رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم  من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

النبي الرؤوف الرحيم

وأما رحمته وشفقته على جميع الخلق فحدّث عنها ولا حرج، وبحسبه شرفا أن الله وصفه باسمين من أسمائه فقال: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، وقد اذاه قومه وعشيرته أشد الإيذاء، فوضعوا الشوك في طريقه، والقذر على بابه، وحاولوا خنقه وقتله، ووطئوا رأسه وهو يصلي، ووضعوا سلا الجزور على ظهره، ومع ذلك كان يقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» .

ولما ذهب إلى ثقيف داعيا إلى الإسلام، فأبوا وأغروا به الصبيان والسفهاء حتى أدموا عقبه، أرصد الله له في الطريق وهو راجع ملكا من ملائكته، وعرض عليه أن يهلكهم، فأبى وقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا» «1» ، وفي رواية: فقال له جبريل: «صدق من سمّاك الرؤوف الرحيم» .

ومن المثل الرائعة في هذا ما رواه البزار بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء- قال عكرمة أراه قال في دم يعني دية- فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ثم قال: «أحسنت إليك؟» قال الأعرابي: لا، ولا أجملت!! فغضب بعض المسلمين، وهمّوا أن يقوموا إليه، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن كفّوا، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت، وزاده شيئا، وقال: «أأحسنت إليك؟» فقال الأعرابي:

__________

(1) رواه الشيخان.

نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا!! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك قلت ما قلت وفي نفسي أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك» قال: نعم، فلما كان الغد أو العشية جاء، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه، فزعم أنه رضي، أكذلك» قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا!! فقال صلى الله عليه وسلم:

«إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل له ناقة شردت عليه، فاتّبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحبها: خلّوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها منكم وأعلم، فتوجه إليها وأخذ لها من قمام الأرض ودعاها، حتى جاءت واستناخت، وشدّ عليها رحلها، واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال، فقتلتموه دخل النار «1» » وسند القصة وإن كان فيه راو ضعيف إلا أنه يؤخذ به في باب الفضائل.

وفي الحق أن هذا الحديث فيه نور من نور النبوة، وروعة في التمثيل لا يقدر عليها، ولن يكون مصدرها إلا النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومع كون المثل ليس بالأمر الغريب عن البيئة العربية، إلا أن النبي الفصيح البليغ ألبسه ثوبا قشيبا حتى بدا غاية في الروعة وغاية في التأثير، هذا إلى ما بين الممثّل به، والممثّل له من التطابق البديع، والتوافق العجيب!!.

ومن رحمته بأمته تخفيفه وتسهيله عليهم وكراهته المواظبة على بعض السنن كالتراويح مخافة أن تفرض عليهم، وكراهته كثرة سؤالهم حتى لا يكون سببا في تحريم ما سكت الله عنه رحمة بهم، وقد شملت رحمته المؤمن والكافر، والصديق والعدو، والإنسان والحيوان والطير، ولما قالوا له: إنّ لنا في البهائم لأجرا؟ قال:

«في كل كبد رطبة أجر» ونهى، بل (لعن من اتخذ الحيوان غرضا) «2» ، وكان من رحمته أنه يميل الإناء للهرة لتشرب منه، ومرض ديك له فقام على تمريضه،

__________

(1) الشفاء، ج 1 ص 96، تفسير ابن كثير والبغوي ج 4 ص 276 ط المنار.

(2) رواهما الشيخان.

وقال: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» «1» ، وكذلك شملت رحمته الإنس والجن وصدق الله حيث يقول: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ.

ومن كل ذلك- وغيره أكثر منه- يتبيّن لنا شفقته صلى الله عليه وسلم على الأمة، وحرصه البالغ على حياتهم، وإرشادهم إلى الصراط المستقيم، وإلى تحصيل السعادتين الدينية والدنيوية، وإنا لنلمس هذا المعنى الجليل في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن مثلي ومثل أمتي، كمثل رجل استوقد نارا، فجعل الفراش والدواب يقعن فيها، وجعل يحجزهن، ويغلبنه، ويتقحّمن فيها، فهذا مثلي ومثلكم، فأنا اخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحّمون فيها» «2» وإنها لروعة في التمثيل مع البساطة لا ينقضي منها العجب!!.

__________

(1) رواه الشيخان. وخشاش الأرض بفتح الخاء: دوابها وهوامها.

(2) رواه الشيخان.


تحميل : رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

كلمات دليلية: