فصل في فضل الجهاد من كتاب حدائق الانوار في السيرة

فصل في فضل الجهاد من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

الإذن بالقتال وفرض الجهاد

]

وفي أوّل السّنة الثّانية من الهجرة: أذن الله في الجهاد، بقوله تعالى في حقّ المهاجرين: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [سورة الحج 22/ 39- 40] .

وبقوله تعالى في حقّ الأنصار: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، إلى آخر السّورة.

[سورة الصّف 61/ 10- 11] .

ثمّ أوجب الله/ ذلك على نبيّه صلى الله عليه وسلّم بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الآية «1» [سورة التّوبة 9/ 73] .

__________

(1) قلت: قال أبو شهبة- رحمه الله- ومن الأكاذيب الّتي يردّدها أعداء الإسلام والمسلمين أنّ الإسلام قام على السّيف، وأنّه لم يدخل فيه معتنقوه بطريقة الطّواعية والاختيار، وإنّما دخلوا فيه بالقهر والإكراه، وقد اتّخذوا من تشريع الجهاد وسيلة لهذا التّجنّي الكاذب الآثم، وشتّان ما بين تشريع الجهاد وإكراه النّاس على الإسلام. وهذه الدّعوى الباطلة الظّالمة كثيرا ما يردّدها المبشّرون والمستشرقون، وإنّما الجهاد كان لحكم سامية وأغراض شريفة. (السّيرة النّبويّة، ج 2/ 90- 102) . وإني أنصح القارىء بالعودة إلى كتاب أبي شهبة حيث أفاض في الرّدّ على هذه الفرية الكبرى.

فائدة [: في أي وقت يكون الجهاد فرض عين أو فرض كفاية]

قال العلماء: كان الجهاد في زمنه صلى الله عليه وسلّم فرضا على الكفاية، إلّا أنّ التّخلّف عنه مشروط بإذنه صلى الله عليه وسلّم، وقيل: فرض عين.

وأمّا بعده فغزونا الكفّار إلى بلادهم فرض كفاية، ودفعنا لمن دخل بلادنا منهم فرض عين، وقد أمر الله به وأوعد على تركه بقوله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا الآية [سورة التّوبة 9/ 41] ، وبقوله:

إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً الآية [سورة التّوبة 9/ 39] .

وعذر أولي الضّرر بقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ الآية [سورة النّور 24/ 61] ، وبقوله: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ الآية [سورة النّساء 4/ 95] .

فائدة اخرى [: في المكّيّ والمدنيّ من سور القرآن العظيم]

قال العلماء: سورة الحج وسورة الصّف من أوائل السّور المدنيّات، ومعظم القرآن مكيّ، نزل قبل الهجرة، والمدنيّ الّذي نزل بعدها، وهو نحو ثلاثين سورة؛ وهي: البقرة، وآل عمران، والنّساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والحجّ، والنّور، والأحزاب، وسورة محمّد، والفتح، والحجرات، والحديد إلى الملك، وهي عشر متواليات، والمطفّفين- قيل: وهي أوّل سورة مدنيّة- ولم يكن، والنّصر، والمعوذتان.

فهذه سبع وعشرون. واختلف العلماء في الرّعد، وهل أتى على الإنسان، والكوثر. والرّاجح أنّها مكيّة. والله أعلم.

[,

الإذن بالقتال وفرض الجهاد

]

وفي أوّل السّنة الثّانية من الهجرة: أذن الله في الجهاد، بقوله تعالى في حقّ المهاجرين: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [سورة الحج 22/ 39- 40] .

وبقوله تعالى في حقّ الأنصار: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، إلى آخر السّورة.

[سورة الصّف 61/ 10- 11] .

ثمّ أوجب الله/ ذلك على نبيّه صلى الله عليه وسلّم بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الآية «1» [سورة التّوبة 9/ 73] .

__________

(1) قلت: قال أبو شهبة- رحمه الله- ومن الأكاذيب الّتي يردّدها أعداء الإسلام والمسلمين أنّ الإسلام قام على السّيف، وأنّه لم يدخل فيه معتنقوه بطريقة الطّواعية والاختيار، وإنّما دخلوا فيه بالقهر والإكراه، وقد اتّخذوا من تشريع الجهاد وسيلة لهذا التّجنّي الكاذب الآثم، وشتّان ما بين تشريع الجهاد وإكراه النّاس على الإسلام. وهذه الدّعوى الباطلة الظّالمة كثيرا ما يردّدها المبشّرون والمستشرقون، وإنّما الجهاد كان لحكم سامية وأغراض شريفة. (السّيرة النّبويّة، ج 2/ 90- 102) . وإني أنصح القارىء بالعودة إلى كتاب أبي شهبة حيث أفاض في الرّدّ على هذه الفرية الكبرى.

فائدة [: في أي وقت يكون الجهاد فرض عين أو فرض كفاية]

قال العلماء: كان الجهاد في زمنه صلى الله عليه وسلّم فرضا على الكفاية، إلّا أنّ التّخلّف عنه مشروط بإذنه صلى الله عليه وسلّم، وقيل: فرض عين.

وأمّا بعده فغزونا الكفّار إلى بلادهم فرض كفاية، ودفعنا لمن دخل بلادنا منهم فرض عين، وقد أمر الله به وأوعد على تركه بقوله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا الآية [سورة التّوبة 9/ 41] ، وبقوله:

إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً الآية [سورة التّوبة 9/ 39] .

وعذر أولي الضّرر بقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ الآية [سورة النّور 24/ 61] ، وبقوله: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ الآية [سورة النّساء 4/ 95] .

فائدة اخرى [: في المكّيّ والمدنيّ من سور القرآن العظيم]

قال العلماء: سورة الحج وسورة الصّف من أوائل السّور المدنيّات، ومعظم القرآن مكيّ، نزل قبل الهجرة، والمدنيّ الّذي نزل بعدها، وهو نحو ثلاثين سورة؛ وهي: البقرة، وآل عمران، والنّساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والحجّ، والنّور، والأحزاب، وسورة محمّد، والفتح، والحجرات، والحديد إلى الملك، وهي عشر متواليات، والمطفّفين- قيل: وهي أوّل سورة مدنيّة- ولم يكن، والنّصر، والمعوذتان.

فهذه سبع وعشرون. واختلف العلماء في الرّعد، وهل أتى على الإنسان، والكوثر. والرّاجح أنّها مكيّة. والله أعلم.

[,

فصل في فضل الجهاد

اعلم أنّ الأحاديث الواردة في فضل الجهاد والمجاهدين في سبيل الله كثيرة مشهورة، ولكنّا نورد بعضا يشير إلى غيره.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول صلى الله عليه وسلم: أيّ العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله» ، فقيل: ثمّ ماذا؟

قال: «الجهاد في سبيل الله» ، قيل: ثمّ ماذا؟ قال: «حجّ مبرور» . متّفق عليه «1» .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله: أيّ العمل أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: «الجهاد/ في سبيل الله» . متّفق عليه «2» .

قلت: وأجاب العلماء في الجمع بين الحديثين بأنّ اختلاف الجواب بحسب حال السّائل.

وعن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدّنيا وما فيها» . متّفق عليه «3» .

وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: أتى رجل

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (26) ، ومسلم برقم (83/ 135) .

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (504) . ومسلم برقم (85/ 139) .

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (2639) . ومسلم برقم (1880/ 112) . الغدوة: الخروج أوّل النّهار. الرّوحة: الخروج آخر النّهار.

رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيّ النّاس أفضل؟ قال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله» ، قال: ثمّ من؟ قال: «مؤمن في شعب من الشّعاب يعبد الله ربّه، ويدع النّاس من شرّه» . متّفق عليه «1» .

وعن سهل بن سعد السّاعديّ رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدّنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنّة خير من الدّنيا وما عليها» . متّفق عليه «2» .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«والّذي نفس محمّد بيده، ما من كلم- أي: جراحة- يكلم في سبيل الله إلّا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك، والّذي نفس محمّد بيده، لولا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشقّ عليهم أن يتخلّفوا عنّي، والّذي نفس محمّد بيده، لوددت أنّي أغزو في سبيل الله فأقتل، ثمّ أغزو فأقتل، ثمّ أغزو فأقتل» . متّفق عليه «3» .

وعن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه أنّ رجلا قال: يا رسول الله: دلّني على عمل يعدل الجهاد، قال: «لا أجده» ، ثمّ قال:

«هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (2634) . ومسلم برقم (1888/ 122) . واللّفظ لمسلم.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (2735) . ومسلم برقم (1881/ 131) . الرّباط: ملازمة الثّغور.

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (5213) ، بنحوه. ومسلم برقم (1876/ 103) . خلاف سريّة: خلف وبعد. لا يجدون سعة: لا يجدون ما يحملون عليه من دواب.

ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟» ، قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال:

«فذلك مثل المجاهد في سبيل الله» . متّفق عليه، وهذا لفظ البخاريّ «1» .

وعن زيد/ بن خالد الجهنيّ رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من جهّز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا» . متّفق عليه «2» .

وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجل مقنّع بالحديد- أي: مغطّي رأسه به- فقال: يا رسول الله أقاتل ثمّ أسلم؟

فقال: «أسلم ثمّ قاتل» ، فأسلم ثمّ قاتل فقتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«عمل قليلا وأجر كثيرا» . متّفق عليه، وهذا لفظ البخاريّ «3» .

وعن أنس رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إلى الدّنيا، وله ما على الأرض من شيء، إلّا الشّهيد؛ فإنّه يتمنّى أن يرجع إلى الدّنيا، فيقتل عشر مرّات، لما يرى من الكرامة وفضل الشّهادة» . متّفق عليه «4» .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ في الجنّة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدّرجتين كما بين السّماء والأرض» . رواه البخاريّ «5» .

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (2633) .

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (2688) . ومسلم برقم (1895/ 135) . خلف: ترك نائبا عنه في قضاء حوائج أهله.

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (2653) . ومسلم برقم (1900/ 144) .

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (2662) . ومسلم برقم (1877/ 109) .

(5) أخرجه البخاريّ، برقم (2637) .

وعن أبي عبس عبد الرّحمن بن جبر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما اغبرّت قدما عبد في سبيل الله فتمسّه النّار» .

رواه البخاريّ «1» .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من احتبس فرسا في سبيل الله، إيمانا بالله، وتصديقا بوعده، فإنّ شبعه وريّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» . رواه البخاريّ «2» .

وعن أنس رضي الله عنه أنّ أمّ الرّبيّع بنت البراء- وهي: أمّ حارثة- وكان قتل يوم (أحد) «3» ، قالت يا رسول الله: ألا تحدّثني عن حارثة؟ فقال: «يا أمّ حارثة: إنّها جنان في الجنّة، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى» . رواه البخاريّ «4» .

وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«رأيت اللّيلة رجلين أتياني.. فصعدا بي الشّجرة/.. فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل.. لم أر قطّ أحسن منها.. قالا لي: أمّا هذه الدّار فدار الشّهداء» . رواه البخاريّ في حديث طويل «5» .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أرواح الشّهداء في جوف طير خضر، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنّة حيث شاءت، ثمّ تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (2656) .

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (2698) .

(3) قلت: المعروف أنّ حارثه بن سراقة قتل يوم بدر وهذا ما صرّح به البخاريّ. والله أعلم.

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (2654) .

(5) أخرجه البخاريّ، برقم (1320) .

إليهم ربّهم اطّلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أيّ شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنّة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرّات، يقول: هل تشتهون شيئا؟ فلمّا رأوا أنّهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا ربّ، نشتهي أن تردّ أرواحنا في أجسادنا، وتعيدنا إلى الدّنيا حتّى نقتل في سبيلك مرّة أخرى. قال: إنّه قد سبق أنّهم إليها لا يرجعون، قالوا: فأبلغ عنّا إخواننا، فأنزل الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ الآيات [سورة آل عمران 3/ 169] . رواه مسلم «1» .

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الله الشّهادة بصدق بلّغه الله منازل الشّهداء، وإن مات على فراشه» . رواه مسلم «2» .

وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رضي بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد رسولا؛ وجبت له الجنّة» ، ثمّ قال: «وأخرى يرفع الله العبد بها مئة درجة، بين كلّ درجتين كما بين السّماء والأرض» ، [قال:

وما هي يا رسول الله؟ قال] : «الجهاد في سبيل الله» . رواه مسلم «3» .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يجتمع كافر وقاتله في النّار أبدا» . رواه مسلم «4» .

__________

(1) أخرجه مسلم، برقم (1887/ 121) .

(2) أخرجه مسلم، برقم (1909/ 157) .

(3) أخرجه مسلم، برقم (1884/ 116) .

(4) أخرجه مسلم، برقم (1891/ 130) .

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم/ (بدر) : «قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض» . رواه مسلم «1» .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته ستّين عاما، ألا تحبّون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنّة؟ اغزوا في سبيل الله، فمن قاتل في سبيل الله فواق ناقة- أي: قدر ما بين حلبتيها- وجبت له الجنّة» . رواه الإمام أحمد والتّرمذيّ، وقال: حديث حسن.

والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم «2» .

وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مقام الرّجل في الصّفّ في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرّجل ستّين سنة» . رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاريّ «3» .

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقف العباد للحساب جاء قوم واضعو سيوفهم على رقابهم تقطر دما، فازدحموا على باب الجنّة، والنّاس في الموقف، فيقال: من هؤلاء؟ قيل: الشّهداء، كانوا أحياء مرزوقين» . رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن «4» .

__________

(1) أخرجه مسلم، برقم (1901/ 145) .

(2) أخرجه أحمد في «مسنده» ، برقم (10407) . والتّرمذيّ برقم (1650) .

(3) أخرجه الحاكم في «المستدرك» ، ج 2/ 68.

(4) أخرجه الهيثميّ في «مجمع الزّوائد» ، ج 10/ 411.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما يجد الشّهيد من مسّ القتل إلّا كما يجد أحدكم من قرصة النّملة» . رواه النّسائيّ، وابن ماجه، والتّرمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح، وابن حبّان في «صحيحه» «1» .

وعن أبي الدّرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«يشفّع الشّهيد في سبعين من أهل بيته» . رواه أبو داود، وابن حبّان في «صحيحه» «2» .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«يعجب ربّنا جلّ وعلا من رجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه فعلم ما عليه، فرجع/ حتّى أريق دمه، فيقول الله تبارك وتعالى لملائكته: انظروا إلى عبدي هذا رجع رغبة فيما عندي، وشفقة ممّا عندي» رواه الإمام أحمد، وابن حبّان في «صحيحه» «3» .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله عزّ وجلّ ليدعو الجنة يوم القيامة، فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول سبحانه: أين عبادي الّذين قاتلوا في سبيلي وجاهدوا؟ ادخلوا الجنّة، فيدخلونها بغير حساب، فتأتي الملائكة فيقولون: ربّنا، نحن نسبّح بحمدك اللّيل والنّهار، ونقدّس لك، من هؤلاء الّذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرّبّ جلّ وعلا: هؤلاء عبادي الّذين قاتلوا في سبيلي، وقتلوا وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا،

__________

(1) أخرجه التّرمذيّ، برقم (1668) . وابن ماجه برقم (2802) .

(2) أخرجه أبو داود، برقم (2522) .

(3) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» ، برقم (3939) . وأبو داود برقم (2536) .

فتدخل عليهم الملائكة من كلّ باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدّار» . رواه الأصبهانيّ بإسناد حسن «1» .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«قال الله تعالى: المجاهد في سبيلي هو ضامن عليّ، إن قبضته أورثته الجنّة، وإن رجعته رجعته بأجر أو غنيمة» . رواه التّرمذيّ، وقال: حديث صحيح «2» .

وعن عبادة بن الصّامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا في سبيل الله، فإنّ الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنّة، وينجّي الله به من الهمّ والغمّ» . رواه الإمام أحمد برواة ثقات، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد «3» .

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من جرح جرحا في سبيل الله، أو نكب نكبة- أي: طعن- فإنّها تأتي يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزّعفران، وريحها ريح المسك» . رواه أصحاب السّنن الأربعة: أبو داود، والنّسائيّ، وابن ماجه، والتّرمذيّ، وقال: حديث/ حسن صحيح «4» .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البرّ، ومن أجاز البحر فكأنّما أجاز الأودية كلّها، والمائد في البحر- وهو

__________

(1) ذكره السّيوطيّ في «الدّر المنثور» ، ج 2/ 112.

(2) أخرجه التّرمذيّ، برقم (1620) .

(3) أخرجه أحمد في «مسنده» ، برقم (22172) .

(4) أخرجه التّرمذيّ، برقم (1657) . والنّسائيّ برقم (3141) . وأبو داود برقم (2541) .

الّذي يدور رأسه- كالمتشحّط في دمه» . رواه الحاكم، وقال:

صحيح على شرط البخاريّ «1» .

وعن أمّ حرام رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«المائد في البحر- الّذي يصيبه القيء- له أجر شهيد، والغريق له أجر شهيدين» . رواه أبو داود بإسناد حسن «2» .

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رمى بسهم في سبيل الله أخطأ أو أصاب، كان له كعتق رقبة من ولد إسماعيل» . رواه الطّبرانيّ برواة ثقات «3» .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر ب (مكّة) عند (الحجر الأسود) » . رواه البيهقيّ، وابن حبّان في «صحيحه» «4» .

فائدة [: في فضل من وقف في سبيل الله ساعة]

قال العلماء: فيكون موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام مئة ألف ألف شهر، لأنّ قيام ليلة القدر ب (مكّة) بمئة ألف ألف شهر في غيرها.

__________

(1) أخرجه البيهقيّ في «الشّعب» ، برقم (4221) . المتشحّط في دمه: المضرّج بالدّم، المضطرب فيه.

(2) أخرجه أبو داود، برقم (2493) . المائد: الّذي يصيبه دوار البحر.

(3) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد» ، ج 5/ 270. عن أبي أمامة رضي الله عنه.

(4) أخرجه البيهقيّ في «الشّعب» ، برقم (4286) . وابن حبّان برقم (4603) .

وعن أبي الدّرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«رباط شهر خير من صيام دهر، ومن مات مرابطا في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر، وغدي عليه برزقه، وريح من الجنّة، وأجري عليه أجر المرابط، حتّى يبعثه الله عزّ وجلّ» . رواه الطّبرانيّ برواة ثقات «1» .

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رابط ليلة حارسا من وراء المسلمين، كان له أجر من كان خلفه ممّن صام وصلّى» . رواه الطّبرانيّ بإسناد جيّد «2» .

فائدة [: في جزاء المرابطين في سبيل الله]

قال العلماء: وهذا الحديث دليل على أنّ الله يكتب للوالي مثل أعمال من عبد الله آمنا في محلّ ولايته بحمايته له، وما أجزل هذا الفضل/ العظيم.

وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«عينان لا تمسّهما النّار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» . رواه التّرمذيّ، وقال: حديث حسن «3» .

وعن أبي بكر الصّديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما ترك قوم الجهاد إلّا عمّهم الله بالعذاب» . رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن «4» .

__________

(1) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد» ، ج 5/ 290.

(2) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد» ، ج 5/ 289.

(3) أخرجه التّرمذيّ، برقم (1639) .

(4) أورده الهيثميّ، ج 5/ 284.

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يغز في سبيل الله، أو يجهّز غازيا في سبيل الله، أو يخلف غازيا في سبيل الله في أهله بخير، أصابه الله تعالى بقارعة، قبل يوم القيامة» . رواه أبو داود بإسناد حسن «1» .

وعن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» . رواه أبو داود بإسناد صحيح «2» .

وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيّامه الّتي لقي العدوّ فيها، انتظر حتّى مالت الشّمس، ثمّ قام في النّاس خطيبا، فقال: «أيّها النّاس: لا تتمنّوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السّيوف» ، ثمّ قال: «اللهمّ منزل الكتاب، ومجري السّحاب، وهازم الأحزاب؛ اهزمهم، وانصرنا عليهم» . متّفق عليه «3» .

فهذه أربعون حديثا، عشرون منها في «الصّحيحين» . عشرة من المتّفق عليه، وخمسة من أفراد البخاريّ، وخمسة من أفراد مسلم. وعشرون حديثا من غيرهما من كتب الحديث المعتمدة، صحيحا وحسنا.

__________

(1) أخرجه أبو داود،. برقم (2503) . القارعة: المصيبة المهلكة.

(2) أخرجه أبو داود، برقم (2504) .

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (2804) . ومسلم برقم (1742/ 20) .

باب في ما اشتهر من سيرته صلى الله عليه وسلّم إلى وفاته

ولنشرع الآن في سيرته صلى الله عليه وسلم، وأصحابه المجاهدين في سبيل الله حقّ جهاده، على ترتيب سنيّ الهجرة.

[زمن وصول النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة]

قال علماء السّير: دخل النّبيّ صلى الله عليه وسلم (المدينة) الشّريفة ضحى يوم الاثنين، ثاني عشر ربيع الأوّل، وهو أوّل/ يوم من الهجرة النّبويّة «1» .

[اعتماد الهجرة بداية التّاريخ]

وفي «صحيح البخاريّ» ، عن سهل بن سعد السّاعديّ رضي الله عنه قال: ما عدّوا من مبعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته، ما عدّوا إلّا من مقدمه (المدينة) «2» .

[عمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة، ومدّة إقامته بمكّة والمدينة]

وفيه أيضا-[أي: صحيح البخاريّ]- عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، فمكث ب (مكّة) ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثمّ أمر بالهجرة، فهاجر إلى (المدينة) ، فمكث بها عشر سنين، ثمّ توفّي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة «3» .

__________

(1) ذكر هنا عن ابن هشام: (أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قدم (المدينة) يوم الاثنين، فلعلّه يقصد بها مشارف (المدينة) . قلت: والّذي ترجّح أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل إلى (قباء) يوم الاثنين، ووصل إلى (المدينة) يوم الجمعة، وقد ذكر ابن هشام في موضع آخر من «سيرته» ، ج 1/ 493: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وصل إلى (قباء) يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (3719) .

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (3638) .

[سكنى النّبيّ صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه]

وفي «الصّحيحين» ، عن عائشة رضي الله عنها أنّه لمّا قدم (المدينة) صلى الله عليه وسلم أقام ب (قباء) عند بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة، وبنى بها مسجد (قباء) ، وهو المسجد الّذي أسّس على التّقوى من أوّل يوم، وأوّل مسجد بني في الإسلام، ثمّ ارتحل من (قباء) يوم الاثنين أيضا، راكبا راحلته، وقد أرخى لها الزّمام، وكان كلّما حاذى دارا من دور الأنصار اعترضوه، وقالوا: هلمّ يا رسول الله إلى القوّة والمنعة، ولزموا بزمام ناقته، فيقول لهم:

«خلّوا سبيلها، فإنّها مأمورة» ، وقد أرخى لها زمامها، وما يحرّكها، وهي تنظر يمينا وشمالا، والناس كنفيها- يعني:

جانبيها- حتّى بركت حيث بركت، على موضع باب مسجده صلى الله عليه وسلم، ثمّ ثارت وهو عليها «1» ، فسارت حتّى بركت على باب أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه، وهو أحد بني النّجّار، ثمّ ثارت وبركت في مبركها الأوّل، وألقت جرانها «2» بالأرض، وأرزمت «3» ، فنزل صلى الله عليه وسلم عنها، وقال: «هذا هو المنزل إن شاء الله تعالى» «4» .

فاحتمل أبو أيّوب الأنصاريّ رحله، وأدخله بيته، فنزل في أخوال جدّه عبد المطّلب بني النّجّار، وكان يحبّ ذلك، فاختار الله له ما كان يختاره، ولم يزل صلى الله عليه وسلم في منزل أبي أيّوب حتّى بنى مسجده ومساكنه، وكانت إقامته عنده شهرا.

قلت: كذا/ في «الصّحيحين» .

__________

(1) ثارت: وثبت من مبركها وتحوّلت عنه. (أنصاريّ) .

(2) الجران: باطن العنق.

(3) أرزمت: صوّتت.

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (3694) .

[


تحميل : فصل في فضل الجهاد من كتاب حدائق الانوار في السيرة

كلمات دليلية: