غزوة بدر الكبرى من كتاب حدائق الانوار في السيرة

غزوة بدر الكبرى من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

إمداد الله المسلمين بالملائكة وفضلهم

]

وشهدها جبريل الأمين في ألف من الملائكة مردفين، وصار لهم فضل عند أهل السّماء كفضل أهل (بدر) عند أهل الأرض.

وفي «صحيح البخاريّ» ، أنّ جبريل عليه السلام قال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: ما تعدّون أهل (بدر) فيكم؟ قال: «من أفضل المسلمين» ، قال: وكذلك من شهد (بدرا) من الملائكة «1» . والله أعلم.

فائدة [: في المزايا الّتي منحها الله لأهل بدر]

وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لعلّ الله اطّلع على أهل (بدر) فقال: / اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» «2» .

أي: علم الله أنّهم من أهل الجنّة، لما سبق أنّه لم يشهدها إلّا مؤمن، كما أنّه لم يجاوز النّهر مع طالوت إلّا مؤمن، ومن سبقت له العناية لم تضرّه الجناية، ولم يمت أحد منهم بحمد الله إلّا على أعمال أهل الجنّة، ولا ينافي ذلك معاقبتهم على هفواتهم بعد ذلك؛ كحاطب وسعد وأبي لبابة ومسطح ومرارة وهلال «3» .

والمراد أنّ الله علم أنّ ذنوبهم مغفورة بما ينالهم من البلاء والأذى في الدّنيا، وإذا كان كذلك فلم يغفر حينئذ على القطع لأحد ما تأخّر من ذنبه، إلّا لمحمّد صلى الله عليه وسلم.

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (3771) . عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (3762) . عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

(3) وهم: حاطب بن أبي بلتعة، وسعد بن خولة، وأبي لبابة بشير ابن عبد الله، ومسطح واسمه عوف بن أثاثة، ومرارة بن الرّبيع، وهلال بن أميّة.

وما ورد في بعض الأخبار- كما ورد في حديث الشّفاعة- من قوله: «غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» ، محمول على غفران أوّل ذنبه وآخره، لقوله: «ما قدّمت وما أخّرت، وأوّله وآخره» .

والله أعلم.

[,

سبب غزوة بدر

]

قال اهل السّير: وسببها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سمع بأبي سفيان بن حرب في عير لقريش أقبلت من (الشّام) ، فجعل العيون عليها «1» ، فلمّا جاءه عينه خرج بمن خفّ معه من المسلمين، ولم يكن يظنّ أنّه يلقى عدوّا، وكان أبو سفيان يتحسّس الأخبار خوفا من النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاءه الخبر بمخرجه، فبعث إلى قريش يستنفرهم، فأوعبت «2» قريش في الخروج، وخرجت سائر بطونها.

[استشارة النّبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه بعد نجاة العير]

فلمّا كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم ببعض الطّريق، بلغه نفر قريش، فاستشار أصحابه في طلب العير أو قتال النّفير، وقال: «إنّ الله وعدني إحدى الطّائفتين» «3» .

وكانت العير أحبّ إليهم، كما قال الله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ- أي:

السّلاح، وهي العير- تَكُونُ لَكُمْ [سورة الأنفال 8/ 7] .

فتكلّم أبو بكر فأعرض عنه، فتكلّم عمر فأعرض عنه، وهو في كلّ ذلك يقول: «أشيروا عليّ» ، فعلموا أنّه إنّما يريد/ الأنصار لأنّه لم يكن بايعهم على القتال، إنّما بايعهم على أن يمنعوه ممّا

__________

(1) قلت: بعث رسول الله بسبس بن الجهنيّ وعديّ بن أبي الزّغباء الجهنيّ يتحسّسان له الأخبار.

(2) أوعبت: خرجت كلّها إلى الغزو.

(3) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل» ، ج 3/ 33.

يمنعون منه أنفسهم، ممّن دهمه «1» إلى (المدينة) ، ولكن كان الإيمان قد تمكّن في قلوبهم، واعتقدوا وجوب طاعته ونصرته صلى الله عليه وسلم، حتّى لو أمرهم بقتل آبائهم وأبنائهم لا متثلوا أمره.

فقام سعد بن عبادة رضي الله عنه فقال: إيّانا تريد يا رسول الله؟ قال: «نعم» ، قال: والّذي بعثك بالحقّ، لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى (برك الغماد) «2» - أي: بالمعجمة- لفعلنا، ولو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها.

فسرّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «سيروا على بركة الله، والله لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» «3» .

[مبادرة النّبيّ صلى الله عليه وسلم قريشا إلى الماء وبناء العريش له]

فساروا حتّى نزل النّبيّ صلى الله عليه وسلم على أدنى ماء من مياه (بدر) إلى عسكره، فأشير عليه أن ينزل على أدنى ماء إلى العدوّ، ويترك المياه كلّها خلفه، ففعل. وبني له عريش يستظلّ فيه.

[دعاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم على قريش]

ولمّا أقبلت قريش قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادّك وتكذّب رسولك، اللهمّ أحنهم- أي:

أحضر حينهم وهو هلاكهم- الغداة، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة- يعني: المسلمين- لا تعبد في الأرض» «4» .

وما زال يهتف بربّه- أي: يدعوه- حتّى سقط رداؤه، فأخذ

__________

(1) دهمه: فجأه.

(2) برك الغماد: تقع في جنوب القنفذة ب (111) كيلو مترا. والقنفذة: بلدة وميناء على ساحل البحر الأحمر جنوب جدّة. وبرك الغماد قرية من قرى القنفذة.

(3) أخرجه البيهقيّ في «سننه» ، ج 3/ 106.

(4) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل» ، ج 3/ 110.

أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربّك- أي: بالغت في سؤاله- فخرج صلى الله عليه وسلم وعليه الدّرع وهو يقول:

سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [سورة القمر 54/ 45- 46] .

قلت: ينبغي نصب السّاعة الأولى في الحديث على الظّرفيّة لكنّا رويناه بالرّفع كلفظ التّلاوة.

[تسوية النّبيّ صلى الله عليه وسلم الصّفوف]

ثمّ أخذ صلى الله عليه وسلم يعدّل صفوفهم، وأمرهم أن لا يحملوا حتّى يأمرهم.

[مناشدة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ربّه النّصر]

ثمّ رجع إلى العريش ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فخفق «1» / خفقة، ثمّ انتبه، فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه» .

ثمّ خرج إلى صفّ أصحابه، فلمّا تزاحف النّاس أخذ حفنة من الحصباء ورمى بها في وجوه المشركين، وقال لأصحابه: «شدّوا باسم الله» ، فكانت الهزيمة فيهم بإذن الله تعالى، ونصر الله عبده، وأعزّ جنده، وأنزل الله تعالى في قسمة غنائم (بدر) سورة الأنفال، وفيها أيضا ليعلموا أنّه النّاصر لهم: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [سورة الأنفال 8/ 17] .

[طرح بعض المشركين في القليب، ومخاطبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم لهم]

وفي «الصّحيحين» ، أنّه صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى المشركين فألقوا في قليب، ثمّ قام على القليب، فجعل يناديهم بأسمائهم: «هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا» ، ثمّ قال: «والّذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» «2» .

__________

(1) خفق: نام نومة خفيفة.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (3757) . ومسلم برقم (2873) . عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

[عودة النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وتهنئته بالنّصر]

ثمّ قفل صلى الله عليه وسلم راجعا إلى (المدينة) ، ولقيه المسلمون إلى (الرّوحاء) «1» يهنّئونه بالنّصر والظّفر: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة الأنعام 6/ 45] .

فائدة [: في سبب إلحاح النّبيّ صلى الله عليه وسلم على ربّه بالنّصر في بدر]

قوله: فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربّك.

قال العلماء: لا يجوز أن يتوهّم أحد أنّ أبا بكر رضي الله عنه كان أوثق بربّه من النّبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة وغيرها، بل الحامل له على ذلك تقوية قلوب أصحابه، لأنّهم كانوا يعلمون أنّه شفيع مشفّع، مستجاب الدّعوة، وكان ذلك اليوم أوّل مشهد شهدوه، فبالغ في الدّعاء لتسكن نفوسهم، فلمّا قال أبو بكر ما قال، علم أنّه قد اعتقد إجابة الدّعاء، ووقوع النّصر، فخرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.

[,

غزوة بدر الكبرى

]

وفيها-[أي: السّنة الثانية]- في رمضان: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة (بدر) الكبرى، وكانت الوقعة يوم الجمعة، السّابع عشر من رمضان المعظّم، وهو يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، وأشار إليها في القرآن قبل وقوعها بقوله: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً [سورة الفرقان 25/ 77] ، وبقوله: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [سورة الدّخان 44/ 16] .

وفضلها أشهر من أن يذكر.

[عدّة من خرج من المسلمين إلى بدر]

وفي «صحيح البخاريّ» ، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما: إنّ عدّة أصحاب (بدر) على عدّة أصحاب طالوت الّذين جاوزوا معه النّهر، ولم يجاوز معه إلّا مؤمن.

وهم ثلاث مئة وثلاثة عشر، معهم فارس واحد، وهو المقداد بن الأسود رضي الله عنهم أجمعين «2» .

وعدّة المشركين نحو الألف، منهم ثمانون فارسا.

واستشهد من المسلمين أربعة عشر، وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون.

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (1433) . ومسلم برقم (984/ 12) .

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (3741) .

[


ملف pdf

كلمات دليلية: