تواضع الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

تواضع الحبيب صلى الله عليه وسلم  من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

النبي المتواضع

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعا وأبعدهم عن الكبر والخيلاء، وحسبك في هذا أنه خيّر بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا فاختار الثاني، وخرج على أصحابه ذات يوم فقاموا له، فقال لهم: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا» ، وقال: «إنما أنا عبد، اكل كما يأكل العبيد، وأجلس كما يجلس العبيد» «1» ، ويقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله» «2» .

وكان يأكل مع العبد والخادم ويحمل حاجته من السوق، ولما أراد أبو هريرة أن يحمل عنه شيئا اشتراه قال له: «صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله» وكانت تقابله المرأة في سكك المدينة فتستوقفه فيقف حتى يقضي لها حاجتها.

وعن أنس قال: (إن كانت الأمة- الجارية- من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حتى يقضي حاجتها) «3» .

وكان يركب البعير، والحمار، ويردف وراءه غيره، ولا يقبل أن يسير أحد وراءه وهو راكب، وحجّ على رحل رثّ، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، وقال: «اللهم اجعله حجا لا رياء فيه ولا سمعة» «4» . ودخل عليه رجل فأصابته

__________

(1) رواه أبو داود.

(2) رواه الترمذي في الشمائل.

(3) رواه البخاري.

(4) رواه الترمذي في الشمائل.

من هيبته رعدة فقال له: «هوّن عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» أي اللحم المشقّق المجفف.

وقد فتحت عليه الدنيا ودانت له الجزيرة كلها فما أخرجه ذلك عن تواضعه وخلقه، ولما دخل مكة فاتحا منتصرا طأطأ رأسه حتى لتكاد تمس مقدمة الرّحل تواضعا لله تعالى، إلى غير ذلك من الأخبار الصحاح والحسان، التي زخرت بها كتب الحديث، والسير، والشمائل المحمدية.

وشيء اخر لا نكاد نجد له مثيلا في تاريخ الدنيا، وهو أدبه صلى الله عليه وسلم مع إخوانه الأنبياء والمرسلين، فقد بلغ به التواضع، وهضم النفس، والإقرار بالفضل لذويه أن يظهر بعضهم بمنزلة فوق منزلته، مع أنه أفضلهم جميعا بشهادة القران والحديث، والتاريخ الصادق، والواقع الذي لا ينكر، ففي الكتاب الكريم يقول الله تعالى:

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ «1» .

فقد كاد يجمع المفسرون على أن المراد بقوله: «ورفع بعضهم درجات» هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال الزمخشري في تفسيره:

(أي ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة، والظاهر أنه أراد محمدا صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المفضّل عليهم، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الايات المتكاثرة المرتقية إلى الألف اية، أو أكثر، ولو لم يؤت إلا القران واحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتي الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر، دون سائر المعجزات، وفي هذا

__________

(1) سورة البقرة: الاية 253.

الإبهام من تفخيم فضله، وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس) «1» .

وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره: «أنا سيد ولد ادم يوم القيامة ... » ورواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه بزيادة: «ولا فخر» وإذا كان سيدا في الاخرة فهو سيد في الدنيا من باب أولى.

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم تعليقا على قول سيدنا يوسف عليه السلام لرسول الملك:

قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ «2» .

قال: «لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي» «3» ، وقوله لما أوذي من بعض المنافقين، وضعفاء الإيمان: «رحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» «4» ، وفيه ما فيه من الإشادة بصبر سيدنا موسى وتحمله للأذى من سفهاء قومه، ما لم يتحمله غيره.

وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يحاول ما استطاع تبرئة ساحة بعض الأنبياء مما يحتمل أن ينسب إليهم مما لا يليق بحالهم، كقوله في الدفاع عن جدّه «إبراهيم» عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» ، يعني في قوله:

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي «5» .

__________

(1) انظر تفسير الكشاف وغيره عند هذه الاية.

(2) سورة يوسف: الاية 50.

(3) رواه الشيخان.

(4) رواه الشيخان وأحمد وأبو داود.

(5) سورة البقرة: الاية 260.

يريد نفي ما عسى أن يدل عليه السؤال من احتمال الشك، يعني أنه لم يكن شاكا قط، لأني وأنتم لسنا شاكين في قدرة الله على البعث، ولو جوّزناه على الخليل لجاز عليّ وعليكم، ونفي الشك عني وعنكم أمر مسلم، ففيه نفي للشك عن إبراهيم بطريق برهاني. وكقوله في حق أخيه «لوط» عليه السلام لما قال: أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ «1» يريد عشيرة قوية تحميه: «رحم الله أخي لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد» «2» يريد الله تبارك وتعالى.

فأين من هذه المثل الفذة الفريدة ما يفعله الملوك، والرؤساء، والأمراء، ودهاقنة السياسة، والزعماء وأمثالهم- قديما وحديثا- من محاولة كل واحد منهم تنقيص من قبله، والنيل منه، والارتفاع على أنقاضه، وإظهار نفسه بمظهر البطولة التي تعز عن النظير، وأنه المتفرد في كل شيء؟!! ثم أليس هذا من أقوى الأدلة، وأظهر البراهين على أنه النبي حقا، وأنه العلم الفرد في سمو أخلاقه، وكبر قلبه، وعظم نفسه، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يبارى، ولا يسامى؟!!.

__________

(1) سورة هود: الاية 80.

(2) صحيح البخاري- كتاب التفسير- سورة يوسف، وكتاب أحاديث الأنبياء؛ وصحيح مسلم كتاب الفضائل- باب فضائل الخليل إبراهيم عليه السلام.


تحميل : تواضع الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

كلمات دليلية: