فترة الوحي وما نزل من القرآن بعد ذلك من كتاب حدائق الانوار في السيرة

فترة الوحي وما نزل من القرآن بعد ذلك من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

فترة الوحي وما نزل من القرآن بعد ذلك

]

قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف، أنّ جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أخبره أنّه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يحدّث عن فترة الوحي، قال: «ثمّ فتر الوحي عنّي فترة، فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السّماء، فرفعت بصري قبل السّماء- أي: في جهتها- فإذا الملك الّذي جاءني ب (حراء) قاعد على كرسيّ بين السّماء والأرض، فرعبت منه- أي: فزعت- حتّى هويت إلى الأرض- أي: سقطت- فجئت أهلي، فقلت:

دثّروني دثّروني، - أي: غطّوني- فدثّروني، فأنزل الله عزّ وجلّ:

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ- أي:

النّجس- فَاهْجُرْ- أي: فاترك- «1» [سورة المدّثّر 74/ 1- 5] » .

[شكوى النّبيّ صلى الله عليه وسلم ونزول الضّحى]

وفي رواية: أنّه لمّا فتر الوحي عنه، قالت قريش: قلاه ربّه.

__________

عرض عليه عمّه أبو طالب أن يكفّ عن قريش، ويبقي عليه وعلى نفسه، قال قوله المشهور: «والله يا عمّ، لو وضعوا الشّمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك دونه، ما تركته» . وليس أدلّ على ضعف هذه الزّيادة من أنّ جبريل عليه السّلام كان يقول له كلّما أشرف على ذروة جبل: (يا محمّد، إنّك رسول الله حقّا) ، وأنّه كرّر ذلك مرارا. ولو صحّ هذا لكانت مرّة واحدة تكفي في تثبيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وصرفه عمّا حدّثته به نفسه كما زعموا. وقد ذهب جلّ العلماء وكتّاب السّير المحدّثون إلى هذا، بل ذهب بعضهم إلى أنّ مجرّد سؤال ورقة إنّما هو من خديجة رضي الله عنها؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يعلم أنّه سيكون رسول الله، وأنّه أجلّ من أن يعرف نبوّته ورسالته من حبر نصرانيّ، أو ممّن قرأ كتب النّصارى.

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (4671) .

فأنزل الله تعالى: وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى إلى آخر السّورة «1» .

[حجب الشّياطين عن استراق السّمع عند مبعثه صلى الله عليه وسلم]

وفي «الصّحيحين» ، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشّياطين وبين خبر السّماء، وأرسلت عليهم الشّهب/، فرجعت الشّياطين، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السّماء، وأرسلت علينا الشّهب، فقالوا: ما حال بينكم وبين خبر السّماء إلّا أمر حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانطلق الّذين توجّهوا منهم نحو (تهامة) ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ب (نخلة) «2» ، يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن عجبوا له، وقالوا: هذا الّذي حال بينكم وبين خبر السّماء، ورجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا، إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [سورة الجنّ 72/ 1- 2] فأنزل الله تعالى على نبيّه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [سورة الجنّ 72/ 1] «3» .

[دعوة النّبيّ صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام سرّا]

ولمّا بعث صلى الله عليه وسلم أخفى أمره، وجعل يدعو أهل (مكّة) ، ومن أتى إليها سرّا، فامن به ناس من ضعفاء الرّجال والنّساء والموالي، وهم أتباع الرّسل؛ كما في حديث أبي سفيان عن هرقل، فلقوا من المشركين في ذات الله تعالى أنواع الأذى، فما ارتدّ أحد منهم عن دينه، ولا التوى، ولذلك أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: «إنّ هذا الدّين

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (4667) . عن جندب بن سفيان رضي الله عنه.

(2) موضع بالحجاز قريب من مكّة فيه نخل وكروم.

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (739) . ومسلم برقم (449/ 149) .

بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء» «1» .

نعوذ بالله من الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن.

[الجهر بالدّعوة]

وفي السّنة الرّابعة من مبعثه صلى الله عليه وسلم: نزل قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [سورة الحجر 15/ 94- 95] .

فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربّه، وأظهر الدّعوة إلى الله تعالى، فدخل النّاس في الإسلام أرسالا، حتّى فشا ذكر الإسلام ب (مكّة) ، ولكن كان المسلمون إذا أرادوا الصّلاة ذهبوا إلى الشّعاب، واستخفوا من قومهم بصلاتهم.

[موقف المشركين من النّبيّ صلى الله عليه وسلم إثر جهره بالدّعوة]

ولمّا أظهر صلى الله عليه وسلم دعوة الخلق إلى الحقّ لم يتفاحش إنكار قومه عليه، حتّى ذكر آلهتهم وسبّها، وضلّل آباءهم، وسفّه أحلامهم، فحينئذ اشتدّ ذلك عليهم، وأجمعوا له الشّرّ، فحدب «2» عليه عمّه أبو طالب، وعرّض نفسه للشّرّ دونه، مع/ بقائه على دينه.

فلمّا رأت ذلك قريش، اجتمع أشرافهم ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا له: إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه، فإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه.

[أبو طالب بين نصرته للرّسول صلى الله عليه وسلم وتخلّيه عنه]

فعظم على أبي طالب فراق قومه، ولم تطب نفسه بخذلان ابن أخيه، فكلّم النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فظنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ عمّه قد بدا له تركه، والعجز عن نصرته، فقال: «يا عمّ! والله لو وضعوا الشّمس في

__________

(1) أخرجه مسلم، برقم (145/ 232) . عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) حدب عليه: انحنى عليه وعطف.

يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتّى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته» ثمّ استعبر صلى الله عليه وسلم باكيا «1» ، فقال له:

يا ابن أخي، قل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا «2» .

وفي ذلك يقول أبو طالب، [من الكامل] «3» :

والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتّى أوسّد في التّراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقرّ بذاك منك عيونا «4»

ودعوتني وعرفت أنّك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا

وعرضت دينا قد علمت بأنّه ... من خير أديان البريّة دينا

لولا الملامة أو حذار مسبّة ... لو جدتني سمحا بذاك مبينا

__________

(1) استعبر: جرت دمعته. قلت: يا لقوّة الإيمان، ويا لعظمة النّفس البشريّة، ويا لجلال البطولة!! رجل يظنّ أنّه تخلّى عنه ناصره الوحيد من أهله، وهو وأصحابه في غمرات متتابعة من الأذى والبلاء، وتألّب رؤساء الشّرك عليه، ثمّ يقف هذا الموقف الفذّ العظيم!! إنّ هذا في منطق العقل يستحيل أن يكون مدّعيا أو كاذبا أو بشرا من عامّة البشر؛ ما هذا إلّا نبيّ كريم، ورجل بالغ أسمى درجات الثّقة بالله ربّ العالمين. فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

(2) أخرجه البيهقيّ في «دلائل النّبوّة» ، ج 2/ 187.

(3) دلائل النّبوّة، ج 2/ 188.

(4) اصدع بأمرك: بيّنه واجهر به. أمرك: ما أمرك الله به من دعوة المشركين إلى عبادته وحده سبحانه. غضاضة: منقصة أو عيب. قرّت عين فلان: سرّ ورضي.

[اشتداد قريش على الرّسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه]

فعند ذلك نابذتة قريش وتزامروا للحرب، ووثبت كلّ قبيلة على من أسلم منهم يعذّبونهم.

[,

فترة الوحي وما نزل من القرآن بعد ذلك

]

قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف، أنّ جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أخبره أنّه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يحدّث عن فترة الوحي، قال: «ثمّ فتر الوحي عنّي فترة، فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السّماء، فرفعت بصري قبل السّماء- أي: في جهتها- فإذا الملك الّذي جاءني ب (حراء) قاعد على كرسيّ بين السّماء والأرض، فرعبت منه- أي: فزعت- حتّى هويت إلى الأرض- أي: سقطت- فجئت أهلي، فقلت:

دثّروني دثّروني، - أي: غطّوني- فدثّروني، فأنزل الله عزّ وجلّ:

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ- أي:

النّجس- فَاهْجُرْ- أي: فاترك- «1» [سورة المدّثّر 74/ 1- 5] » .

[شكوى النّبيّ صلى الله عليه وسلم ونزول الضّحى]

وفي رواية: أنّه لمّا فتر الوحي عنه، قالت قريش: قلاه ربّه.

__________

عرض عليه عمّه أبو طالب أن يكفّ عن قريش، ويبقي عليه وعلى نفسه، قال قوله المشهور: «والله يا عمّ، لو وضعوا الشّمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك دونه، ما تركته» . وليس أدلّ على ضعف هذه الزّيادة من أنّ جبريل عليه السّلام كان يقول له كلّما أشرف على ذروة جبل: (يا محمّد، إنّك رسول الله حقّا) ، وأنّه كرّر ذلك مرارا. ولو صحّ هذا لكانت مرّة واحدة تكفي في تثبيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وصرفه عمّا حدّثته به نفسه كما زعموا. وقد ذهب جلّ العلماء وكتّاب السّير المحدّثون إلى هذا، بل ذهب بعضهم إلى أنّ مجرّد سؤال ورقة إنّما هو من خديجة رضي الله عنها؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يعلم أنّه سيكون رسول الله، وأنّه أجلّ من أن يعرف نبوّته ورسالته من حبر نصرانيّ، أو ممّن قرأ كتب النّصارى.

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (4671) .

فأنزل الله تعالى: وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى إلى آخر السّورة «1» .

[حجب الشّياطين عن استراق السّمع عند مبعثه صلى الله عليه وسلم]

وفي «الصّحيحين» ، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشّياطين وبين خبر السّماء، وأرسلت عليهم الشّهب/، فرجعت الشّياطين، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السّماء، وأرسلت علينا الشّهب، فقالوا: ما حال بينكم وبين خبر السّماء إلّا أمر حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانطلق الّذين توجّهوا منهم نحو (تهامة) ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ب (نخلة) «2» ، يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن عجبوا له، وقالوا: هذا الّذي حال بينكم وبين خبر السّماء، ورجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا، إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [سورة الجنّ 72/ 1- 2] فأنزل الله تعالى على نبيّه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [سورة الجنّ 72/ 1] «3» .

[دعوة النّبيّ صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام سرّا]

ولمّا بعث صلى الله عليه وسلم أخفى أمره، وجعل يدعو أهل (مكّة) ، ومن أتى إليها سرّا، فامن به ناس من ضعفاء الرّجال والنّساء والموالي، وهم أتباع الرّسل؛ كما في حديث أبي سفيان عن هرقل، فلقوا من المشركين في ذات الله تعالى أنواع الأذى، فما ارتدّ أحد منهم عن دينه، ولا التوى، ولذلك أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: «إنّ هذا الدّين

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (4667) . عن جندب بن سفيان رضي الله عنه.

(2) موضع بالحجاز قريب من مكّة فيه نخل وكروم.

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (739) . ومسلم برقم (449/ 149) .

بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء» «1» .

نعوذ بالله من الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن.

[الجهر بالدّعوة]

وفي السّنة الرّابعة من مبعثه صلى الله عليه وسلم: نزل قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [سورة الحجر 15/ 94- 95] .

فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربّه، وأظهر الدّعوة إلى الله تعالى، فدخل النّاس في الإسلام أرسالا، حتّى فشا ذكر الإسلام ب (مكّة) ، ولكن كان المسلمون إذا أرادوا الصّلاة ذهبوا إلى الشّعاب، واستخفوا من قومهم بصلاتهم.

[موقف المشركين من النّبيّ صلى الله عليه وسلم إثر جهره بالدّعوة]

ولمّا أظهر صلى الله عليه وسلم دعوة الخلق إلى الحقّ لم يتفاحش إنكار قومه عليه، حتّى ذكر آلهتهم وسبّها، وضلّل آباءهم، وسفّه أحلامهم، فحينئذ اشتدّ ذلك عليهم، وأجمعوا له الشّرّ، فحدب «2» عليه عمّه أبو طالب، وعرّض نفسه للشّرّ دونه، مع/ بقائه على دينه.

فلمّا رأت ذلك قريش، اجتمع أشرافهم ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا له: إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه، فإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه.

[أبو طالب بين نصرته للرّسول صلى الله عليه وسلم وتخلّيه عنه]

فعظم على أبي طالب فراق قومه، ولم تطب نفسه بخذلان ابن أخيه، فكلّم النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فظنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ عمّه قد بدا له تركه، والعجز عن نصرته، فقال: «يا عمّ! والله لو وضعوا الشّمس في

__________

(1) أخرجه مسلم، برقم (145/ 232) . عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) حدب عليه: انحنى عليه وعطف.

يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتّى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته» ثمّ استعبر صلى الله عليه وسلم باكيا «1» ، فقال له:

يا ابن أخي، قل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا «2» .

وفي ذلك يقول أبو طالب، [من الكامل] «3» :

والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتّى أوسّد في التّراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقرّ بذاك منك عيونا «4»

ودعوتني وعرفت أنّك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا

وعرضت دينا قد علمت بأنّه ... من خير أديان البريّة دينا

لولا الملامة أو حذار مسبّة ... لو جدتني سمحا بذاك مبينا

__________

(1) استعبر: جرت دمعته. قلت: يا لقوّة الإيمان، ويا لعظمة النّفس البشريّة، ويا لجلال البطولة!! رجل يظنّ أنّه تخلّى عنه ناصره الوحيد من أهله، وهو وأصحابه في غمرات متتابعة من الأذى والبلاء، وتألّب رؤساء الشّرك عليه، ثمّ يقف هذا الموقف الفذّ العظيم!! إنّ هذا في منطق العقل يستحيل أن يكون مدّعيا أو كاذبا أو بشرا من عامّة البشر؛ ما هذا إلّا نبيّ كريم، ورجل بالغ أسمى درجات الثّقة بالله ربّ العالمين. فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

(2) أخرجه البيهقيّ في «دلائل النّبوّة» ، ج 2/ 187.

(3) دلائل النّبوّة، ج 2/ 188.

(4) اصدع بأمرك: بيّنه واجهر به. أمرك: ما أمرك الله به من دعوة المشركين إلى عبادته وحده سبحانه. غضاضة: منقصة أو عيب. قرّت عين فلان: سرّ ورضي.

[اشتداد قريش على الرّسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه]

فعند ذلك نابذتة قريش وتزامروا للحرب، ووثبت كلّ قبيلة على من أسلم منهم يعذّبونهم.

[


ملف pdf

كلمات دليلية: