التقاء الفريقين وهزيمتهم من كتاب حدائق الانوار في السيرة

التقاء الفريقين وهزيمتهم من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

التقاء الفريقين وهزيمتهم

]

فخرج إليهم فلقيهم ب (المريسيع) - وهو ماء لهم من ناحية (قديد) - مصغّرا- أيضا. وهو- أي: قديد- مكان بين (خليص ورابغ) ، بين (مكّة والمدينة) . وخليص على ثلاث مراحل من (مكّة) ، فهزمهم الله، وقتل من قتل منهم، وسبى أولادهم ونساءهم، وغنم أموالهم، واصطفى من سبيهم لنفسه جويرية بنت الحارث المصطلقيّة، أمّ المؤمنين رضي الله عنها.

ولمّا قفل صلى الله عليه وسلم اتّفق في قفوله [حدثان] . أحدهما: نزول سورة المنافقين، وثانيهما: حديث الإفك.

[,

سبب نزول سورة المنافقين

]

أمّا نزول سورة المنافقين: فذلك أنّه ازدحم مهاجريّ وأنصاريّ «1» على الماء، فتداعى الفريقان، فتكاثر المهاجرون على

__________

(1) وهما: جهجاه بن مسعود، وسنان بن وبر الجهنيّ. وقد ذكر هنا أنّ غزوة بني المصطلق من أحداث السّنة الرابعة، وقد اختلف فيها اختلافا يسيرا؛ فذكر ابن إسحاق ج 3/ 333: أنّ- غزوة بني المصطلق- وقعت في شعبان سنة ستّ، وذكر البيهقيّ في «دلائل النّبوّة» ، ج 4/ 45: أنّها وقعت في شعبان سنة خمس؛ وقال: هذا أصحّ ممّا روي عن ابن إسحاق أنّ ذلك كان سنة ستّ. وروي أنّ الواقديّ قال: إنّها كانت سنة خمس. والخبر في «طبقات ابن سعد» ، ج 2/ 63- ج 8/ 217. و «تاريخ الطّبري» ، ج 2/ 594. و «عيون الأثر» ، ج 2/ 91. ورجّح الحافظ ابن حجر أنّها كانت سنة خمس في «الفتح» ، ج 7/ 430 قال: قال الحاكم في «الإكليل» : قول عروة وغيره أنّها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق. قلت: ويؤيّده ما ثبت في حديث الإفك أنّ سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، فلو كانت المريسيع في شعبان سنة ستّ مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصّحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا، لأنّ سعدا مات أيّام قريظة، وكانت سنة خمس على

الأنصار، فغلبوهم.

[مقالة عبد الله بن أبيّ بن سلول]

فجعل عبد الله بن أبيّ ابن سلول يؤنّب أصحابه- أي: يوبّخهم- ويقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضّوا عنه- أي: لو تركتم الإنفاق على من عنده من المهاجرين لانفضّوا عنه، وتركوه وحيدا محتاجا إليكم- ولكن والله لئن رجعنا إلى (المدينة) ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، إمّا تركوها لنا وإمّا تركناها لهم، في كلام كثير.

[زيد بن أرقم رضي الله عنه يخبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بما سمع، وتصديق الوحي له]

وكان زيد بن أرقم رضي الله عنه حاضرا عنده، فشقّ عليه ذلك، فحمل كلامه إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فشكاه النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى قومه، فعاتبوه على ذلك، فأنكره وكذّب زيد بن أرقم، وجاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فحلف بالله إنّه ما قال شيئا من ذلك، وإنّه يشهد أنّك لرسول الله حقّا، فقبل منه علانيته ووكل سريرته إلى الله تعالى؛ فحزن لذلك زيد بن أرقم حزنا شديدا، وقال له قومه: ما أردت إلّا/ أن كذّبك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذّبك النّاس.

فلمّا ارتحل صلى الله عليه وسلم من ذلك المنزل أردف زيد بن أرقم خلفه، وكان يومئذ فتى، فنزل جبريل الأمين بسورة (المنافقون) فقال

__________

الصّحيح، وإن كانت كما قيل سنة أربع فهي أشدّ. فيظهر أنّ المريسيع كانت سنة خمس في شعبان، لتكون قد وقعت قبل الخندق، لأنّ الخندق كانت في شوّال من سنة خمس أيضا فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجودا في المريسيع، ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق ومات من جراحته في قريظة. ويؤيّده أيضا أنّ حديث الإفك كان سنة خمس إذ الحديث فيه التّصريح بأنّ القصّة وقعت بعد نزول الحجاب، والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة، فيكون المريسيع بعد ذلك، فيرجّح أنّها سنة خمس. والله أعلم. (انظر الجامع في السّيرة النّبويّة، ج 2/ 625) .

النّبيّ صلى الله عليه وسلم لزيد بن أرقم: «أبشر، فقد صدّقك الله» «1» .

وتلاها النّبيّ صلى الله عليه وسلم على النّاس: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ.

اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً- أي: وقاية في الظّاهر بين كفرهم الباطن وبين النّاس- الآيات [سورة المنافقون 63/ 1- 2] .

[صور من مواقف عبد الله بن أبيّ بن سلول]

وكان عبد الله بن أبيّ يقوم في كلّ جمعة إذا قام النّبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: يا معشر المسلمين، هذا رسول الله بين أظهركم، فانصروه، فلمّا انصرف يوم (أحد) بثلث النّاس وخذل المؤمنين، فقتل منهم من قتل، أراد أن يقوم مقامه ذلك، فأقعده النّاس، وقالوا: أسكت يا عدوّ الله، فانصرف من المسجد في حال الخطبة مغاضبا، فقيل له: ارجع يستغفر لك رسول الله، فلوى رأسه وقال: لا حاجة بي إلى استغفاره، فعدّد الله في هذه السّورة قبائحه بقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ. سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ. يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [سورة المنافقون 63/ 5- 8] .

[موقف ابن عبد الله بن أبيّ بن سلول رضي الله عنه، من أبيه]

وكان لعبد الله بن أبيّ ابن/ يسمّى عبد الله أيضا ابن عبد الله بن أبيّ، وكان مؤمنا صادقا، حسن الإيمان، فلمّا أراد أبوه أن يدخل (المدينة) ، وكان قد تخلّف قليلا عن النّاس، ردّه، وقال: والله

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (4617) .

يا عدوّ الله، لا تدخلها إلّا بإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتّى تعلم أنّه الأعزّ وأنت الأذلّ، ولئن أمرني رسول الله لأضربنّ عنقك.

فأرسل إليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن خلّ عنه، فخلّى عنه، وأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إن شئت أن آتيك برأسه فمرني بذلك؟ فقال:

«بل نعاشره معاشرة حسنة حتى يموت أو نموت، لئلا يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه» «1» .

فعامله صلى الله عليه وسلم بالإحسان مدّة حياته، وكفّنه في قميصه بعد وفاته، واستغفر له قبل أن ينهى عنه، وقام على قبره وأراد أن يصلّي عليه، فنهي بنزول قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ [سورة التّوبة 9/ 84] .

[حديث الإفك]

وأمّا ,

غزوة بني المصطلق

/ من خزاعة ب (المريسيع) - مصغّرا بمهملات-.

[


ملف pdf

كلمات دليلية: