رضاعته صلى الله عليه وسلم من كتاب حدائق الانوار في السيرة

رضاعته صلى الله عليه وسلم من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

رضاعته صلى الله عليه وسلم

من حليمة السّعديّة]

قال علماء السّير: ثمّ احتملته حليمة السّعديّة بنت أبي ذؤيب- مصغّر ذئب- من بني سعد بن بكر بن هوازن، ثمّ قيس بن عيلان- بمهملة- ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان؛ حين قدمت مع قومها يلتمسون الرّضعاء، لما يرجونه من المعروف من أهليهم.

__________

(1) الكهانة: هي تعاطي الإخبار عن الكائنات في مستقبل الزّمان، وادّعاء معرفة الأسرار. [النّهاية، ج 4/ 214 (أنصاريّ) ] .

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (4637) . عن ابن عبّاس رضي الله عنهما.

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (4813) . عن أمّ حبيبة رضي الله عنها.

وكان أهل (مكّة) يسترضعون أولادهم فيهم لفصاحتهم، ولصحّة هواء البادية، فأقام صلى الله عليه وسلم فيهم نحو خمس سنين، وظهر لهم من يمنه وبركته في تلك المدّة أنواع من المعجزات وخوارق العادات.

روى ابن إسحاق عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: قالت حليمة: خرجت في نسوة من بني سعد نلتمس الرّضعاء، على أتان لي قمراء «1» ، في سنة شهباء «2» ، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزّى من بني سعد بن بكر، ومعنا شارف لنا- أي: ناقة مسنّة- ما تبضّ «3» بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من بكاء صبيّنا، ما في ثدييّ ما يغنيه، ولا في شارفنا ما يغذّيه، فخرجت على أتاني تلك، ولقد أذمّت «4» بالرّكب- أي: ولقد أزرت بهم «5» - ضعفا وعجفا «6» ، حتّى شقّ ذلك عليهم، حتّى قدمنا (مكّة) ، فو الله ما منّا امرأة إلّا عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها: إنّه يتيم، [وذلك أنّا إنّما كنّا نرجو المعروف من أبي الصّبيّ، فكنّا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمّه وجدّه؟، فكنّا نكرهه لذلك] ، فما بقيت امرأة ممّن قدمت معي إلّا أخذت رضيعا غيري، [فلمّا أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إنّي لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم

__________

(1) القمراء: شدّة البياض أو بياض إلى الخضرة.

(2) سنة شهباء: ذات جدب وقحط.

(3) تبضّ: تدرّ.

(4) أذمّت الرّكاب: أعيت وتخلّفت عن جماعة الإبل، ولم تلحق بها، يريد أنّها تأخّرت بالرّكب، أي: تأخّر الركب بسببها.

(5) أزرت: قصّرت وتهاونت.

(6) العجف: الهزال.

فلآخذنّه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت] : فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلّا أنّي لم أجد غيره.

قالت: فلمّا أخذته رجعت به إلى رحلي، فلمّا وضعته في حجري، أقبل عليه ثدياي بما شاء من اللّبن، فشرب حتّى روي، وشرب معه أخوه ضمرة حتّى رويا، ثمّ ناما، وما كنّا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفي فإذا بها حافل «1» ، فحلب منها ما شرب، وشربت، حتّى انتهينا شبعا وريّا/ [فبتنا بخير ليلة] .

قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلّمي «2» يا حليمة، والله إنّي لأراك قد أخذت نسمة مباركة، ألم تري إلى ما بتنا فيه من الخير والبركة؟ فلم يزل الله يرينا خيرا.

قالت: ثمّ خرجنا وركبت أتاني تلك، وحملته عليها معي، فو الله لقد قطعت بالرّكب، [ما يقدر عليها شيء من حمرهم] . حتّى إنّ صواحبي ليقلن لي: يا بنت أبي ذؤيب، ويحك!! إربعي علينا- أي: ارفقي- أليست هذه أتانك الّتي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهنّ: بلى، والله إنّها لهي هي!! فيقلن: والله إنّ لها لشأنا.

قالت: ثمّ قدمنا منازلنا [من بلاد بني سعد] ، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليّ [حين قدمنا به معنا] شباعا لبنا «3» ، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان غيرنا منهم قطرة لبن، [ولا يجدها في ضرع] ، حتّى كان الحاضرون من قومنا

__________

(1) ضرع حافل: ممتلىء لبنا.

(2) أي: اعلمي.

(3) ألبنت النّاقة: إذا نزل لبنها في ضرعها.

يقولون لرعاتهم: ويحكم!! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فيسرحون، فتروح أغنامهم جياعا هزلا ما تبضّ بقطرة لبن، وتروح غنمي شبعا لبنا، فلم نزل نتعرّف من الله الزّيادة والبركة حتّى مضت سنتاه، ففصلته عن الرّضاعة.

قالت: وكنت لا أدخل عليه باللّيل إلّا وجدت السّقف قد انفرج، وقد نزل عليه القمر يناغيه- أي: يحدّثه-.

وكان صلى الله عليه وسلم يشبّ شبابا لا يشبّه الغلمان، [فلم يبلغ] سنتيه حتّى كان غلاما جفرا- أي: ممتلئ الجنبين- «1» .

قالت: فقدمنا به على أمّه، ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنّا نتعرّف من بركته، فقلت لأمّه: دعينا نرجع به، فإنّا نخشى عليه وباء (مكّة) ، ولم نزل بها حتّى ردّته معنا. انتهى كلام ابن إسحاق «2» .

[حادثة شقّ صدره صلى الله عليه وسلم]

قال غيره: وبعد حولين من مرجعها به- أي: في العام الخامس من مولده صلى الله عليه وسلم- أتاه ملكان فشقّا صدره، واستخرجا قلبه فشقّاه، واستخرجا منه علقة سوداء، وقالا: هذا حظّ الشّيطان منك، ثمّ ملآه حكمة وإيمانا، ثمّ لأماه، فالتأم [الشّقّ] بإذن الله تعالى، ثمّ ختماه بخاتم النّبوّة بين كتفيه كالطّابع، ثمّ قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمّته، ففعل فوزنهم/، ثمّ قال: زنه بمئة [من أمّته] ، ففعل فوزنهم، ثمّ قال: زنه بألف [من أمّته] ، ففعل فوزنهم، حتّى قال: والله لو وزنته بأمّته كلّها لوزنهم، ثمّ قبّلا رأسه

__________

(1) استجفر الصّبيّ: إذا قوي على الأكل، وكنز لحمه.

(2) ابن هشام، ج 1/ 162- 164.

وما بين عينيه، وقالا: يا حبيب، لم ترع، إنّك لو تدري ما يراد بك [من الخير] لقرّت عيناك.

وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «فما هو إلّا أن ولّيا عنّي، وكأنّما الأمر معاينة» «1» .

وفي «صحيح البخاريّ» عن السّائب بن يزيد قال: قمت خلف ظهره صلى الله عليه وسلم فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه «2» . ولمسلم: أنّ الخاتم كان إلى جهة كتفه اليسرى «3» .

[خوف حليمة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وردّه إلى أمّه]

قال ابن إسحاق: فتخوّفت عليه حليمة بعد ذلك، فردّته إلى

__________

(1) أخرجه الطّبريّ، ج 2/ 160، عن شدّاد بن أوس رضي الله عنه. قلت: وقد تكرّر شقّ الصّدر الشّريف غير هذه المرّة، فقد حصل مرّة ثانية عند المبعث، ومرّة ثالثة عند الإسراء والمعراج. أمّا الأولى: فقد كانت لنزع العلقة السّوداء، الّتي هي حظّ الشّيطان من كلّ بشر. وأمّا الثّانية: فليتلقّى ما يوحى إليه من أمور الرّسالة بقلب قويّ وهو على أكمل الأحوال وأتمّ الاستعداد. وأمّا الثّالثة: فكانت استعدادا لما يلقى إليه في هذه اللّيلة من أنواع الفيوضات الرّبّانيّة، وما سيريه ربّه فيها من الآيات البينات، وإدراك المثل الرّائعة الّتي ضربت له في مسراه وفي معراجه، وكلّها تحتاج إلى شرح الصّدر وثبات القلب. وقد تطاول بعض المستشرقين في التّشكيك في حادثة شقّ الصّدر، وقد تأثّر بهذا الرأي بعض الكاتبين في السّيرة من المسلمين!! وقد قام الشّيخ محمّد بن محمّد أبو شهبة بالرّد عليهم، فليراجع. (انظر السّيرة النّبويّة، ج 1/ 199- 203) . وما أحسن ما قيل:

وما أخرج الأملاك من صدره أذى ... ولكنّهم زادوه طهرا على طهر

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (3348) .

(3) أخرجه مسلم، برقم (2346/ 112) . عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه.

أمّه، فقالت لها: ما أقدمك به يا ظئر «1» وقد كنت حريصة عليه؟

فأخبرتها، قالت: أفتخوّفت عليه؟ والله ما للشيطان على ابني هذا من سبيل، وإنّ له لشأنا، ولقد رأيت حين حملت به أنّه خرج منّي نور أضاء لي قصور (بصرى) من أرض (الشّام) «2» .

[


تحميل : رضاعته صلى الله عليه وسلم من كتاب حدائق الانوار في السيرة

كلمات دليلية: