الإسرار إلى أبي بكر رضي الله عنه بالهجرة من كتاب حدائق الانوار في السيرة

الإسرار إلى أبي بكر رضي الله عنه بالهجرة من كتاب حدائق الانوار في السيرة

اسم الكتاب:
حدائق الانوار في السيرة
المؤلف:
وجيه الدين عبد الرحمن علي محمد

الإسرار إلى أبي بكر رضي الله عنه بالهجرة

]

وكان أبو بكر رضي الله عنه قد تجهّز للهجرة إلى (المدينة) ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على رسلك- أي: أمهل- فإنّي أرجو أن يؤذن لي فيها» . فعلف أبو بكر راحلتين كانتا عنده ورق التّمر «2» .

__________

(1) قلت: قد يقول قائل: ما بال الترتيب في هذه الآية لم يأتي على حسب الواقع، ولم وسّط الله القتل مع أنّه كان في المشاورة بدار النّدوة آخرا؟. والجواب: أنّ هذا من عجيب أسلوب القرآن، وبديع طريقته، ذلك أنّ الرّأي الّذي اختاروه هو القتل، فجاءت الآية على هذا النّسق البديع من توسيط القتل بين الحبس والإخراج، لتدلّ الآية بوضعها وترتيبها على الرّأي الوسط المختار، وهو سرّ من أسرار الإعجاز. فلله ربّ التنزيل ما أكرمه وما أبلغه.

(2) قلت: كان عند أبي بكر راحلتان، فقال أبو بكر للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: خذ بأبي

قالت عائشة رضي الله عنها: فبينما نحن جلوس في نحر الظّهيرة- حين تبلغ الشّمس منتهاها من الارتفاع، كأنّها وصلت إلى النّحر، وهو أعلى الصّدر- إذ أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر:

فداه أبي وأمّي، ما جاءنا في هذه السّاعة الّتي لم يكن يأتينا فيها إلّا لأمر قد حدث، فلمّا دخل صلى الله عليه وسلم قال له: «أخرج من عندك» ، قال: فإنّما هم أهلك. قال: «فإنّي قد أذن لي في الخروج»

وواعده وقت السّحر، وأمره بالتّجهيز.

قالت عائشة: فجهّزناهما أحثّ الجهاز- بالمثلّثة، أي:

أسرعه- واستأجرا رجلا دليلا ماهرا «1» ، قد دفعا إليه راحلتيهما، وواعداه (غار ثور) بعد ثلاث ليال.

[خروج النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر إلى الغار]

ثمّ لحقا ب (الغار) ، فمكثا فيه ثلاثا يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو يومئذ غلام فطن، ويدّلج «2» من عندهما بسحر، فيصبح ب (مكّة) مع قريش كبائت فيها، فلا يسمع أمرا يكادان به إلّا وعاه، وأتاهما بذلك حين يختلط الظّلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منائح من غنم «3» ، فيريحها عليهما عشيا «4» ،

__________

أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بالثّمن» . فأخذ إحداهما، وهي: القصواء. وإنّما اشترط النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك بالثّمن مع أنّ أبا بكر أنفق ما له في سبيل الله ورسوله؛ لأنّه أحبّ ألّا تكون هجرته إلّا من مال نفسه. وكان ثمنها أربع مئة درهم.

(1) وهو: عبد الله بن أريقط. (ابن هشام، ج 1/ 485) .

(2) يدّلج: يخرج وقت السّحر منصرفا إلى مكّة.

(3) المنائح- جمع منيحة-: وهي منحة اللبن- كالناقة أو الشاة- تعطيها غيرك يحلبها ثم تردها عليك.

(4) أي: يأوي بها ليلا.

وينعق بها من عندهم «1» .

[تطويق المشركين دار النّبيّ صلى الله عليه وسلم]

وكان المشركون قبل خروج النّبيّ صلى الله عليه وسلم من داره قد قعدوا له على بابه تلك اللّيلة، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعليّ رضي الله عنه: «نم على فراشي، وتسجّ ببردي الحضرميّ الأخضر فنم فيه، فإنّه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» «2» /.

وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده حفنة من التّراب، وهو يتلو فيها صدر سورة (يس) إلى قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [سورة يس 36/ 9] .

فأعمى الله أبصارهم عنه، وجعل ينثر على رؤوسهم التّراب، فأتاهم آت، فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمّدا، قال: خيّبكم الله!! والله لقد خرج عليكم محمّد وما ترك رجلا منكم إلّا وقد وضع على رأسه ترابا، فتفقّدوا رؤوسهم فوجدوا التّراب عليها كما قال.

ثمّ نظروا إلى الفراش فوجدوا عليّا مسجّى بالبرد، فبقوا متحيّرين، وفتر حرصهم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم.

[جائزة قريش لمن يردّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وصاحبه]

فلمّا علموا بخروجهم وقعوا في الأسف، فطلبوهم بأشدّ وجوه الطّلب، وأخذوا على الطّرقات بالرّصد، وجعلوا دية كلّ واحد منهما لمن أسره أو قتله «3» .

[,

خبر إسلام سراقة

]

وفي «صحيح البخاريّ» ، أنّ سراقة قال: فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب «3» .

زاد ابن إسحاق عنه، قال: فلقيته ب (الجعرانة) فرفعت يدي بالكتاب، فقلت: هذا كتابك لي، فقال: «نعم، هذا يوم وفاء وبرّ، ادن» «4» فدنوت، فأسلمت.

قال علماء السّير: ولم تدر قريش أين توجّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتّى سمعوا وقت الصّبح هاتفا من مؤمني الجنّ ينشد ب (مكّة) في الهواء، [من الطّويل] «5» :

جزى الله ربّ [العرش] خير جزائه ... رفيقين حلّا خيمتي أمّ معبد «6»

هما نزلا بالبرّ ثمّ ترحّلا ... فيا فوز من أمسى رفيق محمّد

فيال قصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فخار لا يجارى وسؤدد

__________

(1) أخرجه مسلم، برقم (2009/ 75) .

(2) أخرجه الحاكم في «المستدرك» ، ج 3/ 12.

(3) أخرجه البخاريّ، برقم (3693) .

(4) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد» ، ج 6/ 54.

(5) ابن هشام، ج 1/ 487.

(6) واسمها: عاتكة بنت خالد بن منقذ الخزاعيّة.

ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد

سلوا أختكم عن شأنها وإنائها ... فإنّكم إن تسألوا الشّاة تشهد

أتته بشاة حائل فتحلّبت ... عليه بدرّ ضرّة الشّاة مزبد

[مرور النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر بأمّ معبد بعد لحاق سراقة لهم]

/ وكانوا قد مرّوا على خيمة أمّ معبد الخزاعيّة الكعبيّة، فسألوها الزّاد، فلم يجدوا عندها إلّا شاة هزيلة، قد تخلّفت لضعفها عن الغنم، فمسح صلى الله عليه وسلم بيده المباركة على ضرّتها- أي: ضرعها- فدرّت لهم بلبن غزير، شرب منه النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتّى ارتووا، وأفضلوا لأهل الخيمة ما يرويهم.

ثمّ أتى زوجها فأخبرته، فقال: والله إنّه لصاحب قريش، فحينئذ علمت قريش أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم توجّه إلى (المدينة) ، وأنّ الله ناصر عبده، ومظهر لا محالة دينه «1» .

__________

(1) ابن هشام، ج 1/ 487- 488.

الباب الثّامن في ذكر ما اشتمل عليه حديث الإسراء من العجائب واحتوى عليه من الأسرار والغرائب

[وذلك] من العروج به إلى سدرة المنتهى، ثمّ إلى قاب قوسين أو أدنى، وما رأى من آيات ربّه الكبرى، والمناجاة، والرّؤية، وإمامة الأنبياء، ممّا أكرمه الله تعالى به صلى الله عليه وسلم.

[,

وصول المشركين إلى باب الغار

]

ومرّوا على (غارهما) ، فأعمى الله أبصارهم عنهما، وألهم الله العنكبوت فنسجت على فم (الغار) ، وحمامتين فعشّشتا

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (3692- 3694) . ينعق الرّاعي بغنمه: يصيح بها ويزجرها.

(2) ابن هشام، ج 1/ 482- 483.

(3) وهي مئة ناقة.

على فمه، فلمّا رأوا ذلك قالوا: لو دخله أحد ما كان هكذا.

[لا تحزن إنّ الله معنا]

وفي «الصّحيحين» ، من حديث أنس بن مالك، عن أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه، قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار، وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله، لو أنّ أحدهم نظر إلى قدميه لأبصارنا تحت قدميه، فقال: «يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» «1» .

وفي ذلك يقول الله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [سورة التّوبة 9/ 40] .

وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله تعالى- فيهما، [من البسيط] «2» :

أقسمت بالقمر المنشقّ إنّ له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم «3»

وما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكلّ طرف من الكفّار عنه عمي

فالصّدق في الغار والصّدّيق لم يرما ... وهم يقولون ما بالغار من أرم «4»

/ ظنّوا الحمام وظنّوا العنكبوت على ... خير البريّة لم تنسج ولم تحم

__________

(1) أخرجه البخاريّ، برقم (3453) .

(2) البردة، في معجزاته صلى الله عليه وسلم، ص 34.

(3) يريد أنّ للقمر المنشقّ نسبة إلى قلب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقد كان يناغيه صغيرا.

(4) لم يرما: لم يبرحا. من أرم: من أحد.

وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدّروع وعن عال من الأطم «1»

[مدّة إقامة النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الغار]

وبعد الثّلاث جاءهم الدّليل «2» بالرّاحلتين فارتحلوا، وأردف النّبيّ صلى الله عليه وسلم عامر بن فهيرة ليخدمهما، فأخذ بهم الدّليل طريق السّواحل.

[خروج النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة]

وفي «الصّحيحين» ، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما، عن أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه، قال: فأسرينا ليلتنا كلّها، حتّى قام قائم الظّهيرة «3» ، وخلا الطّريق فلا يمرّ فيه أحد، حتّى رفعت لنا صخرة «4» طويلة لها ظلّ، لم تأت عليه الشّمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصّخرة وسوّيت بيدي مكانا ينام فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمّ بسطت عليه فروة، ثمّ قلت: نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك «5» ، فنام، وخرجت أنفض ما حوله- أي:

أستبرئه-، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصّخرة، يريد منها الّذي أردناه، فلقيته، فقلت، لمن أنت يا غلام؟، فقال: لرجل من أهل المدينة- يعني: (مكّة) ، فهو صفة لا علم- فقلت: أفي غنمك لبن؟، قال: نعم، قلت: أفتحلب لي؟، قال: نعم،

__________

(1) الأطم: الحصن.

(2) قلت: وهو عبد الله بن أريقط، وكان على دين كفّار قريش، ولم يعرف له إسلام قطّ. وهذا يدلّ على مروءة العرب، ووفائهم وأمانتهم، وإلّا فقد كان يمكنه أن يدلّ المشركين عليهما، ويأخذ المكافأة.

(3) قائم الظهيرة: نصف النّهار، وهو حال استواء الشّمس. سمّي قائما لأنّ الظّلّ لا يظهر فكأنّه واقف قائم. (أنصاريّ) .

(4) رفعت لنا صخرة: ظهرت لأبصارنا، (أنصاريّ) .

(5) أي: أحرسك وأنظر جميع ما في المكان.

فأخذ شاة، فقلت له: انفض الضّرع من الشّعر والتّراب والقذى، فحلب لي في قعب معه- أي: قدح- كثبة «1» من لبن، قال: ومعي إداوة «2» أرتوي فيها للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، ليشرب منها ويتوضّأ، قال: فأتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكرهت أن أوقظه من نومه، فوقفت حتّى استيقظ. - وفي رواية: فوافقته حين استيقظ- فصببت على اللّبن من الماء حتّى برد أسفله، فقلت يا رسول الله: اشرب من هذا اللّبن، فشرب حتّى رضيت، ثمّ قال: «ألم يأن للرّحيل؟» ، قلت: بلى، قال:

فارتحلنا بعد ما زالت الشّمس، فاتّبعنا سراقة بن مالك، ونحن في جلد من الأرض/- أي: موضع صلب- فقلت: يا رسول الله أتينا، فقال: «لا تحزن إنّ الله معنا» ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فارتطمت فرسه إلى بطنها «3» ، فقال: إنّي قد علمت أنّكما قد دعوتما عليّ، فادعوا لي، فالله لكما أن أردّ عنكما الطّلب، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فنجا، فجعل لا يلقى أحدا إلّا قال: قد كفيتكم ما هاهنا، ولا يلقى أحدا إلّا ردّه، فوفّى لنا «4» .

[وصول النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى قباء]

فأقام صلى الله عليه وسلم ب (قباء) ، ثمّ دخل (المدينة) يوم الاثنين أيضا «5» .

[دخول النّبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة، ودعوة الأنصار له بالنّزول عندهم]

قال أبو بكر رضي الله عنه: فقدمنا (المدينة) ليلا، فتنازعوا على أيّهم ينزل عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: «أنزل على بني النّجار، أخوال

__________

(1) الكثبة: هي قدر حلبة خفيفة.

(2) الإداوة: إناء صغير من جلد.

(3) أي: غاصت قوائمها في تلك الأرض الجلد. (أنصاريّ) .

(4) أخرجه البخاريّ، برقم (3419) .

(5) قلت: لقد كان دخول النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى قباء يوم الاثنين، أمّا وصوله إلى المدينة فكان يوم الجمعة. وسيأتي ذلك فيما بعد ص 253.

عبد المطّلب، أكرمهم بذلك» «1» .

فصعد الرّجال والنّساء فوق البيوت، وتفرّق الغلمان والخدم ينادون: جاء محمّد، جاء رسول الله «2» .

[


ملف pdf

كلمات دليلية: