غزوة مؤتة من كتاب حدائق الانوار في السيرة

غزوة مؤتة من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

سبب الغزوة

]

وسبب غزوة الفتح انتقاض صلح (الحديبية) ، وأنّ خزاعة كان بينها وبين بني بكر عداوة، وكانت خزاعة دخلت يوم صلح (الحديبية) في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا عيبة «1» نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلمهم وكافرهم، لأنّهم كانوا في الجاهليّة حلفاء لبني هاشم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، فمكثوا على ذلك نحو ثمانية عشر شهرا، ثمّ بيّتت «2» بنو بكر خزاعة في شعبان، على ماء لهم يسمّى الوتير من ناحية (عرنة) ، وأعانتهم قريش مختفين في سواد اللّيل، فقتلوا رجالا من خزاعة، فركب عمرو بن سالم الخزاعيّ ثمّ الكعبيّ إلى رسول الله/ صلى الله عليه وسلم، فوقف عليه وهو في المسجد بين ظهراني النّاس، وأنشده، [من الرّجز] «3» :

يا ربّ إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا «4»

__________

(1) العيبة: موضع السّرّ. وأراد هنا: أن بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم موادعة ومكافّة عن الحرب، تجريان مجرى المودّة الّتي تكون بين المتصافين الّذين يثق بعضهم ببعض.

(2) بيّتت: أوقعت بنو بكر بخزاعة ليلا بغتة.

(3) ابن هشام، ج 3/ 394.

(4) الأتلدا: القديم.

فانصر هداك الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا «1»

فيهم رسول الله قد تجرّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا «2»

إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا

وبيّتونا ركّعا وسجّدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا

وهم أذلّ وأقلّ عددا ... هم بيّتونا بالوتير هجّدا

وقتلونا ركّعا وسجّدا

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت يا عمرو» «3» .

[قدوم أبي سفيان ليجدّد الصّلح]

فبينما هو عندهم إذ قدم أبو سفيان بن حرب من (مكّة) يريد تجديد العهد والزّيادة في مدّة الصّلح. فأبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردّه، فانصرف.

ولعلّ أبا سفيان لمّا أدخل في حديث هرقل: ونحن منه في مدّة لا ندري ما هو صانع؛ عوقب بإدخال الغدر عليه من جهته.

[تهيّؤ النّبيّ صلى الله عليه وسلم للغزو وكتمانه الأمر]

ثمّ إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا دخل رمضان آذن النّاس بالجهاز إلى (مكّة) وآذن من حوله من الأعراب، وقال: «اللهمّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتّى نبغتها في بلادها» «4» .

[,

غزوة مؤتة

]

وفيها-[أي: السّنة الثّامنة]- في جمادى الأولى منها: كانت غزوة (مؤتة) - بضمّ الميم مهموزا وبفوقيّة- وهي قرية من قرى (البلقاء بالشّام) دون (دمشق) ، انتهت غزوتهم إليها، وأكرم الله عزّ وجلّ فيها زيدا وجعفرا وابن رواحة بالشّهادة.

وكان من خبرها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث جيشا، وهم ثلاثة آلاف، وأمّر عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة» «2» .

[عدّة العدوّ، وتشاور المسلمين]

فساروا إلى (الشّام) فلقيهم هرقل في مئتي ألف، فتشاور المسلمون في أن يراجعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمدّهم أو يأمرهم بأمره، فشجّعهم عبد الله بن رواحة، وقال: يا قوم، إنّما هي إحدى الحسنيين: إمّا النّصر، وإمّا الشّهادة، فقالوا: صدقت.

[ابتداء القتال واستشهاد الأمراء الثّلاثة]

فمضوا حتّى التقوا ب (مؤتة) ، فتقدّم زيد فقاتل بالرّاية حتّى قتل.

فأخذها جعفر فقاتل قتالا شديدا، وهو فارس/، فلمّا أحاطوا به نزل عن فرسه فعقرها، فكان أوّل من عقر فرسا في الإسلام، ثمّ قاتل حتّى قطعت يمينه، فأخذ الرّاية بشماله، فقطعت أيضا، فاحتضن الرّاية بعضديه حتّى قتل. فعوّضه الله بهما جناحين يطير بهما في الجنّة. فسمّي الطّيّار. رواه التّرمذيّ والحاكم «3» .

__________

(1) أخرجه الدّارمي، برقم (41) . عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (4013) . عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

(3) أخرجه الحاكم في «المستدرك» ، ج 3/ 208. وأحمد في «مسنده» ، ج 1/ 204. عن ابن عمر رضي الله عنهما.

وفي «البخاريّ» ، عن ابن عمر قال: كنت فيهم- في تلك الغزوة- فالتمسنا جعفرا، فوجدناه ما في جسده بضعا وتسعين طعنة من ضربة ورمية بسهم، ليس منها شيء في دبره «1» .

ثمّ أخذ الرّاية عبد الله بن رواحة فوجد من نفسه كراهة للموت، فأنشد شعرا، [من الرّجز] «2» :

يا نفس إلّا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت

وما تمنّيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت

ثمّ قاتل حتّى قتل.

[تولّي خالد بن الوليد رضي الله عنه قيادة الجيش]

فأخذ الرّاية خالد بن الوليد من غير مشورة، وقاتل قتالا شديدا، ودافع عن المسلمين، حتّى انحاز بهم إلى جبل، ونجّاهم الله. ولم يستشهد منهم يومئذ إلّا ثمانية، منهم الأمراء الثّلاثة.

[نعي النّبيّ صلى الله عليه وسلم زيدا وجعفرا وابن رواحة]

وفي «صحيح البخاريّ» ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نعاهم للنّاس يوم أصيبوا، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أخذ الرّاية زيد فأصيب، ثمّ أخذها جعفر فأصيب، ثمّ أخذها ابن رواحة فأصيب» ، وعيناه تذرفان. وقال: «ما يسرّهم أنّهم عندنا» ، ثمّ قال: «ثمّ أخذ الرّاية سيف من سيوف الله تعالى، حتّى فتح الله عليهم» «3» أي: فرّج الله عنهم بسببه.

وفيه-[أي: صحيح البخاريّ]- أنّ ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا سلّم على عبد الله بن جعفر قال: السّلام عليك يا ابن ذي الجناحين «4» .

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (4012- 4013) . في دبره: في ظهره.

(2) ابن هشام، ج 3/ 379.

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (2645- 4014) .

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (3506) .

وفيه-[أي: صحيح البخاريّ]- عن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: لقد انقطعت في يدي يوم (مؤتة) تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلّا صفيحة يمانيّة وهي العاشرة «1» /.

فائدة [: في تأويل الجناحين الّذين لقّب بهما جعفر]

قال السّهيليّ: (قد يتبادر- من ذكر الجناحين- إلى الذّهن أنّهما كجناحي الطّائر، وإنّما المراد أنّ جعفرا أعطي صفة الملائكة، وكذا أجنحة الملائكة، إنّما هي صفات لا تعلم حقيقتها) «2» . والله أعلم.

[رثاء حسّان بن ثابت جعفرا رضي الله عنهما]

وممّا رثى به حسّان جعفرا رضي الله عنهما قوله، [من الكامل] «3» :

ولقد بكيت وعزّ مهلك جعفر ... حبّ النّبيّ على البريّة كلّها

ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي ... من للجلاد لدى العقاب وظلّها «4»

بالبيض حين تسلّ من أغمادها ... ضربا وإنهال الرّماح وعلّها

بعد ابن فاطمة المبارك جعفر ... خير البريّة كلّها وأجلّها

[فتح مكّة]

وفي رمضان من هذه السّنة- وهي: الثّامنة-: كان فتح (مكّة) ،

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (4017) .

(2) الرّوض الأنف، ج 7/ 38.

(3) ابن هشام، ج 3/ 386.

(4) العقاب: اسم لراية الرّسول.

ويسمّى: فتح الفتوح؛ لأنّ العرب كانت تنتظر بإسلامها إسلام قريش وفتح (مكّة) ، وتقول: هم أهل الحرم، وقد أجارهم الله تعالى من أصحاب الفيل وغيرهم، فإن سلّط الله عليهم محمّدا فهو رسول الله حقّا.

فلمّا فتح الله (مكّة) على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل النّاس في دين الله أفواجا، كما وعد الله نبيّه ذلك، وجعل ذلك علامة قرب أجله، بقوله:

إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى آخر السّورة [سورة النّصر 110/ 1] .

[


تحميل : غزوة مؤتة من كتاب حدائق الانوار في السيرة

كلمات دليلية: