رفق الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

رفق الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

النبي العفو الحليم

وأما الحلم والاحتمال، والصبر على ما يكره، والعفو والصفح والإغضاء، فكل ذلك مما أدّب الله نبيه صلى الله عليه وسلم به، قال له: خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وقد فسرها جبريل عن رب العالمين فقال: «إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك» . وقال سبحانه:

وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ «1» .

وقال عز شأنه:

وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «2» .

فلا عجب أن كان كالبحر العذب الذي لا يعكره ما يلقى فيه من أحجار، ولا تنزفه الدلاء، وما من حليم صبور إلا وقد عرفت عنه زلة، وحفظت عنه هفوة ما عداه صلى الله عليه وسلم، لا يزيده كثرة الأذى إلا صبرا، ولا إسراف الجاهل إلا حلما، «وما انتقم لنفسه قط، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله عز وجل، فينتقم لله» «3» .

وقد قدمنا في فصل رحمته طرفا من عفوه، كما قدمنا في السيرة عفوه عن غورث بن الحارث حتى كان سببا في إسلامه، وعفوه عن أهل مكة الذي صار

__________

(1) سورة الشورى: اية 40.

(2) سورة الشورى: اية 43.

(3) رواه مسلم.

مثلا فريدا في الأولين والاخرين، وإبائه على من عرض عليه قتل ابن أبيّ رأس النفاق أن يقتله قائلا: «كيف يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» ، بل وإبائه على ابنه عبد الله أن يقتل أباه قائلا له: «بل نحسن صحبته ما دام بيننا» .

ومن القصص الرائعة في هذا ما روي أن زيد بن سعنة جاءه قبل إسلامه يتقاضاه دينا عليه لم يحن أجل أدائه، فجبذ ثوبه عن منكبه، وأغلظ له في القول ثم قال: إنكم يا بني عبد المطلب مطل «1» فانتهره سيدنا عمر وشدّد له القول، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم، ثم قال: «أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر، تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي» ، ثم قال: «لقد بقي من أجله ثلاث» ، ثم أمر عمر أن يقضيه ما له ويزيده عشرين صاعا لما روّعه.

وقد أثر هذا الموقف الفريد، وهذا الحلم الفائق في نفس زيد فكان سبب إسلامه، وكان يقول: ما بقي من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في محمد إلا اثنتين لم أخبرهما: يسبق حلمه جهله «2» ، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلما، فاختبرته بهذا فوجدته كما وصف!!.

وهذا شيء فوق العدل، لأن العدل أن يقتص منه، وأن يفعل بزيد مثل ما فعل بالرسول الكريم، والعدل- أيضا- أن يقضيه حقه فحسب، لا أن يزيده عشرين صاعا، وليس ترويع الفاروق عمر رضي الله عنه زيدا بأعظم من ترويع زيد النبي صلوات الله وسلامه عليه، على الفرق الشاسع ما بين مقام النبي ومقام زيد، ولكنه النبي الحليم الذي يسبق حلمه غضبه، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما!!.

__________

(1) مطل: بضم الميم وسكون الطاء: جمع أمطل، والمطل بفتح الميم: التسويف في الدين والعدة.

(2) يعني غضبه، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يجهل، فمقابلته السيئة بالسيئة ليس جهلا.

وجاءه أعرابي ذات يوم فجبذه جبذة شديدة حتى أثّرت حاشية «1» الثوب في صفحة عاتقه. ثم قال: يا محمد، احمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك، ولا من مال أبيك!! فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «المال مال الله وأنا عبده» !! ثم قال: «ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي» قال: لا، قال: «لم» ؟ قال: لأنك لا تكافىء السيئة بالسيئة، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وسرّ من جوابه، وأمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى الاخر تمر.

__________

(1) طرفه وجانبه من عند عنقه.


تحميل : رفق الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

كلمات دليلية: