غزوة حمراء الأسد من كتاب حدائق الانوار في السيرة

غزوة حمراء الأسد من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

غزوة حمراء الأسد

]

[قال تعالى] : الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ [سورة آل عمران 3/ 172] .

وذلك أنّ قريشا لمّا بلغت (الرّوحاء) همّوا أيضا بالرّجوع لاستئصال من بقي من المسلمين بزعمهم، فلمّا علم بهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه للخروج للقائهم، وقال: «لا يخرج معنا إلّا من حضر يومنا بالأمس» «1» ، فسار بهم حتّى بلغ (حمراء الأسد) «2» ، فمرّ بهم معبد الخزاعيّ، وهم نزول، فأسرع إلى قريش فأخبرهم بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إليهم، فثنى ذلك قريشا عن لقائهم، وألقى الله في قلوبهم الرّعب، فأدبروا إلى (مكّة) ، فمرّ عليهم ركب، فجعلوا لهم جعلا على أن يخبروا محمّدا وأصحابه أنّهم يريدون الكرّة عليهم، ولا يخبروهم بانصرافهم إلى (مكّة) ، فلمّا مرّ الرّكب على المسلمين وأخبروهم بذلك، قالوا:

حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [سورة آل عمران 3/ 173] .

وأقاموا ثلاثا ينتظرون لقاء العدوّ، فبلغهم مسيرهم فرجعوا، فأنزل الله سبحانه: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ

__________

(1) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل» ، ج 3/ 314.

(2) موضع على ثمانية أميال من المدينة، وإليه انتهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحد في طلب المشركين.

- أي: الرّكب- إِنَّ النَّاسَ- أي: قريشا- قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [سورة آل عمران 3/ 172- 174] .

[موقف أنس بن النّضر رضي الله عنه]

وفي «الصّحيحين» ، عن أنس رضي الله عنه قال: إنّ عمّي أنس بن النّضر غاب عن (بدر) ، فقال: غبت عن أوّل قتال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، لئن أشهدني الله قتالا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليرينّ الله ما أصنع، فلمّا انهزم المسلمون يوم (أحد) /، قال: اللهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء- يعني: المسلمين- وأبرأ إليك ممّا جاء به المشركون، فتقدّم بسيفه فلقيه سعد بن معاذ، قال: يا سعد إنّي أجد ريح الجنّة دون (أحد) ، فقتل، ووجد به بضع وثمانون، من طعنة وضربة «1» ورمية بسهم رضي الله عنه «2» .

وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن أنس رضي الله عنه قال:

كنّا نرى أنّ هذه الآية: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [سورة الأحزاب 33/ 23] ، نزلت في أنس بن النّضر وأشباهه من قتلى (أحد) «3» .

[حضور الملائكة ودفاعها عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم]

وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه قال: رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقاتل يوم (أحد) ومعه رجلان يقاتلان، عليهما ثياب بيض، ما رأيتهما قبل ولا بعد «4» .

__________

(1) أي: طعنة رمح، وضربة سيف.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (2651) .

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (4505) .

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (3828) . ومسلم برقم (2306/ 46) .

[قتال سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه]

وقال: نثل النّبيّ صلى الله عليه وسلم لي كنانته يوم (أحد) ، وقال: «ارم فداك أبي وأمّي» «1» .

وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد إلّا لسعد بن مالك «2» ، فإنّي سمعته يقول له يوم (أحد) : «ارم فداك أبي وأمّي» «3» .

[تأثّر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بما لقيه]

وفي «صحيح البخاريّ» ، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: اشتدّ غضب الله على من قتله نبيّ الله، واشتدّ غضب الله على من أدمى وجه نبيّ الله «4» .

[بشارة النّبيّ صلى الله عليه وسلم جابرا رضي الله عنه]

وفي «الصّحيحين» ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لمّا قتل أبي يوم (أحد) ، جعلت أبكي، وأكشف الثّوب عن وجهه، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتّى رفع» «5» .

وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

[الرّجيع وبئر معونة]

وفي هذه السّنة أيضا-[أي: السّنة الثّالثة]- بعد (أحد) :

أصيب عاصم وأصحابه ب (الرّجيع) ، والقرّاء السّبعون أصحاب (بئر معونة) ، ليمتحن الله الأنصار بالصّبر، ويضاعف لهم عظيم الأجر، وقصّة الفريقين مشهورة في «الصّحيحين» .

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (3829) . نثل كنانته: استخرج نبلها.

(2) مالك: كنيته أبو وقّاص. وهو ابن أهيب، ابن عم آمنة بنت وهب.

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (3833) . ومسلم برقم (2411/ 41) .

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (3848) .

(5) أخرجه البخاريّ، برقم (3852) . ومسلم برقم (2471/ 130) .

[بعث الرّجيع]

أمّا «1» أصحاب الرّجيع: فإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث عاصم بن ثابت الأنصاريّ في عشرة من أصحابه عينا، فلمّا/ كانوا ب (الرّجيع) - وهو: ماء لهذيل، بين (عسفان ومرّ الظّهران) ، وعسفان على مرحلتين من (مكّة) - ذكروا لبني لحيان- وهم بطن من هذيل- فتبعهم منهم نحو مئة رام، فالتجأ عاصم وأصحابه إلى أكمة، فأحاط بهم القوم، ولم يقدروا على الوصول إليهم، فأمّنوهم وأعطوهم العهد أنّهم إن استسلموا لا يقتلونهم، فقال عاصم: أمّا أنا فلا أنزل في ذمّة كافر بالله أبدا، اللهمّ أخبر عنّا رسولك، فقاتلوهم حتّى قتل عاصم في ثمانية من أصحابه.

[


ملف pdf

كلمات دليلية: