زواجه بالسيدة خديجة من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

زواجه بالسيدة خديجة من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

بطلان بعض المرويات

ومن ثمّ يتبين لنا تهافت ما روي أن أباها امتنع من تزويجها، وأنهم سقوه الخمر حتى ثمل فرضي، وأنهم ألبسوه المزعفر، فلما صحا من سكره أخبروه فأنكر عليهم ذلك، فما زالت به خديجة حتى رضي، وهي رواية باطلة مدسوسة لمخالفتها للنقل الصحيح على ما ذكرنا.

ثم هي مخالفة للواقع، وللظروف، والبيئة، فبنو هاشم في الذروة من قريش نسبا وشرفا، وقد صدع بها أبو طالب في مجمع حافل بالسادات فما نازعه فيها منازع، ثم إن مثل النبي في شبابه الغض، ورجولته النادرة، وخلقه الكامل ممّن تطّاول إلى مصاهرته أعناق الأشراف، وهذا أبو سفيان بن حرب وهو من هو في عداوته للنبي وبني هاشم، لما بلغه أن النبي تزوج السيدة أم حبيبة ابنته، ولم يكن أسلم بعد قال: «هذا الفحل لا يقدع أنفه» .

دسّ المستشرقين

ومن العجيب حقا أن رجلا مثل (درمنغم) لم يذكر في كتابه غير هذه الرواية المتهافتة، وقدّم لذلك بكلام يشعر أن النبي في منزلة دون منزلة خديجة، وأن عشيرته دون عشيرة بني مخزوم (كذا) ، وجعل النبي أجيرا لخديجة فلا يليق أن يكون زوجا، إلى اخر ما تخيل من تخيلات، وافترض من ترّهات «3» ، مع أنه

__________

(1) شرح المواهب، ج 1.

(2) تاريخ الطبري، ج 1.

(3) حياة محمد، لدر منغم، ص 68.

أنحى باللائمة في مقدمة كتابه على المتعصبين والمتغالين في نقد النبي، حتى كانت كتبهم عامل هدم، على الخصوص وأنه سلك مسلكا وسطا بين المتقدمين، ومغالاة بعض المستشرقين المغالين في النقد، وأنه سيعول في كتابه على المصادر القديمة والنقد الحديث «1» ، وقد وقع فيما اخذ غيره عليه، وهل من التعويل على المصادر القديمة ذكر الضعيف المتهافت، وترك الصحيح؟! وهل من النقد الحديث تجاهل البيئة والظروف والأعراف التي كانت سائدة وتجاهل الواقع الملموس؟ الحق أن المستشرقين مهما ادّعوا الأنصاف فكتاباتهم تنقض ما يدّعون.

,

خطبة أبي طالب

قال: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضىء معدّ، وعنصر مضر «2» ، وجعلنا حضنة بيته «3» ، وسوّاس حرمه «4» ، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما امنا، وجعلنا الحكّام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل من قريش شرفا ونبلا وفضلا إلّا رجح به، وهو وإن كان في المال قل «5» ، فإن المال ظل زائل «6» ، وأمر حائل «7» ، وعارية «8» مسترجعة، ومحمد من عرفتم قرابته، وهو- والله- بعد هذا له نبأ «9» عظيم، وخطر جليل جسيم «10» ، وله في خديجة بنت خويلد رغبة،

__________

(1) المرجع السابق، ص 8.

(2) ضئضىء: أصل، وكذلك معنى عنصر. وغاير للتفنن والإضافة بيانية أي أصل هو معد، ومضر، وخصهما لشرفهما وشهرتهما، وقيل: الضئضىء: المعدن.

(3) المنافحين عنه.

(4) القائمين على شؤونه.

(5) بضم القاف أي قلة.

(6) سريع الزوال.

(7) لا بقاء له.

(8) عند هذا يوما، وعند الاخر يوما اخر.

(9) نبأ: خبر، وهي النبوة.

(10) أثر جليل كبير، وهذا ما كان فقد كون أمة مثالية، وصنع التاريخ من جديد.

ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق «1» فعلي» .

وقد أمهرها أبو طالب اثنتي عشرة أوقية ونشّا «2» ، يعني خمسمائة درهم، وأصدقها رسول الله زيادة على ذلك عشرين بكرة.

,

الوليمة والعرس

وبنى النبي بخديجة، وأولم عليها: نحر جزورا أو جزورين، وأطعم الناس، وأمرت خديجة جواريها أن يغنّين، ويضربن بالدفوف، فقد بلغت مناها، وتم الفرح والسرور، ولله در البوصيري حيث قال:

ورأته خديجة والتقى والزه ... د فيه سجية والحياء

وأتاها أنّ الغمامة والسّرح «3» ... أظلته منهما أفياء

وأحاديث أن وعد رسول اللّ ... هـ بالبعث حان منه الوفاء

فدعته إلى الزواج وما ... أحسن أن يبلغ المنى الأذكياء

وكان عمر النبي حينئذ خمسا وعشرين سنة، وكان عمرها أربعين أو تزيد قليلا، ونعمت خديجة بالزواج الذي لم تعرف له الدنيا مثيلا في تاريخ الأزواج، ونعم النبي بهذا الزواج الميمون المبارك، فقد كانت خديجة حازمة، عاقلة، طاهرة، عروبا لزوجها، وواست النبي بالنفس والمال، ورزقه الله سبحانه وتعالى منها البنين والبنات، فولدت له: القاسم وبه كان يكنى، وعبد الله «4» ، وقيل: ثلاثة بزيادة الطيب، وقيل: أربعة بزيادة الطاهر. وولدت له زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة- رضي الله عنهن. أما الذكور فقد ماتوا في الجاهلية صغارا، وأما الإناث فقد عشن حتى تزوجن، وكلهن متن في حياة النبي ما عدا فاطمة فقد توفيت بعده بستة أشهر، ومن ثمّ نرى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ذاق مرارة فقد الأبناء، كما ذاق من قبل مرارة فقد الأبوين.

__________

(1) المهر.

(2) نصف أوقية من فضة والأوقية: أربعون درهما.

(3) السرح: الشجرة التي صارت أغصانها تتدلّى عليه.

(4) كان يلقب بالطيب والطاهر عند من يقول كان الذكور اثنين.

وقد شاء الله- وله الحكمة البالغة- ألايعيش له صلّى الله عليه وسلّم أحد من الذكور حتى لا يكون ذلك مدعاة لافتتان بعض الناس بهم، وادّعائهم لهم النبوة، فأعطاه الذكور تكميلا لفطرته البشرية وقضاء لحاجات النفس الإنسانية، ولئلا يتنقّص النبي في كمال رجولته شانىء، أو يتقوّل عليه متقول، ثم أخذهم في الصغر، وأيضا ليكون في ذلك عزاء وسلوى للذين لا يرزقون البنين، أو يرزقونهم ثم يموتون، كما أنه لون من ألوان الابتلاء، وأشد الناس بلاء الأنبياء، فالأمثل فالأمثل، وقد كان مما نبزه به سفهاء المشركين، أنهم قالوا فيه:

إنه أبتر أي لا عقب له.


ملف pdf

كلمات دليلية: