خطبة خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزواجه منها من كتاب حدائق الانوار في السيرة

خطبة خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزواجه منها من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

خطبة خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزواجه منها

]

ومنها: ما شاهده من صدقه وأمانته وخلقه العظيم، فأخبر ميسرة خديجة بما شاهده من معجزاته صلى الله عليه وسلم وخلقه وبركته، فخطبته إلى نفسها.

وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ.

وكانت خديجة من أفضل نساء قريش حسبا ونسبا وجمالا ومالا، وقد كان كلّ من قومها حريصا على نكاحها، فأكرمها الله بأكرم الخلق على الله، لما سبق في الأزل من الكرامة، فنكحها، وبقيت معه خمسا وعشرين سنة، عشرا بعد المبعث وخمس عشرة قبله، وكانت له عونا على الحقّ، وهي أوّل من أسلم على يديه من النّساء، وهي أمّ أولاده كلّهم: القاسم وعبد الله الطّاهر، ورقيّة، وزينب وأمّ كلثوم، وفاطمة، إلّا إبراهيم فإنّ أمّه مارية القبطيّة.

وفي «الصّحيحين» أنّه صلى الله عليه وسلم قال: «خير نسائها مريم [ابنة عمران] ، وخير نسائها خديجة» «1» - أي: مريم خير نساء زمانها، وخديجة خير نساء زمانها-.

وأنّه صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فقال: هذه خديجة، فإذا أتتك فاقرأ عليها السّلام من ربّها ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنّة من قصب- أي: لؤلؤ مجوّف- لا نصب فيه- أي: تعب- ولا صخب- أي:

صراخ-» «2» . زاد الطّبرانيّ أنّها قالت: هو السّلام، ومنه السّلام، وعلى جبريل السّلام.

فائدة: [في التّفاضل بين خديجة وعائشة رضي الله عنهما]

احتجّ بعض الأئمّة بهذا الحديث على تفضيل خديجة على عائشة رضي الله عنهما من حيث إنّ جبريل أقرأ خديجة السّلام عن الله وعن نفسه، وإنّما أقرأ عائشة السّلام عن نفسه، وبقوله صلى الله عليه وسلم- لمّا قالت له عائشة: قد أبدلك الله خيرا منها-: «ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي إذ كفر النّاس» «3» .

وأجيب عن الأوّل: بأنّ تسليم الله على خديجة لا يقتضي تفضيلها، / كما لا يقتضي تسليمه على إبراهيم وغيره من الأنبياء تفضيلهم على محمّد، الّذي أمر الله أمّته بالتّسليم عليه. وعن الثّاني: بأن مراد عائشة خيرا منها في السّنّ- كما في الحديث- فقابل

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (3249) . ومسلم برقم (2430/ 69) ، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (3610) . عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(3) أخرجه أحمد في «المسند» ، برقم (24343) ، عن عائشة رضي الله عنها.

ذلك صلى الله عليه وسلم بخيريّة خديجة في الدّين الّذي هو أفضل من حداثة السّنّ.

والله أعلم.

[بنيان الكعبة ومشاركة النّبيّ صلى الله عليه وسلم]

وفي السّنة الخامسة والثّلاثين: بنت قريش (الكعبة) وتقاسمتها أرباعا «1» ، فلمّا انتهوا إلى موضع الحجر الأسود، تنازعت القبائل أيّها يضعه موضعه، حتّى كادوا يقتتلون، ثمّ اتّفقوا على أن يحكّموا أوّل داخل عليهم من بني هاشم.

فكان صلى الله عليه وسلم هو أوّل داخل، فقالوا: هذا محمّد، هذا الصّادق الأمين، رضينا به، فحكّموه، فبسط صلى الله عليه وسلم رداءه ووضع الحجر فيه، وأمر أربعة من رؤساء القبائل الأربع، أن يأخذوا بأرباع الثّوب، فرفعوه إلى موضعه، فتناوله صلى الله عليه وسلم بيده المباركة، فوضعه في موضعه.

وفي «الصّحيحين» : أنّه صلى الله عليه وسلم حضرهم يوما في بناء الكعبة فذهب هو وعمّه العبّاس ينقلان الحجارة، فقال له العبّاس:

اجعل إزارك على عاتقك كما يفعلون، ففعل، فخرّ إلى الأرض مغشيّا عليه، وطمحت عيناه إلى السّماء، وقال: «أرني إزاري» ، فشدّه عليه «2» .

[ترادف علامات النّبوّة عليه صلى الله عليه وسلم]

وفي الثّامنة والثّلاثين: ترادفت علامات نبوّته صلى الله عليه وسلم، وتحدّث بها الرّهبان والكهّان.

__________

(1) قلت: فكان جانب الباب لبني عبد مناف وزهرة. وكان ما بين الرّكن الأسود واليمانيّ لبني مخزوم وقبائل من قريش انضمّوا إليهم. وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم. وكان جانب الحجر لبني عبد الدّار ولبني أسد ابن عبد العزّى ولبني عديّ.

(2) أخرجه البخاريّ: برقم (1505) ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. طمحت: شخصت وارتفعت. أرني: أعطني.

[حبّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم للخلوة]

وفي التّاسعة والثّلاثين: حبّبت إليه الخلوة، فكان يخلو بغار (حراء) أيّاما بعد أيّام، يتزوّد لها. وكان في تلك المدّة يرى أنوارا، ويسمع أصواتا.

[الرّؤيا الصّادقة]

وفي السّنة الأربعين قبل مبعثه بستّة أشهر: كان وحيه صلى الله عليه وسلم مناما، وكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح. أي: مثل الصّبح المفلوق، أي: المنشقّ. ومنه: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [سورة الفلق 113/ 1] .

[تسليم الحجر والشّجر عليه صلى الله عليه وسلم]

وكانت الأحجار والأشجار تسلّم عليه بالرّسالة.

وفي الحديث الصّحيح أنّه/ صلى الله عليه وسلم قال: «إنّي لأعرف حجرا بمكّة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث» «1» .

وفي «الصّحيحين» أنّه صلى الله عليه وسلم قال: «رؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزآ من النبوّة» «2» .

قال العلماء: لأنّ مدّة النّبوّة ثلاث وعشرون سنة، ونصف السّنة منها جزء من ستّة وأربعين جزآ.

وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله- فيها، [من البسيط] «3» :

أبان مولده عن طيب عنصره ... يا طيب مبتدإ منه ومختتم

يوم تفرّس فيه الفرس أنّهم ... قد أنذروا بحلول البؤس والنّقم

__________

(1) أخرجه مسلم، برقم (2277) ، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (6586) . ومسلم برقم (2264) ، عن عبادة ابن الصّامت رضي الله عنه.

(3) البردة، ص 19- 20.

وبات إيوان كسرى وهو منصدع ... كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم

والنّار خامدة الأنفاس من أسف ... عليه والنّهر ساهي العين من سدم «1»

وساء ساوة أن غاضت بحيرتها ... وردّ واردها بالغيظ حين ظمي «2»

كأنّ بالنّار ما بالماء من بلل ... حزنا وبالماء ما بالنّار من ضرم «3»

والجنّ تهتف والأنوار ساطعة ... والحقّ يظهر من معنى ومن كلم

عموا وصمّوا فإعلان البشائر لم ... تسمع وبارقة الإنذار لم تشم

من بعد ما أخبر الأقوام كاهنهم ... بأنّ دينهم المعوجّ لم يقم

وبعد ما عاينوا في الأفق من شهب ... منقضّة وفق ما في الأرض من صنم

حتّى غدا عن طريق الوحي منهزم ... من الشّياطين يقفو إثر منهزم

لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له ... قلبا متى نامت العينان لم ينم «4»

__________

(1) ساهي: ساكن عن الجريان. السّدم: الحزن.

(2) ساوة: مدينة في بلاد فارس بين همذان وقم.

(3) الضّرم: اللهب.

(4) الرّؤيا: المنام.

وذاك حين بلوغ من نبوّته «1» ... فليس ينكر فيه حال محتلم

تبارك الله ما وحي بمكتسب «2» ... ولا نبيّ على غيب بمتّهم «3»

__________

(1) يعني: أنّ الوحي ثابت في المنام للأنبياء بعد إدراك النّبوّة.

(2) ما وحي بمكتسب: أي لا تدرك النّبوّة باجتهاد صاحبها وسعيه، وإنّما فضل الله عزّ وجلّ يختصّ به من يشاء.

(3) أي: غير متّهم بالكذب فيما يخبر به من الأمور الغيبيّة.

الباب الخامس في اثبات أنّ دينه صلى الله عليه وسلّم ناسخ لكلّ دين، وأنّه خاتم النّبيّين وعموم رسالته إلى النّاس أجمعين وتفضيله على جميع النبيّين والمرسلين

اعلم أنّ إثبات النّبوّة هو الشّطر الثّاني من التّوحيد، فإنّه صلى الله عليه وسلم قال: «مبنى الإيمان على قول: لا إله إلّا الله/، وهو شطر- أي:

نصف- والشّطر الثّاني: محمّد رسول الله» .

وقد ذكرنا نبذا من مبادىء نبوّته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة من المبشّرات، الّتي يتذكّر بها من يخشى، ويتجنّبها الأشقى.

وسنذكر أيضا في الباب السّادس بعد هذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم، البالغة مبلغ التّواتر ما يستيقن به الّذين أوتوا الكتاب، ويزداد الّذين آمنوا إيمانا.

ولكنّ التّذكير والتّبشير إنّما هو لمن تقرّر في قلبه التّصديق والإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم.

وأمّا المنكر الجاحد لها: فلا يدحض حجّته ولا يبطل شبهته إلّا البراهين العقليّة القاطعة لحجّته، المبطلة لشبهته.

فنقول وبالله التّوفيق، على سبيل التّمهيد والتّحقيق، في إدراك النّبوّة بطريق الذّوق، ثمّ بيان أصلها، ثمّ إمكانها، ثمّ وجودها، ثمّ صحّتها:

أمّا طريق الذّوق: فاعلم أنّه لا يدرك بالذّوق شيئا من المعرفة

بحقيقة النّبوّة من لم يذق شيئا من سلوك طريق أهل الله تعالى، وأولياء الله تعالى، برياضة الأنفس وتزكيتها، وتصفية القلوب، وتهذيب الأخلاق.

لأنّ كرامات الأولياء على التّحقيق بدايات الأنبياء، وقد كان ذلك أوّل حال نبيّنا صلى الله عليه وسلم، حيث كان يتعبّد في (حراء) ، وكان يؤثر العزلة للخلوة بربّه، والتّجرّد والتّبتّل؛ وهو الانقطاع عن الخلائق إلى الخالق، وهو الذّهاب إلى الله تعالى، الّذي أشار إليه الخليل عليه الصّلاة والسّلام بقوله: وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [سورة الصّافّات 37/ 99] .

فمن مارس تلك الطّريق اتّضح له طرف من حقيقة النّبوّة، ما هي وخاصّيّتها بالكشف والعيان، ومن لم يبلغ هذه الرّتبة فلا بدّ له من التّنبيه على أصلها وإمكانها، ثمّ وجودها عموما، ثمّ لشخص معيّن، بإقامة البرهان، لشدّة مسيس الحاجة إليها.

وأمّا دليل أصلها: فكلّ عاقل قاطع بأنّ الإنسان أوّل ما يدرك من مراتب العلم في صغره/ وطفوليّته العلم بالحواسّ الخمس، الّتي هي. السّمع، والبصر، والشّمّ، والذّوق، واللّمس.

فيدرك بكلّ واحدة من هذه عالما لا يدركه بالآخرى، ومن تعطّلت عليه حاسّة منها- كالبصر مثلا- لم يدرك ما حقيقة الألوان، إلّا بسماعها بالتّواتر، فإنكاره لها مكابرة جاهل بما لم يعلم، وتكذيب بما لم يحط بعلمه، وقد أحاط به غيره، فيحتجّ عليه المبصر بأنّ عندك حاسّة الشّمّ وزيد أخشم «1» لا يفرّق بين رائحة المسك والجيفة، فماذا نقول له لو زعم التّسوية بين المسك والجيفة؟

__________

(1) الأخشم: من أصابه داء في أنفه فأفسده، فصار لا يشمّ.

فإن زعمت أنّه مكذّب بما لم يحط بعلمه من المشمومات، فهو أيضا يزعم أنّك مكذّب بما لم تحط به من الألوان المبصرات، ولا يسعك إلّا أن تؤمن له بوجود الألوان وتنوّعها، ويؤمن لك بوجود المشمومات وتنوّعها. وهكذا في المطعومات والملموسات والمسموعات.

وهذا الإدراك حاصل للطّفل، لا يدرك غيره من العوالم إلى سنّ التّمييز، فإذا بلغ سنّ التّمييز خلق الله فيه أمورا عقليّة زائدة على تلك الحسّيّة؛ كالتّمييز بين الجائزات والمستحيلات والواجبات.

فإذا قلت مثلا للطفل: رشّ هذا الحجر ليصير ليّنا كالطين اعتقد جواز ذلك دون المميّز، ولو قلت للمميّز الّذي سقط من يده القدح الّذي فيه الشّراب: هذا القدح انكسر والشّراب لم يتبدّد لعلم أنّك تهزأ به، إذ من لوازم انكسار القدح تبدّد الشّراب الّذي هو فيه.

وهكذا لو قلت له غير ذلك. وهو في هذا العالم إلى بلوغ سنّ التّكليف الّذي يتحمّل به الأمانة الشّرعيّة فيكمل تمييزه، فيخلق الله فيه طورا آخر من العقل، بحيث يوثق بأقواله وأفعاله، وتطمئنّ النّفس لمعظم أحواله، ولا يزال يزداد بالتّجربة عقلا. فكلّ عاقل يقطع بأنّ سنّ التّمييز طور وراء سنّ الطّفوليّة، وسنّ العقل طور وراء سنّ التّمييز.

وإذا قطع العاقل/ بذلك قلنا له: ليس في العقل أيضا ما يحيل أنّ فوق طوره طورا آخر، وفوق ذلك الطّور طورا آخر، وهلمّ جرّا.

فكما أنّ قدرة الله صالحة لأن يخلق في المميّز ما لم يدركه الطّفل من العلم، وفي العاقل ما لم يدركه المميّز؛ فهو سبحانه قادر على أن يخلق في بعض العقلاء طورا لا يدركه العقلاء؛ من الاطلاع على الغيب، وفتح عين في القلب تسمى: البصيرة الباطنة، بمثابة البصر لعين الرأس الظّاهرة، والعقل عن هذا الطّور معزول، كعزل قوّة الحواسّ عن التّمييز، وعزل التّمييز عن المعقولات،

فإنكار بعض العقلاء لطور النّبوّة كإنكار المميّز لطور العقل، وإنكار الأعمى للمبصرات، والأخشم للمشمومات، وذلك عين الجهل، إذ لا مستند له إلّا أنّ هذا طور لم يبلغه عقله إدراكا.

فنقول له: إن لم يدركه عقلك بمباشرة فلا تحل جوازه، كما لا يحيل الأعمى وجود المبصرات، ويجب عليه أن يقول: إنّ الحاسّة الّتي تدرك بها المبصرات وجدت في غيري فأدركها، ولم توجد فيّ فلم أدركها.

فحينئذ الشّكّ في النّبوّة إمّا أن يكون في إمكانها، أو في وجودها في العالم، أو في وقوعها مطلقا، أو في إثباتها لشخص معين.

أمّا دليل إمكانها: فظاهر ممّا تقرّر من أنّ العقل لا يحيل من أن يترقّى الإنسان الكامل إلى طور فوق طور العقل، يفتح الله لقلبه عينا يدرك بنورها ما لم يدركه العقل، كما ترقّى المميّز إلى طور العقل، والطّفل إلى طور التّمييز، وكما أنّ الله سبحانه قادر على أن يخلق في قلوب عباده المعرفة به، وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وجميع تكليفاته الشّرعيّة، ابتداء بغير واسطة، كقوله تعالى:

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ [سورة البقرة 2/ 31] وقوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [سورة الكهف 18/ 65] . وآدم نبيّ، والعبد وليّ، وكلاهما اشتركا في تعليم العلم اللّدنّيّ بغير واسطة.

وطور النّبوّة/ أيضا فوق طور الولاية، يعلمه الوليّ ويؤمن به، كما يعلم أنّ طور الولاية فوق طور العقل ذوقا ومباشرة، وكذلك العقل لا يمنع أن يوصل الله إلى من ارتضاه من رسله العلم بما سبق

من المعرفة به وبأحكامه، بواسطة بينهم وبينه، يبلّغهم عنه سبحانه وتعالى، سواء كان ذلك الواسطة من جنسهم- كالأنبياء في حقّ سائر البشر- أم من غير جنسهم- كالملائكة في حقّ الرّسل- وإذا جوّز العقل ذلك، وجاءت الرّسل بما تثبّت بأمثاله الرّسالة، من المعجزات الدّالّة على صدقهم، وجب تصديقهم، والإيمان بهم، وبجميع ما أتوا به.

[وأمّا دليل وجودها] : فإذا وقع الشّكّ في شخص معين، هل هو نبيّ أم لا؟ فسبيل تحصيل اليقين بما يدّعيه من النّبوّة، بأمرين:

أحدهما: مشاهدة ما أقامه من المعجزات الخارقة للعادات، كما سنذكره، وهذا خاصّ بمن عاصره.

وثانيهما: معرفة خاصّيّة النّبوّة أوّلا، من إدراك الأنبياء ما لا يدركه العقلاء، ثمّ التّسامع بالتّواتر.

كما أنّ من أراد أن يعرف مثلا أنّ الإمام أبا حنيفة- رضي الله عنه- فقيه أم لا؟ فسبيله أن يعرف أوّلا حقيقة الفقه ما هو؛ وهو استنباط الأحكام الفرعيّة من الأدلّة الأصليّة، ثمّ ينظر ثانيا فيما نقل عنه، ممّا استنبطه من الفقه، من كتاب الله تعالى، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنّه يحصل له العلم الضّروريّ بأنّه في أعلى مراتب الفقه.

وكذلك من علم خاصّيّة النّبوّة، ثمّ نظر إلى ما قرّره نبيّنا صلى الله عليه وسلم من الشّرع، حصل له لا محالة العلم القطعيّ، والإيمان القويّ بكونه صلى الله عليه وسلم في أعلى درجات النّبوّة.

هذا كلّه لمن أراد من المؤمنين تقوية اليقين.

وأمّا الجاحد الملحد: فيقرّر عليه أوّلا من دليل العقل عدم استحالة وقوع النّبوّة- كما سبق- ثمّ يقرّر حقيقة المعجزة/ الّتي بها تثبت النّبوّة لمدّعيها. فنقول: المعجزة عبارة عن إيجاد الله تعالى أمرا

خارقا للعادة على يدي مدّعي الرّسالة، للدّلالة على تصديق الله له.

فكلّ ما أظهره الله سبحانه وتعالى على أيدي الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ممّا يعجز البشر عن الإتيان بمثله؛ فهو من معجزاتهم الدّالّة على نبوّتهم، لأنّه لمّا كان لا يقدر أن يوجد ذلك الفعل إلّا الله تعالى، كان إيجاده على أيديهم قائما بلسان الحال، مقام التّصديق بلسان المقال: صدق عبدي في ما ادّعاه «1» .

كما لو قال شخص عاقل بحضرة الملك: معاشر المسلمين!! إنّ السّلطان قد نصب فلانا عليكم حاكما، فاسمعوا له، وأطيعوا، ولم ينكر عليه الملك، علم الحاضرون بتقرير الملك صدق ذلك القائل.

فالمعجزة مع التّحدّي قائمة مقام قول الله تعالى: صدق عبدي فاتّبعوه، وذلك عند عجزهم عن معارضته تلك المعجزة، واعتراف أعلم أهل ذلك العصر أنّ مثل هذا غير داخل في طوق البشر.

ولهذا فإنّه لمّا كان زمن موسى عليه السّلام غاية علم أهله التّفنّن في السّحر، بعثه الله إليهم بمعجزة تشبه ما يدّعون كمال المعرفة فيه، ثمّ جاءهم بما خرق به عادتهم، وأبطل سحرهم.

ولمّا كان زمن عيسى عليه السّلام غاية علم أهله التّفنّن في الطّب، جاءهم بما لا يقدرون عليه، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، دون معالجته.

وهكذا سائر معجزات الأنبياء عليهم السّلام، إنّما تكون بأمر شائع بين أهل ذلك العصر العلم به، والتّفنّن في المعرفة به على أقصى درجات الكمال عندهم، لتقوى عليهم الحجّة، ويعترفون

__________

(1) أي: إيجاد الله تعالى المعجزة على أيدي الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين قائمة مقام قول الله تعالى في الحديث القدسيّ: (صدق عبدي فيما ادّعاه) .

بعجزهم وعجز من سواهم عن مقاومته.

[وأمّا صحّتها] : ولمّا بعث الله نبيّنا محمّدا صلى الله عليه وسلم كان منتهى علم أهل عصره، وغاية المعرفة والكمال عندهم أمران:

أحدهما: فصاحة المنطق، وبلاغة الكلام، والتّفنّن فيه نثرا ونظما، في خطبهم/ وأشعارهم.

وثانيهما: علم الكهانة والزّجر «1» ، والإخبار عن الحوادث.

فجعل الله معجزته العظمى ما أنزل عليه من الكتاب الحكيم، على هذا الأسلوب الغريب، الّذي لم يهتدوا إلى طريقه، ولا سلكوا سبيله، وتحدّاهم أن يأتوا بمثله، ثمّ بعشر سور منه، ثمّ بسورة، فعجزوا، وجعله مشتملا على الإخبار بالمغيّبات، وكشف المخبّات الّتي اعترف بصحّتها وأذعن لصدقها أعدى الأعداء له، وأبطل بذلك ما كانوا عليه من الكهانة، الّتي تصدق مرّة وتكذب ألفا.

فلمّا ادّعى صلى الله عليه وسلم النّبوّة والرّسالة إلى النّاس كافّة، وأظهر المعجزات، وعظيم الآيات، الّتي لم تعارض في جميع الأوقات؛ دلّ ذلك قطعا على صدق ما ادّعاه.

أمّا دعواه النّبوّة والرّسالة: فمعلوم بالتّواتر بين البرّ والفاجر، لا يختلف فيه مؤمن وكافر.

وأمّا إقامته على ذلك الدّلائل الظّاهرة، والمعجزات الباهرة؛ فلما نقله الخلف عن السّلف، من الأمور الخارقة- كانشقاق القمر، وتسليم الحجر، وإجابة الشّجر، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وتفجير الماء من بين أصابعه، وتكثير الطّعام القليل ببركته- وغير ذلك

__________

(1) الزّجر: النّهي. وإنّما سمّي الكاهن زاجرا لأنّه إذا رأى ما يظنّ أنّه يتشاءم به زجر بالنّهي عن المضيّ في تلك الحاجة.

ممّا ستأتي الإشارة إلى بعضه تصريحا وتلويحا، إلى غير ذلك من عظيم الآيات المعلومة بالقطع بين علماء السّير، ونقلة الأخبار، ورواها العدد الكثير في جميع الأعصار، من الصّحابة والتّابعين، فمن بعدهم، ولم تزدد على مرّ الأيّام إلّا ظهورا. ومجموع معناها بالغ مبلغ التّواتر بين البرّ والفاجر، كما يعلم جود حاتم، وشجاعة عليّ بالضّرورة. وإن لم تبلغ كلّ واقعة منها بعينها مبلغ التّواتر، بل وأكثرها كان في المجامع الحفلة، والعساكر الجمّة من الصّحابة رضي الله عنهم، ثمّ رواها عنهم الكافّة، ولم يرو عن أحد منهم مخالفة للرّاوي فيما رواه، والإنكار لما نسبه إليهم من المشاهدة لها وحكاه.

فسكوت السّاكت منهم/ كنطق النّاطق، وكثيرا ما يحصل العلم الضّروريّ بشيء لإنسان دون آخر، كمن يعلم جملة من أخبار الملوك الماضية، والبلدان النّائية، وآخر لا يعرف وجودها، فضلا عن تحقّق أخبارها.

ثمّ إنّ من أعظم معجزاته صلى الله عليه وسلم الباهرة، وآيات نبوّته الظّاهرة، ودلائل صدقه: معجزة القرآن العظيم، المستمرّة على مرّ الدّهور والأزمان، المشاهدة لجميع الإنس والجانّ، وقد انطوى على وجوه من الإعجاز- ستأتي الإشارة إليها في الباب السّادس- لا يحصرها عدّ، ولا يحيط بها حدّ.

فلمّا أظهر صلى الله عليه وسلم هذا الكلام البليغ، الّذي أعجز به البلغاء، واللّدّ «1» الفصحاء، مع ما اشتمل عليه من نبأ القرون السّالفة، والشّرائع الدّاثرة، ممّا كان لا يوجد في القصّة الواحدة، إلّا عند الفذّ من الأحبار والرّهبان، ولا ينالها بالتّعلّم إلّا من قطع

__________

(1) اللّدّ: المجادلين.

العمر، وأفنى في طلبها الأزمان.

[قال تعالى] : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [سورة آل عمران 3/ 44] .

[وقال تعالى] إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة النمل 27/ 76- 77] .

هذا مع ما انطوى عليه من المغيّبات، والإخبار بما كان وما هو آت، ومع ما احتوى عليه من بليغ المواعظ والحكم، وكريم الأخلاق والشّيم، والتّرغيب والتّرهيب، والوعد والوعيد، وإثبات النّبوّات والتّوحيد، وتحدّاهم بأن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا بعد أن أخبرهم أنّهم لن يفعلوا، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [سورة الإسراء 17/ 88] .

فلمّا عجزوا كلّهم عن معارضته، مع كمال بلاغتهم، وشدّة حرصهم، وتوفّر دواعيهم، وتهالكهم على إفحامه، وألقوا بأيديهم مذعنين، وأحجموا عن معارضته صاغرين، دلّ ذلك على/ صدقه قطعا فيما ادّعاه، وأنّ كتابه منزّل من عند الله، هذا مع ما قد تواتر عنه قبل دعوى النّبوّة وبعدها، من ملازمة الصّدق والأمانة، والعفّة والصّيانة، والأحوال الكريمة، والأخلاق العظيمة، والسّيرة الحسنة، والإعراض عن زهرة الدّنيا، والمداومة على الجدّ والتّشمير للآخرى، إلى أن توفّاه الله.

إذا العقل يقطع بامتناع اجتماع هذه الأمور، إلّا في الأنبياء المؤيّدين بتأييد الله تعالى وأمره، ويستحيل أن يجمع الله هذه الكمالات فيمن يفتري على الله الكذب والبهتان، ثمّ يظهر دينه،

كما أخبر به على سائر الأديان.

وهل للنّبوّة والرّسالة معنى غير هذا في الاستدلال؟ وماذا بعد الحقّ إلّا الضّلال؟

ثمّ إذا ثبتت نبوّته صلى الله عليه وسلم- وقد دلّ كلام ربّه المنزّل على أنّه خاتم النّبيين، وأنّه مبعوث إلى النّاس أجمعين- ثبت بذلك عموم رسالته، ونسخ شريعته لسائر الشّرائع، لوجوب طاعته واتّباعه على الكلّ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [سورة آل عمران 3/ 85] .

وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» : «مثلي ومثل الأنبياء، كرجل بنى دارا، فأكملها وأحسنها إلّا موضع لبنة فيها، فجعل النّاس يدخلونها ويتعجّبون ويقولون: لولا موضع هذه اللّبنة، فأنا اللّبنة، وأنا خاتم النّبيّين» «1» .

فإن ادّعى مدّع خصوص رسالته إلى العرب فقط، فقد اعترف بنبوّته، والكذب ممتنع على الأنبياء اتّفاقا.

وقد حصل العلم القطعيّ أنّه صلى الله عليه وسلم جاء بكتاب من عند الله، ناطق بعموم رسالته إلى النّاس أجمعين، كقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [سورة الأعراف 7/ 158] . وبأنّه ادّعى عموم الرّسالة إلى الأحمر والأسود، والبعيد والقريب: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [سورة الأنعام 6/ 19]- أي: من بلغه القرآن-.

/ وتواتر النّقل عنه أنّه صلى الله عليه وسلم دعا اليهود والنّصارى وغيرهم إلى الإيمان، وأرسل كتبه إلى ملوك الفرس والرّوم وغيرهم، وألزمهم

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (3341- 3342) . ومسلم برقم (2287) . عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وجوب طاعته، واتّباعه على وفق ما يجدونه في كتبهم:

الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [سورة الأعراف 7/ 157] يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [سورة البقرة 2/ 146] فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [سورة البقرة 2/ 89] .

فكيف يعترف هذا بنبوّته ثمّ يناقض وجوب عصمته بتكذيبه؟

[قال تعالى] : وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [سورة النّساء 4/ 150- 151] .

فهذا القدر كاف في تحقيق نبوّته، وعموم رسالته صلى الله عليه وسلم، ونسخ دينه لكلّ دين.

[تفضيل النّبيّ صلى الله عليه وسلم على الأنبياء والمرسلين]

وأمّا تفضيله صلى الله عليه وسلم على جميع النّبيّين والمرسلين؛ فلما صحّ من قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر» «1» .

فتحدّث بنعمة ربّه امتثالا لأمره، نافيا للفخر والخيلاء، وبلّغ ذلك إلى أمّته ليعرفوه ويعتقدوه، ولقوله سبحانه وتعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [سورة آل عمران 3/ 110] .

ولا شكّ أنّ خيريّة الأمّة بحسب كمالها، وذلك تابع لكمال نبيّها، لأنّ كمال التّابع من كمال المتبوع. هذا إلى ما ورد في الأخبار الصّحيحة من اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالشّفاعة العظمى في أهل الموقف يوم الدّين، وهو المقام المحمود الّذي يحمده فيه الأوّلون والآخرون، بعد رجوع الخلائق إليه في الشّفاعة العظمى، واعترافهم له بالمزيّة.

وفي «الصّحيحين» : «أعطيت خمسا، لم يعطهنّ أحد قبلي:

نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا،

__________

(1) أخرجه ابن ماجه، برقم (4308) . عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وبعثت إلى النّاس عامّة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة» «1» .

وقال بعض العارفين/ بالله: لمّا أخرج الله: مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [سورة الأعراف 7/ 172] تفاوتوا في الإجابة، فأوّلهم الرّسل، وأوّل الرّسل محمّد صلّى الله عليه وسلّم وعليهم أجمعين.

هذا مع أنّه لا تفاضل بين جميع الأنبياء في درجة النّبوّة، وإنّما يكون التّفاضل بينهم بأمور أخر زائدة على ذلك؛ كأن تكون معجزات أحدهم أشهر وأظهر، أو تكون أمّته أكثر وأظهر، أو غير ذلك ممّا يخصّهم الله به من الكرامة.

فمنهم: أولوا العزم «2» ، ومنهم: أولوا الأيدي والأبصار «3» ، ومنهم: المصطفون الأخيار «4» ، ومنهم: من رفعه الله مكانا عليّا «5» ، ومنهم: من آتاه الله الحكم صبيا «6» .

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (328) . ومسلم برقم (521/ 3) . عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(2) أولوا العزم: ذوو الحزم والصّبر. وفيهم عشرة أقوال؛ أحدها: أنّهم (نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمّد صلى الله عليه وسلم) . [زاد المسير، ج 7/ 392 (أنصاريّ) ] وهذا القول هو المعتمد المشهور عند المحققين.

(3) أولو الأيدي: القوّة في الطّاعة. والأبصار: البصائر في الدين والعلم. قال ابن جرير: وذكر الأيدي مثل، وذلك لأنّ باليد البطش، وبالبطش تعرف قوّة القويّ، فلذلك قيل للقويّ: ذو يد. وعنى بالبصر: بصر القلب، وبه تنال معرفة الأشياء. [زاد المسير، ج 7/ 146 (أنصاريّ) ] .

(4) وهم: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب عليهم الصّلاة والسّلام. (أنصاريّ) .

(5) وهو: إدريس عليه الصّلاة والسّلام.

(6) وهو: يحيى عليه الصّلاة والسّلام.

[قال الله تعالى] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [سورة البقرة 2/ 253] .

[وقال تعالى] : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [سورة النّساء 4/ 164] .

ثمّ إنّه ليس يخفى على من له أدنى ممارسة بالعلم أنّ معجزات نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم أشهر وأكثر من معجزات سائر المرسلين عليهم الصّلاة والسّلام أجمعين- كما سيأتي ذكر بعضها- وإنّها أبلغ وأتمّ في باب الإعجاز.

إذ من المعلوم أنّ انفجار الأصابع بالماء الغزير أبلغ في باب الإعجاز من انفجاره من الحجر، لأنّه شيء ما شوهد مثله قطّ ولا عهد، بخلاف انفجار الحجر بالماء، فإنّه بالجملة معهود، وإن كان على غير الوجه الّذي شوهد في عهد موسى عليه السّلام.

وكذلك إشباع الجيش الكثير من أقراص من شعير، أتمّ في باب الإعجاز من إنزال المنّ والسّلوى، والمائدة على عيسى [عليه السّلام] من السّماء.

وكذلك ردّ العين السّائلة وإعادتها في الحال إلى صحّتها حتّى كانت أحسن من الآخرى الصّحيحة، أعجب من إبراء الأكمه والأبرص.

وكذلك نطق ما لم يعهد نطقه أصلا- كالجذع، والحجر، والشّجر، والضّبّ، والذّئب، والذّراع- أغرب من إحياء الموتى، فإنّ الميّت قد كان ينطق/، فقد عهد منه الحياة والنّطق في الجملة، ولم يعهد في حال من الأحوال نطق شيء من تلك الأجناس.

على أنّ جميع معجزات المرسلين عليهم السّلام تصلح أن تكون

معجزة لنبيّنا صلى الله عليه وسلم، لأنّ حقيقة المعجزة ما دلّ على صدق الرّسول، وكلّ من المرسلين قد بشّر به، فمعجزاتهم الدّالّة على صدقهم، معجزات دالّة على صدقه، وبراهين شاهدة بصحّة نبوّته.

ثمّ إنّ معجزات سائر المرسلين عليهم الصّلاة والسّلام انقرضت بانقراضهم، وانعدمت بموتهم.

وأمّا نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم فأعظم معجزاته: القرآن، وهو معجزة مستمرّة على مرّ الأزمان، لا تبيد ولا تنقطع، ولا تذهب ولا تضمحلّ، بل هي ثابتة إلى الأبد، واضحة الحجّة لكلّ قرن، فلا يمرّ عصر، ولا يظهر قرن، إلّا وهم مستدلّون على الخصم بوجوه إعجازه، محتجّون عليه بما احتجّ من قبلهم على الخصم من قبله، قائلين: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [سورة البقرة 2/ 23] .

فائدة [: في الفرق بين المعجزة والكرامة والسّحر]

أجمع أهل السّنّة على أنّ كرامات الأولياء حقّ.

قال الشّيخ الرّبّانيّ محيي الدّين النّوويّ- رحمه الله تعالى- في «شرح صحيح مسلم» ، في الكلام على حديث جريج الرّاهب:

(فيه إثبات كرامات الأولياء، وأنّها تكون بجميع خوارق العادات، وأنّ كلّ ما جاز أن يكون معجزة للأنبياء، جاز أن يكون كرامة للأولياء، وأنّ كرامات الأولياء يجوز أن تقع باختيارهم وطلبهم وبغير اختيارهم، لأنّ جريجا توضّأ، وصلّى، ودعا الله تعالى، وقال للغلام: من أبوك؟ فقال: فلان الرّاعي) «1» . انتهى.

__________

(1) شرح صحيح مسلم، للنّوويّ، ج 16/ 88، بتصرّف من المؤلّف.

قلت: وجميع ما ذكره- رحمه الله تعالى- هو مذهب أهل السّنّة، لأنّ خرق العادة لا يحيله العقل، وقد تظاهرت أدلّة الكتاب والسّنّة، والأخبار والآثار، الّتي ملأت الآفاق، وضاقت عن حصرها الأوراق؛ على وقوع/ كرامات الأولياء في كلّ عصر وزمان، كقوله تعالى في مريم: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [سورة آل عمران 3/ 37] ، وقوله تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [سورة مريم 19/ 25] ، وقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا

[سورة مريم 19/ 17] ، وقوله تعالى:

قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ [سورة النّمل 27/ 39] .

وكحديث جريج، وأصحاب الغار الثّلاثة، وكذا حديث بركة قصعة الصّدّيق «1» ، وحديث نداء الفاروق: يا سارية الجبل، ومشي العلاء بن الحضرميّ على الماء، وتسبيح قصعة أبي الدّرداء وسلمان «2» ، وتسليم الملائكة على عمران [بن حصين] .

__________

(1) وذلك أنّ ثلاثة من أهل الصفّة نزلوا عنده ليتعشّوا، فأمر أبا بكر ابنه عبد الرّحمن، وقال له: دونك أضيافك، فإنّي منطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فافرغ من قراهم قبل أن أجيء، ثمّ ذهب أبا بكر إلى أمره وعاد بعد ما مضى من الليل ما شاء الله. فوجدهم ينتظرونه ولم يأكلوا شيئا، فأحضر القدر، فأكلوا، فكان كلّما أكلوا لقمة زاد من أسفلها أكثر منها، فأكلوا وهي تزداد، حتى شبعوا، وإذا بالطعام في القدر قد زاد ثلاث مرّات، فأرسل أبو بكر القدر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأكل منها، وأكل معه جمع كبير من الناس، الله أعلم بعددهم «رياض الصالحين» ، رقم (1501) .

(2) وذلك أنّه بينما أبو الدّرداء يوقد تحت قدر له، وسلمان- رضي الله عنهما- عنده، إذ سمع أبو الدّرداء في القدر صوتا، ثمّ ارتفع الصوت بتسبيح كهيئة صوت الصّبيّ، قال: ثمّ ندرت فانكفأت، ثمّ رجعت إلى

ولو لم يكن إلّا قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ من عباد الله، من لو أقسم على الله لأبرّه» «1» - أي: لأكرمه- لكفى.

وسئل الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: ما بال الصّحابة لم ينقل عنهم من الكرامات ما نقل عمّن بعدهم؟ فقال: لقوّة إيمانهم.

وسئل النّوويّ- رحمه الله تعالى-: ما بال العلماء لا يظهر عليهم ما يظهر على العبّاد؟ فقال: لعزّة الإخلاص في العلم دون العبادة.

ولا فرق بين الكرامة والمعجزة إلّا اقتران المعجزة بدعوى النّبوّة.

نعم، قد تلتبس الكرامة بالسّحر، فإنّه أيضا أمر خارق للعادة، وإنّما الفرق بين الكرامة والسّحر باتّباع الولي للرّسول، ومخالفة السّاحر له.

فالكرامة الّتي لا يتطرّق إليها تلبيس «2» هي الاستقامة.

قال العلماء: ويستحيل أن يظهر الخارق مع دعوى النّبوّة على يد الكاذب، وكلّ كرامة لوليّ معجزة لنبيّه، لدلالة صدق التّابع على صدق المتبوع. والله أعلم.

__________

مكانها لم ينصبّ منها شيء، فجعل أبو الدّرداء ينادي: يا سلمان؛ انظر إلى العجب!! انظر إلى ما لم تنظر مثله أنت ولا أبوك!! فقال سلمان: أما إنّك لو سكت لسمعت من آيات الله الكبرى وكان أبو الدّرداء إذا كتب إلى سلمان، أو سلمان كتب إلى أبي الدّرداء؛ كتب إليه يذكّره باية القصعة. «حلية الأولياء» ، ج 1/ 224.

(1) أخرجه البخاريّ، رقم (2556) . عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

(2) تلبيس: اختلاط أو شبهة.

الباب السّادس في ذكر بعض ما اشتهر من معجزاته، وظهر من علامات نبوّته في حياته صلى الله عليه وسلّم

فمن [ذلك] :


ملف pdf

كلمات دليلية: