انشقاق القمر من كتاب حدائق الانوار في السيرة

انشقاق القمر من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

انشقاق القمر

، وردّ الشّمس وحبسها له، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطّعام اليسير ببركته، وكلام الشّجر والحجر، وشهادتها له بالنّبوّة، وشهادة الحيوانات له بالرّسالة، وشفاء العلل بريقه وكفّه المباركة، وإجابة دعائه لمن دعا له، وصلاح ما كان فاسدا بلمسه، وما أخبر به من المغيّبات، ممّا كان، وممّا هو آت/. وأعظمها معجزة: القرآن العظيم، والذّكر الحكيم.

فهذه عشرة أنواع من المعجزات الباهرة، والآيات الظّاهرة، كلّ نوع منها منطو على ما لا يحصره عدّ، ولا يحيط به حدّ، ولكنّا نشير من كلّ نوع منها إلى شيء منه: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً [سورة المدّثّر 74/ 31] . فنقول:

أمّا النّوع الأوّل: وهو انشقاق القمر، وردّ الشّمس وحبسها

له صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [سورة القمر 54/ 1] .

[انشقاق القمر]

وروى البخاريّ في «صحيحه» عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول صلى الله عليه وسلم- أي لمن معه من

المسلمين-: «اشهدوا» «1» . وفي رواية-: «حتّى رأيت الجبل بين فرقتي القمر» «2» .

فقال كفّار قريش: سحركم محمّد؟ فقال رجل منهم: إنّ محمّدا إن كان سحركم، فإنّه لا يبلغ من سحره أن يسحر أهل الأرض كلّها، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر، هل رأوا مثل هذا؟

فأتوا فسألوهم، فأخبروهم أنّهم رأوا مثل ذلك، فقال أبو جهل:

هذا سحر مستمرّ.

[ردّ الشمس وحبسها له صلى الله عليه وسلم]

وخرّج الطّحاويّ في «مشكل الحديث» بإسنادين صحيحين، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في حجر عليّ رضي الله عنه، فلم يصلّ عليّ العصر حتّى غربت الشّمس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أصليت العصر يا عليّ؟» قال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ إنّه كان في طاعتك، وطاعة رسولك، فاردد عليه الشّمس» «3» فطلعت بعدما غربت، وأشرقت على الجبال، وكان ذلك ب (الصّهباء) في غزوة (خيبر) .

وروى الحافظ يونس بن بكير، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا أسري به ليلة الاثنين، وأخبر قومه بالرّفقة الّتي وجدهم في طريق (الشّام) ، في العير الآتية إليهم، فقالوا له: متى تجيء العير؟ فقال: / «يوم الأربعاء» فلمّا كان ذلك الوقت احتبست العير، وأشرفت قريش ينتظرون، ودنت الشّمس للغروب، فحبس الله الشّمس ساعة،

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (4583) .

(2) أخرجه أحمد، برقم (4347) . عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(3) أخرجه الطّحاويّ في «مشكل الآثار» ، ج 2/ 9.

حتّى قدمت العير، بعد أن دعا النّبيّ صلى الله عليه وسلم ربّه أن يحبسها له «1» .

وأمّا النّوع الثّاني: وهو نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم،

فالأحاديث فيه كثيرة.

ففي «الصّحيحين» ، عن أنس رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حانت صلاة العصر، فالتمس النّاس الوضوء «2» ، فلم يجدوه، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء- وفي رواية: بإناء لا يكاد يغمر أصابعه- فوضع [رسول الله صلى الله عليه وسلم] يده في ذلك الإناء، وأمر النّاس أن يتوضّؤوا منه.

قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، حتّى توضّؤوا عن آخرهم «3» .

وفي «الصّحيحين» أيضا، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:

بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا ماء، فقال [لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم] : «اطلبوا من معه فضل ماء» ، فأتي بقليل ماء فصبّه في إناء، ثمّ وضع كفّه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم «4» .

فائدة [: في طلبه صلى الله عليه وسلم فضل ماء]

قال العلماء: وإنّما طلب فضل الماء ليكون من باب تكثير القليل، لا من باب الإيجاد من العدم، لئلّا يتوهّم أحد أنّه الموجد للماء.

__________

(1) ذكره الزبيدي في «الإتحاف» ، ج 7/ 192، وعزاه لابن بكير في «زيادة المغازي» ، عن ابن إسحاق.

(2) الوضوء: (بفتح الواو) : الماء الّذي يتوضّأ به (أنصاريّ) .

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (3380) .

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (3386) .

وفي «الصّحيحين» أيضا، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: عطش النّاس يوم (الحديبية) ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة، فتوضّأ منها، وأقبل النّاس نحوه، فقالوا: ليس لنا ماء إلّا ما في ركوتك هذه، فوضع يده في الرّكوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، كأمثال العيون «1» .

وفي «الصّحيحين» عن البراء بن عازب، وسلمة بن الأكوع رضي الله عنهما، أنّهم نزحوا بئر (الحديبية) فلم يتركوا فيها قطرة، وكانت قليلة الماء، لا تروي خمسين شاة، فنزح صلى الله عليه وسلم منها دلوا وبصق فيه، وأعاده إليها/، فجاشت بالماء الغزير، حتّى أروى الجيش أنفسهم وركابهم «2» .

وفي «الصّحيحين» عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: أصاب النّاس عطش شديد، وهم مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فوجّه رجلين من أصحابه، وهما: عمران بن حصين، وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما، وأعلمهما أنّهما يجدان امرأة بمكان كذا، معها بعير عليه مزادتان، فوجداها، فأتيا بها إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، [فجعل في إناء من مزادتيها، وقال فيه ما شاء الله أن يقول، ثمّ أعاد الماء في المزادتين، ثمّ فتحت عزاليهما] «3» فأمر النّاس أن يستقوا من مزادتيها، فملؤوا أسقيتهم حتّى لم يدعوا سقاء إلّا ملؤوه، قال عمران بن حصين: ثمّ أوكيتهما] ، وتخيّل لي أنّهما لم يزدادا إلّا امتلاء، ثمّ أمر فجمع لها من الأزواد حتّى ملأ ثوبها،

__________

(1) أخرجه البخاريّ برقم (3921) . ومسلم برقم (1856) . الرّكوة: إناء من جلد.

(2) أخرجه البخاريّ برقم (3920) .

(3) العزالى- مفردها عزلاء- وهي: مصب الماء من القربة ونحوها. [الأنصاري] .

وقال: «اذهبي فإنّا لم نأخذ من مائك شيئا- أي: لم ننقصه- ولكنّ الله سقانا» «1» .

وفي «الصّحيحين» ، عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش العسرة، فعطش النّاس عطشا شديدا، حتّى إنّ الرّجل منّا لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، فرغب أبو بكر إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الدّعاء، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتّى قالت السّماء، فانسكبت، فملؤوا ما معهم من الأسقية، ولم يجاوز المطر العسكر «2» .

وفي «صحيح مسلم» عن جابر رضي الله عنه، قال: كنّا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة، فقال: «يا جابر ناد الوضوء» ، فلم يجدوا ماء إلّا قطرة في فم مزادة، فقال: «ائتني بجفنة الرّاكب» ، فأتيته بها، فوضع النّبيّ صلى الله عليه وسلم كفّه فيها، وصبّ عليه ذلك الماء، فقال:

«باسم الله» ، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، حتّى امتلأت الجفنة، واستدارت، فأمر النّاس بالاستقاء منها، فاستقوا، وأسقوا ركابهم، فرفع يده من الجفنة، وإنّها لملأى «3» .

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (337) و (3378) . ومسلم برقم (682/ 312) . المزادة: إناء من جلد كالرّاوية لها فم، تملأ ماء للشّرب، فالمزادة والرّاوية والقربة كلّها تصنع من الجلد، لكنّ بعضها أكبر من بعض، وأكبرها الرّاوية. العزلاء: مصبّ الماء من القربة ونحوها. أوكأ: ربط. أو شدّ بالوكاء، وهو ما يشدّ به رأس القربة ونحوها.

(2) أخرجه البزّار في «المسند» ، ج 6/ 195. فرثه: ما في كرشه. قالت السّماء: غيّمت وظهر فيها سحاب. الأسقية: مفردها: سقاء؛ وعاء من جلد يكون للماء واللّبن.

(3) أخرجه مسلم، برقم (3013) . الجفنة: الإناء للماء والطّعام.

وروى الإمام مالك في «الموطّأ» ، / عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: كنّا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة (تبوك) ، فوردنا العين، فوجدناها تبضّ بشيء من ماء مثل الشّراك، فغرفوا منها شيئا في إناء، فغسل به النّبيّ صلى الله عليه وسلم وجهه ويديه، وأعاده فيها، فجرت بماء كثير، له حسّ كحسّ الصّواعق، ثمّ قال: «يوشك أن يكون ما ها هنا جنانا» - أي: بساتين- فكان كذلك «1» .

وأمّا النّوع الثّالث: وهو تكثير الطّعام اليسير ببركته صلى الله عليه وسلم

فكثير أيضا. فمن ذلك:

حديث أنس رضي الله عنه، أنّ أبا طلحة بعثه بأقراص من شعير تحت إبطه، ففتّها صلى الله عليه وسلم وأشبع منها ثمانين رجلا. متّفق عليه «2» .

وحديث جابر رضي الله عنه، أنّه صنع للنّبيّ صلى الله عليه وسلم صاعا من شعير وعناقا، وطلب خامس خمسة، فنادى في أهل (الخندق) ، وكانوا ألفا جياعا، فأكلوا من ذلك كلّهم، حتّى انصرفوا، قال جابر:

وأقسم بالله إنّ برمتنا لتغطّ كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز، وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم بصق في البرمة والعجين. متّفق عليه «3» .

__________

(1) أخرجه مالك في «الموطّأ» ، كتاب: قصر الصّلاة في السّفر، رقم (2) . ومسلم برقم (706/ 10) . تبضّ: تسيل. الشّراك: سير النّعل، ومعناه: ماء قليل جدّا.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (6310) . ومسلم برقم (2040) .

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (3876) . ومسلم برقم (2039/ 141) . عناق: الأنثى من ولد المعز. البرمة: القدر. برمتنا لتغطّ: إنّ قدرنا ليغلي ويفور من الامتلاء، فيسمع غطيطها، أي: صوت غليانها. الغطيط: صوت النّائم أيضا.

وحديث جابر أيضا المتّفق عليه، أنّه حين مات أبوه أبى غرماؤه أن يقبلوا ثمرة نخيله بدينه، فجاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم وجلس على بيدر واحد منها، فكال لهم حتّى أوفاهم منه، وسلمت له منه بقيّة مع سائر البيادر «1» .

وحديث أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه، أنّه صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر عند قدومهما في الهجرة ما يكفيهما، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «ادع ثلاثين من أشراف الأنصار» ، فدعاهم، فأكلوا حتّى تركوه، فقال: «ادع ستّين» ، فدعاهم، فأكلوا حتّى تركوه، فقال: «ادع سبعين» ، فدعاهم، فأكلوا حتّى تركوه، قال أبو أيّوب: فأكل من طعامي ثمانون ومئة رجل، وما خرج رجل منهم حتّى أسلم وبايع «2» / متّفق عليه.

وحديث أنس أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين ابتنى بزينب رضي الله عنها، أمره أن يدعو له كلّ من لقي، حتّى امتلأ البيت، فقدّم إليهم مدّا من تمر، قد جعل حيسا، فجعل القوم يتغدّون ويخرجون، وبقي التّمر كما هو. متّفق عليه «3» .

وحديث عبد الرّحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، قال: كنّا

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (3827) . الغريم: صاحب الدّين. قلت: والحديث وإن كان معجزة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فهو يدلّ على صدق المؤمنين مع فقرهم، ويدلّ على شدّة رحمته صلى الله عليه وسلم بهم ومواساته إيّاهم.

(2) أخرجه الأصفهانيّ في «الدّلائل» ، ص 152- 153.

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (2736) . ومسلم برقم (1365) . حيسا: تمر خلط بسمن أو دقيق. قلت: إنّ من المعروف أنّ هذه القصّة اتّفقت في بنائه صلى الله عليه وسلم بصفيّة، وفي «شرح مسلم» ، للخفاجيّ: أنّ الرّاوي أدخل قصّة في قصّة. وقال بعضهم: يحتمل أنّه اتّفق الشّيئان- يعني: الشّاة والحيس-.

مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومئة، فعجن صاع من طعام، وذبحت شاة، فشوي سواد بطنها- أي: كبدها- وأمره النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يحزّ لهم منها، قال: وايم الله ما من الثّلاثين والمئة إلّا وقد حزّ له حزّة من كبدها، ثمّ جعل منها الطّعام واللّحم قصعتين، فأكلنا منهما أجمعون، وفضل منهما فضلة، فحملته على البعير. متّفق عليه «1» .

وحديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: أصابت النّاس مخمصة شديدة في بعض مغازي النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فدعا ببقيّة الأزواد، فجاء الرّجل بالحثية من الطّعام وفوق ذلك، وأعلاهم الّذي أتى بالصّاع من التّمر، فجمعوه على نطع- زاد مسلم: قال سلمة:

فحزرته كربضة العنز- قال: ثمّ دعا النّاس بأوعيتهم، فما بقي في الجيش وعاء إلّا ملؤوه، وبقي منه بقيّة. متّفق عليه «2» .

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أصابني جوع شديد، فلمّا خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم من المسجد تبعته، فوجد عند أهله قدح لبن قد أهدي له، فأمرني أن أدعو له أهل الصّفّة، وكانوا سبعين، فدعوتهم، فأمرني النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن أسقيهم منه، فجعلت أعطي الرّجل القدح، فيشرب حتّى يروى، حتّى رووا جميعهم، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «بقيت أنا وأنت، فاشرب» ، فشربت حتّى رويت، فقال: «اشرب» فشربت، فما زال يقول: «إشرب» ، حتّى قلت: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا لا أجد له مسلكا، فأخذ القدح

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (5067) . ومسلم برقم (2056/ 175) الحزّة: قطعة من اللحم قطعت طولا.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (2820) . ومسلم برقم (1729/ 19) . حزرته: قدّرته بطريق التّخمين والحدس. ربضة العنز: مبركها.

فحمد الله وسمّى وشرب. متّفق عليه «1» /.

وأمّا النّوع الرّابع: وهو كلام الشّجر والحجر، وشهادتهما له بالنّبوّة صلى الله عليه وسلم.

فمن ذلك:

حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فدنا منه أعرابيّ، فقال [له رسول الله] : «يا أعرابيّ، أين تريد» ؟، قال: إلى أهلي، قال صلى الله عليه وسلم: «هل لك إلى خير؟» ، قال: وما هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله» قال: من يشهد لك على ما تقول؟ قال: «هذه السّمرة» وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخدّ الأرض حتّى قامت بين يديه، فاستشهدها، فشهدت الشّهادتين، ثمّ أمرها فرجعت إلى مكانها «2» .

وفي «الصّحيحين» ، عن جابر رضي الله عنه، قال: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي حاجته، فلم ير شيئا يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي متباعدتين، فأخذ بغصن من أغصان أحدهما، فانقادت له كالبعير المخشوش- أي: المجعول في أنفه حلقة فيها الخطام- حتّى إذا كانت بالمنصف «3» ، وفعل بالآخرى كذلك، فالتأمتا بإذن الله تعالى، فلمّا قضى حاجته افترقتا، وعادت كلّ واحدة منهما إلى منبتها «4» .

وعن بريدة بن الحصيب- مصغّرين- رضي الله عنه، قال:

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (6087) .

(2) أخرجه الدّارميّ، برقم (16) . تخدّ الأرض: تشقّها.

(3) المنصف: نصف المسافة أو نصف الطّريق.

(4) أخرجه مسلم برقم (3012) .

سأل أعرابيّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم آية- أي: علامة على نبوّته- فقال له: «قل لتلك الشّجرة؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك» ففعل، فمالت الشّجرة يمينا وشمالا، فتقطّعت عروقها، ثمّ جاءت تجرّ عروقها، حتّى وقفت بين يديه صلى الله عليه وسلم، فقالت: السّلام عليك يا رسول الله، فقال له الأعرابيّ: ائذن لي أسجد لك، قال: «لا ينبغي السّجود إلّا لله» قال: ائذن لي أقبّل يديك ورجليك، فأذن له «1» .

وعن يعلى بن مرّة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا/، فأتت شجرة عظيمة، فأطافت به، ثمّ رجعت إلى منبتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّها استأذنت ربّها أن تسلّم عليّ» «2» .

وذكر الإمام أبو بكر بن فورك- رحمه الله تعالى-: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يسير ليلا في غزوة (الطّائف) وهو وسن- أي: به سنة نوم- فاعترضته شجرة سدر، فانفرجت له نصفين حتّى مرّ بينهما، قال:

وبقيت على ساقين إلى وقتنا هذا، قال: وهي هناك معروفة معظّمة «3» .

ومن ذلك: حديث الجذع المشهور في «الصّحيحين» ، عن جماعة من الصّحابة رضي الله عنهم، قالوا: كان المسجد مسقوفا بجذوع النّخل، وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلمّا صنع له المنبر سمعنا له صوتا كصوت العشار من الإبل «4» - وفي

__________

(1) أخرجه البزار، انظر «كشف الأستار» ، رقم (2409) .

(2) أخرجه البغويّ في «شرح السّنّة» ، برقم (3718) . وأبو نعيم في «الدّلائل» ، (136- 139) .

(3) الشّفا، ج 1/ 578.

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (876) . عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. العشار: النّاقة الّتي أتى عليها الفحل عشرة أشهر وزال عنها اسم

رواية: حتّى ارتجّ المسجد لشدّة خواره «1» -.

وفي رواية سهل بن سعد: وكثر بكاء النّاس «2» .

وفي رواية المطّلب بن أبي وداعة: حتّى انشقّ الجذع وجاءه النّبيّ صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكت «3» .

زاد غيره: فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ هذا بكى لما فقده من ذكر الله تعالى» «4» ، وقال: «والّذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» . ثمّ أمر به النّبيّ صلى الله عليه وسلم فدفن تحت المنبر «5» .

وفي رواية بريدة: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: «إن شئت أن أردّك إلى البستان الّذي كنت فيه، تنبت لك عروقك، ويكمل خلقك، ويجدّد لك خوص وثمر، وإن شئت أن أغرسك في الجنّة ليأكل أولياء الله من ثمرك» ، فقال: بل تغرسني في الجنّة، لأكون في مكان لا أبلى فيه، فسمعه الحاضرون، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «قد فعلت» ثمّ قال: «إنّه اختار دار البقاء على دار الفناء» «6» .

وكان الحسن البصريّ- رحمه الله- إذا حدّث بهذا الحديث

__________

المخاض، ثمّ لا يزال ذلك اسمها حتّى تضع، وبعد وضعها أيضا. والمراد هنا: خوارها عند وضعها أو عقبه.

(1) أخرجه الدّارميّ، برقم (41) . الخوار: صوت البقر، ثمّ توسّعت العرب فيه على أصوات جميع البهائم.

(2) الشّفا، ج 1/ 583.

(3) أخرجه ابن ماجه، برقم (1414) .

(4) أخرجه أحمد، برقم (13794) . عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(5) أخرجه الدّارميّ، برقم (41) .

(6) أخرجه الدّارميّ، برقم (32) . بنحوه. الخوص: واحده خوصة؛ وهي ورق النّخل.

بكى، وقال: يا عباد الله/، الخشبة تحنّ شوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا فارقها، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إلى لقائه «1» .

وفي «صحيح البخاريّ» عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال:

كنّا نسمع تسبيح الطّعام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يؤكل «2» .

وفي «الصّحيحين» عن أنس رضي الله عنه، قال: صعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم جبل (أحد) ومعه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فرجف بهم الجبل، فقال: «اثبت أحد، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق، وشهيدان» «3» .

وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال: كان حول الكعبة لقريش ثلاث مئة وستون صنما، مثبتة على الرّخام بالرّصاص، فلمّا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، جعل يشير إليها بقضيب كان في يده، ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً- أي: ذاهبا-[سورة الإسراء 17/ 81] فما أشار لوجه صنم إلّا وقع لقفاه، ولا لقفاه إلّا وقع لوجهه، حتّى ما بقي منها صنم، فأمر بإخراجها «4» .

وأمّا النّوع الخامس: وهو شهادة الحيوانات له بالرّسالة صلى الله عليه وسلم.

[شهادة الضّبّ]

فمن ذلك: حديث الضّبّ.

عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم جالسا في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابيّ معه ضبّ قد صاده،

__________

(1) الشّفا، ج 1/ 584- 585.

(2) أخرجه البخاريّ، برقم (3386) .

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (3472) .

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (2346) . ومسلم برقم (1781/ 87) .

فعرض عليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم الإسلام، فقال: واللّات والعزّى لا آمنت بك إلّا أن يؤمن بك هذا الضّبّ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «يا ضبّ» ، فأجابه بلسان فصيح سمعه القوم جميعا: لبّيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال: «من تعبد؟» قال: الله الّذي في السّماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي الجنّة رحمته، وفي النّار عذابه، قال: «فمن أنا؟» قال: أنت رسول ربّ العالمين، وخاتم النّبيّين، قد أفلح من صدّقك، وخاب من كذّبك «1» [فأسلم الأعرابيّ] .

[حديث الذّئب للرّاعي]

ومن ذلك: حديث الذّئب/، عن أبي سعيد الخدريّ وأبي هريرة رضي الله عنهما، قالا: بينما راع يرعى غنما له، إذ عرض الذّئب لشاة منها فأخذها، فأدركه الرّاعي، فاستردّها منه، فأقعى الذّئب «2» ، فقال: أفلا تتّقي الله تعالى، حلت بيني وبين رزقي؟

فقال الرّاعي: عجب!! لذئب يتكلّم؟ فقال الذّئب: أنت أعجب منّي، واقف على غنمك وتركت نبيّا لم يبعث الله نبيّا قطّ أعظم منه قدرا عنده، قد فتحت له أبواب الجنّة، وأشرفت الحور العين على أصحابه، ينظرون قتالهم، وما بينك وبينه إلّا هذا الشّعب، فتصير في جنود الله تعالى- وكان ذلك يوم (أحد) - قال الرّاعي: فمن لي بغنمي؟ قال الذّئب: أنا أرعاها حتّى ترجع، فمضى الرّجل ووجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقاتل، فأسلم، وأخبره الخبر، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «قم فحدّثهم» ، ثمّ قال له: «عد إلى غنمك تجدها بوفرها» ، فرجع فوجدها كذلك، فذبح للذّئب شاة «3» .

__________

(1) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل» ، ج 6/ 36.

(2) أقعى: جلس على إليتيه ونصب ساقيه وفخذيه.

(3) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل» ، ج 6/ 41- 43. عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[,

انشقاق القمر

شقّتين. رواه البخاريّ ومسلم «2» .

وفي رواية: حتّى رأوا حراء بينهما «3» .

فائدة [: في أنّ معجزة انشقاق القمر لا تعدلها معجزة]

قال العلماء: وانشقاق القمر معجزة عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من معجزات الأنبياء عليهم السّلام، إذ لا يطمع أحد بحيلة إلى التّصرّف في العالم العلويّ، فصار البرهان بها أظهر، ولهذا نصّ عليها القرآن بقوله تعالى: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [سورة القمر 54/ 1] .

[


تحميل : انشقاق القمر من كتاب حدائق الانوار في السيرة

كلمات دليلية: