فائدة من كتاب حدائق الانوار في السيرة

فائدة من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

فائدة

كذا روى ابن إسحاق وغيره من حديث قتادة عن أنس ما تقدّم من أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى زينب متزيّنة فأعجبته، فرغب في نكاحها لو

__________

(1) أخرجه مسلم، برقم (1428/ 89) . عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (6984) .

طلّقها زيد. روى ذلك جمع من المفسّرين بأسانيد قويّة «1» .

وفي «البخاريّ» من حديث ثابت البنانيّ عن أنس بن مالك أنّ هذه الآية: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [سورة الأحزاب 33/ 37] نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة ولم يزد. وسبق أنّ الّذي أخفاه هو ما أعلمه الله من أنّها ستكون زوجته. وقال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ استصحابا للحال إلى أن يبلغ الكتاب أجله.

وليس في استحسانه لها، ورغبته في نكاحها لو طلّقها زيد قدح في منصبه الجليل حتّى يوجب الطّعن في الرّوايات الثّابتة المنقولة في هذه القصّة، بل قد جعلها العلماء من أصحابنا أصلا، استدلّوا به

__________

(1) قلت: وفي هذه الأسانيد القويّة!! عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، متّهم بالكذب والتّحديث بالغرائب ورواية الموضوعات. وقد تنبّه لبطلانها وزيفها جمع من المحدّثين الرّاسخين. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» ، ج 8/ 425: ورويت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطّبري، ونقلها كثير من المفسّرين، لا ينبغي التّشاغل بها. وقال ابن كثير في «تفسيره» ، ج 5/ 560: ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هنا آثارا عن بعض السّلف أحببنا أن نضرب عنها صفحا لعدم صحّتها فلا نوردها. وهذا القول لا يليق بمقام النّبوّة، ولا يليق به صلى الله عليه وسلم من مدّ عينيه لما نهي عنه من زهرة الحياة الدّنيا، وهذا لا يتّسم به النّاس، فكيف سيد الأنبياء؟!! ومن أقوى ما يردّ بها على ما لا يليق بمقام النّبوّة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف زينب من صغرها إلى أن تزوّجها؛ فلو كانت المسألة فيها شيء من الرّغبة الجنسيّة لتزوّجها هو. وإنّما الواقع الحقيقي هو أنّه إبطال لزواج المتبنّي بزوجة من يتبنّاه، وقوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي: تخفي في نفسك ما سيقع من الضّجّة والاعتراض عليك بعد أن تتزوّج زوجة ابنك الّذي تتبنّاه.

على أنّ من خصائصه صلى الله عليه وسلم وجوب طلاق من رغب في نكاحها على زوجها، ووجوب إجابتها، فجوّزوا رغبته في نكاح منكوحة/ غيره.

وأنّ في هذه القصّة ما لا يخفى من التّنويه بقدر المصطفى صلى الله عليه وسلم، والإعلام بعظيم مكانته عند ربّه سبحانه وتعالى، وأنّه سبحانه يحبّ ما يحبّه، ويكره ما يكرهه، وينوب عنه في إظهار ما استحيا من إظهاره، علما منه سبحانه بأنّه إنّما يفعل ذلك قمعا لشهوته، وردّا لنفسه عن هواها «1» ، كما قال سبحانه في الآية الآخرى: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [سورة الأحزاب 33/ 53] .

فما نقله القاضي عياض عن ابن القشيريّ وقرّره: من أنّ ما سبق من تجويز رغبته في نكاحها لو طلّقها زيد إقدام عظيم من قائله، وقلّة

__________

(1) قلت: حاشاه صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا. ولم يكن زواجه صلى الله عليه وسلم لقضاء شهوة، بل لبيان تشريع بفعله صلى الله عليه وسلم. فإنّ الفعل آكد، والشّرع يستفاد على نحو أقطع من فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم. وما زواجه صلى الله عليه وسلم هذا إلّا ليرتفع الحرج والضّيق بين المؤمنين إذا أرادوا الزّواج بمطلّقات أدعيائهم، وهم الّذين تبنوهم في الجاهليّة، ثمّ أبطل الإسلام حكم التّبني، وألغى جميع آثاره. قال أبو شهبة- رحمه الله-: وقد نسج المستشرقون والمبشّرون المحترفون من مثل هذه الرّوايات أثوابا من الكذب والخيال. وصوّروه صلى الله عليه وسلم بصورة الرّجل الّذي لا همّ له إلّا إشباع رغباته الجنسيّة والجري وراء النّساء. وقد اعتمد هؤلاء في طعونهم بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم على روايات مختلفة مدسوسة عند أئمة النّقد وعلماء الرّواية، وأغلب الظّنّ أنّها من صنع أسلافهم من اليهود والزّنادقة من الفرس وغيرهم، الّذين عجزوا أن يقاوموا سلطان الإسلام وقوّته، فلجأوا إلى الدّس والكذب، وجاز هذا الزّور على بعض الأغرار من المسلمين، فرووه في كتبهم، ولكنّه ما كان يخفى على العلماء والرّاسخين، فنبّهوا على كذبه، وحذّروا من التّصديق به.

معرفة بحقّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مردود بحثا ودليلا. والله أعلم «1» .

واعلم أنّ نظره إليها كان قبل نزول آية الحجاب، لأنّها نزلت في حال دخوله عليها، مع أنّ الرّاجح أيضا عند المحقّقين أنّ النّساء ما كنّ يحتجبن عنه صلى الله عليه وسلم.

[وليمة النّبيّ صلى الله عليه وسلم على زينب رضي الله عنها]

وفي «الصّحيحين» ، عن أنس رضي الله عنه قال: أنا أعلم النّاس بشأن الحجاب، وكان في أوّل ما أنزل في مبتنى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بزينب، أصبح النّبيّ صلى الله عليه وسلم بها عروسا، فأرسلت معي أمّ سليم بحيس من تمر وسمن وأقط «2» إليه في برمة، فقال لي ضعها، ثمّ أمرني فقال: «ادع لي رجالا- سمّاهم- وادع من لقيت» ، ففعلت الّذي أمرني به، فرجعت، فإذا البيت غاصّ بأهله، ورأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وضع يده على تلك الحيسة، وتكلّم بما شاء الله، ثمّ جعل يدعو عشرة عشرة، يأكلون منها، ويقول لهم: «اذكروا اسم الله، وليأكل كلّ رجل ممّا يليه» ، حتّى تفرّقوا كلّهم، وبقي نفر يتحدّثون، ثمّ خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم نحو الحجرات، وخرجت في إثره، فقلت: إنّهم قد ذهبوا، فرجع ودخل البيت/ وأرخى السّتر، وإنّي لفي الحجرة وهو يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ- إلى قوله- وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ الآية [سورة الأحزاب 33/ 53] «3» .

وفي «صحيح البخاريّ» عن أنس أيضا قال: أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم

__________

(1) قلت: بل قول القاضي عياض، وكذا الزّهريّ، والقاضي بكر بن العلاء، والقاضي أبي بكر بن العربي هو الأصحّ. وأنّ الّذي يقول ذلك جاهل بعصمة النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا، أو مستخفّ بحرمته.

(2) الأقط: لبن مجفّف يابس يطبخ به. (أنصاريّ) .

(3) أخرجه البخاري (4868) . ومسلم (1428) .

حين بنى بزينب بنت جحش فأشبع النّاس خبزا ولحما «1» .

وفي رواية: فأرسلت داعيا على الطّعام، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثمّ يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتّى ما أجد أحدا أدعو، فقلت: يا نبيّ الله، ما أجد أحدا أدعوه، فقال: «ارفعوا طعامكم» «2» .

[صلح الحديبية]

وفي هذه السّنة- وهي الخامسة «3» - أحرم النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعمرة، فصدّ عن البيت، فوقع


ملف pdf

كلمات دليلية: