بناء مسجد قباء من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

بناء مسجد قباء من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

تأسيس مسجد قباء

وكان أول عمل قام به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما قدم قباء أن أسس مسجد قباء، كي يكون للمسلمين مكان يصلون فيه، ويجمعهم على البر والخير والتقوى، وهو المسجد الذي أسس على التقوى، وهو أول مسجد بني في الإسلام لكافة المسلمين، وهو المراد بقوله تعالى:

لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) «1» .

,

بناء مسجد قباء

فلا تعجب والمساجد في الإسلام على ما ذكرنا أن كان أول عمل قام به الرسول في المدة التي أقامها في بني عمرو بن عوف أن يا بني مسجد قباء، وهو المسجد الذي أشار إليه الحق تبارك وتعالى في قوله:

__________

(1) الصفة: الموضع المظلّل من المسجد، وكانت في مؤخرة المسجد النبوي، أعدّ لنزول الغرباء ممن لا مأوى لهم ولا أهل وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر، وقد سرد أسماءهم أبو نعيم في الحلية فزادوا عن مائة.

(2) راجع صحيح البخاري- كتاب الصلاة- أبواب المساجد، تجد الإمام البخاري عقد لكثير مما ذكرت بابا مستقلا.

لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ «1» .

روى الطبراني بسنده عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الاية: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ... ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة فقال: «ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟» .

فقال: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه أو قال مقعدته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو هذا» وروى نحوه أيضا أبو داود والترمذي وابن ماجه.

وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ويؤيد رأي هؤلاء أن سياق الايات القرانية إنما هو في مسجد قباء، وهو الذي قصد أهل مسجد الضرار أن يصدوا الناس عنه بمسجدهم.

وذهب اخرون إلى أنه مسجد المدينة، واستدلوا بما ورد في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ فأخذ كفا من الحصباء فضرب به الأرض، ثم قال: «هو مسجدكم هذا» .

والذي نرجحه أنه مسجد قباء لظاهر الاية والسياق، ولا تنافي بين الاية والحديث، لأنه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد المدينة بطريق الأحرى والأولى، وهذا الحديث ذكر في معرض المفاضلة، وليس من شك في أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وهو خير المساجد بعد المسجد الحرام «2» ولو أن النبي قال: «هو مسجد قباء» لتوهم متوهم أن مسجد النبي لم يؤسس على التقوى، ولا تخذ البعض من هذا ذريعة للتقليل من شأن المسجد النبوي، فهذا هو السر في هذا الجواب الحكيم.

__________

(1) سورة التوبة: الاية 108.

(2) تفسير ابن كثير والبغوي، ج 4 ص 242؛ البداية والنهاية، ج 3 ص 209.

وقد ورد في مسجد قباء أن جبريل عليه الصلاة والسلام هو الذي أشار للنبي صلى الله عليه وسلم إلى موضع قبلته.

ولما كان قباء أول مسجد بني في الإسلام وجعل لعموم الناس من هذه الأمة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل له ذكريات كريمة في نفسه، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه كان يزوره كل يوم سبت تارة راكبا وتارة ماشيا، وفي الحديث الصحيح أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» رواهما الشيخان.

وروى الترمذي عن أسيد بن ظهير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة في مسجد قباء ركعتين أحب إليّ من أن اتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل» ، وروى ابن ماجه عن سهل بن حنيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان كأجر عمرة» .

وقد زرت مسجد قباء- ولله الحمد والمنة- غير مرة وأنا في طريقي إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وجلست فيه وصلّيت فيه مرارا.

وصول النّبيّ إلى المدينة وبناؤه المسجد النّبويّ

أقام النبي صلى الله عليه وسلم بقباء بقية وصوله، وهو يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، ثم خرج يوم الجمعة قاصدا البلد الطيب (طيبة) ، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في المسجد الذي ببطن الوادي: وادي (رانوناء) «1» ، وهي أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، بل قيل: هي أول صلاة جمعة «2» صلاها مطلقا، لأنه لم يكن يتمكن في مكة من الاجتماع بأصحابه حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة وإعلان وموعظة لشدة مخالفة المشركين له وإيذائهم إياه وأصحابه، وفي هذه الجمعة خطب المسلمين خطبة بليغة مؤثرة تفيض بالإيمان واليقين، والمواعظ والزواجر، والترغيب والترهيب، وها هي الخطبة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلّة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرّط، وضلّ ضلالا بعيدا.

__________

(1) بين قباء والمدينة، ويعرف هذا المسجد اليوم «بمسجد الجمعة» .

(2) أما صلاة الجمعة جماعة فقد حدثت قبل مقدم النبي وكان أول من جمعهم على صلاة الجمعة أبو أمامة أسعد بن زرارة النجاري أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة الثانية. رواه ابن إسحاق وأبو داود وابن ماجه من طريقه.

وأوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الاخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرى، وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الاخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر السر والعلانية ولا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدّم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ هو الذي صدّق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك، فإنه يقول تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.

واتقوا الله في عاجل أمركم واجله، في السر والعلانية، فإنه مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً، ومن يتّق الله فقد فاز فوزا عظيما. وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيّض الوجه، وترضي الرب، وترفع الدرجة.

خذوا بحظكم، ولا تفرّطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسمّاكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيى من حيّ عن بيّنة، ولا قوة إلا بالله.

فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفيه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» .

روى هذه الخطبة الإمام محمد بن جرير، وفي السند إرسال، وقد حرصت على ذكرها كلها لأن فيها قبسا من نور الوحي، وحكما من حكم النبوة، وهي نموذج رائع من كلمه الجوامع، وحكمه النوابغ، وفيها القدوة لمن يحب أن يقتدي بالرسول في خطبه، ويحتذي به في مواعظه.


ملف pdf

كلمات دليلية: