بناء المسجد النبوي_9237

بناء المسجد النبوي من كتاب فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

اسم الكتاب:
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
المؤلف:
محمدسعيدرمضان البوطي

الأساس الأول (بناء المسجد)

لقد كانت هجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة، تعني نشأة أول دار إسلام إذ ذاك على وجه الأرض، وقد كان ذلك إيذانا بظهور الدولة الإسلامية بإشراف منشئها الأول محمد عليه الصلاة والسلام.

ولذا فقد كان أول عمل قام به الرسول صلّى الله عليه وسلم، أن أقام الأسس الهامة لهذه الدولة ولقد كانت هذه الأسس ممثلة في هذه الأعمال الثلاثة التالية:

أولا: بناء المسجد.

ثانيا: المؤاخاة بين المسلمين عامة والمهاجرين والأنصار خاصة.

ثالثا: كتابة وثيقة (دستور) حددت نظام حياة المسلمين فيما بينهم، وأوضحت علاقتهم مع غيرهم بصورة عامة واليهود بصورة خاصة.

وسنبدأ، فنتحدث عن بناء المسجد أولا:

«قلنا فيما مضى: إن ناقته صلّى الله عليه وسلم بركت في موضع كان لغلامين يتيمين من الأنصار، وكان أسعد بن زرارة قد اتخذه مصلّى قبل هجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة، فكان يصلّي بأصحابه فيه. فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يبنى ذلك الموضع مسجدا، ودعا الغلامين- وكانا في كفالة أسعد بن زرارة رضي الله عنه- فسام رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيه، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير «1» .

وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور قديمة لبعض المشركين، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت وبالنخيل والشجر فقطعت، وصفّت في قبلة المسجد، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى

__________

(1) رواه البخاري: 4/ 258 وابن سعد في الطبقات: 2/ 4 وانظر إعلام الساجد في أحكام المساجد للزركشي: ص 223، وغيره من كتب السيرة. إلا أنه ليس في البخاري أن الرسول ابتاعه منهما بعشرة دنانير. قال في الفتح: ووقع عند موسى بن عقبة أنه اشتراه منهما بعشرة دنانير. وزاد الواقدي أن أبا بكر دفعها لهما عنه.

مؤخره مئة ذراع، وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه، ثم بنوه باللبن، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يباشر البناء مع أصحابه وينقل معهم الحجارة بنفسه، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل عمده الجذوع، وسقفه بالجريد. وقيل له: «ألا نسقفه؟» .

فقال: «عريش كعريش موسى: خشيبات وثمام- نبت ضعيف قصير- الشأن أعجل من ذلك» «2» أما أرضه، فقد بقيت مفروشة بالرمال والحصباء.

وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، أنه صلّى الله عليه وسلم كان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم، قال: «ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاؤوا، فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل. فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع، قال: فصفوا النخل قبلة المسجد قال: وجعلوا عضادتيه حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول الله صلّى الله عليه وسلم معهم وهو يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة» «3» .

وقد ظل مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم على هذا الشكل دون أي زيادة أو تغيير فيه مدة خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ثم زاد فيه عمر رضي الله عنه بعض التحسين. ولكنه بناه على بنائه في عهد النبي صلّى الله عليه وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا. ثم غيّره عثمان رضي الله عنه، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة (الجص) «4» .


تحميل : بناء المسجد النبوي_9237

كلمات دليلية: