زمن الإسراء من كتاب حدائق الانوار في السيرة

زمن الإسراء من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

إخباره بمسراه وموقف قريش في ذلك

]

وفي «الصّحيحين» ، / أنّه صلى الله عليه وسلم قال: «لمّا كذّبتني قريش، قمت في (الحجر) فجلا الله لي (بيت المقدس) ، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه» «2» .

وفي رواية: «ثمّ رجعت إلى خديجة وما تحوّلت عن جانبها، ثمّ أصبحت فأخبرت قريشا، فلقد رأيتني في (الحجر) ، وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من وصف (بيت المقدس) لم أثبتها، فكربت كربا شديدا، فجلّى الله لي (بيت المقدس) » «3» إلى آخره.

__________

الواسع في وطأة من الأرض، يعلوه ماء السّماء فيمسكه ويستوي نباته.

(1) أخرجه أحمد في «مسنده» ، ج 3/ 437. عن معاذ بن أنس الجهنيّ رضي الله عنه.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (3673) . ومسلم برقم (170/ 276) . عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. طفقت: أخذت وشرعت.

(3) أخرجه مسلم، برقم (172/ 278) . عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه. لم أثبتها: لم أحفظها وأضبطها.

فائدة [: في تعليل مجيء المسجد الأقصى للنّبيّ صلى الله عليه وسلم]

وفي رواية للإمام أحمد: «فجيء ب (المسجد الأقصى) وأنا أنظر، حتّى وضع عند (دار عقيل) ، فنعتّه وأنا أنظر إليه» «1» .

قال العلماء: وهذا أبلغ من كشف الحجب الّتي بين (الحرم وبيت المقدس) ؛ لأنّه نظير إحضار عرش بلقيس لسليمان في طرفة عين.

قلت: وذلك بطريق انزواء الأرض، بأن تنقبض أجزاؤها حتّى يصير الموضع الّذي فيه (بيت المقدس) ب (مكّة) . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «زويت لي الأرض» «2» . والله أعلم.

ومنه أنّي قلت لبعض أصحابنا: بلغني أنّك تصلّي أيّ فرض شئت جماعة ب (حرم مكّة) فعلى أيّ كيفيّة هذا؟، فقال: بمجرّد أن يخطر ذلك ببالي، صرت تجاه (الكعبة) ، ثمّ إذا خطر ببالي العود، صرت بمكاني ب (حضر موت) . والله أعلم.

[تصديق أبي بكر رضي الله عنه وسبب تسميته بالصّدّيق]

وفي رواية: فقيل لأبي بكر: إنّ محمّدا يزعم أنّه بلغ (بيت المقدس) ورجع، فقال: إنّا لنصدّقه في نزول الوحي في طرفة عين.

فأنزل الله عزّ وجلّ في أبي بكر: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [سورة الزّمر 39/ 33] ، فسمّاه الله الصّدّيق» .

وأنزل الله سبحانه في تصديق نبيّه صلى الله عليه وسلم وتنزيهه عمّا نسبوه إليه في ذلك من الغيّ والضّلال والهوى قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى.

__________

(1) أخرجه أحمد في «مسنده» ، برقم (2815) . عن ابن عبّاس رضي الله عنهما. نعتّه: وصفته.

(2) أخرجه مسلم، برقم (2889/ 19) . عن ثوبان رضي الله عنه.

(3) أخرجه الحاكم في «المستدرك» ، ج 3/ 62. عن عائشة رضي الله عنها.

ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى. وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.

[سورة النّجم 53/ 1- 4] ، إلى قوله: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [سورة النّجم 53/ 18] .

فأقسم تعالى بالنّجم، وهو الثّريا. إذا هوى- أي: سقط للغروب- على نفي الضّلال عنه صلى الله عليه وسلم والغيّ المستلزم، لإثبات/ الهدى والرّشد، وعلى صدقه فيما أخبر، ونفي النّطق عن الهوى، وأنّ ذلك وحي يوحى إليه من الله سبحانه، علّمه إيّاه جبريل شديد القوى.

ثمّ لمّا كان ما أوحى إليه في تلك اللّيلة من عظيم ملكوته لا تحيط به العبارة رمز إليه بالإشارة، فقال: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى

[سورة النّجم 53/ 10] ، ثمّ أخبر عن تصديق فؤاده- وهو: قلبه- بما رأى بصره من آيات ربّه الكبرى بقوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [سورة النّجم 53/ 11]- أي: بما رآه البصر-، وعن حسن أدبه، وعدم التفات قلبه إلى غير ربّه بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [سورة النّجم 53/ 17] فقد اشتملت هذه الآيات الكريمة على تزكية لسانه صلى الله عليه وسلم وبصره وفؤاده، فزكّى لسانه بقوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، وبصره بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى، وفؤاده، بقوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى.

[الخلاف في رؤية النّبيّ صلى الله عليه وسلم ربّه ليلة الإسراء]

وصحّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى:

وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [سورة النّجم 53/ 13] أنّه قال: (رأى محمّد ربّه بعيني رأسه وكلّمه من غير حجاب) «1» .

قال العلماء: ولا يقول ذلك ابن عبّاس إلّا بتوقيف، فسبيله سبيل

__________

(1) الشّفا، ج 1/ 376. وبه قال أنس وعكرمة والرّبيع.

المرفوع، إذ ليس للرّأي في هذا مدخل.

وعن كعب الأحبار: (أنّ الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمّد- عليهما السّلام- فكلّمه موسى من وراء الحجاب بغير واسطة مرّتين، ورآه محمّد بعيني رأسه مرّتين) . نقله الماورديّ عنه.

وقال كثير من العلماء في تفسير قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [سورة الشّورى 42/ 51]- أي: من غير واسطة- بل مع المشاهدة، وذلك لمحمّد صلى الله عليه وسلم خاصّة ليلة الإسراء.

قالوا: بدليل قوله [تعالى] : أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ- أي:

كمناجاته لموسى عليه السّلام- أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [سورة الشّورى 42/ 51]- وهو جبريل- فيوحي بإذنه إلى رسله ما يشاء- كأكثر أحوال محمّد وموسى عليهما السّلام- وكسائر أحوال غيرهما من النّبيّين عليهم السّلام أجمعين.

وقال الإمام/ أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعريّ- رحمه الله-: (كلّ آية أوتيها نبيّ فقد أوتي نبيّنا مثلها، وخصّه الله بالرّؤية، قال: فمحمّد رأى ربّه بعيني رأسه. قال ابن عطاء: أي شرح الله صدره للرّؤية، كما شرح صدر موسى للتّكليم) .

قال العلماء: ولا يقدح في ذلك إنكار عائشة رضي الله عنها لذلك، لأنّها لم تقله إلّا عن رأيها، وأمّا احتجاجها بقوله تعالى:

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [سورة الأنعام 6/ 103] ؛ فقال ابن عبّاس: (معناه: لا تحيط به) «1» .

__________

(1) الشّفا، ج 1/ 383. قال العلماء: إنّ الإسراء وقع وعائشة كانت

ولو قيل بإطلاقها لزم منه امتناع رؤيته- سبحانه وتعالى- في الآخرة أيضا، للأبرار في دار القرار، وهو خلاف ما أجمع عليه أهل السّنّة.

قال العلماء: والدّليل على جوازها في الدّنيا سؤال موسى عليه السّلام لها، إذ يستحيل أن يجهل نبيّ ما يجوز على الله عزّ وجلّ وما لا يجوز عليه، ومعنى: لَنْ تَرانِي: لن تطيق رؤيتي كما لا يطيقها الجبل.

قلت: ومعلوم أنّ الجبل وجميع المخلوقات جزء من نور محمّد صلى الله عليه وسلم، فلا عجب أن يطيق من التّجلّي ما لا يطيقه الجبل.

وإذا لم يستحل شيء من العقل، ولم يدلّ دليل قاطع من النّقل على امتناعه وجب قبوله على ظاهره، ومن أهّله الله لشيء تأهّل له، ومن لا، فلا.

ألا تراه يقول في حقّه صلى الله عليه وسلم عند رؤيته آيات ربّه الكبرى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى، ويقول: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً [سورة الكهف 18/ 18] .

هذا وهم بشر من أبناء جنسه، فسبحان من خصّ من شاء بما شاء وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [سورة البقرة 2/ 255] .

ومن أحسن ما قيل في حديث الإسراء قول صاحب البردة، [من البسيط] «1» :

__________

صغيرة. وكذلك فإنّ الإدراك أخص من الرّؤية والرّؤية أعم، وبهذا يتضح الأمر.

(1) البردة، في إسرائه ومعراجه، ص 43.

يا خير من يمّم العافون ساحته ... سعيا وفوق متون الأينق الرّسم «1»

ومن هو الآية الكبرى لمعتبر ... ومن هو النّعمة العظمى لمغتنم

سريت من حرم ليلا إلى حرم ... كما سرى البدر في داج من الظّلم

/ وبتّ ترقى إلى أن نلت منزلة ... من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم «2»

وقدّمتك جميع الأنبياء بها ... والرّسل تقديم مخدوم على خدم

وأنت تخترق السّبع الطّباق بهم ... في موكب كنت فيه صاحب العلم «3»

حتّى إذا لم تدع شأوا لمستبق ... من الدّنوّ ولا مرقى لمستنم «4»

خفضت كلّ مقام بالإضافة إذ ... نوديت بالرّفع مثل المفرد العلم

__________

(1) يمّم العافون: قصد طلّاب الرّزق والعطاء. الأينق: النّياق، جمع ناقة. الرّسم: المعلمة.

(2) ترقى: ترتفع. قاب قوسين: القاب: المقدار. وقوله قاب قوسين: أي: مقدار قوسين من قسيّ العرب، أي: مقدارهما في القرب. وهو كناية عن شدّة القرب. تدرك: تنال. ترم: تطلب.

(3) صاحب العلم: أمير الرّكب.

(4) المستنم: المرتفع.

كيما تفوز بوصل أيّ مستتر ... عن العيون وسرّ أيّ مكتتم «1»

فحزت كلّ فخار غير مشترك ... وجزت كلّ مقام غير مزدحم

وجلّ مقدار ما ولّيت من رتب ... وعزّ إدراك ما أوليت من نعم «2»

بشرى لنا معشر الإسلام إنّ لنا ... من العناية ركنا غير منهدم

لمّا دعا الله داعينا لطاعته ... بأكرم الرّسل كنّا أكرم الأمم

__________

(1) أيّ مستتر: مبالغة في الاستتار. أيّ مكتتم: مبالغة في الكتمان.

(2) أوليت: أعطيت.

القسم الثّاني قسم المقاصد واللّواحق

وفيه خطبة بليغة في الحثّ على الجهاد في سبيل الله بالأنفس والأموال، وايراد آيات وأحاديث صحيحة في كونه أفضل الأعمال، ثمّ شرح أحوال المجاهدين في سبيل الله، وهي سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلّم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين، وفضل الصّحابة وترتيبهم في الفضل، والرّد على من قدح في أحد منهم بالقول الفصل.

خطبة في الحثّ على الجهاد في سبيل الله

الحمد لله الّذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، الّذي له ملك السّماوات والأرض، ولم يتّخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا.

وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا، تسبح له السّماوات السّبع والأرض، ومن فيهنّ، وإن من شيء إلّا يسبّح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنّه كان حليما غفورا.

وأشهد أنّ محمّدا/ عبده ورسوله، الّذي أرسله شاهدا ومبشّرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.

اللهمّ صلّ وسلّم على محمّد، وعلى آل محمّد، بأفضل الصّلوات كلّها، وسلّم تسليما كثيرا، وعلى آله الّذين أذهب الله عنهم الرّجس، وطهّرهم تطهيرا.

وعلى أصحابه وأتباعه الّذين بشّرهم بأنّ لهم من الله فضلا كبيرا.

أمّا بعد: فإنّ الجهاد في سبيل الله هو الكنز الّذي وفّر الله منه لمن أحبّه الأقسام، والعزّ الّذي أظهر الله به دين الإسلام.

إخواني: فجاهدوا في سبيل الله فقد دلّكم الله به على المتجر الرّابح، فهل أنتم سامعون؟ وساومكم في شراء أنفسكم الّتي هي ملكه فهل أنتم لها بائعون؟

فقال سبحانه وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [سورة الصّفّ 61/ 10- 11] إلى آخر السّورة.

وقال عزّ وجلّ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.

التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [سورة التّوبة 9/ 111- 112] .

إخواني: يا لها صفقة خطيرة في بيع هذه الأنفس الحقيرة، المشتري فيها ربّ العالمين، والواسطة فيها سيّد المرسلين، والثّمن: جنّة عرضها السّماوات والأرض أعدّت للمتّقين.

فأوجبوا- رحمكم الله- صفقة هذا البيع الرّابح، بالثّمن الجزيل الرّاجح، فلمثل/ هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

فالجهاد الجهاد أيّها المؤمنون، والجنّة الجنّة أيّها الموقنون، وقاتلوا دون أنفسكم وأموالكم أعداء الله الفجّار، وادفعوا عن أنفسكم شؤم العار والنّار، فقد جاؤوكم يحادّون الله ورسوله بكفرهم، ويستأصلون شأفة «1» الإسلام والمسلمين بمكرهم،

__________

(1) الشّأفة: قرحة تخرج بباطن القدم، فتقطع أو تكوى فتذهب، وفي الحديث: «استأصل الله شأفتهم» ، أي: استأصل أصلهم، واستأصل الله شأفته: أذهبه كما تذهب تلك القرحة.

وقَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [سورة آل عمران 3/ 118] ، وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [سورة التّوبة 9/ 36] .

واحذروا أن تكونوا ممّن: كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ [سورة التّوبة 9/ 46] ، وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [سورة العنكبوت 29/ 6] .

ولقد ابتلاكم الله بالجهاد كما ابتلى به أفضل أهل السّماوات والأرض: ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [سورة محمّد 47/ 4] ، أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة التّوبة 9/ 13] .

إخواني: إذا كانت المنيّة محتومة، فالشهادة في سبيل الله هي الغنيمة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [سورة محمّد 47/ 7] . وإن أحجمتم فلن يدفع عنكم الأجل إحجامكم.

إخواني: ما أقبح عبدا يبخل على سيّده ومولاه بنفس هي من مواهبه وعطاياه، هذا مع ما وعد- وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [سورة التّوبة 9/ 111] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [سورة النّساء 4/ 122]- على ذلك ثناء جميلا وثوابا جزيلا.

إخواني: ما أقبح عبدا يقول بلسانه: قد رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد نبيّا، ثمّ يجبن عن قتال كافر بالله وباليوم الآخر، ولا يرجو ما يرجوه المؤمن من الجنّة والثّواب الوافر.

أو ما سمعتم مولاكم سبحانه يقول: فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ [سورة النّساء 4/ 104] .

إخواني: أيّ عذر لمن جبن عن قتال أعداء الله؟ وبأيّ وجه يوم القيامة يلقى الله؟ هذا: (ومن لم يمت بالسّيف/ مات بغيره) «1» .

ولا جنّة من القدر شرّه وخيره: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [سورة الأحزاب 33/ 16] ، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [سورة آل عمران 3/ 154] ، أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [سورة النّساء 4/ 78] .

إخواني: فجرّدوا عزائمكم في الجهاد، فقد وضح لكم السّبيل، وكونوا كالذين قال لهم النّاس: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ.

إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة آل عمران 3/ 173- 175] ، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً [سورة النّساء 4/ 89] ، وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.

فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ. الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ

__________

(1) صدر بيت لأبي نصر بن نباتة التميمي.

ومن لم يمت بالسّيف مات بغيره ... تنوّعت الأسباب والموت واحد

الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [سورة آل عمران 3/ 169- 172] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بالآيات والذّكر الحكيم، ووفّقنا وإيّاكم لاتباع سيّدنا محمّد [صلى الله عليه وسلم] النّبيّ الكريم، آمين.

,

حديث الإسراء والمعراج

]

ولا خلاف بين أئمة المسلمين وعلماء الدّين في صحّة الإسراء به صلى الله عليه وسلم، إذ هو نصّ القرآن العظيم. ورواه جماعة من الصّحابة، كما أخرجه الحفّاظ في أصول الإسلام المشهورة، ولكنّ أكملها ترتيبا ووضعا ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث ثابت البناني.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«أتيت بالبراق- (وهو/ دابّة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه) - قال: فركبته حتّى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة الّتي تربط بها الأنبياء، ثمّ دخلت المسجد فصلّيت فيه ركعتين، ثمّ خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللّبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة «1» .

__________

(1) قلت: قال أبو شهبة- رحمه الله-: عبّر عن اللّبن بالفطرة؛ لأنّه أوّل ما يدخل بطن المولود ويشقّ أمعاءه، وهو الغذاء الّذي لم يكن يصنعه غير الله، والغذاء الكامل المستوفي للعناصر الّتي يحتاج إليها الجسم في بنائه ونموه، مع كونه طيّبا سائغا للشّاربين. وقد تكرّر هذا العرض مرّتين، مرّة بعد الصّلاة في بيت المقدس- كما في صحيح مسلم- ومرّة في السّماء- كما في الحديث المتّفق عليه- (انظر السّيرة النّبويّة، ج 1/ 426) .

ثمّ عرج بي إلى السّماء، فاستفتح «1» جبريل، فقيل: من أنت؟، قال: جبريل، فقيل: ومن معك؟، قال: محمّد، قيل: وقد بعث إليه؟، قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بادم- عليه السّلام- فرحّب بي ودعا لي بخير.

ثمّ عرج بنا إلى السّماء الثّانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محّمد، قيل:

وقد بعث إليه؟، قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بابني الخالة «2» : عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريّا- عليهما السّلام- فرحّبا بي ودعوا لي بخير.

ثمّ عرج بنا إلى السّماء الثّالثة- فذكر مثل الأوّل- ففتح لنا. فإذا أنا بيوسف- عليه السّلام- وإذا هو قد أعطي شطر الحسن- أي:

نصفه، ومن النّاس من يعطى عشره أو دونه أو فوقه، وفيه إشارة إلى أنّ منهم من أكمل له الحسن، ويتعيّن أنّه محمّد صلى الله عليه وسلم- قال:

فرحّب بي ودعا لي بخير.

ثمّ عرج بنا إلى السّماء الرّابعة- وذكر مثله- فإذا أنا بإدريس- عليه السّلام- فرحّب بي ودعا لي بخير- قال الله تعالى:

وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [سورة مريم 19/ 57]-.

__________

(1) استفتح: طلب فتح الباب. ولله ملائكة موكّلون بكلّ ما خلق، وله الحكمة البالغة.

(2) قلت: قال أبو شهبة- رحمه الله-: وهذا على أنّ مريم وإيشاع أم يحيى ابن زكريا أختان، وقيل: إنّ إيشاع خالة مريم، فيكون في العبارة تسامح. ولا يزال هذا الأمر عرفا في بعض البلاد العربيّة تعدّ خالة الأمّ خالة للابن. (انظر السّيرة النّبويّة، ج 1/ 424) .

ثمّ عرج بنا إلى السّماء الخامسة- فذكر مثله- فإذا أنا بهارون- عليه السّلام- فرحّب بي ودعا لي بخير.

ثمّ عرج بنا إلى السّماء السّادسة- فذكر مثله- فإذا أنا بموسى- عليه السّلام- فرحّب بي ودعا لي بخير.

ثمّ عرج بنا إلى السّماء السّابعة- فذكر مثله- فإذا أنا بإبراهيم- عليه السّلام- مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.

ثمّ ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها/ كاذان الفيلة «1» ، وإذا ثمرها كالقلال «2» .

فلمّا غشيها من أمر الله ما غشي تغيّرت- أي: تلوّنت بألوان مختلفة- فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها.

قال: فأوحى الله إليّ ما أوحى. ففرض عليّ خمسين صلاة في كلّ يوم وليلة، فنزلت إلى موسى- عليه السّلام-، فقال: ما فرض ربّك على أمّتك؟، قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربّك واسأله التّخفيف، فإنّ أمّتك لا يطيقون ذلك، فإنّي قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربّي، فقلت: يا ربّ، خفّف على أمّتي. فحطّ عنّي خمسا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حطّ عنّي خمسا، فقال: إنّ أمّتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربّي عزّ وجلّ وبين موسى، حتّى قال: يا محمّد، إنّهنّ خمس صلوات كلّ يوم

__________

(1) يعني في الشّكل والكبر.

(2) القلال: آنية من الفخّار يشرب منها. مفردها: قلّة.

وليلة، لكلّ صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن همّ بسيّئة فلم يعملها لم تكتب شيئا- وفي رواية: كتبت حسنة- فإن عملها كتبت سيّئة واحدة، قال: فنزلت حتّى انتهيت إلى موسى- عليه السّلام- فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: قد رجعت إلى ربّي حتّى استحييت منه» «1» .

قلت: هذا مع ما قد أفهمه صلى الله عليه وسلم من الإلزام له بقوله: «إنّهنّ خمس» وفي رواية أيضا: «لا يبدّل القول لديّ» .

قال القاضي عياض- رحمه الله-: (جوّد ثابت- رحمه الله- هذا الحديث عن أنس ما شاء، ولم يأت عنه أحد بأصوب من هذا.

وقد خلّط فيه غيره عن أنس تخليطا كثيرا، لا سيّما من رواية شريك بن أبي نمر) «2» . انتهى.

قلت: وحديث شريك ممّا اتّفق عليه الشّيخان، وإنّما لم يورد البخاريّ حديث ثابت هذا لأنّ مسلما إنّما رواه من طريق حمّاد بن سلمة، وهو متروك عند البخاريّ، لم يرو له إلّا تعليقا.

واتّفق عليه الشّيخان أيضا من حديث أبي/ ذرّ وغيره.

فائدة [: في بعض دقائق الإسراء]

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «بالحلقة الّتي تربط به الأنبياء» إشارة إلى أنّ ركوب البراق للإسراء غير مختصّ بمحمّد صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى ذلك

__________

(1) أخرجه مسلم، برقم (162/ 259) .

(2) الشّفا، ج 1/ 347.

قوله في الرّواية الآتية: «فما ركبك عبد أكرم على الله من محمّد» ، لكن في ظاهر قول أهل كلّ سماء: (وقد بعث إليه) ، إشكال لعدم علمهم ببعثه إلّا بعد مضيّ هذه المدّة، مع كثرة تردّد جبريل فيها، وانتشارها عند أهل الأرض، فضلا عن أهل السّماء. وأجاب بعضهم: بأنّه سؤال عن البعث إليه للعروج المتوقّع عندهم لقوله:

(إليه) ، وهو جواب حسن.

وإنّما لم يفتح له قبل مجيئه ليعلم أنّه إنّما فتح من أجله، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا أوّل من يقرع باب الجنّة» «1» .

والحكمة في الإسراء به إلى (بيت المقدس) ما ذكره كعب الأحبار: أنّ باب السّماء الّذي يسمّى (مصعد الملائكة) يقابله (بيت المقدس) ، كما أنّ (البيت المعمور) مقابل (الكعبة) .

وأيضا ليحوز صلى الله عليه وسلم فضل شدّ الرّحال إلى المساجد الثّلاثة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه» يحتمل أيضا أنّهم لا يخرجون منه، فيكون في ذلك دلالة على سعته، وعلى كثرة جنود الله تعالى، والله أعلم بالصّواب.

وعندهما-[أي: البخاريّ ومسلم]- أنّ كلّ نبيّ قال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والأخ الصّالح، إلّا آدم وإبراهيم- عليهما السّلام- فقالا له: والابن الصّالح «2» .

__________

(1) أخرجه مسلم، برقم (196/ 331) . عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

(2) وهذه رواية البخاريّ ومسلم من طريق ابن شهاب عن أنس رضي الله عنه. قلت: لقد اقتصر الأنبياء الّذين لقيهم صلى الله عليه وسلم في السّماء على وصفه بصفة الصّلاح، لأنّ فيها جماع الخير كلّه، والصّالح هو الطّيّب في نفسه، الّذي يقوم بما عليه من حقوق الله وحقوق العباد.

فائدة [: في اجتماع النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالأنبياء]

الظّاهر أنّ أرواح الأنبياء تشكّلت له في العالم الأعلى. ويجوز نقل أجسادها تلك اللّيلة إكراما لهم أجمعين.

ويؤيّد الأوّل قوله في الحديث: «فصلّى بأهل السّماء، وفيهم أرواح الأنبياء» «1» .

والظّاهر أيضا: أنّ اختصاص من لقيه منهم في كلّ سماء، وهم: آدم، وعيسى، ويوسف، وإدريس، وهارون، وموسى، وإبراهيم، بحسب تفاوتهم في الدّرجات، فادم في السّماء الدّنيا، لأنّه أوّل الأنبياء. ثمّ عيسى في الثّانية، لأنّه أقرب الأنبياء عهدا بمحمّد. ويوسف في الثّالثة، لأنّ أمّة محمّد يدخلون الجنّة على صورته. وإدريس في الرّابعة/، لأنّها الوسطى، وقد رفعه الله مكانا عليّا. وهارون في الخامسة، لقربه من أخيه موسى. وموسى في السّادسة، لفضله بالتّكليم. وإبراهيم في السّابعة، لأنّه أفضل الأنبياء بعد محمّد. صلّى الله عليه وعليهم أجمعين.

والظّاهر من اختصاص مراجعة موسى له كونه أشبه الرّسل به في كثرة الأتباع وشرف الكتاب. والله أعلم.

[رؤية النّبيّ صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى]

وفي «2» رواية: «فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثمّ أدخلت الجنّة» «3» .

__________

(1) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد» ، ج 1/ 71- 72. عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) قلت: سمّيت سدرة المنتهى بذلك: لأنّها ينتهي إليها علم كلّ نبيّ مرسل، وكلّ ملك مقرّب، ولم يجاوزها أحد إلّا نبيّنا صلى الله عليه وسلم.

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (342) .

قال الله تعالى: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [سورة النّجم 53/ 14- 16] .

وفي أخرى: «إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها. وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها» «1» .

وفي ثالثة: هذه السّدرة المنتهى ينتهي إليها كلّ أحد من أمّتك، خلا على سبيلك، وهي السّدرة المنتهى «2» .

وفي رابعة: «يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشّاربين، وأنهار من عسل مصفّى، وهي شجرة يسير الرّاكب في ظلّها سبعين عاما [لا يقطعها] ، وأنّ ورقة منها مظلّة الخلق، فغشيها نور [الخالق] ، وغشيتها الملائكة» «3» .

وفي خامسة: «ثمّ عرج بي حتّى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» «4» .

[ما خصّ به النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأمّته]

وفي سادسة: «أنّ جبريل لمّا جاء بالبراق فذهب ليركب، فاستعصت عليه، فقال لها جبريل: اسكني، فو الله ما ركبك عبد

__________

(1) أخرجه مسلم، برقم (173/ 729) .

(2) الشّفا، ج 1/ 348.

(3) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد» ، ج 1/ 71. والبيهقيّ في «دلائل النّبوّة» ، ج 2/ 402. عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (3164) . عن أبي ذرّ رضي الله عنه. صريف الأقلام: هو صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه، وما ينسخونه من اللّوح المحفوظ، أو ما شاء الله تعالى أن يكتب ويرفع لما أراده من أمره وتدبيره.

أكرم على الله من محمّد صلى الله عليه وسلم، فركبها حتّى أتى بها الحجاب الّذي يلي عرش الرّحمن. فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «من هذا يا جبريل؟» ، قال: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا إنّي لأقرب الخلق مكانا، وإنّ هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فأذّن الملك وأقام، وأخذ بيد محمّد صلى الله عليه وسلم فقدّمه فصلّى بأهل السّماء، وفيهم أرواح الأنبياء- عليهم السّلام- ثمّ قال محمّد: «يا ربّ، إنّك اتّخذت إبراهيم خليلا. وكلّمت موسى تكليما. وآتيت داود الملك والحكمة، وألنت له الحديد، وسخّرت له الجبال يسبّحن معه والطّير. ووهبت سليمان/ ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وسخّرت له الرّيح تجري بأمره رخاء- أي: ليّنة- حيث أصاب- أي: قصد- والشّياطين كلّ بناء وغوّاص، وآخرين مقرّنين في الأصفاد- أي: القيود- وعلّمت عيسى التّوراة والإنجيل، وأعذته وأمّه من الشّيطان الرّجيم، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك» ، فقال الله تعالى:

يا محمّد؛ قد اتّخذتك خليلا وحبيبا، فهو مكتوب في التّوراة أنّ محمّدا حبيب الرّحمن، وأرسلتك إلى النّاس كافّة، وجعلت أمّتك هم الأوّلون وهم الآخرون بعثا، والسّابقون يوم القيامة، وجعلت أمّتك لا تجوز لهم خطبة حتّى يشهدوا أنّك عبدي ورسولي، وجعلتك فاتحا وخاتما، وأعطيتك السّبع المثاني- أي: الفاتحة- وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي، ولم أعط ذلك أحدا من خلقي» «1» .

__________

(1) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد» ، ج 1/ 71- 72. عن أبي هريرة رضي الله عنه.

فائدة [: في الحكمة من ركوب البراق]

الحكمة في ركوب البراق مع قدرة الله تعالى على طيّ المسافة له إكرامه بما جرت به العادة مع خرقها، إذ الملوك يبعثون لمن استدعوه بمركوب.

وجزم جماعة من المحقّقين بأنّه لم يجاوز سدرة المنتهى أحد إلّا محمّد صلى الله عليه وسلم، ويؤيّده قوله [صلى الله عليه وسلم] : «إليها ينتهي ما يعرج [به] من الأرض» «1» .

[عرض الآنية على النّبيّ]

وقوله صلى الله عليه وسلم: «فأتيت بإناء من لبن وإناء من خمر» «2» . زاد في رواية في «الصّحيحين» : «وإناء من عسل» «3» وفي رواية أخرى للبزّار: «وإناء من ماء» «4» .

قلت: وبتمام الأربعة يعلم أنّه أتي من كلّ نهر بإناء من الأنهار الّتي تخرج من أصل سدرة المنتهى المذكورة في الحديث السّابق.

ثمّ في قوله تعالى فيها: أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [سورة محمّد 47/ 15] . والله أعلم.

وفي «الصّحيحين» ، عن أنس رضي الله عنه، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لمّا عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهى دنا الجبّار ربّ العزّة، فتدلّى، حتّى كنت منه قاب قوسين- أي: قدر قوسين- أو أدنى،

__________

(1) أخرجه مسلم، برقم (173/ 729) .

(2) أخرجه مسلم، برقم (162/ 259) .

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (3674) . عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه.

(4) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد» ، ج 1/ 69. عن أبي هريرة رضي الله عنه.

فأوحى إليّ بما شاء» «1» .

وعن ابن عبّاس رضي الله/ عنهما، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «فارقني جبريل، فانقطعت عنّي الأصوات، فسمعت كلام ربّي جلّ وعلا يقول: ليهدأ روعك- أي: ليسكن خوفك- ادن يا محمّد، ادن» «2» .

[رؤية النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهر الكوثر]

وفي البخاريّ، عن أنس رضي الله عنه، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

«لمّا عرج بي إلى السّماء بينما أنا أسير في الجنّة، إذا [أنا] بنهر حافّتاه قباب اللّؤلؤ المجوّف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟، قال:

هذا الكوثر الّذي أعطاك ربّك، فإذا طينه مسك أذفر» «3» .

[رؤية النّبيّ صلى الله عليه وسلم لبعض أهل النّار]

وفي «سنن أبي داود» ، عن أنس أيضا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟

قال: هؤلاء الّذين يأكلون لحوم النّاس ويقعون في أعراضهم» «4» .

[وصيّة إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام لأمّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم]

وروى التّرمذيّ في «جامعه» ، وقال: حديث حسن، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقيت إبراهيم- عليه السّلام- ليلة أسري بي، فقال: يا محمّد: أقرىء أمّتك عنّي السّلام- عليه وعلى نبيّنا السّلام-، وأخبرهم أنّ الجنّة طيّبة التّربة، عذبة الماء، وأنّها قيعان، وأنّ غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر» «5» .

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (7079) . قلت: وقد خالف الرّاوي شريك غيره، إذ المشهور في الحديث نسبة الدّنوّ والتّدلّي إلى جبريل عليه السّلام.

(2) الشّفا، ج 1/ 390.

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (4680- 6210) . مسك أذفر: طيّب الرّائحة.

(4) أخرجه أبو داود، برقم (4878) .

(5) أخرجه التّرمذيّ، برقم (3462) . قيعان: وهو المكان المستوي

[ما رآه النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطّاب رضي الله عنه]

وروى الطّبرانيّ بإسناد حسن، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشّيخين، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لمّا دخلت الجنّة أتيت على قصر من ذهب مربّع مشرف، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا:

لعمر بن الخطّاب، ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ بعد كلّ صلاة مكتوبة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عشر مرّات بنى الله له قصرا في الجنّة، ومن قرأها عشرين مرّة بنى الله له قصرين في الجنّة» . فقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: إذا تكثر قصورنا يا رسول الله؟، قال: «فضل الله أوسع من ذلك» «1» .

[,

زمن الإسراء

]

قال القاضي عياض: وكان قبل الهجرة بسنة «1» - أي: في السّنة الثّانية عشرة-. ثمّ قال بعضهم: في رمضان منها. وقال النّوويّ في «روضته» : في رجب «2» .

والأصل فيه من القرآن قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ

__________

(1) الشّفا، ج 1/ 347.

(2) قلت: لم يتّفق العلماء على ضبط تاريخ الإسراء، ولكن الثّابت الّذي ظهر لنا بعد النّظر في الرّوايات أنّ حادث الإسراء وقع متأخّرا، لأنّ خديجة رضي الله عنها توفّيت في رمضان من السّنة العاشرة للنّبوّة على الصّحيح، وكانت وفاتها قبل أن تفرض الصّلوات الخمس، ولا خلاف أنّ فرض الصّلوات كان ليلة الإسراء. ولكنّ العلماء متّفقون على أنّ الإسراء والمعراج كان إكراما من الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم وتسلية وتعويضا عمّا لقيه في الطّائف من الأذى، وعمّا أصابه من الحزن على وفاة خديجة، وعلى وفاة عمّه أبي طالب، اللّذين بين وفاتيهما ثلاثة أيّام، وسمّاه صلى الله عليه وسلم عام الحزن. (انظر الجامع في السّيرة، ج 1/ 531) ..

لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [سورة الإسراء 17/ 1] .

وقوله تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [سورة النّجم 53/ 8- 11] ، إلى قوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [سورة النّجم 53/ 17- 18] .

[


ملف pdf

كلمات دليلية: