حديث الإفك من كتاب حدائق الانوار في السيرة

حديث الإفك من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

حديث الإفك

فروى البخاريّ ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فأنا أحمل في هودجي، فلمّا دنونا من (المدينة) ، آذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بالرّحيل، فقمت لأقضي حاجتي، فأبطأت، فأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلوني «2» ، فاحتملوا الهودج، فرحلوه على بعيري، وهم يحسبون أنّي فيه، فجئت المنزل فإذا ليس فيه أحد، فجلست مكاني، وكان صفوان بن المعطّل قد تخلّف عن الرّكب، فأصبح بالمنزل، فلمّا رآى سوادي عرفني، فاسترجع «3» ، فو الله ما كلّمني كلمة، ثمّ أناخ راحلته لي، فركبتها، وأخذ بزمامها يقود بي حتّى

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (4624) ؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(2) رحل البعير: جعل عليه الرّحل. والرّحل: ما يوضع على ظهر البعير للرّكوب.

(3) أي قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

أتى الجيش، فقال أهل الإفك ما قالوا، وكان الّذي تولّى كبر «1» ذلك عبد الله بن أبيّ.

[مرض عائشة رضي الله عنها وإخبار أمّ مسطح لها بالأمر]

/ فقدمنا (المدينة) ، فاشتكيت بها شهرا، والنّاس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا علم لي بذلك حتّى نقهت- أي: شفيت- فخرجت ليلة أنا وأمّ مسطح للبراز- بفتح الموحّدة، أي: المكان البارز- وذلك قبل أن نتّخذ الكنف «2» ، فعثرت أمّ مسطح في مرطها «3» ، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت لرجل شهد (بدرا) ، قالت: ألم تسمعي ما قال؟ - وكان ممّن خاض في حديث الإفك- فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي، فلمّا رجعت إلى بيتي، دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّم- وقد رابني منه أنّي لا أرى منه اللّطف- أي: بالتّحريك- الّذي كنت أراه منه حين أشتكي، إنّما يدخل ويسلّم ويسأل عنّي، ثمّ ينصرف، فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟، وأنا أريد أن أستيقن الخبر، فأذن لي.

[مواساة أمّ رومان لابنتها رضي الله عنهما]

فأتيت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّاه، ماذا يتحدّث النّاس به؟

فقالت: يا بنيّة، هوّني على نفسك الأمر، فقلّما حظيت امرأة عند زوجها إلّا حسدت، فقلت: سبحان الله أو لقد تحدّث النّاس بهذا؟

فبكيت تلك اللّيلة، لا يرقأ «4» لي دمع، ولا أكتحل بنوم.

[استشارة النّبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه بشأن عائشة رضي الله عنها]

فلمّا أصبح النّبيّ صلى الله عليه وسلم استشار عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد في فراقي.

__________

(1) تولّى كبره: معظّمه.

(2) الكنف: الخلاء. كأنّه كنف في أستر النّواحي.

(3) المرط: كساء من صوف.

(4) يرقأ الدّمع: يسكن ويجفّ وينقطع جريانه.

فأمّا أسامة فقال: يا رسول الله، أهلك، والله ما نعلم إلّا خيرا.

وأمّا عليّ فقال: يا رسول الله، لن يضيّق الله عليك، والنّساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: «يا بريرة، هل رأيت في عائشة شيئا يريبك؟» ، قالت: لا، والّذي بعثك بالحقّ.

فائدة [: في حرص الصّحابة على إراحة خاطره صلى الله عليه وسلم]

قال العلماء: إنّما رأى عليّ رضي الله عنه من النّبيّ صلى الله عليه وسلم انزعاجا وقلقا، فأراد راحة خاطره.

قلت: وممّا يدلّ على أنّهم كانوا يرون انزعاج خاطره أشدّ عليهم من كلّ أمر: أنّ عمر لمّا قال للأنصاريّ: أجاء الغسانيّ؟

قال: بل أشدّ، اعتزل النّبيّ صلى الله عليه وسلم نساءه «1» .

[خطبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم بشأن الإفك]

قالت عائشة/: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في النّاس واستعذر من عبد الله بن أبيّ «2» ، فقال: «من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فو الله ما علمت على أهل بيتي إلّا خيرا، ولقد ذكروا

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (5505) . قلت: ونصّ الخبر في «البخاريّ» ؛ قال عمر رضي الله عنه: (فخرجت من عندها وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوّف ملكا من ملوك غسّان ذكر لنا أنّه يريد أن يسير إلينا، فلقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاريّ يدقّ الباب، فقال: افتح ... افتح، فقلت: (جاء الغسّانيّ؟) ، فقال: بل أشدّ من ذلك؛ اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه، فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة ... ) . (أنصاريّ) .

(2) استعذر: طلب العذر في قتله.

رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا» .

فقام سعد بن معاذ سيّد الأوس، فقال: أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة- وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحميّة- فقال لسعد بن معاذ: كذبت، والله لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فتثاور الحيّان «1» في المسجد حتّى همّوا أن يقتتلوا، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفّضهم حتّى سكتوا.

قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثمّ بكيت ليلتي المقبلة.

قالت: وأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويوما «2» ، حتّى أظنّ أنّ البكاء فالق كبدي.

قالت: فبينما هما عندي وأنا أبكي، إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّم، ثمّ جلس عندي، قالت: ولم يجلس عندي من يوم قيل ما قيل، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء «3» ، فتشهّد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمّ قال: «أمّا بعد: يا عائشة، فإنّه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت

__________

(1) تثاور الحيّان: نهض بعضهم إلى بعض من الغضب.

(2) قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ، ج 8/ 474: أي: اللّيلة الّتي أخبرتها فيها أمّ مسطح الخبر، واليوم الّذي خطب النّبيّ صلى الله عليه وسلم النّاس، واللّيلة الّتي تليه.

(3) قال السّهيليّ في «الرّوض الأنف» ، ج 4/ 23: كان نزول براءة عائشة رضي الله عنها بعد قدومهم المدينة بسبع وثلاثين ليلة في قول بعض المفسّرين، وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ، ج 1/ 475: عن ابن حزم: أنّ المدّة كانت خمسين يوما أو أزيد. والله أعلم.

بذنب، فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب، تاب الله عليه» .

فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والله ما أدري ما أقول له، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت:

والله ما أدري ما أقول له، فقلت: والله لئن قلت لكم: إنّي بريئة- والله يعلم ذلك- لا تصدّقوني بذلك، وقد استقرّ في أنفسكم ما تحدّث به النّاس، ولئن اعترفت بذنب والله يعلم أنّي منه لبريئة لتصدّقنّي، فو الله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا أبا يوسف- والتمست اسم يعقوب فدهشت «1» - إذ قال/: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [سورة يوسف 12/ 18] .

قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله أعلم أنّ الله سيبرّئني، وما كنت أظنّ أن ينزل الله في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من ذلك، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرّئني الله بها، فو الله ما قام من مجلسه حتّى أخذه ما كان يأخذه من البرحاء «2» ، من ثقل الوحي، ثمّ سرّي عنه وهو يضحك، وقال: «أبشري يا عائشة، فقد برّأك الله» ، فقلت: لا أحمد إلّا الله الّذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيّرتموه» .

قال العلماء: فبيّنت أنّهم لا حمد لهم بالنّسبة إلى براءتها لعلمهم بحسن سيرتها.

__________

(1) دهش المرء: ذهب عقله من وله أو فزع أو حياء.

(2) البرحاء: الشّدّة الّتي كانت تصيبه عند نزول الوحي.

(3) أخرج البخاريّ قصّة حديث الإفك، برقم (3910- 4473) .

وفي رواية: وكنت أشدّ ما كنت غضبا «1» . فأظهرت وجه العذر.

قالت: وأنزل الله عزّ وجلّ: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ- أي: في الآخرة-[سورة النّور 24/ 11] .

فائدة [في طرق روايات حديث الإفك]

روى البخاريّ ومسلم حديث الإفك من طريق الزّهريّ، عن عروة وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.

وانفرد البخاريّ بروايته له من طريق مسروق بن الأجدع، عن أمّ رومان أمّ عائشة، مصرّحا بسماعه منها، وهو يردّ ما زعمه أبو بكر الخطيب وجماعة من الحفّاظ من أنّ أمّ رومان ماتت في حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وصلّى عليها سنة ستّ؛ بل حديث نزول آية التّخيير وفيه: «لا تعجلي حتّى تستأمري أبويك» «2» - أي: أبا بكر وأمّ رومان- كما صرّح به في رواية الإمام أحمد يردّ ما قالوه، لأنّ التّخيير سنة تسع. والله أعلم «3» .

[موقف عائشة من حسّان رضي الله عنهما]

قال عروة: لم يسمّ من أهل الإفك غيره إلّا حسّان بن ثابت، ومسطحا، وحمنة بنت جحش، غير أنّهم عصبة كما قال الله تعالى «4» .

__________

(1) أخرجه التّرمذيّ، برقم (3180) .

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (2336) .

(3) أخرجه أحمد في «مسنده» ، برقم (25739) . وآية التّخيير نزلت سنة تسع للهجرة، قبل غزوة تبوك.

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (3910) .

قال- أي: عروة- وكانت عائشة تكره أن يسبّ عندها حسّان، وتقول إنّه الّذي يقول، [من الوافر] «1» :

فإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمّد منكم وقاء

/ وكان حسّان أيضا يعتذر عن ذلك. ومن شعره فيه وفي مدح عائشة رضي الله عنها قوله، [من الطّويل] «2» :

حصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل «3»

عقيلة حيّ من لؤيّ بن غالب ... كرام المساعي مجدهم غير زائل «4»

مهذّبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كلّ سوء وباطل «5»

فإن كنت قد قلت الّذي قد زعمتم ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي

وكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل

له شرف عال على النّاس كلّهم ... تقاصر عنه سورة المتطاول «6»

__________

(1) ابن هشام، ج 3/ 306.

(2) ابن هشام، ج 3/ 306.

(3) حصان: المرأة العفيفة. رزان: ذات ثبات ووقار وسكون. ما تزنّ: ماتتّهم. غرثى: جائعة.

(4) العقيلة: الكريمة. المساعي: ما يسعى فيه من طلب المجد والمكارم.

(5) خيمها: طبعها.

(6) السّورة (بفتح السّين) : الوثبة، (وبضمّ السّين) : المنزلة.

قالت عائشة رضي الله عنها: فلمّا أنزل الله تعالى براءتي، قال أبو بكر- وكان ينفق على مسطح لقرابته منه-: والله لا أنفق على مسطح أبدا بعد الّذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله عزّ وجلّ:

وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة النّور 24/ 22] .

فقال أبو بكر: بلى، والله إنّي لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الّذي يجرى عليه «1» .

فائدة [: في كفر من يعتقد أنّ عائشة رضي الله عنها لم تكن بريئة]

لا يخفى أنّ بين حديث نزول سورة المنافقين وحديث الإفك مناسبة من وجوه:

منها: إنّهما وقعا في الرّجوع من غزوة واحدة.

ومنها: إنّ سورة المنافقين في براءة زيد بن أرقم عن الإفك، وهو الكذب المتّهم به، وحديث الإفك في براءة عائشة رضي الله عنها عمّا قذفت به، فهي براءة قطعيّة بنصّ القرآن، حتّى إنّ من يشكّك في براءتها فهو كافر بالإجماع.

بل قال ابن عبّاس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى:

فَخانَتاهُما [سورة التّحريم 66/ 10]- أي: امرأة نوح نوحا، وامرأة لوط لوطا-: لم تزن امرأة نبيّ قطّ.

وفي «الصّحيحين» ، أنّ صفوان بن المعطّل قال: والله ما كشفت

__________

(1) ابن هشام، ج 3/ 304.

عن كنف أنثى قطّ- أي: أنّه كان حصورا لا يأتي النّساء «1» -.

وسيأتي أنّ (الخندق) في شوّال، فيلزم أنّ حديث الإفك قبل شوّال، / لأنّ سعد بن معاذ أصيب ب (الخندق) وهو القائم بعذر النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الإفك، كما سبق.

[


تحميل : حديث الإفك من كتاب حدائق الانوار في السيرة

كلمات دليلية: