دعوة أهل الطائف_9223

دعوة أهل الطائف من كتاب فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

اسم الكتاب:
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
المؤلف:
محمدسعيدرمضان البوطي

هجرة الرسول إلى الطائف

ولما نالت قريش من النبي صلّى الله عليه وسلم ما وصفناه من الأذى، خرج إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ويرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله عز وجل.

ولما انتهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ ساداته، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم من أجله، فردوا عليه ردا منكرا، وفاجؤوه بما لم يكن يتوقع من الغلظة وسمج القول. فقام رسول الله من عندهم وهو يرجوهم أن يكتموا خبر مقدمه إليهم عن قريش إذن، فلم يجيبوه إلى ذلك أيضا. ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أن رجلي رسول الله صلّى الله عليه وسلم لتدميان، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شجّ في رأسه عدة شجاج «16» ، حتى وصل رسول الله إلى بستان لعتبة بن ربيعة، فرجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد عليه الصلاة والسلام، وقد أنهكه التعب والجراح، إلى ظل شجرة عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه. فلما اطمأنّ النبي صلّى الله عليه وسلم في ذلك الظلّ، رفع رأسه يدعو بهذا الدعاء: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك» .

ثم إن ابني ربيعة- صاحبي البستان- تحركت الشفقة في قلبيهما، فدعوا غلاما نصرانيا لهما يقال له (عداس) فأرسلا إليه قطفا من العنب في طبق، فلما وضع عداس العنب بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقال له: كل، مدّ الرسول يده قائلا: بسم الله. ثم أكل، فقال عداس متعجبا:

والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له الرسول: ومن أي البلاد أنت؟

وما دينك؟ قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى (قرية بالموصل) ، فقال الرسول صلّى الله عليه وسلم:

من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ذلك أخي، كان نبيا وأنا نبي.. فأكبّ عداس على رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه» «17» .

__________

(16) طبقات ابن سعد: 1/ 196

(17) انظر تفصيل ذلك في سيرة ابن هشام: 1/ 420

قال ابن إسحاق: «ثم إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي، فمرّ به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولّوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا.

وقد قصّ الله خبرهم عليه صلّى الله عليه وسلم في قوله: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ إلى قوله: وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف 46/ 29] ، وقوله: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ.. الآيات [الجن 72/ 1] .

ثم عاد رسول الله صلّى الله عليه وسلم- ومعه زيد بن حارثة- يريد دخول مكة. فقال له زيد: «كيف تدخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك؟ فقال: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه» . ثم أرسل رجلا من خزاعة إلى مطعم بن عدي يخبره أنه داخل مكة في جواره، فاستجاب مطعم لذلك. وعاد رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى مكة» «18» .


ملف pdf

كلمات دليلية: