اصطِفاء الله له صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اصطِفاء الله له صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

لماذا اختار الله خاتم أنبيائه من العرب؟

قلت فيما سبق إن العرب هم أفضل الجنس السامي، وإن لغتهم هي أسمى اللغات السامية، وأثراها، وأكثرها خصائص، وأصلحها لأن ينزل بها كتاب معجز باق على وجه الدهر.

ولئن كان الفساد والاضطراب قد ساد العالم المعروف قبل البعثة المحمدية

__________

(1) الاية 41 من سورة الروم.

- عربا وغير عرب-، إلا أنه- والحق يقال- لم يكن هناك شعب من الشعوب له رصيد من الفضائل النفسية، والذاتية، والخصائص الجسدية، والعقلية، والأخلاقية مثل ما كان للشعب العربي، كالمحافظة على الأنساب، وسلامة اللغة، والذكاء، والفطنة، وصفاء النفس، وإرهاف الحس، والشجاعة، والمروءة، والنجدة، وحماية الجار، والعزة، والحرية، وإباء الضيم، والوفاء بالعهد، والقدرة على البيان، وفصاحة اللسان، وتملك نواصي فنون القول، والتأثر بالكلمة، والغيرة على الأعراض، والتضحية بالنفس والأهل والمال في سبيل ما يعتقد، أو يقتنع به، واقتحام المخاطر ومواطن الأهوال من غير تهيب ولا وجل، إلى غير ذلك من الصفات التي كانت متأصلة في العرب، وقد علمت فيما سبق عزم عبد المطلب على ذبح أحب أبنائه إليه وفاء بنذره، وما كان من السموأل حينما ضحّى بابنه وفاء بوعده، وما كان من النعمان بن المنذر حينما أنف- وهو التابع- أن يزوج ابنته من كسرى- وهو المتبوع الغالب- وتحمّل في سبيل ذلك ما تحمل، إلى غير ذلك مما لا يتسع المقام لبسط القول فيه، وهي أحداث تدل على معان كبيرة، وعلى خصائص أصيلة لهذا الجنس العربي.

لهذا- ولغيره- اختار الله خاتم أنبيائه ورسله من العرب برسالة عامة خالدة، واستأهل العرب أن يكونوا أحق الشعوب بحمل هذه الرسالة، وتبليغها إلى الناس جميعا، ولم يمض قرن من الزمان حتى بلغ الإسلام ما بلغ الليل والنهار، وامتدت دولته من المحيط إلى المحيط.

ومن هذا العرض الموجز نرى أن بعثة النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه كانت ضرورة بشرية لإنقاذ العالم مما تردّى فيه من مهاوي الضلال، والمفاسد، والاثام، وصدق الحق تبارك وتعالى حيث يقول:

وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (107) «1» .

وها هو العالم اليوم في جاهلية دونها الجاهلية الأولى، ولا مخلّص له مما يعانيه إلا اتباع شريعة الحق والعدل، والخير والسلام: شريعة الإسلام.

__________

(1) الاية 107 من سورة الأنبياء.

الفصل الثامن البشارة بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الكتاب السّماويّة السّابقة

الرسل جميعا إخوة لعلّات «1» ، تجمعهم عقيدة واحدة، ودين واحد، والأديان السماوية كلها تتفق في الأصول، وإن اختلفت في الشرائع والفروع، قال عز شأنه:

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (13) «2» .

وقال:

لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً (48) «3» .

فالاية الأولى في الأصول التي لا تختلف اختلاف العصور والأزمان، والثانية في الفروع التي تتغير بتغير الأزمنة والأحوال.

وقد أخذ الله العهد على الأنبياء إذا جاءهم رسول الله مصدّق لما معهم أن يؤمنوا به ولا يكذبوه: قال عز شأنه:

__________

(1) أولاد العلّات الذين أبوهم واحد، وأمهاتهم شتى، وفي صحيح البخاري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد» وهو من التشبيهات النبوية الرائعة.

(2) الاية 13 من سورة الشورى.

(3) الاية 48 من سورة المائدة.

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) «1» .

وإذا كان هذا حال الأنبياء بعضهم مع بعض فأحرى بالأقوام أن يكونوا أشد انقيادا للحق إذا ظهر، ومسارعة إلى الإيمان بالرسل متى قام الدليل، وظهرت الحجة.

وقد توافرت البراهين والايات الدالة على نبوة خاتم الأنبياء ما لم تتوفر لغيره من الأنبياء، لأنه جاء بالدين العام الخالد، والشريعة التي لا تنسخها شريعة.

وبشّر به وبرسالته من سبقه من الأنبياء ولا سيما موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، قال تعالى:

وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) «2» .

وقال تعالى مقيما الحجة على النصارى الذين جحدوا رسالة خاتم الأنبياء:

__________

(1) الاية 81 من سورة ال عمران.

(2) الايتان 156، 157 من سورة الأعراف.

وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) «1» .

والقران الكريم هو الشاهد والمهيمن على الكتاب السماوية السابقة، فما جاء به هو الحق، وما خالفه باطل.

ومع أن اليهود والنصارى قد حرّفوا التوراة والإنجيل ولا سيما فيما يتصل بالنبي من أوصاف وبشارة، فقد بقي من نصوصهما نبوات تدل على البشارة بالنبي، وبعضها يكاد يكون نصا في هذا.

ففي التوراة وردت نبوءة على لسان موسى عليه السلام: «أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به» «2» . وهذا واضح وضوح الشمس في رابعة النهار أن المراد به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وأن المراد بإخوتهم أبناء إسماعيل عليه السلام، وليس في الأنبياء الذين جاؤوا من بعد موسى في تعاقب مستمر، حتى ظهور عيسى من ادّعى أنه النبي الموعود في هذه النبوءة، ولا يمكن أن يحمل على أحد من خلفائه من أنبياء بني إسرائيل الذين جاؤوا لتنفيذ شريعته، لأنهم ليس فيهم أحد مثله، وقد نص في اخر سفر التثنية على أنه لم يقم في بني إسرائيل نبي مثله.

وكان أمر النبوءة معروفا لدى الخاصة والعامة من اليهود الذين انتظروا جيلا بعد جيل ظهور نبي مثل موسى، ويؤيد هذا تأييدا قويا ذلك الحوار الذي دار بين يوحنا المعمدان «3» وأولئك الذين وفدوا عليه ليسألوه: من أنت؟ فاعترف ولم ينكر، وأقر أني لست المسيح، فسألوه: إذن ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال: لست

__________

(1) الاية 6 من سورة الصف.

(2) سفر تثنية الاشتراع الإصحاح 18 الفقرة 18.

(3) هو يحيى عليه السلام.

أنا؟ ذلك النبي أنت؟ فأجاب: لا، فقالوا: ما بالك إذن تعمد إذ كنت لست إيليا، ولا المسيح، ولا النبي «1» .

فهذا النص يدل على نحو يقيني أن اليهود كانوا يترقبون ظهور ثلاثة أنبياء مختلفين: أولهم (إيليا) الذي اعتقدوا أنه سوف يظهر بشخصيته كرة أخرى على هذه الأرض، وثانيهم المسيح، وثالثهم نبي ذو شهرة إلى درجة رأوا معها أنه ليس من الضروري نعته بأي وصف مميز، كأن قولهم: «ذلك النبي» كاف للدلالة على ما يعنون، وبذلك تعيّن أن يكون المراد بالنبي هو نبينا محمدا صلّى الله عليه وسلّم.

وإذا قلبنا صفحات التاريخ لم نجد أيما نبي غير نبينا محمد أعلن أنه النبي الذي بشر موسى بظهوره، ولم نجد أيما كتاب مقدس غير القران أشار إلى تحقيق النبوءة في شخص امرىء ما.

ثم إن الواقع يؤيد هذا، فقد كان موسى- عليه السلام- صاحب شريعة، وكذلك كان محمد عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة مستقلة، وليس بين الأنبياء الإسرائيليين نبي جاء قومه بشريعة جديدة، ومن هنا كان النبي محمد بوصفه النبي الوحيد الذي أعطي شريعة، هو واحده النبي الذي هو مثل موسى.

وهناك نبوءة أخرى تكاد تكون صريحة أيضا في البشارة بالنبي، ففي التوراة: «جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من ساعير، وتلألأ من جبل فاران» «2» ، فالمجيء من سيناء يشير إلى ظهور موسى، والإشراق من ساعير إشارة إلى ظهور عيسى، وتلألئه من جبل فاران إشارة إلى ظهور نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، إذ إن التوراة تطلق فاران على أرض الحجاز (مكة) حيث ظهر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.

__________

(1) سفر يوحنا الإصحاح الأول الفقرة 19- 21.

(2) تثنية الاشتراع الإصحاح 23 الفقرة 1.

وثمة نبوءة رابعة تدل على أن أرض النبي الموعود هي بلاد العرب وهي: «وحي من جهة بلاد العرب، في الوعر من بلاد العرب، تبيتين يا قوافل الدادانيين، هاتوا ماء لملاقاة العطشان، يا سكان أرض تيماء وافوا الهارب بخبزة، فإنهم من أمام السيوف قد هربوا، من أمام السيف المسلول، ومن أمام القوس المشدودة، ومن أمام شدة الحرب» «1» .

فكلمة بلاد العرب لها مغزى خاص كاف، والإشارة إلى من هاجر يلقي ضوا على من المراد بالنبوة، فتاريخ العالم لم يدوّن غير هجرة واحدة قدّر لها أن تكتسب الحدث الحاسم هي هجرة رسولنا محمد من مكة إلى المدينة، وفي هذه الكلمات «من أمام السيوف قد هربوا» لشهادة أبلغ على أنه هو المقصود بالنبوءة، فقد تواطأت كتب الأحاديث والسير على أن النبي ليلة الهجرة كان محاطا بأعدائه الشاهرين سيوفهم فعلا، المتعطشين للدماء، المستعدين تمام الاستعداد للانقضاض عليه بجمعهم حينما يخرج من بيته، وبحسبنا هذه النبوات الأربع من التوراة.

وكان اليهود قبل مجيء النبي صلّى الله عليه وسلّم يبشرون به ويقولون لعرب المدينة إذا قاتلوهم: (لقد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا، وسنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم) ، فلما بعث جحدوا رسالته، وحسدوه، وحاربوه قال تعالى:

وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) «2» .

وكذلك بشّر الإنجيل بالنبي، وهذه الأناجيل الموجودة اليوم وإن كانت

__________

(1) أشعيا الإصحاح 2 الفقرة 13- 15.

(2) الاية 89 من سورة البقرة.

محرفة، كما أقر بذلك الأحرار المفكرون من علماء النصرانية، إلا أنها قد بقي فيها ما يدل على البشارة بالنبي صلّى الله عليه وسلّم.

فمن ذلك ما جاء في إنجيل يوحنا، قال يسوع: «إن كنتم تحبوني فاحافظوا وصاياي، وأنا أطلب من الاب فيعطيكم معزيا اخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق، الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه، ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم فيكون فيكم» «1» ويقول: «وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الاب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم» «2» ويقول: «ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الاب، روح الحق الذي من عند الله الاب ينبثق فهو يشهد لي» «3» .

ويقول: «لكني أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله لكم» «4» ويقول: «إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم، ولكنكم لا تستطيعون أن تحتملوا الان، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق» «5» وهي بشارات تكاد تكون نصا في الإخبار بنبوة خاتم الأنبياء، ومع وضوح هذه البشارات فقد أرهق اللاهوتيون النصارى أنفسهم- وما يزالون- ابتغاء العدول بها عن قصدها بحيث تنطبق على الروح القدس، وفي الحق أن صيغة النبوءة لا تجيز قط هذا الاستنتاج لقوله:

«إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي» كلام من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تعليق «6» .

وقد كان في الأصل الأول للإنجيل التعبير في البشارات عن اسم النبي بكلمة «البارقليط» ولكنه لما ترجم إلى العربية فسرها بعضهم (بالمخلص) ،

__________

(1) يوحنا الإصحاح 14 الفقرة 15- 17.

(2) يوحنا 14: 26.

(3) يوحنا 15: 26.

(4) يوحنا 16: 7.

(5) يوحنا 16: 12، 13.

(6) حياة محمد ورسالته من ص 46- 51؛ أدلة اليقين في الرد على مطاعن المبشرين من ص 260- 314؛ تفسير الالوسي ج 28 ص 87 ط منيرية.

وفسرها اخرون (بالمعزي) ، وقد سأل المرحوم الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار المستشرق الإيطالي (نلينو) - وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في اداب اللغة اليونانية، وكان يدرس في الجامعة المصرية القديمة- عن معنى (البارقليط) فقال:

إن القسس يقولون إن هذه الكلمة معناها المعزي، فقال له: أنا أسأل الدكتور (نلينو) الحاصل على الدكتوراه في الاداب اليونانية القديمة، ولا أسأل قسيسا!! فقال نلينو: معناها الذي له حمد كثير، فقال له: هل ذلك يوافق أفعل التفضيل من حمد؟ فقال: نعم «1» وصدق الله حيث قال: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ وقد سبق المستشرق (نلينو) الإمام الالوسي فقد قال: إنه لفظ يؤذن بالحمد.

يقول العلامة الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه القيم «إظهار الحق» : «إنه قبل أن يقدّم أوجه الاستدلال بهذه الفقرات- يريد الفقرات التي نقلها من الأناجيل للاستدلال بها على بشارة السيد المسيح بالنبي الخاتم محمد عليهما الصلاة والسلام- يود أن ينبه إلى أن السيد المسيح كان يتحدّث باللغة الارامية، وهي مشتقة من اللغة العبرية، وأنه مما لا شك فيه أن الإنجيل الرابع إنجيل يوحنا- ترجم اسم المبشّر به باللغة اليونانية حسب العادة، ثم جاء مترجمو اللغة العربية، فترجموا اللفظ اليوناني ب «فارقليط» ، وقد ذكرت من قبل تصرفهم في الأسماء، وقد حاول «اردو» صرف المسلمين عن الاستدلال بهذه البشارة، فذكر أن لفظ «فارقليط» معرب من اللفظ اليوناني ثم قال: فإن قلنا:

إن هذا اللفظ اليوناني الأصل «باراكلي طوس» فيكون بمعنى المعزي والمعين والوكيل.

وإن قلنا: إن اللفظ الأصلي «بيركلي طوس» فيكون قريبا من معنى محمد، أو أحمد، ولكن الصحيح أن اللفظ «باراكلي طوس» وليس «بيركلي طوس» .

وقد ردّ عليه الشيخ رحمة الله الهندي، فقال: إنه من الواضح أن التفاوت بين اللفظين يسير جدا، وأن الحروف اليونانية كانت متشابهة، وأن استبدال

__________

(1) قصص الأنبياء- مبحث بشارة عيسى بالنبي ص 473 الطبعة الثانية.

«باراكلي طوس» ب «بيركلي طوس» في بعض النسخ من الكاتب قريب القياس، ثم رجح أهل التثليث هذه النسخة على النسخ الاخرى.

أقول: وما دامت الكلمة محتملة لأن تكون «بيركلي طوس» وأن تكون «باراكلي طوس» فلنلجأ إلى الترجيح كما هي قواعد البحث العلمي الصحيح، وليس من شك في أن «بپركلي طوس» هي الراجحة لأنها يوافقها القران الكريم الذي هو الشاهد والمهيمن على الكتاب السماوية، لأنه الكتاب السماوي الذي سلّم من التحريف، والتبديل بإجماع المسلمين، وشهادة العقلاء وأحرار الفكر من المسيحيين، والله تبارك وتعالى يقول الحق، وهو يهدي السبيل.

وقد ورد في «إنجيل برنابا» الذي كان في طي الخفاء وظهر منذ زمن قريب ما يدل على البشارة بالنبي صراحة، ولم يسع القسس إلا الطعن فيه، وقالوا:

إنه من وضع العرب، وهي دعوى لم يقم عليها دليل، فقد أثبت بعض الباحثين أنه موجود من قبل ميلاد النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وقد تواترت الأخبار قبل النبوة المحمدية بقرب ظهور نبي من العرب بشّرت به التوراة والإنجيل على لسان الأحبار والرهبان، وحدث سلمان الفارسي الصحابي الجليل أنه صحب قسيسا، فكان يقول له: «يا سلمان إن الله سوف يبعث رسولا اسمه أحمد من جبال تهامة «1» ، علامته أن يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة» وكان هذا من أسباب إسلام سلمان لما بلغته الدعوة المحمدية.

وكان هذا أيضا من أسباب مسارعة الأنصار إلى قبول الإسلام، ذلك أنهم لما عرض عليهم النبي الإسلام قال بعضهم لبعض: هذا الذي حدثتكم عنه يهود فلا يستبقنكم إليه!!

__________

(1) أي مكة لأن تهامة تطلق عليها كما يطلق الحجاز على تهامة.


ملف pdf

كلمات دليلية: