شأن أبي لبابة رضي الله عنه من كتاب حدائق الانوار في السيرة

شأن أبي لبابة رضي الله عنه من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

تنفيذ الحكم في بني قريظة

]

فخدّ لهم أخدود، وضرب أعناق رجالهم وألقاهم فيه، وكان عدد من قتل منهم نحو سبع مئة- بتقديم السّين- وقيل: نحو تسع مئة- بتقديم التّاء-.

وفيهم أنزل الله تعالى متفضّلا بقوله: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً ... وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ- أي: أعانوا

__________

(1) قلت: قال أبو شهبة- رحمه الله-: وهذا الحكم هو ما قضى به كتابهم المقدّس (العهد القديم) ، في حقّ العدو المهزوم. ففي سفر التّثنية، الإصحاح 13، فقرة 13/ 14: (وإذا دفعها الرّبّ إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحدّ السّيف، وأمّا النّساء والأطفال والبهائم وكلّ ما في المدينة، كلّ غنيمتها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك الّتي أعطاك الرّبّ إلهك) . وهكذا يتبيّن لنا أنّ ما قضى به سيّدنا سعد لم يخرج عمّا حكمت به التّوراة. وأيضا فهم ليسوا أعداء مهزومين فحسب، بل هم خائنون غادرون غير وافين بالعهد. (انظر السّيرة النّبويّة، ج 2/ 409) .

قريشا وأحزابها- مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ- أي:

حصونهم، وأصلها قرون البقر- وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [سورة الأحزاب 33/ 25- 27] .

[,

حكم سعد رضي الله عنه في بني قريظة

]

فحكم فيهم بقتل الرّجال وسبي الذّراريّ والنّساء، وقسمة الأموال، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «لقد حكمت بحكم الله فيهم» «1» .

[,

شأن أبي لبابة رضي الله عنه

]

فلمّا نزل صلى الله عليه وسلم بساحتهم، وحاصرهم/ واشتدّت عليهم وطأته، أرسلوا إليه أن أرسل إلينا أبا لبابة- بموحّدة مكرّرة- الأنصاريّ الأوسيّ، وكانوا حلفاء الأوس، فأرسله إليهم، فلمّا أقبل عليهم تلقّاه النّساء والصّبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم، فقالوا: أترى أن ننزل على حكم محمّد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه- يعني: أنّ حكمه الذّبح- ثمّ ندم في مقامه، وعلم أنّه قد خان الله ورسوله، فلم يرجع إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، بل ذهب إلى (المدينة) ، وربط نفسه بسارية في المسجد، وقال: والله لا أذوق ذواقا حتّى يطلقني النّبيّ صلى الله عليه وسلم بيده، فأقام على ذلك سبعة أيّام لا يذوق ذواقا حتّى خرّ مغشيّا عليه، فنزل فيه: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة التّوبة 9/ 102] .

فتاب الله عليه، وغفر له ورحمه، فأطلقه النّبيّ صلى الله عليه وسلم بيده، ولم يطأ بلد بني قريظة حتّى مات، وكان يقول: والله لا أرى ببلد خنت الله ورسوله فيها، وكان له بها أموال فتركها رضي الله عنه.

[,

غزوة بني قريظة

: فسببها ما سبق من نقضهم العهد.

[أمر الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى بني قريظة]

وفي «الصّحيحين» ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا رجع من (الخندق) ، ووضع السّلاح، واغتسل، أتاه جبريل عليه السّلام، فقال: قد وضعت السّلاح؟، والله ما وضعناه «3» ، فاخرج إليهم، قال:

«فإلى أين؟» ، قال: ها هنا. وأشار بيده إلى بني قريظة، فخرج إليهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم «4» .

[النّبيّ صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالخروج]

وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يصلّينّ أحد العصر إلّا في بني قريظة» ، فأدرك بعضهم العصر في الطّريق، فقال بعضهم: لا نصلّي حتّى نأتيها- أي: ولو غربت الشّمس متمسّكا بظاهر اللّفظ- وقال بعضهم: بل نصلّي، لم يرد منّا ذلك- ففهم من النّصّ معنى خصّصه به- فذكر ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، فلم يعنّف واحدا منهم «5» .

__________

(1) ذكر القصّة البخاريّ، برقم (3876) . العناق: الأنثى من ولد المعز.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (3884) ، بنحوه.

(3) أي: لم تضع الملائكة السّلاح.

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (3891) . ومسلم برقم (1769/ 65) . عن عائشة رضي الله عنها.

(5) أخرجه البخاريّ، برقم (904) . ومسلم برقم (1770/ 69) . عن ابن عمر رضي الله عنهما.

قلت: وفي ذلك فسحة للأئمة المجتهدين رضي الله عنهم، وأنّ كلّ مجتهد مصيب- أي: في الفروع- إذ لم يخصّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أحدا من الفريقين بصواب ما ذهب إليه.

[,

نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه

]

ثمّ إنّ بني قريظة سألوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقبل منهم ما قبل من إخوانهم بني النّضير، بأن يجلو عن بلدهم، ولهم ما أقلّت الإبل، فأبى عليهم لما تولّد من حييّ بن أخطب من الشّرّ، فنزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم، فجاء حلفاؤهم من الأوس، وقالوا: هبهم لنا يا رسول الله كما وهبت بني قينقاع لحلفائهم الخزرج، فقال: «ألا

ترضون أن يحكم فيهم سيّدكم سعد بن معاذ» ؟ قالوا: بلى.

[توجّه سعد رضي الله عنه إلى بني قريظة]

وكان سعد قد أصيب بسهم يوم (الخندق) ، فجعله النّبيّ صلى الله عليه وسلم في خيمة في المسجد، ليعوده عن قرب، فأتاه قومه فاحتملوه على حمار، وأقبلوا به، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك- أي: حلفائك-/ فقال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعلموا أنّه قاتلهم.

فلمّا دنا من النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لمن عنده: «قوموا إلى سيّدكم» ، فقاموا له. فالمهاجرون قالوا: إنّما أراد الأنصار، والأنصار قالوا: قد عمّ بها.

[


ملف pdf

كلمات دليلية: