إرسال قريش وفدا إلى النجاشي ليردَّ المسلمين من كتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

إرسال قريش وفدا إلى النجاشي ليردَّ المسلمين من كتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
عبدالله محمد عبدالوهاب

بعث قريش إلى النجاشي تطلب إرجاع المسلمين

ولما كان بعد بدر: اجتمعت قريش في دار الندوة. وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي ثأرًا. فاجمعوا مالا، وأهدوه إلى النجاشي، لعله يدفع إليكم من عنده ولْنَنْتَدِبْ لذلك رجلين من أهل رأيكم. فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد (1) مع الهدية. فركبا البحر. فلما دخلا على النجاشي سجدا له، وسلما عليه. وقالا: قومنا لك ناصحون، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء الذين قدموا عليك لأنهم قوم اتبعوا رجلا كذابًا. خرج فينا يزعم أنه رسول الله، ولم يتبعه إلا السفهاء فضيقنا عليهم، وألجأناهم إلى شعب بأرضنا، لا يخرج منهم أحد ولا يدخل عليهم أحد. فقتلهم الجوع والعطش. فلما اشتد عليهم الأمر، بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك. فاحذرهم. وادفعهم إلينا لنكفيكهم، وآية ذلك: أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك، ولا

_________

(1) وعند ابن هشام: أنهم بعثوا معهما عبد الله بن أبي ربيعة.

يحيونك بالتحية التي تحيَّى بها، رغبة عن دينك.

فدعاهم النجاشي. فلما حضروا صاح جعفر بن أبي طالب بالباب "يستأذن عليك حزب الله" فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه. ففعل. قال: نعم. فليدخلوا بإذن الله وذمته. فدخلوا ولم يسجدوا له. فقال: ما منعكم أن تسجدوا لي؟ قالوا: إنما نسجد لله الذي خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان. فبعث الله فينا نبيا صادقًا. وأمرنا بالتحية التي رضيها الله. وهي " السلام " تحية أهل الجنة.

فعرف النجاشي أن ذلك حق، وأنه في التوراة والإنجيل.

فقال: أيكم الهاتف يستأذن؟ فقال جعفر: أنا. قال: فتكلم.

قال: إنك ملك لا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم. وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي. فأمُرْ هذين الرجلين فليتكلم أحدهما، فتسمع محاورتنا.

فقال عمرو لجعفر: تكلم. فقال جعفر للنجاشي: سله، أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيدًا أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم. فقال عمرو: بل أحرار كرام.

فقال: هل أهرقنا دمًا بغير حق فيقتص منا؟ قال عمرو: ولا قطرة.

فقال: هل أخذنا أموال الناس بغير حق، فعلينا قضاؤها؟ فقال عمرو: ولا قيراطًا.

فقال النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال: كنا نحن وهم على أمر واحد،

على دين آبائنا. فتركوا ذلك واتبعوا غيره.

فقال النجاشي: ما هذا الذي كنتم عليه، وما الذي اتبعتموه؟ قل واصْدُقني.

فقال جعفر: أما الذي كنا عليه فتركناه وهو دين الشيطان: كنا نكفر بالله، ونعبد الحجارة. وأما الذي تحولنا إليه: فدين الله الإسلامُ، جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقًا له.

فقال: تكلمت بأمر عظيم. فعلى رِسْلك.

ثم أمر بضرب الناقوس، فاجتمع إليه كل قسيس وراهب. فقال لهم: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا؟ قالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى، وقال: مَن آمن به فقد آمن بي، ومن كفر به فقد كفر بي.

فقال النجاشي لجعفر رضي الله عنه: ماذا يقول لكم هذا الرجل؟ وما يأمركم به؟ وما ينهاكم عنه؟ .

فقال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمرنا بالمعروف، وينهانا عن المنكر. ويأمرنا بحسن الجوار، وصلة الرحم، وبر اليتيم. ويأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له.

فقال: اقرأ مما يقرأ عليكم. فقرأ سورتي العنكبوت والروم. ففاضت عينا النجاشي من الدمع. فقال: زدنا من هذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورة الكهف.

فأراد عمرو أن يُغْضِب النجاشي. فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه.

فقال: ما تقولون في عيسى وأُمه؟ فقرأ عليهم سورة مريم. فلما أتى على ذكر عيسى وأمه: رفع النجاشي بقَشّةٍ من سواكه قدر ما يقذِي العين. فقال: والله ما زاد المسيح على ما تقولون نقيرًا.

وفيه نزل قول الله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ - وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83 - 84] الآيات (1) .

فأقبل النجاشي على جعفر. ثم قال: اذهبوا فأنتم سُيوم بأرضي - والسيوم الآمنون - من سَبّكم غرم. فلا هوادة (2) اليوم على حزب إبراهيم.

[موت النجاشي]


ملف pdf

كلمات دليلية: