وفاة آمنة من كتاب حدائق الانوار في السيرة

وفاة آمنة من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

وفاة آمنة

]

وفي السّنة السّادسة من مولده صلى الله عليه وسلم خرجت به أمّه إلى (المدينة) لتزيره أخوال جدّه عبد المطّلب، وهم بنو عديّ بن النّجّار من الخزرج، وأقامت به شهرا.

وروي عنه أنّه صلى الله عليه وسلم قال: «أحسنت السّباحة في بئر بني عديّ بن النّجّار من يومئذ» «3» .

وكان يهود (المدينة) يومئذ يختلفون إليه «4» ، ويتعرّفون فيه علامات النّبوّة.

ثمّ رجعت به، فماتت ب (الأبواء) «5» - بالموحّدة- وهو مكان بين (مكّة والمدينة) .

[أمّ أيمن تحتضن النّبيّ صلى الله عليه وسلم]

وبقي ب (الأبواء) حتّى انتهى الخبر إلى (مكّة) ، فجاءته حاضنته أمّ أيمن «6» - مولاة أبيه عبد الله بن عبد المطّلب وأمّ أسامة بن زيد- فاحتملته.

__________

(1) الظئر: العاطفة على ولد غيرها، المرضعة له.

(2) ابن هشام، ج 1/ 165.

(3) ابن سعد، ج 1/ 116.

(4) أي: يأتون واحدا بعد آخر ينظرون إليه.

(5) يقال: إنّها ماتت في حدود العشرين عاما تقريبا. (شرح المواهب اللّدنيّة، ج 1/ 166) .

(6) واسمها: بركة الحبشيّة.

والصّحيح أنّ أباه عبد الله مات وهو حمل «1» .

وأمّا أمّه: فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة [بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر] ، وكانت سيّدة قومها بني زهرة، وكان أبوها سيّدهم ولم يلدا- أعني أبويه- غيره صلى الله عليه وسلم.

فائدة عظيمة ما يتعلّق بأبويه صلى الله عليه وسلم

قال القرطبيّ في «تذكرته» «2» : خرّج الحافظ أبو بكر الخطيب في كتابه «السّابق واللّاحق» والحافظ أبو حفص/ عمر بن شاهين في كتابه «النّاسخ والمنسوخ» أنّه صلى الله عليه وسلم قال في حجّة الوداع: «ذهبت لقبر أمّي، فسألت الله أن يحييها لي، فأحياها، فامنت بي» «3» .

[في إحياء والدي النّبيّ صلى الله عليه وسلم له]

وكذا ذكره السّهيلي في «الرّوض الأنف» : أنّ من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنّ الله تعالى أحيا له أبويه فامنا به [4] .

__________

(1) قلت: ذهب ابن إسحاق إلى أنّ عبد الله توفّي والنّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يزال حملا في بطن أمّه، وقد تابعه عليه ابن هشام، وهو الرأي المشهور بين كتّاب السّير والمؤرخين، وكان عمر عبد الله حينذاك ثماني عشرة سنة، وقد صحّحه الحافظ العلائي، وابن حجر. ويرى بعض العلماء أنّ والد النّبيّ توفّي بعد ميلاده وهو لا يزال في المهد، قيل: ابن شهرين، وقيل: أكثر من ذلك. والأوّل هو الرّاجح، وإن قال السهيلي: إنّ الرّأي الثّاني ويرى بعض العلماء أنّ والد النّبيّ توفّي بعد ميلاده وهو لا يزال في المهد، قيل: ابن شهرين، وقيل: أكثر من ذلك. والأوّل هو الرّاجح، وإن قال السهيلي: إنّ الرّأي الثّاني قول أكثر العلماء. والله أعلم. (انظر السّيرة النّبويّة، 1/ 166) .

(2) التّذكرة، ص 15.

(3) الرّوض الأنف، ج 1/ 195. قال السّهيليّ: (حديث غريب لعلّه أن

قال القرطبيّ: فهذا ناسخ لما في صحيح مسلم أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم زار قبر أمّه وقال: «استأذنت ربّي أن أزور قبرها فأذن لي، فاستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي» «1» .

__________

يصحّ، وجدته بخطّ جدّي أبي عمران أحمد بن أبي الحسن القاضي- رحمه الله- بسند فيه مجهولون، ذكر أنّه نقله من كتاب، انتسخ من كتاب معوّذ بن داود الزّاهد، يرفعه إلى ابن أبي الزناد عن عروة) . وأنكر ابن كثير في «البداية والنّهاية» ، ج 2/ 281 ما رواه السّهيلي، وقال: (حديث منكر جدّا، وإن كان ممكنا بالنّظر إلى قدرة الله تعالى، لكنّ الّذي ثبت في الصّحيح يعارضه، والله أعلم) . وقال السّيوطيّ: ذكر كثير من الحفّاظ أنّ الحديث ضعيف، تجوز روايته في الفضائل والمناقب، لا موضوع، كالخطيب وابن عساكر وابن شاهين والسّهيلي والمحبّ الطّبري والعلّامة ناصر الدّين ابن المنيّر وابن سيّد النّاس، ونقله عن بعض أهل العلم ... وقد جعل هؤلاء الأئمة هذا الحديث ناسخا للأحاديث الواردة بما يخالفه، ونصّوا على أنّه متأخّر عنها، فلا تعارض بينه وبينها. وقال في «الدرج المنيفة» : جعلوه ناسخا، ولم يبالوا بضعفه، لأنّ الحديث الضّعيف يعمل به في الفضائل والمناقب، وهذه منقبة، ولذلك جزم بعض العلماء بأنّ أبويه صلى الله عليه وسلم ناجيان وليسا في النار تمسّكا بهذا الحديث وغيره. (انظر شرح الزرقاني على المواهب اللّدنيّة، ج 1/ 168- 169) . وبصرف النّظر عمّا تقدّم فأبواه ناجيان نجاة أهل الفترة؛ وأهل الفترة ناجون إلّا من استثني، كما حقّق ذلك العلماء من الأشاعرة.

(1) أخرجه مسلم، برقم (976/ 108) . عن أبي هريرة رضي الله عنه. قلت: إنّ عدم الإذن في الاستغفار لا يلزم منه الكفر، بدليل أنّه صلى الله عليه وسلم كان ممنوعا في أوّل الإسلام من الصّلاة على من عليه دين لم يترك له وفاء، ومن الاستغفار له وهو من المسلمين، وتعليله أنّ استغفار النّبيّ صلى الله عليه وسلم مجاب على الفور، فمن استغفر له وصل عقب دعائه إلى منزله في الجنّة، والمديون محبوس عن مقامه حتّى يقضي دينه كما في الحديث،

قال القرطبيّ: فإيمانهما به بعد الرّجعة ينفعهما كرامة له صلى الله عليه وسلم، كما وقعت صلاة سليمان عليه السّلام أداء، لمّا ردّ الله عليه الشّمس بعد غروبها كرامة له، والله يختصّ برحمته من يشاء، ويكرم بكرامته من يشاء «1» .

[تنبّؤ سيف بن ذي يزن والكهّان بمبعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم]

وفي السّنة السّابعة: وفد جدّه عبد المطّلب على سيف بن ذي يزن الحميريّ، لتهنئته بأخذه (صنعاء) وبظفره ب (الحبشة) ، فأكرمه وأخبره هو والكهّان الوافدون عليه بنبوّة محمّد صلى الله عليه وسلم، وأنّه أبوه، وأنّه سيكون له شأن عظيم.

[وفاة جدّه عبد المطّلب وكفالة أبي طالب للنّبيّ صلى الله عليه وسلم]

وفي السّنة الثّامنة: توفّي جدّه عبد المطّلب، فكفله عمّه أبو طالب، واسمه: عبد مناف؛ لأنّه شقيق عبد الله، فأحسن كفالته، وتعرّف منه اليمن والبركة، ودافع عنه بعد مبعثه بيده ولسانه، وكان إذا أكل هو وأولاده فأكل معهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم شبعوا، وإذا لم يأكل معهم لم يشبعوا.

[خروج النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الشّام مع عمّه أبي طالب وقصّة الرّاهب بحيرا]

وفي السّنة الثّالثة عشرة: خرج به عمّه أبو طالب في تجارة إلى (الشّام) ، فلمّا بلغوا (بصرى) ، رآه الرّاهب بحيرا- بفتح الموحّدة وكسر المهملة ممدودا- فتحقّق فيه صفات النّبوّة، فأمر أبا طالب أن يردّه إلى (مكّة) خوفا عليه من اليهود والنّصارى، فرجع به.

وروى التّرمذيّ في «جامعه» أنّ نفرا من الرّوم أرادوا به سوآ، فمنعهم بحيرا وذكّرهم الله، وقال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه، أيقدر أحد من النّاس أن يردّه؟ فقالوا: لا، وانصرفوا «2» .

__________

فقد تكون أمّه صلى الله عليه وسلم مع كونها متحنفة كانت محبوسة في البرزخ عن الجنّة لأمور أخرى غير الكفر اقتضت أن لا يؤذن له في الاستغفار. (انظر شرح الزّرقاني على المواهب اللّدنيّة، ج 1/ 178) .

(1) التّذكرة، ص 16.

(2) أخرجه التّرمذيّ، برقم (3620) . عن أبي موسى رضي الله عنه.

[شهود النّبيّ صلى الله عليه وسلم حرب الفجار]

وفي السّنة الرّابعة عشرة/: كانت حرب الفجار- بكسر الفاء وجيم- بين قريش وهوازن، وسمّيت بذلك لوقوعها في الشّهر الحرام، وتطاولت الحرب بينهم، وكانت الدّائرة لهوازن على قريش، حتّى شهدها صلى الله عليه وسلم يوما مع قومه، فانقلبت الدّائرة لهم على هوازن.

[شهود النّبيّ صلى الله عليه وسلم حلف الفضول]

ثمّ عقدت قريش حلف الفضول لنصرة المظلوم «1» ، فشهدهم صلى الله عليه وسلم. وكان سببه أنّ رجلا قدم (مكّة) بمتاع، فابتاعه منه العاص بن وائل السّهميّ، وظلمه الثّمن، فشكاه، فلم ينصفه أحد، فأوفى على جبل أبي قبيس وأنشد بأعلى صوته، [من البسيط] «2» :

يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكّة نائي الدّار والنّفر

ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرّجال وبين الحجر والحجر

فقال الزّبير بن عبد المطّلب بن هاشم: والله لا صبر لي على هذا الأمر، فجمع بني عبد مناف وبني زهرة وبني أسد وتيما في دار عبد الله ابن جدعان التّيميّ، وقد صنع لهم ابن جدعان طعاما، فتحالفوا ليكوننّ عونا للمظلوم على الظّالم، ثمّ أتوا العاص بن وائل فانتزعوا سلعة الرّجل منه قهرا.

وفي الحديث أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «شهدت مع عمومتي في دار ابن جدعان من حلف الفضول ما لو دعيت إليه اليوم لأجبت» «3» .

[خروج النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الشّام في تجارة لخديجة رضي الله عنها]

وفي السّنة الخامسة والعشرين: خرج صلى الله عليه وسلم مع ميسرة غلام

__________

(1) قيل: إنّما سمّي حلف الفضول لأنّهم أخرجوا فضول أموالهم للأضياف. (أنصاريّ) ..

(2) ابن هشام، ج 1/ 133.

(3) أخرجه البيهقيّ في «السّنن الكبرى» ، ج 6/ 367. عن طلحة بن عبد الله بن عوف الزّهريّ رضي الله عنه.

خديجة في تجارة لها بأجرة، فربحا أضعاف ما يربح النّاس، فلمّا رجعا أضعفت له خديجة الأجرة، وشاهد منه ميسرة في تلك السّفرة أنواعا من علامات النّبوّة، منها: أنّه كان إذا اشتدّ الحرّ ظلّلته غمامة، تسير بسيره، وتقف في وقوفه.

فائدة: [في تظليل النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالغمام]

الظّاهر أنّ تظليله بالغمام كان قبل البعثة، ففي حديث الهجرة أنّ أبا بكر ظلّله بثوب. وفي قصّة غورث كنّا إذا رأينا شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

[مرور النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالرّاهب نسطور]

ومنها-[أي: من علامات النّبوّة]-: أنّهم مرّوا براهب/ يقال له نسطور- بفتح النّون- فقال لميسرة: من هذا الفتى؟ فقال: هو من أهل (مكّة) ، من أهل الحرم، فقال: أشهد أنّه نبيّ، وأنّه آخر الأنبياء.

[


ملف pdf

كلمات دليلية: