تجديد بناء المسجد من كتاب حدائق الانوار في السيرة

تجديد بناء المسجد من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

تجديد بناء المسجد

]

وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنّ المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم مبنيّا باللّبن، وسقفه الجريد، وعمده الخشب، فلم يزد أبو بكر فيه شيئا،

__________

(1) ثامنوني بحائطكم: قرّروا معي ثمنه وبيعونيه بالثّمن. والحائط: البستان.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (418) ، ومسلم برقم (524/ 9) .

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (3717) .

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (3694) .

وزاد عمر وبناه على بنيانه في عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلّم باللّبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ثمّ غيّره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة- أي: النّورة، وهي بقاف مفتوحة ومهملة- وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالسّاج «1» .

وفي «صحيح البخاريّ» ، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال: لتزخرفنّها كما زخرفت اليهود والنّصارى «2» .

[إخباره صلى الله عليه وسلم عمّارا بقتله على يد الفئة الباغية]

وفيه عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: كنّا في بناء المسجد نحمل لبنة لبنة، وعمّار لبنتين لبنتين، فرآه النّبيّ صلى الله عليه وسلّم فنفض التّراب عنه، وهو يقول: «ويح عمّار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النّار» «3» .

[فضل المسجد النّبويّ]

وفي «الصّحيحين» ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرّسول، والمسجد الأقصى» «4» .

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (435) . القصّة: هي ما يسمّيه أهل الشّام: كلسا، وأهل مصر: جيرا، وأهل الحجاز: جصّا. السّاج: خشب جيد ذو قيمة، يؤتى به من الهند.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (434) . قلت: وكان أوّل من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، ومن يومها والنّاس شرعوا يغالون في بناء المساجد والمبالغة في زخرفتها، حتّى غدا بعضها كالمتاحف، يقصده النّاس للاستمتاع بزخرفته لا للصّلاة والعبادة، وكلّ هذا خارج عن سنّة النّبيّ صلى الله عليه وسلّم. ولو روعيت البساطة في بناء المساجد وعدم المغالاة في الزّخرفة لكان خيرا وأولى.

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (436) .

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (1132) ، ومسلم برقم (1397/ 511) .

وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلّم كان يزور مسجد (قباء) راكبا وماشيا «1» .

[مشروعيّة الأذان]

وفي السّنة الأولى أيضا: شرع الأذان والإقامة للصّلوات الخمس، وذلك برؤيا مشهورة ارتضاها النّبيّ صلى الله عليه وسلّم.

وفي «الصّحيحين» ، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان المسلمون حين قدموا (المدينة) يجتمعون فيتحيّنون الصّلاة «2» ، ليس ينادى لها، فتكلّموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتّخذوا ناقوسا مثل ناقوس النّصارى، وقال بعضهم: بل بوقا مثل بوق اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا منكم ينادي بالصّلاة؟ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: «يا بلال، قم/ فناد بالصّلاة» «3» .

وأمره أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة «4» .

وسبق في حديث الإسراء أنه صلى الله عليه وسلّم سمع الأذان، وأمر بالصّلوات الخمس، ولم يؤمر به.

والحديث رواه البزّار بإسناد حسن، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: أنّه ركب البراق ليلة أسري به، حتّى

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (1134) . ومسلم برقم (1399/ 515) . عن ابن عمر رضي الله عنهما.

(2) يتحيّنون الصّلاة: يقدّرون حينها ووقتها ليأتوا إليها فيه.

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (579) ، ومسلم برقم (377/ 1) . قلت: والحكمة في تخصيص بلال بالأذان حسن صوته ونداوته وقوّته، وأيضا فقد كان ذلك مكافأة على ما لقي في الله، لقد كان إذا اشتدّ به التّعذيب لا يفتر عن قوله: (أحد أحد) ، فجوزي بالأذان الّذي أوّله تعظيم وتوحيد، وآخره تعظيم وتوحيد.

(4) أخرجه البيهقيّ في «سننه» ، ج 1/ 390.

أتى بها الحجاب الّذي يلي عرش الرّحمن جلّ وعلا، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: «من هذا يا جبريل؟» ، قال: والّذي بعثك بالحقّ إنّي لأقرب الخلق مكانا، وإنّ هذا الملك ما رأيته قطّ منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، قال: فقيل له من وراء الحجاب:

صدق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر، ثمّ قال الملك: أشهد أن لا إله إلّا الله، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا لا إله إلّا أنا، وذكر مثل هذا في بقيّة الأذان إلى آخر الحديث «1» .

فائدة [: في قول القرطبيّ والغزاليّ في الأذان]

قال القرطبيّ: الأذان على قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة.

وقال الغزاليّ: إذا سمعت النّداء فأحضر في قلبك النّداء يوم القيامة، واعلم أنّك إن وجدت قلبك عند هذا النّداء مملوآ بالفرح والاستبشار، مشحونا بالرّغبة إلى المسارعة والابتدار، فاعلم أنّه سيأتيك النّداء بالبشرى، والفوز يوم القضاء «2» .

__________

(1) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد» ، ج 1/ 328. قلت: ذكر الحافظ ابن حجر في «الفتح» ، ج 2/ 78: إلى أنّه اختلف في السّنة الّتي فرض فيها الأذان، وأنّه وردت أحاديث تدلّ على أنّ الأذان شرع بمكّة قبل الهجرة، وبيّن أنّه لا يخلو طريق من طرق هذه الأحاديث من مجهول أو متروك، ثمّ رجح أنّ ذلك كان في السّنة الأولى من الهجرة. والحديث الّذي أورده المؤلّف هنا تفرّد به زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو من المتهمين بالكذب. ثمّ لو كان قد سمعه النّبيّ صلى الله عليه وسلّم ليلة الإسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدّعوة إلى الصّلاة.

(2) إحياء علوم الدّين، ج 1/ 152.

[حمّى المدينة]

قال أهل السّير: وكانت (المدينة) كثيرة الوباء، فتضرّر بذلك أصحابه المهاجرون، وشقّ ذلك عليه صلى الله عليه وسلّم، وخاف أن يكرهوها، فدعا الله أن يرفع الوباء عنها، فرفعه.

وفي «الصّحيحين» ، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدمنا (المدينة) وهي أوبأ أرض الله، فوعك أبو بكر، ووعك بلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول، [من الرّجز] :

كلّ امرىء مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا أقلع عنه الحمّى يرفع عقيرته- أي: صوته- يقول/، [من الطّويل] «1» :

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل «2»

وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل «3»

وهما جبلان ب (مكّة) -[أي: شامة وطفيل] .

قالت: فأخبرت النّبيّ صلى الله عليه وسلّم فقال: «اللهمّ حبّب إلينا (المدينة) ، كحبّنا (مكّة) ، أو أشدّ، وصحّحها لنا، وانقل حمّاها فاجعلها ب (الجحفة) ، وبارك لنا في صاعنا ومدّنا» «4» .

__________

(1) ابن هشام، ج 2/ 589.

(2) الإذخر والجليل: تسقّف بهما البيوت فوق الخشب.

(3) مجنّة: اسم سوق للعرب كان في الجاهليّة.

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (1790) . ومسلم برقم (1376/ 480) .

فبعد دعوته صلى الله عليه وسلّم طاب لهم المقام، وانصرفت عنهم الأسقام، عند قوم كرام.

وفي ذلك يقول أبو قيس صرمة بن أبي أنس، أحد بني النّجّار رضي الله عنه، [من الطّويل] «1» :

ثوى في قريش بضع عشرة حجّة ... يذكّر لو يلقى صديقا مواتيا «2»

ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا

فلمّا أتانا أظهر الله دينه ... فأصبح مسرورا بطيبة راضيا

وألفى صديقا واطمأنّت به النّوى ... وكنّا له عونا من الله باديا

يقصّ لنا ما قال نوح لقومه ... وما قال موسى إذ أجاب المناديا

فأصبح لا يخشى من النّاس واحدا ... قريبا ولا يخشى من النّاس نائيا «3»

بذلنا له الأموال من كلّ مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتّاسيا «4»

__________

(1) ابن هشام، ج 2/ 512.

(2) ثوى: أقام. مواتيا: موافقا.

(3) نائيا: بعيدا.

(4) الوغى: الحرب. التّاسي: التّعاون.

نعادي الّذي عادى من النّاس كلّهم ... جميعا وإن كان الحبيب المصافيا

[


ملف pdf

كلمات دليلية: