هذا؟!! فلا عجب وهذا بعض ما كان يعامل به أصحابه أن أحبوه أكثر من حبهم أنفسهم، وأن فدوه بابائهم وأمهاتهم وأنفسهم، حتى شهد بذلك الأصدقاء والأعداء.

__________

(1) رواه الشيخان.

(2) السبي: ما يؤخذ في الحرب من رجال ونساء. مجلت: امتلأت بثورا من إدارة الرحى وكثرة العمل.

(3) رواه أحمد.

(4) صحيح البخاري- كتاب النكاح- باب عمل المرأة في بيت زوجها.


تحميل : صاحبًا من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

كلمات دليلية: