ما نزل من القرآن في يوم حنين من كتاب حدائق الانوار في السيرة

ما نزل من القرآن في يوم حنين من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

غزوة حنين

وأوطاس، ثمّ غزوة الطائف، ووفد هوازن، وعمرة الجعرانة، ومولد إبراهيم، وكسوف الشّمس.

[غزوة حنين]

أمّا غزوة حنين: فإنّه صلى الله عليه وسلم لمّا فرغ من الفتح بلغه أنّ هوازن أقبلت لحربه في أربعة آلاف، عليهم مالك بن عوف النّصريّ- بمعجمة- فأجمع صلى الله عليه وسلم على المسير إليهم، وأرسل إلى صفوان بن أميّة ليستعير منه السّلاح، وكان صفوان لمّا عرض عليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم الإسلام، قال: أمهلني شهرا أرى فيه رأيي، قال: «قد أمهلتك أربعة أشهر» ، وكان عنده مئة درع، فقال: أغصبا يا محمّد؟

__________

(1) أخرجه أحمد في «مسنده» ، ج 2/ 11. والتّرمذيّ، برقم (3270) . عن ابن عمر رضي الله عنهما.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (1735) . ومسلم برقم (1354/ 446) . عن أبي شريح العدويّ رضي الله عنه.

قال: «لا، بل عاريّة مضمونة» «1» ، فأعطاه مئة درع مع ما يتبعها من السّلاح.

[خروج النّبيّ صلى الله عليه وسلم من مكّة إلى حنين]

ثمّ خرج صلى الله عليه وسلم بجيش الفتح وألفين ممّن أسلم بعد الفتح، وكان مدّة إقامته ب (مكّة) بعد الفتح نحو ثمانية عشر يوما، وكان يقصر فيها الصّلاة.

[هزيمة المسلمين، وثبات النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه]

فلمّا انتهى إلى (حنين) وهو واد بين (مكّة والطّائف) ، في غلس الصّبح، وجد المشركين قد سبقوه إليه، وكمنوا في شعابه، فلمّا توسّط المسلمون في الوادي، / شدّ المشركون عليهم شدّة رجل واحد، فانشمر «2» المسلمون راجعين، لا يلوي منهم أحد على أحد، وكان سبب الهزيمة مسلمي الفتح.

وثبت النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وثبت معه جماعة من أهل بيته، منهم: عمّه العبّاس وابنه الفضل، وعليّ بن أبي طالب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، وأخوه ربيعة. ومن المهاجرين أبو بكر وعمر رضي الله عنهم.

وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، أنّ رجلا قال للبراء بن عازب رضي الله عنهما: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم (حنين) ؟، قال: لكنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرّ، ولقد رأيته على بغلته البيضاء، وابن عمّه أبو سفيان آخذ بزمامها، وهو يقول:

«أنا النّبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب» «3»

__________

(1) أخرجه أحمد في «مسنده» ، برقم (14878) . عن صفوان بن أميّة رضي الله عنه. العارية: إعارة المنافع من غير عوض.

(2) انشمر: انفضّ وانهزم.

(3) أخرجه البخاريّ، (2709- 2877) . ومسلم (1776/ 80) . قلت:

فما رئي في النّاس يومئذ أشدّ منه.

وروى ابن إسحاق عن العبّاس رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم (حنين) ، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث، فلم نفارقه.

[,

ما نزل من القرآن في يوم حنين

]

وأنزل الله في ذلك: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ

__________

وقد انتسب النّبيّ صلى الله عليه وسلم لجدّه لأنّه كان أشهر وأذكر عند العرب، أمّا أبوه فقد مات وهو شابّ.

(1) يركض بغلته: يضربها برجله الشّريفة على كبدها لتسرع.

(2) صيّتا: شديد الصّوت، عاليه.

(3) أخرجه مسلم، برقم (1775) . الوطيس: الضّراب في الحرب، ولم يسمع هذا الكلام من أحد قبل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عبّر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق.

حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، وكانوا قالوا: لن نغلب اليوم من قلّة فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ/ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ- أي: مع سعتها- ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها [سورة التّوبة 9/ 25- 26]- أي: جبريل: بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ- أي: معلّمين-.

[شماتة أهل مكّة بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه]

ولمّا انهزم المسلمون شمت بهم كثير من مسلمي الفتح «1» ، فقال أخ لصفوان بن أميّة من أمّه «2» : اليوم بطل سحر محمّد، فقال له صفوان: اسكت، فضّ الله فاك- أي: كسره الله- فو الله لأن يربّني- أي: يسودني- رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن.

[محاولة شيبة قتل النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ إسلامه]

وعن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدريّ رضي الله عنه قال:

استدبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم (حنين) لأقتله، فأطلعه الله على ما في نفسي، فالتفت إليّ، فضرب بيده على صدري، وقال: «أعيذك بالله يا شيبة» «3» .

فارتعدت فرائصي، فرفع يده، وهو أحبّ إليّ من سمعي وبصري، وقلت: أشهد أنّك رسول الله، وأنّ الله قد أطلعك على ما في نفسي.

[سريّة أوطاس]

وأمّا بعث أبي عامر الأشعريّ إلى (أوطاس) ، وكانت هوازن قد خرجت معها بأهليها وأموالها، فلمّا انهزموا انحاز منهم طائفة

__________

(1) كانوا حديثي عهد بالإسلام.

(2) وهو: كلدة بن الحنبل.

(3) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل» ، ج 5/ 145. بنحوه.

بالأهل والمال إلى ناحية (أوطاس) ، عليهم دريد بن الصّمّة، فبعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم أبا عامر الأشعريّ في جيش من المسلمين في آثارهم، فأدركوهم، فناوشوهم القتال، فاستشهد أبو عامر بعد أن قتل تسعة إخوة، فقتله عاشرهم، فأخذ الرّاية منه ابن أخيه أبو موسى الأشعريّ باستخلاف منه، ففتح الله على يديه، وقتل قاتل أبي عامر، وهزمهم، وغنم أموالهم، وكانت سباياهم من النّساء والصّبيان نحو ستّة آلاف، وأمّا الإبل والغنم فلا تحصر عددا، فأمر بها النّبيّ صلى الله عليه وسلم فحبست له ب (الجعرانة) .

وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: لمّا فرغ النّبيّ صلى الله عليه وسلم من (حنين) بعث أبا عامر على جيش إلى (أوطاس) ، فلقي دريد- أي: مصغّرا- ابن الصّمّة، فقتل/ دريد، وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرمي أبو عامر في ركبته بسهم، فأثبته في ركبته فانتهيت إليه فقلت:

يا عمّ، من رماك؟، فقال: ذاك قاتلي، فقصدت إليه، فقتلته، ثمّ قلت لأبي عامر: قد قتل الله صاحبك، فقال: فانزع هذا السّهم، وأقرىء النّبيّ صلى الله عليه وسلم عنّي السّلام، وقل له يستغفر لي، واستخلفني أبو عامر على النّاس، ثمّ مات، فرجعت، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فدعا بماء فتوضّأ، ثمّ رفع يديه حتّى رأيت بياض إبطيه، فقال: «اللهمّ اغفر لعبيد أبي عامر، اللهمّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من النّاس» ، فقلت: ولي يا رسول الله فاستغفر، فقال: «اللهمّ اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما» «1» .

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (4068) . ومسلم برقم (2498/ 165) .

[غزوة الطّائف]

وأمّا غزوة الطّائف: فإنّه صلى الله عليه وسلم توجّه إليها لقتال من شرد إليها من (حنين) ، ومرّ على طريقه بحصن مالك بن عوف النّصريّ السّابق ذكره، قائد هوازن، فهدمه، ثمّ ارتحل، فحاصر أهل (الطّائف) بضعا وعشرين ليلة من شهر شوّال، وقاتلهم قتالا شديدا، فلم يظفر بهم، بعد أن رماهم بالمنجنيق، وحرّق أعنابهم، فلمّا انصرف قيل له: ادع عليهم، فقال: «اللهمّ اهد ثقيفا وائت بهم» «1» .

فهداهم الله بدعوته، فأتوا إلى (المدينة) مسلمين، بعد أن تقدّم قبلهم مالك بن عوف فأسلم، ثمّ رجع إليهم، فدعاهم إلى الله، وأتى بهم إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم مسلمين، ومن شعر مالك بن عوف حين أسلم، [من الكامل] «2» :

ما إن «3» رأيت ولا سمعت بمثله ... في النّاس كلّهم كمثل محمّد

أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدي ... ومتى تشأ يخبرك عمّا في غد

وإذا الكتيبة عرّدت أنيابها ... بالسّمهريّ وضرب كلّ مهنّد «4»

فكأنّه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر في مرصد «5»

[,

يوم حنين

]

وأخذ يوم (بدر) ويوم (حنين) قبضة من تراب، ورمى بها في وجوه الكفّار، فما بقي منهم أحد إلّا ودخل في عينه منها القذى، وانهزموا «2» .

[خالد وشعرة النّبيّ صلى الله عليه وسلم]

وكانت شعرات من شعره صلى الله عليه وسلم في قلنسوة خالد بن الوليد رضي الله عنه، فلم يشهد بها قتالا إلّا رزق النّصر، فسقطت منه في بعض المعارك، فشدّ عليها شدّة وقع بسببها مقتلة عظيمة من الفريقين، فعوتب في ذلك، فقال/: خفت أن يفوتني النّصر، وأن تقع في أيدي الكفّار، وفيها جزء من أجزاء رسول الله صلى الله عليه وسلم «3» .

ولا يخفى أنّ هذا النّوع أكثر من أن يحصر.

وأمّا النّوع التّاسع: [ما اطّلع عليه صلى الله عليه وسلم من الغيوب وما سيكون]

وهو ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من المغيّبات، ممّا كان، وممّا هو آت، فمن ذلك ما هو في كتاب الله تعالى، أو سنّته صلى الله عليه وسلم.

أمّا ما أخبر به من المغيّبات في كتاب الله تعالى، وهو من جملة وجوه الإعجاز.

__________

(1) أخرجه أحمد، برقم (13799) . عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه. الكدية: الأرض الغليظة أو الصّلبة الّتي لا تعمل فيها الفأس، أو الحجر الكبير القاسي.

(2) أخرجه أحمد، برقم (3475) . عن ابن عبّاس رضي الله عنهما.

(3) الشّفا، ج 1/ 637. القلنسوة: لباس للرأس مختلف الأنواع والأشكال.

[فمن] ذلك: إخباره بعجز الإنس والجنّ عن: يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [سورة الإسراء 17/ 88] ، ثمّ إخبارهم بأنّهم لن يفعلوا، بقوله [تعالى] : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [سورة البقرة 2/ 24] .

وإخباره: أنّه محفوظ من التّبديل والتّحريف، بقوله [تعالى] :

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [سورة الحجر 15/ 9] ، مع كثرة الملاحدة وأعداء الدّين، فلم يقدر أحد على تشكيك المسلمين بحمد الله تعالى في حرف واحد من حروفه، بخلاف التّوراة والإنجيل وغيرهما، لأنّ الله تعالى تولّى حفظ القرآن بنفسه، ووكل حفظ غيره من كتبه إلى أهلها، بقوله [تعالى] :

بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ [سورة المائدة 5/ 44] ، بل:

كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة 2/ 75] .

ومن ذلك: وقوع ما وعده الله فيه؛ من قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [سورة المائدة 5/ 67] .

وقوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [سورة الأنفال 8/ 7] .

وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [سورة التوبة 9/ 33] .

وقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [سورة النّور 24/ 55] .

وقوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ [سورة الفتح 48/ 27] .

وقوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [سورة القمر 54/ 45] .

وقوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ/ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً [سورة النّصر 110/ 1- 2] .

فوقع جميع ذلك، ونصر الله عبده، وصدق وعده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده.

هذا مع ما كشف فيه من أسرار المنافقين وإضمار المعاندين؛ كقوله تعالى: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ [سورة آل عمران 3/ 154] .

وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ [سورة المجادلة 58/ 8] .

وقوله تعالى: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ [سورة التّوبة 9/ 94] .

وأمّا ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من المغيّبات في سنّته:

فمن ذلك: ما هو في «الصّحيحين» ، أو في أحدهما، أو في غيرهما، صحيحا وحسنا.

[


تحميل : ما نزل من القرآن في يوم حنين من كتاب حدائق الانوار في السيرة

كلمات دليلية: