الفصل الرابع فيما كان يفعله ص وهو صائم من كتاب المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الفصل الرابع فيما كان يفعله ص وهو صائم من كتاب المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

اسم الكتاب:
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
المؤلف:
احمد محمد القسطلاني

الفصل الأول فى سرده ص صوم أيام من الشهر وفطره أياما

عن أبى أمامة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يسرد الصوم فيقال: لا يفطر، ويفطر فيقال: لا يصوم «1» . رواه النسائى. وعن أنس قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه ثم يصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئا. وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته. ولا نائما إلا رأيته. وفى رواية: ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائما إلا رأيته ولا مفطرا إلا رأيته، ولا من الليل قائما إلا رأيته ولا نائما إلا رأيته «2» ، رواه البخارى.

ولمسلم: كان يصوم حتى يقال: قد صام صام، ويفطر حتى يقال: أفطر أفطر «3» . وعن ابن عباس: ما صام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شهرا كاملا غير رمضان، وكان يصوم حتى يقول القائل: لا والله ما يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم «4» . رواه البخارى ومسلم والنسائى وزاد: ما صام شهرا متتابعا غير رمضان منذ قدم المدينة.

__________

(1) حسن صحيح: أخرجه النسائى (4/ 202) فى الصيام، باب: صوم النبى من حديث أسامة بن زيد وليس من حديث أبى أمامة كما ذكر المصنف. وقال الألبانى فى صحيح النسائى: حسن صحيح.

(2) صحيح: أخرجه البخارى (1973) فى الصوم، باب: ما يذكر من صوم النبى وإفطاره، من حديث أنس- رضى الله عنه-.

(3) صحيح: أخرجه مسلم (1158) فى الصيام، باب: صيام النبى فى غير رمضان. من حديث أنس- رضى الله عنه-.

(4) تقدم.

ففى هذا: أنه- صلى الله عليه وسلم- لم يصم الدهر كله، ولا قام الليل كله، وكأنه ترك ذلك لئلا يقتدى به فيشق على الأمة، وإن كان قد أعطى من القوة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه، لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى، فصام وأفطر، وقام ونام.

,

الفصل الأول فيما كان يخص به رمضان من العبادات وتضاعف جوده ص فيه

اعلم أن «رمضان» مشتق من الرمض، وهو شدة الحر، لأن العرب لما أرادوا أن يضعوا أسماء الشهور وافق أن الشهر المذكور شديد الحر فسموه بذلك، كما سمى الربيعان لموافقتهما زمن الربيع. أو لأنه يرمض الذنوب أى يحرقها، وهو ضعيف لأن التسمية به ثابتة قبل الشرع. ورمضان أفضل الشهور، كما حكاه الأسنوى عن قواعد الشيخ عز الدين بن عبد السلام.

قال النووى: وقولهم إنه من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تثبت إلا بدليل صحيح. انتهى. وقد اختلف السلف: هل فرض صيام قبل صيام رمضان أم لا؟ فالجمهور- وهو المشهور عند الشافعية- أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفى وجه- وهو قول الحنفية- أول ما فرض يوم عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ. وسيأتى أدلة الفريقين فى الكلام على صوم عاشوراء- إن شاء الله تعالى-. وقد كان فرض رمضان فى السنة الثانية من الهجرة- كما تقدم- فتوفى سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد صام تسع رمضانات.

ولما كان شهر رمضان موسم الخيرات ومنبع الجود والبركات لأن نعم الله فيه تزيد على غيره من الشهور، وكان سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يكثر فيه من العبادات وأنواع القربات الجامعة لوجوه السعادات، من الصدقة والإحسان والصلاة والذكر والاعتكاف ويخص به من العبادات ما لا يخص به غيره من

الشهور، وكان جوده- صلى الله عليه وسلم- يتضاعف فى شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه تعالى يتضاعف فيه أيضا، فإن الله تعالى جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة.

وفى حديث ابن عباس عند الشيخين، قال: (كان النبى- صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وأجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) «1» .

فبمجموع ما ذكر فى هذا الحديث من الوقت وهو شهر رمضان، والمنزل وهو القرآن، والنازل به وهو جبريل، والمذاكرة وهى مدارسة القرآن، حصل له- صلى الله عليه وسلم- المزيد فى الجود.

والمرسلة: المطلقة، يعنى أنه فى الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، إلى عموم النفع بجوده- صلى الله عليه وسلم-، كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه. ووقع عند الإمام أحمد فى آخر هذا الحديث (لا يسأل شيئا إلا أعطاه) . وتقدم فى ذكر سخائه- صلى الله عليه وسلم- مزيد لذلك.

وقد كان ابتداء نزول القرآن فى شهر رمضان، وكذا نزوله إلى سماء الدنيا جملة واحدة، فكان جبريل- عليه الصلاة والسلام- يتعاهده- صلى الله عليه وسلم- فى كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذى توفى فيه- صلى الله عليه وسلم- عارضه به مرتين «2» ، كما ثبت فى الصحيح عن فاطمة- رضى الله عنها-. قال فى فتح البارى: وفى معارضة جبريل النبى- صلى الله عليه وسلم- بالقرآن فى شهر رمضان حكمتان، إحداهما: تعاهده، والآخرى: تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ، فكان رمضان ظرفا لإنزاله جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما.

__________

(1) صحيح: أخرجه البخارى (6) فى بدء الوحى، باب: بدء الوحى، ومسلم (2308) فى الفضائل، باب: كان النبى أجود الناس بالخير من الريح المرسلة. من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.

(2) صحيح: أخرجه مسلم (2450) فى فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبى. من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

وفى المسند، عن واثلة بن الأسقع، عن النبى- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: أنزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان «1» . وقد دل الحديث على استحباب مدارسة القرآن فى رمضان، والاجتماع عليه، وعرض القرآن على من هو أحفظ منه.

وفى حديث ابن عباس أن المدارسة بينه- صلى الله عليه وسلم- وبين جبريل كانت ليلا، وهو يدل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن فى رمضان ليلا، لأن الليل تنقطع فيه الشواغل وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر.

وقد كان- صلى الله عليه وسلم- يبشر أصحابه بقدوم رمضان، كما أخرجه الإمام أحمد والنسائى عن أبى هريرة ولفظه قال: كان النبى- صلى الله عليه وسلم- يبشر أصحابه بقدوم رمضان يقول: قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم الخير الكثير «2» . قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل فى تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان.

وروى أنه- صلى الله عليه وسلم- كان يدعو ببلوغ رمضان، فكان إذا دخل شهر رجب وشعبان قال: «اللهم بارك لنا فى رجب وشعبان وبلغنا رمضان» «3» . رواه الطبرانى وغيره من حديث أنس. وكان- صلى الله عليه وسلم- إذا رأى هلال رمضان قال:

«هلال رشد وخير، هلال رشد وخير هلال رشد وخير، آمنت بالذى خلقك» «4» ، رواه النسائى من حديث أنس.

__________

(1) أخرجه أحمد (4/ 107) من حديث واثلة بن الأسقع- رضى الله عنه-.

(2) صحيح: أخرجه النسائى (4/ 129) فى الصيام، باب: ذكر الاختلاف على معمر فيه. من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .

(3) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (2/ 165) عن أنس وقال: رواه البزار وفيه زائدة بن أبى الرقاد، قال البخارى: منكر الحديث وجهله جماعة، وكرره فى (3/ 140) وقال: رواه البزار والطبرانى فى الأوسط، وفيه زائدة بن أبى الرقاد، وفيه كلام وقد وثق!.

(4) أخرجه أبو داود (5092) فى الأدب، باب: ما يقول إذا رأى الهلال، بسند رجاله ثقات، إلا أنه مرسل عن قتادة.

وروى أنه- صلى الله عليه وسلم- كان يقول إذا دخل شهر رمضان: «اللهم سلمنى من رمضان، وسلم رمضان لى، وسلمه منى» «1» أى: سلمنى منه حتى لا يصيا بنى فيه ما يحول بينى وبين صومه من مرض أو غيره. وسلمه لى: حتى لا يغم هلاله على فى أوله وآخره، فيلتبس علىّ الصوم والفطر، وسلمه منى: أن تعصمنى من المعاصى فيه. وهذا منه- صلى الله عليه وسلم- تشريع لأمته.

,

الفصل التاسع فى سحوره صلى الله عليه وسلم

عن أبى هريرة عن رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: دخلت على النبى- صلى الله عليه وسلم- وهو يتسحر فقال: «إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه» «2» . رواه النسائى. وعن العرباض بن سارية قال: دعانى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى السحور فى رمضان قال: «هلم إلى الغداء المبارك» «3» . رواه

__________

(1) تقدم.

(2) صحيح: أخرجه النسائى (4/ 145) فى الصيام، باب: فضل السحور، من حديث عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب النبى- صلى الله عليه وسلم-. والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .

(3) صحيح: أخرجه أبو داود (2344) فى الصوم، باب: من سمى السحور الغداء، والنسائى (4/ 146) فى الصيام، باب: تسمية السحور غداء. من حديث خالد بن معدان- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

أبو داود والنسائى. وعن أنس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وذلك عند السحور-: «يا أنس إنى أريد الصيام فأطعمنى شيئا» ، فأتيته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال، قال: «يا أنس انظر رجلا يأكل معى» فدعوت زيد بن ثابت فجاء فقال: إنى أريد شربة سويق وأنا أريد الصيام، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «وأنا أريد الصيام» فتسحر معه، ثم قام فصلى ركعتين ثم خرج إلى الصلاة «1» . رواه النسائى. وعن زر بن حبيش: قلنا لحذيفة: أى ساعة تسحرت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟ قال: «هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع» «2» رواه النسائى أيضا. وعن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم قمنا إلى الصلاة. قال أنس بن مالك: قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال:

قدر خمسين آية «3» . رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى.

والمراد آية متوسطة، لا طويلة ولا قصيرة لا سريعة ولا بطيئة. قال ابن أبى جمرة: كان- صلى الله عليه وسلم- ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله، لأنه لو لم يتسحر لا تبعوه فشق على بعضهم، ولو تسحر فى جوف الليل لشق أيضا على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضى إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر. وقال القرطبى: فيه دلالة على أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر، فهو معارض لقول حذيفة «هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع» . انتهى. وأجاب فى فتح البارى: بأن لا معارضة، بل يحمل على اختلاف الحال، فليس فى رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة.

__________

(1) صحيح الإسناد: أخرجه النسائى (4/ 147) فى الصيام، باب: السحور بالسويق والتمر، من حديث أنس بن مالك- رضى الله عنه-، وقال الألبانى: صحيح الإسناد.

(2) حسن الإسناد: أخرجه النسائى (4/ 142) فى الصيام، باب: تأخير السحور وذكر الاختلاف على زر فيه. من حديث حذيفة بن اليمان- رضى الله عنه-، وقال الألبانى: حسن الإسناد.

(3) صحيح: أخرجه البخارى (1921) فى الصوم، باب: قدر كم بين السحور وصلاة الفجر، ومسلم (1097) فى الصيام، باب: فضل السحور وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره، من حديث أنس عن زيد بن ثابت- رضى الله عنه-.

,

الفصل الثالث فى صومه ص بشهادة العدل الواحد

عن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنى رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه «1» . رواه أبو داود وصححه ابن حبان.

وعن ابن عباس قال: جاء أعرابى إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: إنى رأيت هلال رمضان، فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله» قال: نعم، قال: «أتشهد أن محمدا رسول الله» قال: نعم، قال: «يا بلال، أذن فى الناس فليصوموا» «2» ، رواه أبو داود والترمذى والنسائى. والمراد فى قوله- صلى الله عليه وسلم- فى الحديث السابق: «إذا رأيتموه» رؤية بعض المسلمين، ولا يشترط رؤية كل إنسان بل يكفى جميع الناس رؤية عدل على الأصح فى مذهبنا. وهذا فى الصوم، وأما فى الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور فجوزه بعدل.

قال الأسنوى: إذا قلنا بالعدل الواحد فى الصوم فلا خلاف أنه لا

__________

(1) صحيح: أخرجه أبو داود (2342) فى الصوم، باب: فى شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان. من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(2) صحيح: أخرجه النسائى (4/ 132) فى الصيام، باب: قبول شهادة الرجل الواحد على هلال رمضان. من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .

يتعدى إلى غيره، فلا يقع به الطلاق والعتق المعلقين بدخول رمضان، ولا يحل به الدين المؤجل، ولا يتم به حول الزكاة، كذا أطلقه الرافعى هنا نقلا عن البغوى، وأقره وتبعه عليه فى الروضة، وصورته: فيما إذا سبق التعليق على الشهادة، فإن وقعت الشهادة أولا، وحكم الحاكم بدخول رمضان ثم جرى التعليق فإن الطلاق والعتق يقعان. كذا نقله القاضى حسين فى تعليقه عن ابن سريج وقال الرافعى: فى الباب الثانى من كتاب الشهادات: إنه القياس، انتهى.

,

الفصل الثالث فى صيامه ص شعبان

عن عائشة- رضى الله عنها-: ما رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته فى شهر أكثر منه صياما فى شعبان «1» . رواه البخارى ومسلم، وفى أخرى لهما: لم يكن يصوم شهرا أكثر من شعبان فإنه كان يصومه كله «2» . وفى رواية الترمذى: كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله «3» . وفى رواية أبى داود: كان أحب الشهور إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان «4» . وللنسائى: كان يصوم شعبان، أو عامة شعبان «5» . وفى أخرى له: كان يصوم شعبان إلا قليلا «6» .

__________

(1) صحيح: أخرجه مسلم (1156) فى الصيام، باب: صيام النبى من غير رمضان، من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

(2) تقدم فى الذى قبله.

(3) صحيح: أخرجه الترمذى (736) فى الصوم، باب: ما جاء فى وصال شعبان، من حديث عائشة- رضى الله عنها-. والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

(4) صحيح: أخرجه أبو داود (2430) فى الصوم، باب: فى صوم شعبان، من حديث عائشة- رضى الله عنها-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(5) حسن صحيح: أخرجه النسائى (1/ 659) فى الصيام، باب: الاختلاف على محمد بن إبراهيم من حديث عائشة- رضى الله عنها-، وقال الألبانى فى صحيح النسائى: حسن صحيح.

(6) صحيح: أخرجه مسلم (1156) وتقدم.

وفى أخرى له أيضا: كان يصوم شعبان كله «1» . قال الحافظ ابن حجر: أى يصوم معظمه.

ونقل الترمذى عن ابن المبارك أنه قال: جائز فى كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول: صام الشهر كله. ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره، قال الترمذى: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، وحاصله: أن الرواية الأولى مفسرة للثانية ومخصصة لها، وأن المراد ب «الكل» الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال.

واستبعده الطيبى وقال: يحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى، لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان. وقال ابن المنير:

إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها الثانى متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانيا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله. انتهى. ولا يخفى تكلفه، والأول لمحمول على المبالغة هو الصواب.

واختلف فى الحكمة فى إكثاره- صلى الله عليه وسلم- من صوم شعبان، فقيل: كان يشتغل عن صيام الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره، فتجتمع فيقضيها فى شعبان. أشار إلى ذلك ابن بطال، وفيه حديث أخرجه الطبرانى فى الأوسط من طريق ابن أبى ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن عائشة: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان. وابن أبى ليلى ضعيف، وقيل كان يضع الحديث.

وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث أخرجه الترمذى من طريق صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس قال: سئل النبى- صلى الله عليه وسلم-: أى الصوم أفضل بعد رمضان قال: «شعبان لتعظيم رمضان» قال الترمذى: حديث غريب، وصدقة عندهم ليس بذلك القوى.

__________

(1) تقدم فى الذى قبله.

لكن يعارضه ما رواه مسلم من حديث أبى هريرة مرفوعا: «أفضل الصيام بعد رمضان صوم المحرم» «1» . والأولى فى ذلك ما جاء فى حديث أصح مما مضى، أخرجه النسائى وأبو داود، وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك شهر يغافل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترتفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم» «2» .

فبين- صلى الله عليه وسلم- وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشهور بقوله: «إنه شهر يغافل الناس عنه بين رجب ورمضان» يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان: الشهر الحرام وشهر الصيام، اشتغل الناس بهما، فصار مغفولا عنه، وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام وليس كذلك.

وفى إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد، منها أن يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، ولا سيما الصيام فإنه سر بين العبد وربه، ومنها: أنه أشق على النفوس، لأن النفوس تتأسى بما تشاهد من أحوال بنى الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعتهم سهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدى بهم.

وقد روى فى صيامه- صلى الله عليه وسلم- شعبان معنى آخر، وهو أنه تنسخ فيه الآجال، فروى- بإسناد فيه ضعيف- عن عائشة قالت: كان أكثر صيام النبى- صلى الله عليه وسلم- فى شعبان فقلت: يا رسول الله، أرى أكثر صيامك فى شعبان؟ قال:

«إن هذا الشهر يكتب فيه لملك الموت أسماء من يقبض، فأنا أحب أن لا ينسخ اسمى إلا وأنا صائم» وقد روى مرسلا، وقيل إنه أصح.

وقد قيل فى صوم شعبان معنى آخر: وهو أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان، فلا يدخل فى صيامه على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن

__________

(1) صحيح: أخرجه مسلم (1161) فى الصيام، باب: فضل صوم المحرم، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-، بلفظ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم الحديث.

(2) أخرجه أحمد (5/ 201) من حديث أسامة بن زيد- رضى الله عنهما-.

على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبل رمضان حلاوة الصوم ولذته، فيدخل فى صيام رمضان بقوة ونشاط. واعلم أنه لا تعارض بين هذا وبين النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء فى النهى عن صوم نصف شعبان الثانى، فإن الجمع بينهما ظاهر، بأن يحمل النهى على من لم يدخل تلك الأيام فى صيام اعتاده.

وأجاب النووى عن كونه- صلى الله عليه وسلم- لم يكثر الصوم فى المحرم، مع قوله:

«إن أفضل الصيام ما يقع فيه» ، بأنه يحتمل أن يكون ما علم ذلك إلا فى آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم فى المحرم، أو اتفق له فيه من الأعذار كالسفر ما منعه من كثرة الصوم فيه.

وأما شهر رجب بخصوصه- وقد قال بعض الشافعية: إنه أفضل من سائر الشهور، وضعفه النووى وغيره- فلم يعلم أنه صح أنه- صلى الله عليه وسلم- صامه، بل روى عنه من حديث ابن عباس، مما صح وقفه، أنه نهى عن صيامه، ذكره ابن ماجه لكن فى سنن أبى داود: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم، ورجب أحدها. وفى حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه- صلى الله عليه وسلم- قال له: «صم من الحرم واترك» ، قالها ثلاثا «1» .

وفى رواية مسلم عن عثمان بن حكيم الأنصارى قال: سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب- ونحن يومئذ فى رجب- فقال: سمعت ابن عباس يقول:

كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم «2» . والظاهر: أن مراد سعيد بهذا الاستدلال على أنه لا نهى عنه ولا ندب فيه بعينه، بل له حكم باقى الشهور.

__________

(1) ضعيف: أخرجه أبو داود (2428) فى الصوم، باب: فى صوم أشهر الحرم. من حديث عجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها. والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .

(2) صحيح: أخرجه البخارى (1141) فى الجمعة، باب: قيام النبى بالليل من نومه وما نسخ من قيام الليل، ومسلم (1158) فى الصيام، باب: صيام النبى فى غير رمضان. من حديث أنس- رضى الله عنه-.

وفى «اللطائف» روى عن الكتانى أخبرنا تمام الرازى حدثنا القاضى يوسف حدثنا محمد بن إسحاق السراج حدثنا يوسف بن موسى حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا حبيب المعلم عن عطاء أن عروة قال لعبد الله بن عمر: هل كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصوم فى رجب؟ قال:

نعم ويشرفه، قالها ثلاثا «1» ، أخرجه أبو داود وغيره. وعن أبى قلابة قال: إن فى الجنة قصرا لصوام رجب «2» . قال البيهقى: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقوله إلا عن بلاغ والله أعلم.

,

الفصل الثامن فى وصاله صلى الله عليه وسلم

عن ابن عمر: أن النبى- صلى الله عليه وسلم- نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: «إنى لست كهيئتكم، إنى أطعم وأسقى» «4» . رواه البخارى ومسلم.

وللبخارى: أنه- صلى الله عليه وسلم- واصل، فواصل الناس فشق عليهم، فنهاهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يواصلوا، قالوا: إنك تواصل، قال: «لست كهيئتكم، إنى أظل أطعم وأسقى» . وفى رواية أنس: واصل- صلى الله عليه وسلم- فى آخر شهر

__________

(1) ضعيف: أخرجه الطبرانى فى الكبير، وابن السنى كما فى «ضعيف الجامع» (4350) .

(2) حسن: أخرجه أبو داود (2357) فى الصوم، باب: القول عند الإفطار. من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(3) ضعيف: أخرجه ابن السنى، والبيهقى فى شعب الإيمان عن معاذ، كما فى «ضعيف الجامع» (4348) .

(4) صحيح: أخرجه البخارى (1922) فى الصوم، باب: بركة السحور من غير إيجاب، أخرجه مسلم (1102) فى الصيام، باب: النهى عن الوصال فى الصوم. من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.

رمضان، فواصل ناس من المسلمين فبلغه ذلك فقال: «لو مدّ لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلى» - أو قال: «لست مثلكم- إنى أظل يطعمنى ربى ويسقينى» . وفى رواية: «لا تواصلوا» ، قالوا: إنك تواصل، قال: «لست كأحد منكم، إنى أطعم وأسقى» «1» . رواه البخارى ومسلم.

والمتعمقون: هم المتشددون فى الأمر، المجاوزون الحدود فى قول أو فعل. وفى رواية سعيد بن منصور وابن أبى شيبة من مرسل الحسن: «إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقينى» . وعن عائشة قالت: نهاهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الوصال، رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل. فقال: «إنى لست كهيئتكم، إنى يطعمنى ربى ويسقينى» . رواه البخارى ومسلم إلا أن البخارى قال «نهى» ولم يقل: نهاهم. وعن أبى هريرة قال: نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الوصال فى الصوم، فأبوا فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال: «لو تأخر لزدتكم» كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا، رواه البخارى.

والوصال: هو عبارة عن صوم يومين فصاعدا من غير أكل وشرب بينهما قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: وقد اختلف فى معنى قوله «يطعمنى ربى ويسقينى» . فقيل: هو على حقيقته، وأنه- صلى الله عليه وسلم- كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له فى ليالى صيامه. وتعقب: بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلا، وبأن قوله: «أظل» يدل على وقوع ذلك بالنهار، فلو كان الأكل والشرب حقيقة لم يكن صائما.

وأجيب: بأن الراجح من الروايات لفظ «أبيت» دون «أظل» وعلى تقدير ثبوتها فهى محمولة على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ، لأن المتحدث عنه هو الإمساك ليلا لا نهارا، وأكثر الروايات إنما هو «أبيت» فكأن بعض الرواة عبر عنها ب «أظل» نظرا إلى اشتراكهما فى مطلق الكون. يقولون

__________

(1) تقدم فى الذى قبله.

كثيرا: أضحى فلان كذا، ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضحى، ومنه قوله تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا «1» فإن المراد به مطلق الوقت، ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل، وليس حمل الطعام والشراب على المجاز بأولى من حمل لفظ «أظل» على المجاز وعلى التنزل فلا يضر شئ من ذلك، لأن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجرى عليه أحكام المكلفين فيه، كما غسل صدره الشريف فى طست الذهب، مع أن استعمال أوانى الذهب الدنيوية محرمة.

وقال ابن المنير: الذى يفطر شرعا إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة فى الجنة، والكرامة لا تبطل العادة.

وقال غيره: لا مانع من حمل الطعام والشراب على حقيقتهما، وأكله وشربه فى الليل لا يقطع وصاله خصوصية له بذلك، فكأنه لما قيل له: إنك تواصل، قال: «إنى لست فى ذلك كهيئتكم» ، أى على صفتكم فى أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله، بل إنما يطعمنى ربى ويسقينى ولا ينقطع بذلك مواصلتى، فطعامى وشرابى على غير طعامكم وشرابكم صورة ومعنى.

وقال الجمهور: هو مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة، فكأنه قال: يعطينى قوة الآكل والشارب، ويفيض على ما يسد مسد الطعام والشراب، ويقوى على أنواع الطاعة من غير ضعف فى القوة. أو المعنى: أن الله يخلق فيه من الشبع والرى ما يغنيه عن الطعام والشراب، ولا يحس بجوع ولا عطش.

والفرق بينه وبين الأول: أنه على الأول يعطى القوة من غير شبع ولا رى، بل مع الجوع والظمأ، وعلى الثانى: يعطى القوة مع الشبع والرى.

ورجح الأول بأن الثانى ينافى حال الصائم ويفوت المقصود من الصوم

__________

(1) سورة النحل: 58.

والوصال، لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها. قال القرطبى: ويبعده النظر إلى حاله- صلى الله عليه وسلم- فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع ويربط على بطنه الحجر.

انتهى.

ويحتمل كما قاله ابن القيم فى «الهدى» وابن رجب فى اللطائف- أن يكون المراد به ما يغذيه الله به من معارفه، وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه، ونعيمه بحبه والشوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال التى هى غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين، وبهجة النفوس، فللروح والقلب بها أعظم غذاء وأجله وأنفعه، وقد يغنى هذا الغذاء عن غذاء الأجسام مدة من الزمان كما قيل:

لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشارب وتلهيها عن الزاد

إذا اشتكت من كلال السير أو عدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد

ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيوانى، ولا سيما الفرحان الظافر بمطلوبه الذى قد قرت عينه بمحبوبه، وتنعم بقربه والرضا عنه، وألطاف محبوبه ... مكرم له غاية الإكرام مع الحب التام، أفليس هذا من أعظم غذاء لهذا المحب، فكيف بالحبيب الذى لا شئ أعظم منه ولا أجل ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحسانا، أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلا ونهارا، ولهذا قال: إنى أظل عند ربى يطعمنى ويسقينى. انتهى.

وحكى النووى فى شرح المهذب، كما قاله فى شرح تقريب الأسانيد:

أن معناه أن محبة الله تشغلنى عن الطعام والشراب. قال: والحب البالغ يشغل عنهما. انتهى. فإن قلت: لم آثر اسم الرب دون اسم الذات المقدسة فى قوله: «يطعمنى ربى» دون أن يقول: يطعمنى الله؟ أجيب: بأن التجلى باسم الربوبية أقرب إلى العباد من الإلهية، لأنه تجلى عظمة لا طاقة للبشر بها، وتجلى الربوبية تجلى رحمة وشفقة.

وقد اختلف الناس فى الوصال لنا، هل هو جائز أو محرم أو مكروه؟

فقال طائفة: إنه جائز إن قدر عليه، وهذا يروى عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف، وكان ابن الزبير يواصل الأيام، وروى ابن أبى شيبة بإسناد صحيح أنه كان يواصل خمسة عشر يوما، وذكر معه من الصحابة أيضا أخت أبى سعيد، ومن التابعين عبد الرحمن بن أبى معمر، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم بن يزيد التيمى، وأبا الجوزاء، كما نقله أبو نعيم فى الحلية.

ومن حجتهم أنه- صلى الله عليه وسلم- واصل بأصحابه بعد النهى، فلو كان النهى للتحريم لما أقرهم على فعله، فعلم أنه أراد بالنهى الرحمة لهم والتخفيف عنهم، كما صرحت به عائشة فى حديثها، فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقته أهل الكتاب فى تأخيرهم الفطر. ولا رغب عن السنة فى تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال.

ومن أدلة الجواز أيضا: إقدام الصحابة عليه بعد النهى، فدل على أنهم فهموا أن النهى للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما قدموا عليه. وقال الأكثرون: لا يجوز الوصال، وبه قال مالك وأبو حنيفة، ونص الشافعى وأصحابه على كراهته، ولهم فى هذه الكراهة وجهان: أصحهما: أنها كراهة تحريم، والثانى: أنها كراهة تنزيه. واختار ابن وهب وأحمد بن حنبل وإسحاق جواز الوصال إلى السحر، لحديث أبى سعيد عند البخارى: «عنه- صلى الله عليه وسلم-: «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» «1» ، وهذا الوصال لا يترتب عليه شئ مما يترتب على غيره، لأنه فى الحقيقة بمنزلة عشائه، إلا أنه يؤخره، لأن الصائم له فى اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها فى السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره، وكان أخف لجسمه فى قيام الليل، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم، وإلا فلا يكون قربة.

وقد صرح فى الحديث بأن الوصال من خصائصه- صلى الله عليه وسلم- فقال: «إنى

__________

(1) أخرجه الدارمى (1705) فى الصوم، باب: النهى عن الوصال فى الصوم. من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه-.

لست كهيئتكم» . وفى الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب قال: قال- صلى الله عليه وسلم-: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» «1» قالوا: فجعله مفطرا حكما بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر، وذلك يحيل الوصال شرعا. واحتج الجمهور للتحريم: بعموم النهى فى قوله- صلى الله عليه وسلم-: «لا تواصلوا» وأجابوا عن قوله «رحمة» بأنه لا يمنع ذلك كونه منهيا عنه للتحريم، وسبب تحريمه الشفقة عليهم لئلا يتكلفوا ما يشق عليهم، وأما الوصال بهم يوما ثم يوما، فاحتمل للمصلحة فى تأكيد زجرهم وبيان الحكمة فى نهيهم والمفسدة المترتبة على الوصال، وهى الملل من العبادة، والتعرض للتقصير فى بعض وظائف الدين، من إتمام الصلاة بخشوعها وأذكارها، وسائر الوظائف المشروعة فى نهاره وليله. وأجابوا أيضا بقوله- صلى الله عليه وسلم-: «إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم» إذ لم يجعل الليل محلّا لسوى الفطر، فالصوم فيه مخالف لوضعه. وروى الطبرانى فى الأوسط من حديث أبى ذر أن جبريل قال للنبى- صلى الله عليه وسلم-: «إن الله قد قبل وصالك، ولا يحل لأحد بعدك» . ولكن إسناده ليس بصحيح ولا حجة فيه.

,

الفصل الثانى فى صومه ص عاشوراء

وهو بالمد على المشهور. واختلف فى تعيينه: فعن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس- وهو متوسد رداءه فى زمزم- فقلت له: أخبرنى عن صوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما، قلت: هكذا كان محمد- صلى الله عليه وسلم- يصومه؟ قال: نعم «1» . رواه مسلم.

قال النووى: هذا تصريح من ابن عباس بأن مذهبه بأن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم، ويتأوله على أنه مأخوذ من أظمأ الإبل، فإن العرب تسمى اليوم الخامس من أيام الورد ربعا، وكذا باقى الأيام على هذه النسبة، فيكون التاسع عاشرا. انتهى.

لكن قال ابن المنير: قوله: «إذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائما» يشعر بأنه أراد العاشر، لأنه لا يصبح صائما بعد أن أصبح صائما تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة، وهى الليلة العاشرة. انتهى. وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وممن قال ذلك: سعيد بن المسيب، والحسن البصرى، ومالك وأحمد وإسحاق، وخلائق. وهذا ظاهر الأحاديث، ومقتضى اللفظ، وأما تقدير أخذه من الإظماء فبعيد، ثم إن حديث ابن عباس يرد عليه معنى قوله: إن النبى- صلى الله عليه وسلم- صام يوم عاشوراء فقالوا له يا رسول: يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال- صلى الله عليه وسلم-: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم

__________

(1) صحيح: أخرجه مسلم (1133) فى الصيام، باب: أى يوم يصام فى عاشوراء، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.

التاسع» ، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «1» . وهذا تصريح بأن الذى كان يصومه ليس هو التاسع، فتعين كونه العاشر. قاله النووى.

وقال القرطبى: عاشوراء معدول عن عاشر للمبالغة والتعظيم، وهو فى الأصل صفة الليلة العاشرة، لأنه مأخوذ من العشر الذى هو اسم للعقد، واليوم يضاف إليها، فإذا قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة. وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر. وهذا قول الخليل وغيره. وقال ابن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. وقال ابن القيم. من تأمل مجموع روايات ابن عباس تبين له زوال الإشكال وسعة علم ابن عباس، فإنه لم يجعل يوم عاشوراء اليوم التاسع بل قال للسائل صم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذى يعده الناس يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صوم التاسع معه، وأخبر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يصومه كذلك، فإما أن يكون فعل ذلك وهو الأولى، وإما أن يكون حمل فعله على الأمر به وعزمه عليه فى المستقبل، وهو الذى روى «أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر» «2» وكل هذه الآثار يصدق بعضها بعضا. انتهى فليتأمل.

وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: كان يوم عاشوراء تصومه قريش فى الجاهلية، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصومه فى الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فما فرض رمضان ترك عاشوراء، فمن شاء صامه

__________

(1) صحيح: أخرجه مسلم (1134) فى الصيام، باب: أى يوم يصام فى عاشوراء، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.

(2) صحيح: أخرجه الترمذى (755) فى الصوم، باب: ما جاء فى عاشوراء أى يوم هو. من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

ومن شاء تركه «1» . رواه البخارى ومسلم ومالك وأبو داود والترمذى.

واستفيد من هذه الرواية تعيين الوقت الذى وقع الأمر فيه بصيام عاشوراء، وهو أول قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه- صلى الله عليه وسلم- كان فى ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك فى أول السنة الثانية، وفى السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم يوم عاشوراء إلا فى سنة واحدة، ثم فوض الأمر فى صومه إلى رأى المتطوع، فعلى تقدير صحة قول من يدعى أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة.

وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف، ولذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة، وقد روى عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبا فى الجاهلية، فعظم فى صدورهم، فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك. قاله فى فتح البارى. وعن ابن عمر: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه» «2» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود، وفى رواية:

وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه. وعن سلمة بن الأكوع: بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رجلا من أسلم يوم عاشوراء فأمره أن يؤذن فى الناس:

من كان لم يصم فليصم، ومن كان أكل فليتم صيامه إلى الليل «3» . رواه مسلم. قال النووى: اختلفوا فى حكم صوم عاشوراء فى أول الإسلام حين شرع صومه قبل صوم رمضان، فقال أبو حنيفة: كان واجبا.

واختلف أصحاب الشافعى فيه على وجهين: أشهرهما: عندهم أنه لم يزل سنة من حين شرع، ولم يكن واجبا قط فى هذه الأمة، ولكنه كان متأكد

__________

(1) صحيح: أخرجه البخارى (2002) فى الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء، ومسلم (1125) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء. من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

(2) صحيح: أخرجه البخارى (4501) فى تفسير القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ... الآية. ومسلم (1126) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء. من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.

(3) صحيح: أخرجه مسلم (1135) فى الصيام، باب: من أكل فى عاشوراء فليكف بقية يومه. من حديث سلمة بن الأكوع- رضى الله عنه-.

الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحبّا دون ذلك الاستحباب، والثانى: كان واجبا كقول أبى حنيفة. وتظهر فائدة الخلاف فى اشتراط نية الصوم الواجب من الليل، فأبو حنيفة لا يشترطها، ويقول: كان الناس مفطرين أول يوم عاشوراء ثم أمروا بصيامه بنية من النهار، ولم يأمروا بقضائه بعد صومه. وأصحاب الشافعى يقولون: كان مستحبّا فصح بنية من النهار، ويتمسك أبو حنيفة بقوله: «أمر بصيامه» والأمر للوجوب، وبقوله: «فلما فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه» . ويحتج الشافعية بقوله: «هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه» ، والشافعية يقولون أيضا: معنى قوله فى حديث سلمة: «فأمره أن يؤذن فى الناس من كان لم يصم فليصم الخ» . أن من كان نوى الصوم فليتم صومه، ومن كان لم ينو الصوم ولم يأكل أو أكل فليمسك بقية يومه لحرمة اليوم. واحتج أبو حنيفة بهذا الحديث لمذهبه: أن صوم الفرض يجب بنية فى النهار ولا يشترط تبييتها، قال: لأنهم نووا فى النهار وأجزأهم. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث: بأن المراد إمساك بقية النهار لا حقيقة الصوم، والدليل على هذا: أنهم أكلوا ثم أمروا بالإتمام، وقد وافق أبو حنيفة وغيره على أن شرط إجزاء النية فى النهار فى الفرض والنفل أن لا يتقدمها مفسد للصوم من أكل وغيره، انتهى.

وقال الحافظ شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر: يؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكيد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت فى مسلم: «لما فرض رمضان ترك عاشوراء» «1» مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه، وأما قول بعضهم: «المتروك تأكد استحبابه، والباقى مطلق استمرار الاهتمام به حتى فى عام وفاته- صلى الله عليه وسلم- حيث قال:

«لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر» وترغيبه فى صومه وأنه يكفر السنة، فأى تأكيد أبلغ من هذا. انتهى.

__________

(1) صحيح: أخرجه البخارى (4503) فى التفسير، باب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، ومسلم (1123) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء.

وعن ابن عباس قال: قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: «ما هذا؟» قالوا: يوم صالح نجى الله فيه موسى وبنى إسرائيل من عدوهم، فصامه فقال: «أنا أحق بموسى منكم» ، فصامه وأمر بصيامه.

وفى رواية: فقال لهم: «ما هذا اليوم الذين تصومونه» ؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم» ، فصامه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأمر بصيامه وفى أخرى: فنحن نصومه تعظيما له «1» ، رواه البخارى ومسلم وأبو داود.

وقد أجاب صاحب «زاد المعاد» وغيره عما استشكله بعضهم فى هذا الحديث- وقال: إن رسول الله إنما قدم المدينة فى شهر ربيع الأول فكيف يقول ابن عباس إنه قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء؟ - بأنه ليس فى الحديث أن يوم قدومه وجدهم يصومونه، فإنه إنما قدم يوم الاثنين فى ربيع الأول، ثانى عشرة، ولكن أول علمه بذلك ووقوع القصة فى اليوم الذى كان بعد قدومه المدينة لم يكن وهو بمكة.

وقال فى الفتح: غايته أن فى الكلام حذفا تقديره: قدم- صلى الله عليه وسلم- المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء، فوجد اليهود فيه صياما. ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذى قدم فيه- صلى الله عليه وسلم- المدينة. وهذا التأويل مما يترجح به أولوية المسلمين وأحقيتهم بموسى، لإضلالهم اليوم المذكور وهداية المسلمين له، ولكن سياق الأحاديث يدفع هذا التأويل، والاعتماد على التأويل الأول.

انتهى. وقد استشكل أيضا رجوعه- صلى الله عليه وسلم- إلى خبر اليهود، وهو غير مقبول.

__________

(1) صحيح: أخرجه البخارى (2004) فى الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء، ومسلم (1130) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-، وفى الباب عن عائشة.

وأجاب المازرى: بأنه يحتمل أنه- صلى الله عليه وسلم- أوحى إليه بصدقهم فيما قالوه، أو تواتر عنده النقل بذلك حتى حصل له العلم بذلك. قال القاضى عياض ردّا على المازرى: قد روى مسلم أن قريشا كانت تصومه، فلما قدم المدينة صامه، فلم يحدث له بقول اليهود حكم يحتاج إلى الكلام عليه، وإنما هى صفة حال، وجواب سؤال، فقوله: «صامه» ليس فيه أن ابتداء صومه حينئذ، ولو كان هذا لحملناه على أنه أخبره به من أسلم من علمائهم كابن سلام وغيره. قال: وقد قال بعضهم يحتمل أنه- صلى الله عليه وسلم- كان يصومه بمكة ثم ترك صيامه حتى علم ما عند أهل الكتاب منه فصامه، قال: وما ذكرناه أولى بلفظ الحديث.

قال النووى: المختار قول المازرى، ومختصر ذلك أنه- صلى الله عليه وسلم- كان يصومه كما تصومه قريش فى مكة، ثم قدم المدينة فوجد اليهود يصومونه فصامه أيضا بوحى أو تواتر أو اجتهاد، لا بمجرد إخبار آحادهم. انتهى.

وقال القرطبى: لعل قريشا كانوا يستندون فى صومه إليه شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم، كما فى الحج، وأذن الله له فى صيامه على أنه فعل خير، فلما هاجر ووجد اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمر بصيامه احتمل أن يكون استئلافا لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك. وعلى كل حال فلم يصمه اقتداء بهم، فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك فى الوقت الذى يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه، ولا سيما إذا كان فيه ما يخالف أهل الأوثان، فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا كما فى حديث ابن عباس «إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال- صلى الله عليه وسلم-: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع» ، فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-» «1» .

__________

(1) تقدم.

وفى رواية: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» . رواه مسلم. وهذا دليل الشافعى وأصحابه وأحمد وإسحاق القائلين باستحباب صوم التاسع والعاشر جميعا، لأنه- صلى الله عليه وسلم- صام العاشر ونوى صوم التاسع. قال النووى:

قال بعض العلماء: ولعل السبب فى صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود فى إفراد العاشر، وفى الحديث إشارة إلى هذا، وقيل للاحتياط فى تحصيل عاشوراء، والأول أولى. انتهى. وفى رواية البزار من حديث ابن عباس، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال- يوم عاشوراء-: «صوموه وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوما وبعده يوما» «1» . ولأحمد نحوه.

فمراتب صومه ثلاثة: أدناها أن يصام وحده، وأكملها أن يصام يوما قبله ويوما بعده، ويلى ذلك أن يصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث. وقال بعضهم: قد ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب فى هذه العبادة، وذلك يحصل بأحد أمرين، إما بنقل العاشر إلى التاسع، وإما بصيامهما معا، والله أعلم. وفى البخارى من حديث أبى موسى قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا قال النبى- صلى الله عليه وسلم-: «فصوموه أنتم» «2» . وهذا ظاهره أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود، حتى يصام ما يفطرون فيه، لأن يوم العيد لا يصام، وحديث ابن عباس يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى. لكن لا يلزم من تعظيمهم له واعتقادهم بأنه عيد أنهم كانوا لا يصومونه، فلعله كان من جملة تعظيمهم فى شرعهم أن يصوموه، وقد ورد ذلك صريحا فى مسلم «كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدا ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم» «3» وهو بالشين المعجمة أى هيئتهم الحسنة. ومحصل ما ورد فى صيامه- صلى الله عليه وسلم- عاشوراء أربعة أحوال:

__________

(1) أخرجه أحمد (1/ 241) ، وابن خزيمة فى «صحيحه» (2095) .

(2) صحيح: أخرجه البخارى (2005) فى الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء، ومسلم (1131) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء، من حديث أبى موسى الأشعرى.

(3) تقدم فى الذى قبله.

أولها: أنه كان يصومه بمكة، ولا يأمر الناس بصيامه كما تقدم فى حديث عائشة عند الشيخين وغيرهما: «كان عاشوراء يوما تصومه قريش فى الجاهلية وكان- صلى الله عليه وسلم- يصومه، فلما قدم المدينة صامه ... » الحديث.

الثانية: أنه- صلى الله عليه وسلم- لما قدم المدينة، ورأى صيام أهل الكتاب له، وتعظيمهم له، وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به، صامه وأمر الناس بصيامه، وأكد الأمر بصيامه والحث عليه، حتى كانوا يصوّمونه أطفالهم، كما تقدم فى حديث ابن عباس عند الشيخين وغيرهما.

الثالثة: أنه لما فرض صوم شهر رمضان ترك- صلى الله عليه وسلم- صيامه وقال: «إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه» «1» ويشهد له حديث عائشة السابق.

الحالة الرابعة: أنه- صلى الله عليه وسلم- عزم فى آخر عمره أن لا يصومه مفردا، بل يضم إليه يوما آخر، مخالفة لأهل الكتاب فى صيامه، كما قدمناه.

وقد روى مسلم من حديث أبى قتادة مرفوعا: «أن صوم عاشوراء يكفر سنة وأن صيام يوم عرفة يكفر سنتين» «2» . وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء. وقد قيل: الحكمة فى ذلك أن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ويوم عرفة منسوب إلى النبى- صلى الله عليه وسلم-، فلذلك كان أفضل. والله أعلم.

وأما ما ورى: من وسع على عياله فى يوم عاشوراء وسع الله عليه السنة كلها، فرواه الطبرانى والبيهقى فى «الشعب» وفى «فضائل الأوقات» ، وأبو الشيخ عن ابن مسعود، والأولان فقط عن أبى سعيد، والثانى فقط فى الشعب عن جابر وأبى هريرة، وقال: إن أسانيده كلها ضعيفة، ولكن إذا ضم

__________

(1) تقدم.

(2) صحيح: أخرجه مسلم (1162) فى الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأبو داود (2425) فى الصوم، باب: فى صوم الدهر تطوعا. من حديث أبى قتادة- رضى الله عنه-.

بعضها إلى بعض أفاد قوة، بل قال العراقى فى أماليه: لحديث أبى هريرة طرق صحح بعضها ابن ناصر الحافظ. وأورده ابن الجوزى فى الموضوعات من طريق سليمان بن أبى عبد الله، وقال: سليمان مجهول. وسليمان ذكره ابن حبان فى الثقات، فالحديث حسن على رأيه. قال: وله طرق عن جابر على شرط مسلم أخرجها ابن عبد البر فى «الاستذكار» من رواية أبى الزبير عنه، وهى أصح طرقه. ورواه هو والدار قطنى فى «الأفراد» بسند جيد عن عمر موقوفا عليه، والبيهقى فى «الشعب» من جهة محمد بن المنتشر، قال: كان يقال.. وذكره.

,

الفصل الثانى فى صيامه ص برؤية الهلال

عن عائشة (كان- صلى الله عليه وسلم- يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام) «2» . رواه أبو داود. قوله: «فإن غم عليكم» أى: حال بينكم وبينه غيم. «فاقدروا له» من التقدير، أى: قدروا له تمام العدد ثلاثين يوما، ويؤيده قوله فى الرواية السابقة: «فإن غم عليه- صلى الله عليه وسلم- عد ثلاثين» وهو مفسر ل «اقدروا له» ولهذا لم يجتمعا فى رواية. ويؤكده رواية «فاقدروا له ثلاثين» «3» .

قال المازرى: حمل جمهور الفقهاء قوله- صلى الله عليه وسلم-: «اقدروا» على أن المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسره فى حديث آخر، قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين، لأن الناس لو كلفوا به لضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم. انتهى.

وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأبى حنيفة، وجمهور السلف والخلف.

__________

(1) أخرجه الطبرانى فى الدعاء، والديلمى وسنده حسن، عن عبادة بن الصامت كما فى «كنز العمال» (24277) .

(2) صحيح: أخرجه أبو داود (2325) فى الصوم، باب: إذا غمى عليكم. من حديث عائشة- رضى الله عنها-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(3) صحيح: أخرجه مسلم (1080) فى الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال. من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-.

وفيه دليل: أنه لا يجوز صوم يوم الشك، ولا يوم الثلاثين من شعبان عن رمضان إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم. وقال الإمام أحمد بن حنبل فى طائفة: أى اقدروا له تحت السحاب، فيجوزون صوم ليلة الغيم عن رمضان، بل قال أحمد بوجوبه. وقال ابن سريج وجماعة منهم مطرف بن عبد الله وابن قتيبة وآخرون معناه: قدروا بحساب المنازل.

,

الفصل الخامس فى صومه ص أيام الأسبوع

عن عائشة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يتحرى صيام يوم الاثنين والخميس «1» . رواه الترمذى والنسائى، وعن أبى قتادة قال: سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن صوم الاثنين فقال: «فيه ولدت وفيه أنزل على» «2» . رواه مسلم.

وعن أبى هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «تعرض الأعمال على الله تعالى يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملى وأنا صائم» «3» . رواه الترمذى.

وعن أسامة بن زيد: قلت: يا رسول الله، إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر،

__________

(1) صحيح: أخرجه الترمذى (745) فى الصوم، باب: ما جاء فى صيام يوم الاثنين والخميس من حديث عائشة- رضى الله عنها-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

(2) صحيح: أخرجه مسلم (1162) فى الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، من حديث أبى قتادة- رضى الله عنه-.

(3) صحيح: أخرجه مسلم (2565) فى البر والصلة، باب: النهى عن الشحناء والتهاجر. من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.

وتفطر حتى لا تكاد تصوم، إلا يومين إن دخلا فى صيامك وإلا صمتهما، قال: «أى يومين؟» قلت: يوم الاثنين والخميس، قال: «ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملى وأنا صائم» «1» .

رواه النسائى.

وروى على بن أبى طلحة عن ابن عباس فى قوله تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ «2» قال: يكتب كل ما يتكلم به من خير وشر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلت وشربت وذهبت وجئت ورأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر ما كان فيه مجن خير أو شر، وألقى سائره، وهذا عرض خاص فى هذين اليومين غير العرض العام كل يوم فإن ذلك عرض خاص دائم بكرة وعشيّا. ويدل على ذلك ما فى صحيح مسلم عن أبى موسى الأشعرى قال: قام فينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بخمس كلمات فقال: «إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغى له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل» «3» الحديث.

وعن أم سلمة كان- صلى الله عليه وسلم- يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس من هذه الجمعة، والاثنين من المقبلة «4» . وفى رواية أول اثنين من الشهر، ثم الخميس ثم الخميس الذى يليه «5» . رواه النسائى. وعن عائشة:

__________

(1) صحيح: أخرجه النسائى (2/ 56) فى الصيام، باب: صوم النبى بأبى هو وأمى. من حديث أسامة بن زيد- رضى الله عنهما-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .

(2) سورة ق: 18.

(3) صحيح: أخرجه مسلم (179) فى الإيمان، باب: فى قوله إن الله لا ينام. من حديث أبى موسى- رضى الله عنه-.

(4) أخرجه النسائى (2/ 49) فى الصيام، باب: صوم النبى بأبى هو وأمى، من حديث أم سلمة- رضى الله عنها-، وقال الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» : حسن ولكن الأصح لفظ وخميس.

(5) ضعيف: أخرجه الترمذى (746) فى الصوم، باب: ما جاء فى صيام يوم الاثنين والخميس من حديث عائشة- رضى الله عنها-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .

كان يصوم من شهر: السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء والخميس «1» . رواه الترمذى: وعن كريب، مولى ابن عباس، قال:

أرسلنى ابن عباس وناس من أصحاب النبى- صلى الله عليه وسلم- إلى أم سلمة أسألها: أى الأيام كان النبى- صلى الله عليه وسلم- أكثرها صياما؟ قالت: السبت والأحد، ويقول: إنهما عيد المشركين، وأنا أحب أن أخالفهما «2» . رواه أحمد والنسائى، وفيه محمد ابن عمر، ولا يعرف حاله، ويرويه عنه ابنه عبد الله بن محمد بن عمر ولا يعرف حاله أيضا.

وعن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه» «3» . رواه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه والدارمى. قال بعضهم: لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة، فإن النهى عن صومه إنما هو عن إفراده، وعلى ذلك ترجم أبو داود، فقال: باب النهى أن يخص يوم السبت بالصوم وحديث صيامه إنما هو مع يوم الأحد. قالوا:

ونظير هذا أنه نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده.

قال النووى: وأما قول مالك فى الموطأ «لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن، فقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه» فهذا الذى قاله هو الذى رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهى عن صوم يوم الجمعة فتعين القول به، ومالك معذور فإنه لم يبلغه. قال الداودى من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه.

__________

(1) هو فى الذى قبله.

(2) أخرجه النسائى فى «الكبرى» (2775 و 2776) من حديث أم سلمة- رضى الله عنها-.

(3) صحيح: أخرجه الترمذى (744) فى الصوم، باب: ما جاء فى صوم يوم السبت، من حديث الصماء بنت بسر- رضى الله عنها-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

قالوا: واستحباب الفطر يوم الجمعة ليكون أعون له على وظائف العبادات المشروعة فى الجمعة، وأدائها بنشاط وانشراح لها، والتذاذ بها من غير ملل ولا سامة كالحاج بعرفة.

فإن قلت: لو كان كذلك لم يزل النهى والكراهة بصوم يوم قبله أو بعده لبقاء المعنى، فالجواب: أنه يحصل له بفضيلة الصوم الذى قبله أو بعده ما يجبره ما قد يحصل من فتور أو تقصير فى وظائف يوم الجمعة بسبب صومه، والله أعلم.

,

الفصل الخامس فى وقت إفطاره ص

عن عبد الله بن أبى أوفى قال: (كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فى سفر فى شهر رمضان، فلما غابت الشمس قال: «يا بلال انزل فاجدح لنا» قال: يا رسول الله، إن عليك نهارا، قال: «انزل فاجدح لنا» ، قال: فنزل فجدح فأتى به فشرب النبى- صلى الله عليه وسلم- ثم قال بيده: «إذا غابت الشمس من ها هنا، وجاء الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم» «2» رواه البخارى ومسلم. والجدح- بجيم ثم حاء مهملة- خلط الشئ بغيره. والمراد: خلط السويق بالماء وتحريكه حتى يستوى.

ومعنى الحديث: أنه- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا صياما، فلما غربت الشمس أمره- صلى الله عليه وسلم- بالجدح ليفطروا، فرأى المخاطب آثار الضياء والحمرة التى تبقى معه بعد غروب الشمس، فظن أن الفطر لا يحصل إلا بعد ذهاب ذلك، واحتمل عنده أنه- صلى الله عليه وسلم- لم يردها، فأراد تذكيره وإعلامه بذلك، ويؤيد هذا قوله: إن عليك نهارا، لتوهمه أن ذلك الضوء من النهار الذى يجب صومه، وهو معنى قوله فى الرواية الآخرى: «لو أمسيت» وتكريره المراجعة لغلبة اعتقاده على أن ذلك نهار يحرم الأكل فيه، مع تجويزه أنه

__________

(1) ضعيف: أخرجه أبو داود (2364) فى الصوم، باب: السواك والصائم، والترمذى (725) فى الصوم، باب: ما جاء فى السواك للصائم. من حديث عامر بن ربيعة بن كعب- رضى الله عنه-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .

(2) صحيح: أخرجه البخارى (1941) فى الصوم، باب: الصوم فى السفر والإفطار، ومسلم (1101) فى الصيام، باب: بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار، من حديث عبد الله ابن أبى أوفى- رضى الله عنه-.

- صلى الله عليه وسلم- لم ينظر إلى ذلك الضوء نظرا تاما، فقصد زيادة الإعلام ببقاء الضوء والله أعلم. قاله النووى.

,

الفصل الرابع فى صومه ص عشر ذى الحجة

والمراد بها الأيام التسعة من أول ذى الحجة. عن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبى- صلى الله عليه وسلم- قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصوم تسع ذى الحجة «3» . رواه أبو داود. وعن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صائما فى العشر قط «4» . رواه مسلم والترمذى.

وهذا يوهم كراهة صوم العشر، وليس فيها كراهة، بل هى مستحبة استحبابا شديدا لا سيما يوم التاسع منها وهو يوم عرفة، وقد ثبت فى صحيح البخارى أنه- صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من أيام العمل فيها أفضل منه فى هذه» «5» يعنى العشر الأول من ذى الحجة، واستدل به على فضل صيام عشر ذى الحجة لاندراج الصوم فى العمل.

__________

(1) أخرجه أبو الحسن على بن محمد بن شجاع الربعى فى فضل رجب ورجاله كلهم ثقات، كما فى «كنز العمال» (24601) وهو ليس فى «سنن أبى داود» .

(2) أخرجه ابن عساكر، كما فى «كنز العمال» (24581) .

(3) صحيح: أخرجه أبو داود (2437) فى الصوم، باب: فى صوم العشر. من حديث هند بنت أبى أمية بن المغيرة. والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(4) صحيح: أخرجه مسلم (1176) فى الاعتكاف، باب: صوم عشر ذى الحجة، من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

(5) صحيح: أخرجه البخارى (969) فى الجمعة، باب: فضل العمل فى أيام التشريق.

واستشكل بتحريم الصوم يوم العيد؟ وأجيب: بأنه محمول على الغالب، والله أعلم. ويتأول قولها- يعنى عائشة-: «لم يصم العشر» أنه لم يصمه لعارض من مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائما فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه فى نفس الأمر، ويدل عليه حديث هنيدة بن خالد الذى ذكرته.

قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع فى رواية القاسم بن أبى أيوب: «ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجرا من خير يعمله فى عشر الأضحى» «1» . وفى حديث جابر فى صحيحى أبى عوانة وابن حبان «ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذى الحجة» «2» . فقد ثبتت الفضيلة لأيام عشر ذى الحجة على غيرها من أيام السنة، وتظهر فائدة ذلك: فيمن نذر الصيام أو علق عملا من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرد يوما منها تعين يوم عرفة لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر المذكور، فإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعين يوم الجمعة، جمعا بين الحديث السابق وبين حديث أبى هريرة مرفوعا: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة» «3» . رواه مسلم. أشار إلى ذلك النووى فى شرحه، وقال الداودى: لم يرد- صلى الله عليه وسلم- أن هذه الأيام خير من يوم الجمعة لأنه قد يكون فيها يوم الجمعة، يعنى: فيلزم تفضيل الشئ على نفسه، وتعقب: بأن المراد: كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة، سواء كان يوم الجمعة أم لا، ويوم الجمعة فيه أفضل من يوم الجمعة فى غيره لاجتماع الفضيلتين فيه. والذى يظهر أن السبب فى امتياز عشر ذى الحجة إمكان اجتماع أمهات العبادات فيه وهى الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك فى غيرها. وعلى هذا: هل يخص الفضل بالحاج أو يعم المقيم؟ فيه احتمال. انتهى.

__________

(1) صحيح: أخرجه الدارمى (17774) فى الصوم، باب: فى فضل العمل فى العشر، وأصله فى الصحيح. من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.

(2) صحيح: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (3853) .

(3) صحيح: أخرجه مسلم (854) فى الجمعة، باب: فضل يوم الجمعة، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.

وقال أبو أمامة بن النقاش: فإن قلت أيما أفضل، عشر ذى الحجة أو العشر الأواخر من رمضان؟ فالجواب: أن أيام عشر ذى الحجة أفضل لاشتمالها على اليوم الذى ما رؤى الشيطان فى يوم غير يوم بدر أدحر ولا أغيظ ولا أحقر منه فيه وهو يوم عرفة، ولكون صيامه يكفر سنتين، ولاشتمالها على أعظم الأيام عند الله حرمة وهو يوم النحر الذى سماه الله تعالى يوم الحج الأكبر، وليالى عشر رمضان الأخير أفضل لاشتمالها على ليلة القدر التى هى خير من ألف شهر. ومن تأمل هذا الجواب وجده كافيا شافيا، أشار إليه الفاضل المفضل فى قوله: «ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من عشر ذى الحجة» الحديث، فتأمل قوله «ما من أيام» دون أن يقول: ما من عشر ونحوه. ومن أجاب بغير هذا التفضيل لم يدل بحجة صحيحة صريحة قط.

,

الفصل الرابع فيما كان يفعله ص وهو صائم

عن ابن عباس: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو صائم «1» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى. واعلم أن الجمهور أجمعوا على عدم الفطر بالحجامة مطلقا. وعن على وعطاء والأوزاعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور: يفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء. وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضا. وقال بقول أحمد، من الشافعية: ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان.

ونقل الترمذى عن الزعفرانى: أن الشافعى علق القول به على صحة الحديث. قال الترمذى: كان الشافعى يقول ذلك ببغداد، وأما بمصر فمال إلى الرخصة. انتهى.

وقال الشافعى فى «اختلاف الحديث» ، بعد أن أخرج حديث شداد «كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فى زمان الفتح، فرأى رجلا يحتجم لثمان عشرة خلت من رمضان. فقال- وهو آخذ بيدى-: أفطر الحاجم والمحجوم» «2» ثم ساق حديث ابن عباس «أنه- صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو صائم» «3» قال: وحديث ابن

__________

(1) صحيح: أخرجه البخارى (1938) فى الصوم، باب: الحجامة والقئ للصائم، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما- وليس فى مسلم احتجم وهو صائم.

(2) عزاه صاحب «كنز العمال» لابن جرير، انظر «الكنز» (24337) .

(3) تقدم.

عباس أمثلهما إسنادا، فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إلىّ احتياطا، والقياس مع حديث ابن عباس. والذى أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة، انتهى.

وأول بعضهم حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» أن المراد به أنهما سيفطران، كقوله تعالى: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً «1» ، أى ما يؤول إليه.

ولا يخفى بعد هذا التأويل. وقال البغوى فى «شرح السنة» معناه: أى تعرضا للإفطار، أما الحاجم فإنه لا يأمن من وصول شئ من الدم إلى جوفه عند مصه، وأما المحجوم فإنه لا يأمن من ضعف قوته بخروج الدم، فيؤول أمره إلى أن يفطر. وقيل: معنى أفطرا: فعلا مكروها وهو الحجامة، فصارا كأنهما غير متلبسين بالعبادة.

وقال ابن جزم: صح حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبى سعيد «أرخص النبى- صلى الله عليه وسلم- فى الحجامة للصائم» «2» وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة، سواء كان حاجما أو محجوما. انتهى.

والحديث المذكور، أخرجه النسائى وابن خزيمة والدار قطنى، ورجاله ثقات، ولكن اختلف فى رفعه ووقفه، وله شاهد من حديث أنس عند الدار قطنى ولفظه «أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبى طالب احتجم وهو صائم، فمر به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «أفطر هذان» ، ثم أرخص رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد فى الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم. ورواته كلهم من رجال البخارى إلا أن فى المتن ما ينكر، لأن فيه أن ذلك كان فى الفتح، وجعفر كان قتل قبل ذلك.

ومن أحسن ما ورد فى ذلك، ما رواه عبد الرزاق وأبو داود عن

__________

(1) سورة يوسف: 36.

(2) رواه البزار والطبرانى فى الأوسط، ورجال البزار رجال الصحيح، قاله الهيثمى فى «المجمع» (3/ 170) .

عبد الرحمن بن أبى ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:

نهى النبى- صلى الله عليه وسلم- عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة، ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه «1» . وإسناده صحيح، والجهالة بالصحابى لا تضر، ورواه ابن أبى شيبة عن وكيع عن الثورى بلفظ «عن أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم- قالوا: إنما نهى النبى- صلى الله عليه وسلم- عن الحجامة للصائم وكرهها للضعف» «2» أى لئلا يضعف. انتهى ملخصا من فتح البارى والله أعلم.

وقالت عائشة: (كان- صلى الله عليه وسلم- يقبل بعض أزواجه وهو صائم، ثم ضحكت» «3» رواه البخارى ومسلم ومالك وأبو داود. قالت: (وكان أملككم لإربه) «4» أى لحاجته، تعنى أنه كان غالبا لهواه. قال ابن الأثير: أكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء، يعنون به الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان: أحدهما: أنه الحاجة يقال فيها؛ الأرب، والإرب، والإربة والمأربة، والثانى: أرادت به العضو، وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة، انتهى. فمذهب الشافعى والأصحاب: أن القبلة ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، لكن الأولى تركها، وأما من حركت شهوته فهى حرام فى حقه على الأصح عند أصحابنا.

وقوله: «فضحكت» قيل: يحتمل ضحكها التعجب ممن خالف هذا، وقيل: تعجبت من نفسها، إذ حدثت بمثل هذا مما يستحى من ذكر النساء مثله للرجال، ولكنها ألجأتها الضرورة فى تبليغ العلم إلى ذكر ذلك، وقد يكون خجلا لإخبارها عن نفسها بذلك، أو تنبيها على أنها صاحبة القصة ليكون ذلك أبلغ فى الثقة بها، أو سرورا بمكانتها من النبى- صلى الله عليه وسلم- ومحبته لها.

__________

(1) صحيح: أخرجه أبو داود (2374) فى الصوم، باب: فى الرخصة فى ذلك، عن عبد الرحمن ابن أبى ليلى عن رجل من أصحاب النبى- صلى الله عليه وسلم-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(2) انظره: فى «فتح البارى» (4/ 178) .

(3) صحيح: أخرجه البخارى (1927) فى الصوم، باب: المباشرة للصائم، من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

(4) تقدم فى الذى قبله.

وقد روى ابن أبى شيبة عن شريك عن هشام فى هذا الحديث:

«فضحكت فظننا أنها هى» «1» . وروى النسائى عنها قالت: أهوى إلىّ النبى- صلى الله عليه وسلم- ليقبلنى فقلت: إنى صائمة، فقال: «وأنا صائم فقبلنى» «2» . وقد روى أبو داود عن عائشة أن النبى- صلى الله عليه وسلم- كان يقبلها ويمص لسانها، يعنى وهو صائم «3» . وإسناده ضعيف، ولو صح فهو محمول على أنه لم يبتلع ريقه الذى خالط ريقها.

وكان- صلى الله عليه وسلم- يكتحل بالإثمد وهو صائم «4» . رواه البيهقى من رواية محمد بن عبد الله بن أبى رافع عن أبيه عن جده. ثم قال: إن محمدا هذا ليس بالقوى، وثقه الحاكم وأخرج له فى مستدركه. وقالت أم سلمة: كان- صلى الله عليه وسلم- يصبح جنبا من جماع لا حلم، ثم لا يفطر ولا يقضى «5» . رواه البخارى ومسلم.

قال القرطبى: فى هذا الحديث فائدتان: إحداهما: أنه كان يجامع فى رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانا للجواز، الثانية: أن ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنه كان لا يحتلم، إذ الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه، وقال غيره فى قولها: «من غير الاحتلام» إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلا لما كان لاستثنائه معنى.

وردّ: بأن الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه. وأجيب: بأن الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد يقع الإنزال بغير رؤية شئ فى المنام.

__________

(1) إخرجه ابن أبى شيبة فى «مصنفه» (2/ 314) من الطريق المذكور.

(2) أخرجه أحمد (6/ 269) من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

(3) ضعيف: أخرجه أبو داود (2386) فى الصوم، باب: الصائم يبلغ الريق. من حديث عائشة- رضى الله عنها-، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .

(4) ضعيف: أخرجه الطبرانى فى الكبير، والبيهقى فى «السنن» عن أبى رافع، كما فى «ضعيف الجامع» (4599) .

(5) صحيح: أخرجه البخارى (1930) فى الصوم، باب: اغتسال الصائم، ومسلم (1109) فى الصيام، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، من حديث أم سلمة- رضى الله عنها-.

وأرادت بالتقييد بالجماع المبالغة فى الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدا، يفطر. انتهى. وقال عامر بن ربيعة: رأيته- صلى الله عليه وسلم- يستاك وهو صائم ما لا أعد ولا أحصى «1» . رواه أبو داود والترمذى.

,

الفصل السابع فيما كان يقوله ص عند الإفطار

عن معاذ بن زهرة: بلغه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان إذا أفطر قال:

«اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت» «2» . وهو حديث مرسل، ومعاذ هذا ذكره البخارى فى التابعين لكن قال: معاذ أبو زهرة- وتبعه ابن أبى حاتم وابن حبان- فى الثقات. وذكره يحيى بن يونس الشيرازى فى الصحابة، وغلطه جعفر المستغفرى. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون الحديث

__________

(1) صحيح: أخرجه الترمذى (696) فى الصوم، باب: ما جاء فيما يستحب عليه الإفطار، من حديث أنس بن مالك- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

(2) ضعيف: أخرجه أبو داود (2358) فى الصوم، باب: القول عند الإفطار. من حديث معاذ بن زهرة بلاغا، وانظر «ضعيف الجامع» (4349) .

موصولا، ولو كان معاذ تابعيّا، لاحتمال أن يكون الذى بلغه له صحابيّا.

قال: وبهذا الاعتبار أورده أبو داود فى السنن، وبالاعتبار الآخر أورده فى المراسيل.

وخرج ابن السنى والطبرانى فى المعجم الكبير، بسند واه جدّا، عن ابن عباس: كان- صلى الله عليه وسلم- إذا أفطر قال: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، فتقبل منى إنك أنت السميع العليم» «1» . وعن ابن عمر: كان- صلى الله عليه وسلم- إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» «2» ، رواه أبو داود. وزاد رزين: «الحمد لله» فى أول الحديث.

وفى كتاب ابن السنى، عن معاذ بن زهرة قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا أفطر قال: «الحمد لله الذى أعاننى فصمت ورزقنى فأفطرت» «3» .

,

الفصل السادس فى صومه ص الأيام البيض

وهى التى يكون فيها القمر من أول الليل إلى آخره، وهى: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، وليس فى الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام، لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض فصح قول من قال: الأيام البيض، على الوصف، واليوم الكامل هو النهار بليلته. وفيه رد لقول الجواليقى: «من قال الأيام البيض فجعل البيض صفة الأيام فقد أخطأ» والله أعلم.

عن ابن عباس قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا يفطر أيام البيض فى حضر ولا سفر «1» . رواه النسائى. وعن حفصة: أربع لم يكن النبى- صلى الله عليه وسلم- يدعهن: صيام عاشوراء، والعشر، وأيام البيض من كل شهر، وركعتا الفجر «2» ، رواه أحمد.

وعن معاذة العدوية: أنها سألت عائشة: أكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أى أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: ما كان يبالى من أى أيام الشهر يصوم «3» . رواه مسلم. قال

__________

(1) ضعيف الإسناد: أخرجه النسائى (4/ 198) فى الصيام، باب: صوم النبى بأبى هو وأمى. وقال الألبانى فى ضعيف النسائى: «ضعيف الإسناد» .

(2) أخرجه أحمد (6/ 287) .

(3) صحيح: أخرجه مسلم (1160) فى الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

بعضهم: لعله- صلى الله عليه وسلم- لم يواظب على ثلاثة معينة لئلا يظن تعينها. قال:

وقد جعل الله تعالى صيام هذه الثلاثة أيام من الشهر بمنزلة صيام الدهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها. وقد روى أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة من حديث ابن مسعود قال: كان النبى- صلى الله عليه وسلم- يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر «1» . وقد تحصل أن صيامه- صلى الله عليه وسلم- فى الشهر على أوجه:

الأول: أنه كان يصوم أول اثنين من الشهر، ثم الخميس ثم الخميس الذى يليه، رواه النسائى.

الثانى: كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء والخميس. رواه الترمذى.

الثالث: أيام البيض، ثالث عشر، ورابع عشر، وخامس عشر.

الرابع: أنه كان يصوم ثلاثة غير معينة كما روته معاذة عن عائشة عند مسلم.

الخامس: أنه كان يصوم ثلاثة من أول الشهر، واختار جماعة منهم:

الحسن وهو ما رواه أصحاب السنن من حديث ابن مسعود.

قال القاضى عياض: واختار النخعى صوم ثلاثة أيام من آخر الشهر لتكون كفارة لما مضى، واختار آخرون: أول يوم من الشهر والعاشر والعشرين، وقيل إنه صيام مالك بن أنس. وقال ابن شعبان من المالكية: أول يوم من الشهر والحادى عشر، والحادى والعشرون، ونقل ذلك عن أبى الدرداء، وهو موافق لما رواه النسائى من حديث عبد الله بن عمر «وصم من كل عشرة أيام يوما» «2» وحكى الإسنوى عن الماوردى أنه يستحب أيضا صوم الأيام السود وهى السابع والعشرون واليومان بعده.

__________

(1) حسن: أخرجه النسائى (4/ 204) فى الصيام، باب: صيام النبى، من حديث ابن مسعود- رضى الله عنه-. والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .

(2) صحيح: أخرجه مسلم (1159) فى الصيام، باب: النهى عن صوم الدهر لمن تضرر به، والنسائى (4/ 215) فى الصيام، باب: صيام عشرة أيام من الشهر. من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص- رضى الله عنهما-.

وتترجح البيض بكونها وسط الشهر، ووسط الشئ أعدله، ولأن الكسوف غالبا يقع فيها وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع، فإذا اتفق الكسوف صادف الذى يعتاد صيام البيض صائما، فيتهيأ له أن يجمع بين أنواع العبادات من الصيام والصلاة والصدقة، بخلاف من لم يصمها فإنه لا يتهيأ له استدراك صيامها. ورجح بعضهم صيام الثلاثة فى أول الشهر، لأن المرء لا يدرى ما يعرض له من الموانع، والله أعلم.

,

الفصل السادس فيما كان ص يفطر عليه

عن أنس: كان- صلى الله عليه وسلم- يفطر قبل أن يصلى على رطبات، فإن لم يجد رطبات فتمرات، فإن لم يجد تمرات حسا حسوات من ماء «1» . رواه أبو داود. وإنما خص- صلى الله عليه وسلم- الفطر بما ذكر لأن إعطاء الطبيعة الشئ الحلو مع خلو المعدة ادعى إلى قبوله وانتفاع القوى به، لا سيما قوة البصر. وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان الأولى بالظمان الجائع أن يبدأ بشرب قليل من الماء ثم يأكل بعده. قاله ابن القيم.

,

الفصل العاشر فى إفطاره ص فى رمضان فى السفر وصومه

عن جابر أن رسول الله خرج عام الفتح إلى مكة فى رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» . زاد فى رواية: فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينتظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر. رواه مسلم. وعن ابن عباس قال: سافر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فى رمضان، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهارا ليراه الناس، وأفطر حتى قدم مكة. وكان ابن عباس يقول صام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فى السفر وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر «1» ، رواه البخارى ومسلم.

ولمسلم: أن ابن عباس كان لا يعيب على من صام ولا على من أفطر، قد صام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فى السفر وأفطر. قال النووى- رحمه الله-:

اختلف العلماء فى صوم رمضان فى السفر.

فقال بعض أهل الظاهر: لا يصح صوم رمضان فى السفر، فإن صامه لم ينعقد، ويجب قضاؤه، لظاهر الآية «2» ولحديث «ليس من البر الصيام فى السفر» «3» . وفى الحديث الآخر «أولئك العصاة» «4» .

__________

(1) صحيح: أخرجه البخارى (4279) فى المغازى، باب: غزوة الفتح فى رمضان، ومسلم (1113) فى الصيام، باب: جواز الصوم والفطر فى شهر رمضان للمسافر. من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.

(2) سورة البقرة: 184.

(3) صحيح: أخرجه أبو داود (2407) فى الصوم، باب: اختيار الفطر. من حديث جابر بن عبد الله- رضى الله عنهما-، والحديث الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» .

(4) تقدم.

وقال جماهير العلماء وجميع أهل الفتوى: يجوز صومه فى السفر، وينعقد ويجزيه، واختلفوا فى أن الصوم أفضل أم الفطر أم هما سواء؟ فقال مالك وأبو حنيفة والشافعى والأكثرون: الصوم أفضل لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن تضرر به فالفطر أفضل، واحتجوا بصومه- صلى الله عليه وسلم-، ولأنه يحصل به براءة الذمة فى الحال.

وقال سعيد بن المسيب والأوزاعى وأحمد وإسحاق وغيرهم: الفطر أفضل مطلقا، وحكاه بعض أصحابنا قولا للشافعى، وهو غريب، واحتجوا بما سبق لأهل الظاهر، وبقوله- صلى الله عليه وسلم-: «هى رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» «1» وظاهره ترجيح الفطر.

وأجاب الأكثرون: بأن هذا كله فيمن يخاف ضررا، أو يجد مشقة، كما هو صريح فى الأحاديث، واعتمدوا حديث أبى سعيد الخدرى قال: «كنا نغزوا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فى رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، ولا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن» ، وهذا صريح فى ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة. وقال بعض العلماء: الفطر والصوم سواء لتعادل الأحاديث.

والصحيح: قول الأكثرين، والله أعلم.

__________

(1) صحيح: أخرجه مسلم (1121) فى الصيام، باب: التخيير فى الصوم والفطر فى السفر. من حديث حمزة بن عمرو الأسلمى- رضى الله عنه-.

,

القسم الأول فى صيامه ص شهر رمضان

وفيه فصول:

,

القسم الثانى فى صومه ص غير شهر رمضان وفيه فصول

,

النوع الرابع فى ذكر صيامه صلى الله عليه وسلم

اعلم أن المقصود من الصيام إمساك النفس عن خسيس عاداتها، وحبسها عن شهواتها، وفطامها عن مألوفاتها، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر أعمال العاملين، كما قال الله تعالى فى الحديث الإلهى الذى رواه مسلم: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهو لى وأنا أجزى به» «2» . فأضافه تعالى إليه إضافة تشريف وتكريم، كما قال تعالى: ناقَةُ اللَّهِ «3» مع أن العالم كله له سبحانه.

وقيل: لأنه لم يعبد غيره به، فلم يعظم الكفار فى عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود وغيرها.

قال فى شرح تقريب الأسانيد: واعترض بما يقع من عباد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات فإنهم يتعبدون لها بالصيام.

وأجيب: بأنهم لا يعتقدون أنها فعالة بأنفسها.

وقيل: لأن الصوم بعيد عن الرياء لخفائه، بخلاف الصلاة والحج والغزو

__________

(1) صحيح: أخرجه البخارى (5430) فى الأطعمة، باب: الأدم. من حديث عائشة- رضى الله عنها-.

(2) صحيح: أخرجه البخارى (1904) فى الصوم، باب: هل يقول إنى صائم إذا شتم، ومسلم (1151) فى الصيام، باب: فضل الصيام. من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.

(3) سورة الشمس: 13.

وغير ذلك من العبادات الظاهرات، قال فى فتح البارى: معنى النفى فى قولهم «لا رياء فى الصوم» أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول، كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء فى الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء يدخلها بمجرد فعلها. انتهى.

وعن شداد بن أوس مرفوعا: «من صام يرائى فقد أشرك» «1» . رواه البيهقى. وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظ. وقيل: لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب تعالى، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه، قال القرطبى معناه: أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم، إلا الصيام فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه تعالى يقول:

إن الصائم يتقرب إلىّ بأمر هو متعلق بصفة من صفاتى. أو لكون ذلك من صفات الملائكة، أو لأنه تعالى هو المنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، بخلافه غيره من العبادات، فقد أظهر سبحانه بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها، ولذا قال فى بقية الحديث: «وأنا أجزى به» وقد علم بأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى ذلك سعة العطاء، وإنما جوزى الصائم هذا الجزاء لأنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده.

والمراد بالشهوة فى الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب، ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص، لكن وقع فى رواية عند ابن خزيمة «يدع لذته من أجلى، ويدع زوجته من أجلى، وأصرح منه ما روى «من الطعام والشراب والجماع من أجلى» .

وللصيام تأثير عجيب فى حفظ الأعضاء الظاهرة، وقوى الجوارح الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب للمواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرديئة المانعة له من صحتها، فهو من أكبر العون على التقوى، كما أشار إليه تعالى بقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «2»

__________

(1) أخرجه أحمد (4/ 125) من حديث شداد بن أوس- رضى الله عنه-.

(2) سورة البقرة: 183.

وقال- صلى الله عليه وسلم- كما فى البخارى-: «الصوم جنة» «1» ، هى بضم الجيم، الوقاية والستر، أى: ستر من النار. وبه جزم ابن عبد البر، وفى النهاية: أى يقى صاحبه مما يؤذيه من الشهوات، وقال القاضى عياض: من الآثام. وقد اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصى قولا وفعلا.

وقد اختلف: هل الصوم أفضل أم الصلاة؟ فقيل الصوم أفضل الأعمال البدنية، لحديث النسائى عن أبى أمامة قال: أتيت النبى- صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله، مرنى بأمر آخذه عنك قال: «عليك بالصوم فإنه لا عدل له» «2» ، والمشهور تفضيل الصلاة، وهو مذهب الشافعى وغيره، لقوله- صلى الله عليه وسلم-:

«واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» «3» رواه أبو داود وغيره. ثم إن الكلام فى صيامه- صلى الله عليه وسلم- على قسمين:

__________

(1) صحيح: البخارى (7492) فى التوحيد، باب: قول الله تعالى: «يريدون أن يبدلوا كلام الله» ، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.

(2) صحيح: أخرجه النسائى (4/ 165) فى الصيام، باب: ثواب من صام يوما فى سبيل من حديث أبى أمامة- رضى الله عنه-، والحديث صحيح الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن النسائى» .

(3) صحيح: أخرجه ابن ماجه (277) فى الطهارة والسنة، باب: المحافظة على الوضوء، من حديث ثوبان بن بجدد- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه» .


ملف pdf

كلمات دليلية: