هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة_16881

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة


بدء الهجرة إلى المدينة

قال ابن إسحاق «2» : فلما أذن الله تبارك وتعالى لرسوله فى الحرب، وبايعه هذا الحى من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه وأوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها، فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه فى الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة «3» .

فكان أول من هاجر إليها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش من بنى مخزوم: أبو

__________

(1) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (3171) ، سنن النسائى الكبرى (6/ 411) ، المستدرك للحاكم (2/ 66) ، تفسير ابن كثير (5/ 430) .

(2) انظر: السيرة (2/ 77) .

(3) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 169) .

سلمة بن عبد الأسد «1» ، هاجر إليها قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة، وكان قدم مكة من أرض الحبشة، فلما آذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار خرج إلى المدينة مهاجرا «2» .

قالت أم سلمة: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لى بعيره ثم حملنى عليه وحمل معى ابنى سلمة فى حجرى، ثم خرج بى يقود بعيره، فلما رأته رجال بنى المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها فى البلاد؟! قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذونى منه، وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبى سلمة، فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. فتجاذبوا بنى سلمة بينهم حتى خلعوا يده! وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسنى بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجى أبو سلمة إلى المدينة، ففرق بينى وبين زوجى وبين ابنى، فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكى حتى أمسى، سنة أو قرييا منها. حتى مر بى رجل من بنى عمى فرأى ما بى فرحمنى فقال لبنى المغيرة: ألا تحرجون من هذه المسكينة! فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها.

فقالوا لى: الحقى بزوجك إن شئت. ورد بنو عبد الأسد إلى عند ذلك ابنى، فارتحلت بعيرى ثم أخذت بنى فوضعته فى حجرى، ثم خرجت أريد زوجى بالمدينة وما معى أحد من خلق الله، قلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجى.

حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبى طلحة «3» ، أخا بنى عبد الدار، فقال: إلى أين يا بنت أبى أمية؟ قلت: أريد زوجى بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قلت:

لا والله، إلا الله وبنى هذا! قال: والله مالك من مترك. فأخذ بخطام البعير يقودنى معه يهوى بى، فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه كان إذا بلغ

__________

(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3043) ، الإصابة الترجمة رقم (10049) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5978) ، تهذيب الكمال (1610) ، تقريب التهذيب (2/ 430) ، تهذيب التهذيب (12/ 115) .

(2) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (7/ 268) ، تاريخ الطبرى (1/ 565) .

(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1790) ، الإصابة الترجمة رقم (5456) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3580) ، الثقات (3/ 260) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 373) ، تقريب التهذيب (2/ 10) ، تهذيب التهذيب (7/ 124) ، تهذيب الكمال (2/ 910) ، الجرح والتعديل (6/ 1055) ، سير أعلام النبلاء (3/ 10) .

المنزل أناخ بى ثم استأخر عنى، حتى إذا نزلت استأخر ببعيرى فحط عنه ثم قيده فى الشجر، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيرى فرحله ثم استأخر عنى فقال: اركبى، فإذا ركبت واستويت على بعيرى أتى فأخذ بخطامه فقادنى حتى ينزل بى، فلم يزل يصنع ذلك بى حتى أقدمنى المدينة، فلما نظرنا إلى قرية بنى عمرو بن عوف وكان أبو سلمة بها، قال: زوجك فى هذه القرية فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعا إلى مكة، فكانت أم سلمة تقول: ما أعلم أهل بيت فى الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبى سلمة، وما رأيت صاحبا كان أكرم من عثمان بن طلحة «1» .

قال ابن إسحاق «2» : ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبى سلمة، عامر بن ربيعة»

حليف بنى عدى بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة بن غانم «4» ، ثم عبد الله بن جحش بن رئاب من بنى غنم بن ذودان بن أسد بن خزيمة حليف بنى أمية ابن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه أبى أحمد [عبد] «5» بن جحش «6» ، وكان أبو أحمد رجلا ضرير يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرا وكانت عنده الفرعة بنت أبى سفيان بن حرب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب.

فغلقت دار بنى جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام فنظر إليها عتبة تخفق أبوابها يبابا ليس فيها ساكن، فتنفس الصعداء ثم قال:

وكل دار وإن طالت سلامتها ... يوما ستدركها النكباء والحوب

ولما خرج بنو جحش من دارهم عدا عليها أبو سفيان بن حرب فباعها من عمرو بن علقمة أخى بنى عامر بن لؤى، فذكر ذلك عبد الله بن جحش، لما بلغه لرسول الله صلى الله عليه وسلم،

__________

(1) ذكر هذه القصة ابن حجر فى الإصابة (8/ 240) ، البخارى فى التاريخ الكبير (4/ 80) .

(2) انظر: السيرة (2/ 77- 79) .

(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1335) ، الإصابة الترجمة رقم (4339) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2693) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 284) .

(4) انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3516) ، الإصابة الترجمة رقم (11712) ، أسد الغابة الترجمة رقم (7261) .

(5) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «عبيد» ، والتصحيح من السيرة، والاستيعاب.

(6) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1388، 2860) ، الإصابة الترجمة رقم (9505) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5669) .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا فى الجنة خيرا منها؟» قال: بلى. قال: «فذلك لك» .

فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة كلمة أبو أحمد فى دارهم، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس لأبى أحمد: يا أبا أحمد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن ترجعوا فى شىء أصيب منكم فى الله. فأمسك عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان بنو غنم بن ذودان أهل الإسلام قد أوعبوا إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرة رجالهم ونساءهم، فقال أبو أحمد بن جحش يذكر هجرة بنى أسد بن خزيمة من قومه إلى الله تبارك وتعالى وإلى رسوله، وإيعابهم فى ذلك حين دعوا إلى الهجرة:

ولو حلفت بين الصفا أم أحمد ... ومروتها بالله برت يمينها

لنحن الأولى كنا بها ثم لم نزل ... بمكة حتى عاد غثا سمينها

بها خيمت غنم بن ذودان وانبنت ... وما أرعدت غنم وخف قطينها

إلى الله تعدو بين مثنى وواحد ... ودين رسول الله بالحق دينها

وقال أبو أحمد أيضا:

ولما رأتنى أم أحمد غاديا ... بذمة من أخشى بغيب وأرهب

تقول فإما كنت لا بد فاعلا ... فيمم بنا البلدان ولتنأ يثرب

فقلت لها ما يثرب بمظنة ... وما يشأ الرحمن فالعبد يركب

إلى الله وجهى والرسول ومن يقم ... إلى الله يوما وجهه لا يخيب

فكم قد تركنا من حميم مناصح ... وناصحة تبكى بدمع وتندب

يرى أن وترا نأينا عن بلادنا ... ونحن نرى أن الرغائب نطلب «1»

دعوت بنى غنم لحقن دمائهم ... وللحق لما لاح للناس ملحب

أجابوا بحمد الله لما دعاهم ... إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا

وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى ... أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا «2»

كفوجين أما منهما فموفق ... على الحق مهدى وفوج معذب

طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم ... عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا

__________

(1) الوتر: طلب الثأر، يريد أنه يستحق أن يطالبوا مخرجهم به. النأى: البعد. الرغائب: جمع رغيبة، وهى من العطاء الكثير.

(2) أجلبوا: يروى بالجيم وبالحاء المهملة فمن رواه بالحاء المهملة فمعناه أعانوا، ومن واه بالجيم فمعناه أحدثوا جلبه وهى الصياح.

ورغنا إلى قول النبى محمد ... فطاب ولاة الحق منا وطيبوا

نمت بأرحام إليهم قريبة ... ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرب

فأى ابن أخت بعدنا يأمننكم ... وأية صهر بعد صهرى يرقب

ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا ... وزيل أمر الناس للحق أصوب

ثم خرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعياش بن أبى ربيعة المخزومى «1» ، حتى قدما المدينة.

قال عمر رضى الله عنه: لما أردنا الهجرة إلى المدينة اتعدت أنا وعياش بن أبى ربيعة، وهشام بن العاص التناضب من أضاة بنى غفار «2» فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه. فأصبحت أنا وعياش عندها وحبس عنا هشام وفتن فافتتن.

فلما قدمنا المدينة نزلنا بقباء، وخرج أبو جهل والحارث أخوه إلى عياش، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما حتى قدما علينا فقالا له: إن أمك نذرت أن لا تمس رأسها بمشط حق تراك ولا تستظل من شمس حتى تراك.

فرق لها، فقلت له: يا عياش، والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو الله لو قد آذى أمك لا متشطت! ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت. فقال: أبر قسم أمى، ولى هناك مال فآخذه.

قلت: والله إنك لتعلم أنى لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالى ولا تذهب معهما.

فأبى على إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتى هذه فإنها نجيبة ذلول، فالزم ظهرها فإن رابك من القوم ريب فانج عليها.

فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخى لقد استغلظت بعيرى هذا أفلا تعقبنى على ناقتك هذه؟ قال: بلى. قال: فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن!.

__________

(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2032) ، الإصابة الترجمة رقم (6138) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4145) .

(2) أضاة بنى غفار: الأضاءة الماء المستنقع من سيل، ويقال: هو مسيل الماء إلى الغدير، وغفار قبيلة من كنانة على عشرة أميال من مكة. انظر: معجم البلدان (1/ 214) .

وفى غير حديث عمر أنهما دخلا به مكة نهارا موثقا ثم قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا «1» .

قال عمر رضى الله عنه، فى حديثه: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله تبارك وتعالى، فيهم وفى قولنا وقولهم لأنفسهم: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر: 53] «2» .

قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: فكتبتها بيدى فى صحيفة وبعثت بها إلى هشام ابن العاص، قال: فقال هشام: لما أتتنى جعلت أقرؤها بذى طوى أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهمنيها. فألقى الله فى قلبى أنها إنما نزلت فينا وفيما كنا نقول فى أنفسنا ويقال فينا. فرجعت إلى بعيرى فجلست عليه، فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة. هذا ما ذكر ابن إسحاق فى شأن هشام.

وذكر ابن هشام عمن يثق به «3» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بالمدينة: من لى بعياش ابن أبى ربيعة، وهشام بن العاص؟ فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله بهما. فخرج إلى مكة فقدمها مستخفيا، فلقى امرأة تحمل طعاما، فقال لها: أين تريدين يا أمة الله؟ فقالت: أريد هذين المسجونين تعنيهما، فتبعها حتى عرف موضعيهما، وكانا محبوسين فى بيت لا سقف له، فلما أمسى تسور عليهما ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما، فكان يقال لسيفه ذو المروة لذلك.

ثم حملهما على بعيره وساق بهما فعثر فدميت إصبعه فقال:

هل أنت إلا إصبع دميت ... وفى سبيل الله ما لقيت

__________

(1) انظر: السيرة (2/ 82) .

(2) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (2/ 435) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 14) ، دلائل النبوة (2/ 146) ، تفسير الطبرى (24/ 11) ، طبقات ابن سعد (3/ 271) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 61) ، كشف الأستار (2/ 370) .

(3) انظر: السيرة (2/ 83) .

ثم قدم بهما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» .

ثم تتابع المهاجرون أرسالا، فنزل طلحة بن عبيد الله وصهيب بن سنان على خبيب ابن إساف. بالسبخ، ويقال: بل نزل طلحة على أسعد بن زرارة.

قال ابن هشام «2» : وذكر لى أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذى بلغته، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك! والله لا يكون ذلك.

فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى؟ قالوا: نعم. قال: فإنى قد جعلت لكم مالى. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» «3» !.

قال ابن إسحاق «4» : وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين، ينتظر أن يؤذن له فى الهجرة، ولم يتخلف معه أحد بمكة من المهاجرين، إلا من حبس أو فتن، إلا على بن أبى طالب وأبو بكر الصديق، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الهجرة فيقول له: لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبا. فيطمع أبو بكر أن يكونه «5» .

ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا أنه مجمع لحربهم، فاجتمعوا له فى دار الندوة، وهى دار قصى بن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها، يتشاورون ما يصنعون فى أمره.

فاعترض لهم إبليس فى هيئة شيخ جليل عليه بت «6» ، فوقف على باب الدار فى

__________

(1) ذكره ابن حجر فى فتح البارى (1/ 557) ، وقال: من زيادات ابن هشام فى السيرة.

(2) انظر: السيرة (2/ 84) .

(3) انظر الحديث فى: الحلية لأبى نعيم (1/ 151، 153) ، مستدرك الحاكم (3/ 398) ، طبقات ابن سعد (3/ 227، 228) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 173، 174) ، المطالب العالية لابن حجر (3/ 3552) .

(4) انظر: السيرة (2- 87) .

(5) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 62) ، وقال: رواه الطبرانى وفيه عبد الرحمن بن بشير الدمشقى ضعفه أبو حاتم.

(6) بت: بفتح الباء وتشديد التاء، الكساء الغليظ من صوف جيد أو خز يلبس كالعباءة ويدل على المكانة والشرف، وجمعه بتوت.

اليوم الذى اتعدوا له، ويسمى يوم الزحمة، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشيخ؟

قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذى اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا قالوا: أجل، فادخل. فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش وغيرهم.

فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا، فتشاوروا ثم قال قائل: احبسوه فى الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم.

فقال الشيخ النجدى: لا والله، ما هذا لكم برأى، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذى أغلقتم دونه إلى أصحابه. فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأى فانظروا فى غيره.

فتشاوروا ثم قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فو الله ما نبالى أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.

قال الشيخ النجدى: لا والله، ما هذا لكم برأى، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال لما يأتى به؟! والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حى من أحياء العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيا غير هذا، فقال أبو جهل: والله إن لى فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم، قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه فى القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم.

فقال الشيخ النجدى: القول ما قاله الرجل، هو الرأى لا رأى غيره. فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه

حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلى بن أبى طالب: نم على فراشى وتسج بردى هذا الحضرمى الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شىء تكرهه منهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام فى برده ذلك إذا نام «1» .

فاجتمعوا له وفيهم أبو جهل، فقال وهو على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان لكم فيه ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها! وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب فى يده ثم قال: نعم، أنا الذى أقول ذلك، أنت أحدهم.

وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، وجعل ينثر ذلك التراب على رؤسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إلى قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: 9] .

حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال:

ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدا. قال: خيبكم الله! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته، أفلا ترون ما بكم؟!

فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا برد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: والله، إن هذا لمحمد نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام على عن الفراش، فقالوا: والله لقد صدقنا الذى كان حدثنا «2» .

فكان مما أنزل الله من القرآن فى ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له قول الله سبحانه:

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: 30] «3» .

__________

(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (2/ 468) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 176) ، طبقات ابن سعد (1/ 212) .

(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 177) ، فتح القدير للشوكانى (4/ 510) .

(3) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (1/ 348) ، مجمع الزوائد للهيثمى (7/ 27) ، مستدرك الحاكم (3/ 4) .

وأذن الله تبارك وتعالى، عند ذلك لنبيه فى الهجرة.

,

ذكر الحديث عن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر الصديق رضى الله عنه مهاجرين إلى المدينة

حدث «1» عروة بن الزبير، عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان لا يخطىء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتى بيت أبى بكر أحد طرفى النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذى أذن الله فيه لرسوله فى الهجرة والخروج من مكة من بين ظهرانى قومه، أتانا بالهاجرة فى ساعة كان لا يأتى فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا من حدث.

فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عند أبى بكر إلا أنا وأختى أسماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرج عنى من عندك. فقال: يا نبى الله، إنما هما ابنتاى، وما ذاك فداك أبى وأمى؟.

فقال: «إن الله قد أذن لى فى الخروج والهجرة» . فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: «الصحبة» . قالت: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك أن أحدا يبكى من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكى يومئذ!.

ثم قال: يا نبى الله، إن هاتين الراحلتين قد كنت أعددتهما لهذا. وكان أبو بكر رجلا ذا مال، فكان حين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الهجرة، فقال له: «لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا» ، قد طمع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعنى نفسه، فابتاع راحلتين، فحبسهما فى داره يعلفهما إعدادا لذلك.

واستأجر عبد الله بن أريقط رجلا من بنى الديل بن بكر وكان مشركا، يدلهما الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما.

قال ابن إسحاق «2» : ولم يعلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج أحد، إلا على بن أبى طالب، وأبو بكر الصديق، وآل أبى بكر. أما على فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت

__________

(1) انظر: السيرة (2/ 91) .

(2) انظر: السيرة (2/ 92) .

عنده للناس، ولم يكن بمكة أحد عنده شىء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته.

فلما أجمع عليه السلام الخروج أتى أبا بكر فخرجا من خوخة «1» لأبى بكر فى ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور، جبل بأسفل مكة، فدخلاه.

وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهارا ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون فى ذلك اليوم من الخبر، فكان يفعل ذلك، وأمر عامر بن فهيرة «2» مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى فى الغار، فكان عامر يرعى رعيان أهل مكة فإذا أمسى أراح عليهما، فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عندهما إلى مكة، تبع عامر أثره بالغنم حتى يعفى عليه، وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام بما يصلحهما.

وذكر ابن هشام «3» عن الحسن بن أبى الحسن قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلا فدخل أبو بكر قبله فلمس الغار لينظر فيه سبع أو حية، يقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه «4» .

ولما فقدت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبوه بمكة أعلاها وأسفلها، وبعثوا القافة يتبعون أثره فى كل وجه، فوجد الذى ذهب قبل ثور أثره هناك، فلم يزل يتبعه حتى انقطع له لما انتهى إلى ثور. وشق على قريش خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وجزعوا لذلك، فطفقوا يطلبونه بأنفسهم فيما قرب منهم، ويرسلون من يطلبه فيما بعد عنهم، وجعلوا مائة ناقة لمن رده عليهم، ولما انتهوا إلى فم الغار، وقد كانت العنكبوت ضربت على بابه بعشاش بعضها على بعض، بعد أن دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكروا، قال قائل منهم:

ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: وما أربكم إلى الغار؟ إن عليه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد!.

__________

(1) خوخة: هى الكوة فى الجدار تؤدى الضوء، وقيل: هى باب صغير كالنافذة الكبيرة تكون بين بيتين ينصب عليها باب. انظر: اللسان (مادة خوخ) .

(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1346) ، الإصابة الترجمة رقم (4433) ، تلقيح المقال (2/ 6059) .

(3) انظر: السيرة (2/ 92- 93) .

(4) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 180) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 279) .

قالوا: فنهى النبى صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قتل العنكبوت، وقال: «إنها جند من جنود الله» «1» .

وخرج أبو بكر البزار فى مسنده من حديث أبى مصعب المكى، قال: أدركت زيد ابن أرقم، والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، يحدثون: أن النبى صلى الله عليه وسلم لما كان ليلة بات فى الغار، أمر الله تبارك وتعالى شجرة فنبتت فى وجه الغار فسترت وجه النبى صلى الله عليه وسلم، وأمر الله العنكبوت فنسجت على وجه الغار، وأمر الله عز وجل، حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأتى المشركون من كل بطن حتى إذا كانوا من النبى صلى الله عليه وسلم على قدر أربعين ذراعا، معهم قسيهم وعصيهم، تقدم رجل منهم فنظر فرأى الحمامتين، فرجع فقال لأصحابه: ليس فى الغار شىء، رأيت حمامتين على فم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد.

فسمع قول النبى صلى الله عليه وسلم فعرف أن الله قد درأ بهما عنه، فشمت عليهما وفرض جزاءهما، واتخذت فى حرم الله ففرخن. أحسبه قال: فأصل كل حمام فى الحرم من فراخهما.

وذكر قاسم بن ثابت فيما تولى شرحه من الحديث أن الله أنبت الراءة على باب الغار لما دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر رضى الله عنه، قال: وهى شجرة معروفة. قال غيره: تكون مثل قامة الإنسان، ولها زهر أبيض تحشى به المخاد للينه وخفته.

وحكى الواقدى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل الغار، دعا بشجرة كانت أمام الغار، فأقبلت حتى وقفت على باب الغار، فحجبت أعين الكفار وهم يطوفون فى الجبل.

وقال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه. فقال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما!» «2» .

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه فى الغار ثلاثا، حتى إذا مضت الثلاثة وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذى استأجرا ببعيريهما، وأتتهما أسماء بنت أبى بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما «3» ، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس

__________

(1) ذكره السيوطى فى الدر المنثور (3/ 240) .

(2) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (3096) ، مسند الإمام أحمد (1/ 4) ، طبقات ابن سعد (3/ 1/ 123) ، الدر المنثور للسيوطى (3/ 242) ، كنز العمال للمتقى الهندى (32614، 32568) ، شرح السنة للبغوى (13/ 366) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (7/ 68، 111) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (5868) .

(3) العصام: الحبل أو شبهه يشد على فم المزادة ونحوها ليحفظ باقيها أو تعلق منها فى وتد.

فيها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما، ثم تعلقها به، فكان يقال لها: ذات النطاق لذلك فيما ذكر ابن إسحاق «1» .

وأما ابن هشام «2» فذكر أنها إنما يقال لها: ذات النطاقين، وهو المشهور عنها رضى الله عنها، وذكر أنه سمع غير واحد من أهل العلم يفسره بأنها شقت نطاقها باثنين، فعلقت السفرة بواحد وانتطقت بالآخر.

قال ابن إسحاق: فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له أفضلهما، ثم قال: اركب فداك أبى وأمى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى لا أركب بعيرا ليس لى.

قال: فهى لك يا رسول الله بأبى أنت وأمى. قالا: لا، ولكن ما الثمن الذى ابتعتها به؟

قال: كذا وكذا. قال: قد أخذتها بذلك. فركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر خلفه مولاه عامر بن فهيرة ليخدمهما فى الطريق «3» .

قال»

: فحدثت عن أسماء بنت أبى بكر قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبى بكر؟ قلت: لا أدرى والله. فرفع أبو جهل يده وكان فاحشا خبيثا فلطم خدى لطمة طرح منها قرطى، ثم انصرفوا فمكثنا ثلاث ليال ما ندرى أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:

جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتى أم معبد

هما نزلا بالبر ثم تروحا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد

ليهن بنى كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد

قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة «5» .

__________

(1) انظر: السيرة (2/ 93) .

(2) انظر: السيرة (2/ 93- 94) .

(3) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب الإيجارة (2263) ، مسند الإمام أحمد (6/ 473، 475) .

(4) انظر: السيرة (2/ 94) .

(5) انظر الحديث فى: الحاكم فى المستدرك (3/ 9، 10) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 192- 194) .

وعن غير ابن إسحاق وهو عندنا بالإسناد من طرق، أن أم معبد هذه امرأة من بنى كعب من خزاعة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر ومولاة عامر بن فهيرة ودليلهما الليثى عبد الله بن الأريقط مروا على خيمتى أم معبد الخزاعية «1» وكانت امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء القبة ثم تسقى وتطعم، فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة فى كسر الخمية فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» قالت:

شاة خلفها الجهد عن المغنم. قال: «هل بها من لبن؟» قالت: هى أجهد من ذلك. قال:

«أتأذنين أن أحلبها؟» قالت: نعم، بأبى أنت وأمى إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها وسمى الله ودعا لها فى شاتها فتفاجت عليه ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب آخرهم، ثم أراضوا، ثم حلب فيه ثانيا بعد بدء حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا عنها.

فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد «2» يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلا ضخامهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد؛ والشاء عازب حيال ولا حلوب فى البيت؟ قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا. قال: صفيه لى يا أم معبد: قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم يعبه ثجلة ولم تزر به صعلة وسيم قسيم فى عينيه دعج وفى وعج وفى أشفاره غطف وفى عنقه سطع وفى صوته صحل وفى لحيته كثافة، أزج أقرن إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل وأبهاه من بعيد وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا يائس من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به إن قال أنصتوا لقوله وإن أمر تبادروا لأمره محفود محشود لا عابس ولا مفند.

__________

(1) هى: عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة، أم معبد الخزاعية، ويقال: عاتكة بنت خالد بن مهاجرا. انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3457) ، الإصابة الترجمة رقم (11451) ، أسد الغابة الترجمة رقم (7086) .

(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3209) ، الإصابة الترجمة رقم (10551) ، أسد الغابة الترجمة رقم (6262) .

قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذى ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا «1» . وأصبح صوت بمكة عال يسمعون الصوت بمكة علا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول:

جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتى أم معبد

هما نزلاها بالهدى فاهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد

فيا لقصى ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسؤدد

ليهن بنى كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد

سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد

دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد

فغادرها رهنا لديها لحالب ... يرددها فى مصدر ثم مورد

فلما سمع بذلك حسان بن ثابت جعل يجاوب الهاتف ويقول:

لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسرى إليهم ويغتدى

ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد

هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد

وهل يستوى ضلال قوم تسكعوا ... عمى وهداة يهتدى بمهتدى

لقد نزلت منهم على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد

نبى يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله فى كل مسجد

وإن قال فى يوم مقالة غائب ... فتصديقها فى اليوم أو فى ضحى الغد

ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد

وذكر أبو منصور محمد بن سعد الماوردى بإسناد له إلى قيس بن النعمان قال: لما انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه يستخفيان فى الغار فمرا بعبد يرعى غنما فاستسقياه من اللبن فقال: والله ما لى شاة تحلب، غير أن هاهنا عناقا حملت أول الشاء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ائتنا بها» . فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم حلب عسا فسقى أبا بكر، ثم حلب آخر فسقى الراعى، ثم حلب فشرب.

فقال العبد: من أنت؟ فو الله ما رأيت مثلك قط! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتراك إن

__________

(1) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (1/ 1/ 155) ، دلائل النبوة للبيهقى (1/ 278) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 56) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (7/ 159، 186) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (5943) ، كنز العمال للمتقى الهندى (46300) .

حدثتك تكتم على؟» قال: نعم، قال: «فإنى محمد رسول الله» . قال: أنت الذى تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: «إنهم ليقولون ذلك» .

قال العبد: فإنى أشهد أنك رسول الله، وأن ما جئت به الحق، وأنه ليس يفعل فعلك إلا نبى، ثم قال العبد: أتبعك؟ قال: «لا، حتى تسمع بنا أنا قد ظهرنا» «1» .

وخرج البرقانى فى مصافحته من حديث البراء بن عازب «2» رضى الله عنهما، وأورده الإمامان البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديثه قال: اشترى أبو بكر رضى الله عنه، من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما، فقال أبو بكر لعازب: مر البراء أن يحمله إلى أهلى. فقال له عازب: حتى تحدثنى كيف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم.

قال: ارتحلنا من مكة فأحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصرى هل أرى من ظل نأوى إليه، فإذا أنا بصخرة فانتهيت إليها فإذا بقية ظل لها، فنظرت بقية ظلها فسويته وفرشت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فروة وقلت: اضطجع يا رسول الله، فاضطجع، ثم ذهبت أنظر ما حوله هل أرى من الطلب أحدا، فإذا أنا براعى غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذى أريد، يعنى الظل. فسألته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ قال: فلان، رجل من قريش سماه، فعرفته، فقلت: هل فى غنمك من لبن؟

قال: نعم، قلت: هل أنت حالب لى؟ قال: نعم، فاعتقل شاة من غنمه فأمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا، فضرب إحدى يديه على الأخرى فحلب لى كثبة من لبن وقد رويت معى لرسول الله صلى الله عليه وسلم إداوة على فمها خرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استيقظ، قلت: يا رسول الله اشرب، فشرب حتى رضيت، وقلت: قد آن الرحيل يا رسول الله، فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم «3» على فرس له،

__________

(1) ذكره ابن حجر فى المطالب العالية (4295) .

(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (174) ، الإصابة الترجمة رقم (618) ، أسد الغابة الترجمة رقم (389) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (272) ، جمهرة أنساب العرب (341) ، العقد الفريد (5/ 282) ، الوافى بالوفيات (10/ 104) ، مرآة الجنان (1/ 145) ، تقريب التهذيب (1/ 94) ، خلاصة تذهيب التهذيب (46) ، شذرات الذهب (1/ 77، 78) ، طبقات الفقهاء (52) ، تاريخ الطبرى (10/ 192) .

(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (921) ، الإصابة الترجمة رقم (3122) ، أسد الغابة-

فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، وبكيت، قال: «لا تحزن إن الله معنا!» .

قال: فلما دنا فكان بيننا وبينه قدر رمحين أو ثلاثة قلت: هذا الطلب يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغنا، وبكيت، قال: «ما يبكيك؟» فقلت: أما والله ما على نفسى أبكى، ولكنى أبكى عليك، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اكفناه بما شئت» ، فساخت فرسه فى الأرض إلى بطنها، فوثب عنها وقال: يا محمد، قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجينى مما أنا فيه، فو الله لأعمين على من ورائى من الطلب، وهذه كنانتى فخذ منها سهما فإنك ستمر على إبلى وغنمى بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حاجة لى فى إبلك» ، ودعا له، فانطلق راجعا إلى أصحابه. وفى حديث البخارى ومسلم: فجعل لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتكم ما هنا. فلا يلقى أحدا إلا ردة. قال: ووفى لنا «1» .

وعن سراقة بن مالك بن جعشم فيما أورده ابن إسحاق «2» قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم. قال: فبينما أنا جالس فى نادى قومى أقبل رجل منا حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا على آنفا، إنى لأراهم محمدا وأصحابه، قال: فأومأت إليه، يعنى أن أسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يتبعون ضالة لهم. قال: لعله. ثم سكت.

فمكثت قليلا ثم قمت فدخلت بيتى، ثم أمرت بفرسى فقيد لى إلى بطن الوادى وبسلاحى فأخرج لى من دبر حجرتى، ثم أخذت قداحى التى أستقسم بها، ثم انطلقت فلبست لامتى، ثم أخرجت قداحى، فاستقسمت بها فخرج السهم الذى أكره: لا يضره. وكنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المائة، فركبت على أثره، فبينا فرسى يشتد بى عثر بى فسقطت عنه، فقلت: ما هذا؟! ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها

__________

- الترجمة رقم (1955) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 210) ، تقريب التهذيب (1/ 284) ، تهذيب التهذيب (3/ 456) ، تهذيب الكمال (1/ 466) ، شذرات الذهب (1/ 35) ، الأعلام (3/ 80) ، الأنساب (7/ 116) ، العقد الثمين (4/ 523) .

(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (4/ 246، 5/ 4) ، صحيح مسلم (2310) ، مسند الإمام أحمد (1/ 2، 3) ، مصنف ابن أبى شيبة (14/ 328) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 478، 485) ، امجمع الزوائد للهيثمى (6/ 52) ، شرح السنة للبغوى (13/ 369) ، الدر المنثور للسيوطى (3/ 239) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 8) .

(2) انظر: السيرة (2/ 96- 97) .

فخرج السهم الذى أكره: لا يضره. فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت فى أثره، فبينا فرسى يشتد بى عثر بى فرسى وذهبت يداه فى الأرض وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض وتبعها دخان كالإعصار، فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع منى وأنه ظاهر، فناديت القوم: أنا سراقة بن جعشم، انظرونى أكلمكم، فو الله لا أريبكم ولا يأتيكم منى شىء تكرهونه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بكر رضى الله عنه: «قل له: ما تبتغى؟» قال: تكتبوا لى كتابا يكون آية بينى وبينك. قال: «اكتب يا أبا بكر» .

فكتب لى كتابا فى عظم أو فى رقعة أو فى خرقة ثم ألقاه إلى، فأخذته فجعلته فى كنانتى، ثم رجعت فلم أذكر شيئا مما كان، حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرغ من حنين والطائف خرجت ومعى الكتاب لألقاه فلقيته بالجعرانة فدخلت فى كتيبة من خيل الأنصار فجعلوا يقرعوننى بالرماح ويقولون: إليك إليك ماذا تريد؟، فدنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته، والله لكأنى أنظر إلى ساقه فى غرزه كأنها جمارة، فرفعت يدى بالكتاب ثم قلت: يا رسول الله هذا كتابك لى، أنا سراقة بن جعشم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم وفاء وبر ادن. فدنوت فأسلمت. ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فما أذكره، إلا أنى قلت: يا رسول الله الضالة من الإبل تغشى حياضى وقد ملأتها لإبلى، هل لى من أجر فى أن أسقيها؟ قال: «نعم، فى كل ذات كبد حرى أجر» «1» . ثم رجعت إلى قومى فسقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقتى.

وفى حديث آخر عن غير ابن إسحاق أن سراقة بن مالك بن جعشم هذا كان شاعرا مجيدا، وأنه قال يخاطب أبا جهل بن هشام بعد انصرافه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أبا حكم والله لو كنت شاهدا ... لأمر جوادى إذ تسوخ قوائمه

علمت ولم تشكك بأن محمدا ... رسول ببرهان فمن ذا يقاومه

عليك بكف القوم عنه فإننى ... أرى أمره يوما ستبدو معالمه

بأمر يود الناس فيه بأسرهم ... بأن جميع الناس طرا يسالمه

وذكر ابن إسحاق من رواية يونس بن بكير عنه شعرا نسبه إلى أبى بكر الصديق

__________

(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (4/ 175) ، سنن ابن ماجه (3686) ، مستدرك الحاكم (3/ 619) ، مسند الحميدى (902) ، مجمع الزوائد للهيثمى (3/ 131) ، وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.

رضى الله عنه يذكر فيه مسيره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصة الغار وأمر سراقة، وهو:

قال النبى ولم يجزع يوقرنى ... ونحن فى سدفة من ظلمة الغار

لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا ... وقد توكل لى منه بإظهار

وإنما كيد من تخشى بوادره ... كيد الشياطين كادته لكفار

والله مهلكهم طرا بما كسبوا ... وجاعل المنتهى منهم إلى النار

وأنت مرتحل عنهم وتاركهم ... إما غدوا وإما مدلج سارى

وهاجر أرضهم حتى يكون لنا ... قوم عليهم ذوو عز وأنصار

حتى إذا الليل وارتنا جوانبه ... وسد دون الذى نخشى بأستار

سار الأريقط يهدينا وأنيقه ... ينعين بالقرم نعيا تحت أكوار

يعسفن عرض الثنايا بعد أطولها ... وكل سهب رقاق الترب موار

حتى إذا قلت قد أنجدن عارضها ... من مدلج فارس فى منصب وار

يردى به مشرف الأقطار معتزم ... كالسيد ذى اللبدة المستأسد الضارى

فقال كروا فقلنا إن كرتنا ... من دونها لك نصر الخالق البارى

إن يخسف الأرض بالأحوى وفارسه ... فانظر إلى أربع فى الأرض غوار

فهيل لما رأى أرساغ مقربه ... قد سخن فى الأرض لم تحفر بمحفار

فقال هل لكم أن تطلقوا فرسى ... وتأخذوا موثقى فى نصح أسرار

وأصرف الحى عنكم إن لقيتهم ... وأن أعور منهم عين عوار

فادع الذى هو عنكم كف عدوتنا ... يطلق جوادى وأنتم خير أبرار

فقال قولا رسول الله مبتهلا ... يا رب إن كان منه غير إخفار

فنجه سالما من شر دعوتنا ... ومهر مطلقا من كلم آثار

فأظهر الله إذ يدعو حوافره ... وفاز فارسه من هول أخطار

وسراقة بن مالك هذا الذى أظهر الله فيه هذا العلم العظيم من أعلام نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قد أظهر الله فيه أثرا آخر من الآثار الشاهدة له عليه السلام بأن الله أطلعه من الغيب فى حياته ما ظهر مصداقه بعد وفاته.

روى سفيان بن عيينة، عن أبى موسى، عن الحسن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبست سوارى كسرى؟!» «1» قال: فلما أتى عمر رضى الله عنه، بسوارى كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما.

__________

(1) انظر الحديث فى: إتحاف السادة المتقين للزبيدى (7/ 18) ، كشفا الخفاء للعجلونى (1/ 674) .

وكان سراقة رجلا أزب كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك فقل: الله أكبر! الحمد لله الذى سلبهما كسرى بن هرمز الذى كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابيا من بنى مدلج!! ورفع بها عمر رضى الله عنه، صوته.

قال ابن إسحاق «1» : وذكر إسنادا رفعه إلى أسماء بنت أبى بكر، قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج معه أبو بكر احتمل أبو بكر ماله كله، خمسة آلاف أو ستة، فدخل علينا جدى أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إنى لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. فقلت: يا أبت إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. فأخذت أحجارا فوضعتها فى كوة كان أبى يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه ثم قال: لا بأس إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفى هذا بلاغ لكم، ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكنى أردت أن أسكن الشيخ بذلك «2» .

وذكر ابن إسحاق الطريق التى سلك برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأبى بكر الصديق رضى الله عنه دليلهما عبد الله بن أريقط، والمناقل التى سار بهما عليهما إلى أن قدم بهما قباء على بنى عمرو بن عوف لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول يوم الاثنين، حين اشتد الضحى وكادت الشمس تعتدل «3» .

وقال غير ابن إسحاق: قدمها لثمان خلون من ربيع الأول.

وقال ابن الكلبى: خرج من الغار يوم الاثنين أول يوم من ربيع الأول، ووصل المدينة يوم الجمعة لاثنتى عشرة منه. فالله تعالى أعلم.

وذكر ابن إسحاق «4» : من حديث عبد الرحمن بن [عويم] «5» بن ساعدة، قال:

حدثنى رجال من قومى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة توكفنا قدومه، فكنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظره، فو الله

__________

(1) انظر: السيرة (2/ 95- 96) .

(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 350) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 59) .

(3) انظر: السيرة (2/ 98- 99) .

(4) انظر: السيرة (2/ 100) .

(5) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «عويمر» ، والتصحيح من السيرة والاستيعاب. وانظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1456) ، الإصابة الترجمة رقم (6244) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3372) ، التاريخ الكبير (5/ 325) .

ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك فى أيام حارة.

حتى إذا كان اليوم الذى قدم فيه جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من يهود وقد رأى ما كنا نصنع وأنا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فصرخ بأعلى صوته: يا بنى قيلة هذا جدكم قد جاء.

فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى ظل نخلة ومعه أبو بكر فى مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، وركبه الناس، وما يعرفونه من أبى بكر حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك «1» .

قال ابن إسحاق «2» : فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون على كلثوم بن هدم «3» ، أخى بنى عمرو بن عوف. ويقال: بل نزل على سعد بن خيثمة.

ويقول من يذكر نزوله على كلثوم أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من منزل كلثوم جلس للناس فى بيت سعد بن خيثمة، لأنه كان عزبا لا أهل له، فمن هناك يقال: نزل عليه.

وكان يقال لبيت سعد: بيت العزاب، لأنه كان منزل المهاجرين منهم. فالله أعلم أى ذلك كان «4» .

ونزل أبو بكر الصديق رضى الله عنه، على خبيب بن إساف «5» ، أحد بنى الحارث ابن الخزرج بالسنج، ويقال: على خارجة بن زيد بن أبى زهير «6» منهم.

__________

(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار (7/ 281، 282) ، طبقات ابن سعد (1/ 233) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 498، 499) ، شرح السنة للبغوى (7/ 109) .

(2) انظر: السيرة (2/ 100) .

(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2237) ، الإصابة الترجمة رقم (7459) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4494) ، طبقات ابن سعد (3/ 2/ 149) ، تاريخ خليفة (55) ، الاستبصار (293) .

(4) ذكره الطبرى فى تاريخه (1/ 571) ، ابن كثير فى السيرة (2/ 270) ، ابن سعد فى الطبقات (1/ 233) .

(5) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (651) ، الإصابة الترجمة رقم (2224) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1413) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 156) ، الاستبصار (186) ، تبصير المنتبه (3/ 927) ، الطبقات الكبرى (8/ 360) .

(6) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (608) ، الإصابة الترجمة رقم (2140) ، أسد الغابة-

وأقام على بن أبى طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل معه. فكان على رضى الله عنه، وإنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين، يقول: كانت بقباء امرأة مسلمة لا زوج لها، فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه.

قال: فاستربت شأنه، فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الذى يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أدرى ما هو، وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك؟ قالت:

هذا سهل بن حنيف، قد عرف أنى امرأة لا أحد لى، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءنى بها فقال: احتطبى بهذا! فكان على رضى الله عنه، يأثر ذلك فى أمر سهل بن حنيف، حين هلك عنده بالعراق «1» .

قال ابن إسحاق «2» : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء فى بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم «3» ، ثم أخرجه الله تعالى، من بين أظهرهم يوم الجمعة. وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك، فالله أعلم.

فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة فى بنى سالم بن عوف فصلاها فى المسجد الذى فى بطن الوادى، وادى رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة «4» .

فأتاه عتبان بن مالك «5» ، وعباس بن عبادة بن نضلة «6» ، فى رجال من بنى سالم، فقالوا: يا رسول الله، صلى الله عليك، أقم عندنا فى العدد والعدة والمنعة. قال: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة لناقته، فخلوا سبيلها» .

__________

- الترجمة رقم (1330) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 147) ، سير أعلام النبلاء (4/ 437، 446) ، روضات الجنات (3، 275) ، الاستبصار (1/ 115) ، الثقات (3/ 111) .

(1) ذكره الصالحى فى السيرة الشامية (3/ 379) ، ابن سيد الناس فى عيون الأثر (1/ 312) .

(2) انظر: السيرة (2/ 102) .

(3) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار (3932) .

(4) ذكره الطبرى فى تاريخه (2/ 7) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 213، 214) .

(5) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2042) ، الإصابة الترجمة رقم (5412) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3541) .

(6) انظر ترجمته فى: الاستيعاب (1385) ، الإصابة الترجمة رقم (2525) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2798) .

فانطلقت حتى إذا وازنت دار بنى بياسة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو، فى رجال من بنى بياضة، فقالوا: يا رسول الله، هلم إليها إلى العدد والعدة والمنعة. «قال:

خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها» .

حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة اعترضاه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو فى رجال منهم، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بنى الحارث بن الخزرج اعترضاه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد بن أبى زهير، وعبد الله بن رواحة فى رجال من بلحارث، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خلو سبيلها فإنها مأمورة. فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى عدى بن النجار وهم أخواله دنيا أم عبد المطلب، سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم، اعترضاه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن أبى خارجة، فى رجال منهم، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلى أخواله دنيا أم عبد المطلب، سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم، اعترضاه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن أبى خارجة، فى رجال منهم، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة. قال. «خلوا سبيلها» ، حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار بركت على باب مسجده، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بنى مالك بن النجار، فى حجر معاذ بن عفراء، فلما بركت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها لم ينزل وثبت، فسارت غير بعيد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتمل أبو أيوب رحله فوضعه فى بيته.

ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بنى مسجده ومساكنه، وسأل عن المربد لمن هو؟

فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابنى عمرو، وهما يتيما له وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدا، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يا بنى، وعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين فى العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار ودأبوا «1» .

فقال قائل من المسلمين:

لئن قعدنا والنبى يعمل ... لذاك منا العمل المضلل

وحدث «2» أبو أيوب قال: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيتى نزل فى السفل وأنا

__________

(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار (3906) ، صحيح مسلم كتاب الجهاد (3/ 129) ، مسند الإمام أحمد (2/ 381) ، سنن أبى داود حديث رقم (453) . سنن ابن ماجه (742) .

(2) انظر: السيرة (2/ 106- 107) .

وأم أيوب فى العلو، فقلت له: يا نبى الله بأبى أنت وأمى! إنى لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتى، فاظهر أنت فكن فى العلو وننزل نحن فنكون فى السفل. فقال: «يا أبا أيوب، إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن تكون فى سفل البيت» «1» .

فلقد انكسر حب لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء، تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شىء فيؤذيه.

فكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه، نبتغى بذلك البركة، حتى بعثنا إليه بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر ليده فيه أثرا، فجئته فزعا فقلت: يا رسول الله، بأبى أنت وأمى رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك، وكنت إذا رددته علينا تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغى بذلك البركة. قال: إنى وجدت فيه ريح هذه الشجرة وأنا رجل أناجى، فأما أنتما فكلوه. فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد «2» .

قال ابن إسحاق «3» : وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق بمكة منهم أحد إلا مفتون أو محبوس، ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله تبارك وتعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا أهل دور مسمون، بنو مظعون من بنى جمح، وبنو جحش ابن رئاب، حلفاء بنى أمية، وبنو البكير من بنى سعد بن ليث، حلفاء بنى عدى بن كعب، فإن دورهم غلقت بمكة هجرة، ليس فيها ساكن.

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة، بنى له فيها مسجده ومساكنه. قال: وكانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، نعوذ بالله أن نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، أنه قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، أيها الناس، فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه، ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولى فبلغك وآتيتك مالا وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم

__________

(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (5/ 415) ، صحيح مسلم كتاب الفتن (3/ 171) .

(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 201) ، مستدرك الحاكم (3/ 460) ، ورواه أبو بكر بن أبى شيبة وابن أبى عاصم كما فى الإصابة (1/ 405) .

(3) انظر: السيرة (2/ 107) .

يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» «1» .

قال ابن إسحاق «2» : ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس مرة أخرى فقال: «إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى، قد أفلح من زينه الله فى قلبه، وأدخله فى الإسلام بعد الكفر، فاختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفى، فقد سماه الله خيرته من الأعمال ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث ومن كل ما أوتى الناس الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده، والسلام عليكم» «3» .

قال ابن إسحاق «4» : وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم «5» .

__________

(1) انظر ذكر أول خطبة للنبى صلى الله عليه وسلم فى: المنتظم لابن الجوزى (3/ 65) ، تاريخ الطبرى (2/ 394) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 213) .

(2) انظر: السيرة (2/ 109) .

(3) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 214) .

(4) انظر: السيرة (2/ 109) .

(5) ذكر ابن هشام فى السيرة نص ما اشتراطه النبى صلى الله عليه وسلم على المهاجرين والأنصار، فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبى صلى الله عليه وسلم، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون الأولى، كل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على رعبتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم-

- الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النبت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف فى فداء أو عقل «وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا فى كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس، وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن فى قتال فى سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا، وإن المؤمنين يبىء بعضهم على بعض بما نال دماءهم فى سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة، فإنه قود به إلا أن يرضى ولى المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما فى هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغصبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شىء، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، وإن اليهود



كلمات دليلية: