هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة_15538

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة


الهجرة النبوية وتأسيس الدولة الإسلامية

,

بدء الهجرة النبوية

:

وتتحدث السيدة عائشة -رضي الله عنها- عن يوم الهجرة النبوية فتقول1:

كان لا يخطئ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يأتي أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة والخروج من مكة. ومن بين ظهري قومه أتانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها. قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذه

__________

1 في لفظ للبخاري، وقد أخرج البخاري حديث الهجرة هذا في مواضع كثيرة:

في الفضائل، باب هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم.

وفي المساجد، باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس.

وفي البيوع، باب إذا اشترى متاعًا أو دابة ...

وفي الإجارة، باب استئجار المشركين عند الضرورة ... وباب إذا استأجر أجيرًا ليعمل له بعد ثلاثة أيام، أو بعد شهر..

وفي الكفاية، باب جوار أبي بكر..

وفي المغازي، باب غزوة الرجيع ...

وفي اللباس، باب التصنع ...

الساعة المتأخرة إلا لأمر حدث. قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أخرج عني من عندك"، قال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي؟ قال: "إن الله أذن لي في الخروج والهجرة". قالت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: "الصحبة".

قالت: فوالله ما شعرت قط -قبل ذلك اليوم- أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذٍ يبكي.

وقد بكى أبو بكر -رضي الله عنه- من فرط السرور؛ لأنه أدرك مدى النعمة التي مَنّ الله بها عليه، إذ شرفه بصحبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذا الوقت العصيب.

وفي تلك الرحلة الخالدة التي ستكون حدًّا فاصلًا بين الحق والباطل وسيتقرر بها مصير الإسلام والمسلمين.

وكان أبو بكر قد جهز راحلتين له وللرسول -صلى الله عليه وسلم- ثم استأجر دليلًا خبيرًا بطرق الصحراء واسمه: عبد الله بن أريقط، وعلى الرغم من أن هذا الرجل كان كافرًا إلا أنهما وثقا من أمانته وإخلاصه، فواعده غار ثور بعد ثلاث ليال.

وكانت الليلة التي خرج فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة في العشر الأواخر من شهر صفر. وفي السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية، وكان المشركون قد ترصدوا للرسول -صلى الله عليه وسلم- في تلك الليلة، وأحاطوا بداره لكي ينفذوا مؤامرتهم الغادرة.

وقد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن يبيت في مكانه وسجّاه ببردته، فكان المشركون إذا نظروا من ثقب الباب وجدوا شبحًا نائمًا وعليه بردة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيعتقدون أنه محمد فيطمئنون، ثم خرج محمد

-صلوات الله وسلامه عليه- على المشركين وهو يقرأ: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} 1. فألقى الله النوم عليهم فلم يره أحد منهم2 ثم تقابل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع أبي بكر وسارا حتى بلغا غار ثور فاختبآ فيه ثلاث ليال حتى ينقطع الطلب عنهما، وتيأس قريش من مطاردتهما.

__________

1 سورة يس، الآية 9.

2 "سيرة ابن هشام" 2/ 127، و"مسند أحمد" كما في "البداية" بسند حسن 3/ 181.

,

في غار ثور

:

وصل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى غار ثور ومعه صاحبه الوفي الأمين أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وقد سبق أبو بكر رسول الله إلى دخول الغار ليستبرئه.

فلما اطمأن إلى سلامته من الهوام والحشرات، نادى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالدخول ومكثا في ذلك الغار الموحش ثلاث ليال.

وكان عبد الله بن أبي بكر قد عرف من أبيه حين الهجرة من مكة أنه سيلجأ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى غار ثور ... فكان إذا جن الليل ينطلق إلى الغار فيقص على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى أبيه ما رأى من مشركي قريش وما سمع من تدبيرهم، ثم يأتي عامر بن فهيرة مولى أبي بكر بأغنامه فينال الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر من ألبانها ولحومها ما يشاءان، ثم يعود عبد الله بن أبي بكر، ويعود عامر بالقطيع وراءه ليعفي على أثره، ويعود اللاجئان إلى عزلتهما بالغار يؤنسهما الإيمان وتحيط بهما عناية الرحمن.

وقد فزع مشركو قريش لهجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخروجه من مكة أشد الفزع، فطاردوه في كل مكان وقعدوا له كل مرصد، وتتبعوا آثاره وآثار صاحبه حتى

انتهى بهم المطاف إلى مقربة من غار ثور. وقد ساورهم الشك في أن يكون محمد -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه قد لجآ إلى ذلك الغار، فأخذوا يتشاورون فيما بينهم ويتساءلون، وكان على مقربة من الغار راعٍ ...

فلما رآه المشركون سألوه: هل رأيت محمدًا وأبا بكر؟ وهل تعرف أين ذهبا؟

وأجاب الراعي: قد يكونان بالغار ... وإن لم أر أحدًا أمّه.

وسمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر هذا الحديث، وسمعا وقع أقدام المشركين وهم يتقدمون نحو الغار، فاستولى الخوف الشديد على أبي بكر الصديق حتى تصبب عرقًا وقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا.

ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يطمئنه ويقول له: "يا أبا بكر ما ظنك في رجلين الله ثالثهما، يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا".

ثم تقدم واحد منهم نحو الغار، ودار حوله وأمعن النظر فيه، فلم يلبث أن عاد أدراجه. وسأله أصحابه: ماذا رأيت بالغار؟ فقال: إن العنكبوت عليه من قبل ميلاد محمد، وقد رأيت حمامتين وحشيتين على فم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد، فاعتقد المشركون أن الغار مهجور ورجعوا خائبين1.

وهكذا تتجلى عناية الله ورعايته للرسول -صلى الله عليه وسلم- في كل خطوة من خطواته، وفي ذلك يقول الله -عز وجل:

__________

1 انظر روايات الهجرة عند ابن كثير في "البداية" 3/ 177 وما بعدها، "ترتيب طبقات ابن سعد" 1/ 249 وما بعدها، "سيرة ابن هشام" 2/ 125 وما بعدها، "جامع الأصول" 9/ 489 وما بعدها، "دلائل النبوة" للبيهقي 2/ 471 لأبي نعيم 2/ 325 وما بعدها، "المواهب اللدنية" 1/ 286 وما بعدها، "مجمع الزوائد" 6/ 52 وما بعدها، وغير ذلك.

{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} 1.

وإذا كان القرآن الكريم لم يشر إلى نسيج العنكبوت، ولا إلى وجود حمامتين وحشيتين عند الغار، فإن كتب الحديث النبوي قد أشارت إلى شيء من ذلك، فقد ذكر أحمد في مسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما: أن أهل مكة لما اقتفوا أثر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد خروجه من مكة وصلوا إلى جبل ثور، فصعدوا فيه فمروا بالغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت فقالوا: لو دخل هنا أحد لم يكن نسيج العنكبوت على بابه2.

على أننا يمكن أن نستشف من قوله سبحانه: {فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} أي أيده بعنايته، ومن قوله: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} أن نسيج العنكبوت ووجود الحمامتين الوحشيتين وإخفاء هذه الأشياء لمحمد -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه عن عيون الأعداء إنما هو أثر من عناية الله ورمز لجنود الله، إن جنود الله هي القوى التي يمتلئ بها الكون ويسخرها الله -إذا شاء- للقضاء على الظالمين، أو إعانة الضعفاء أو إغاثة الملهوفين، وقد يتمثل ذلك في إنسان أو حيوان أو طائر، أو أي كائن صغير أو كبير.

__________

1 سورة التوبة، الآية 40.

2 "المسند" 2/ 279، وقد حسن الحافظ ابن كثير سند الحديث في "البداية" 3/ 181 وكذلك وقع ذكر العنكبوت والحمامتين، في حديث عن أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، عند البيهقي في "الدلائل" 2/ 482، وابن سعد 1/ 229 وأبي نعيم رقم 229، وابن عساكر كما عند ابن كثير في "السيرة" 3/ 181، وقال: هذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه، قلت: وهو ضعيف وقد جاء ذكر نسج العنكبوت من مرسل الحسن، كما في "البداية" 3/ 181 وحسنه الحافظ في الشواهد.

وفي الباب أكثر مما ذكرت، وفيما تقدم كفاية.

ومن عجب أن المفسرين حينما يفسرون قوله سبحانه: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} يقولون عنها: إنها الملائكة التي نزلت في يوم بدر وفي يوم حنين1، ولا شك أن الآية تتحدث عن الغار وما وقع فيه من رعاية إلهية لمحمد -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه وكل الأفعال الواردة في الآية الكريمة من إنزال السكينة وتأييد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالجنود وجعل كلمة الذين كفروا هي السفلى وكلمة الله هي العليا..

كل ذلك إنما تتعلق به الظروف التي اختصها الله بالذكر في هذه الآية وأعني بها {إِذْ أَخْرَجَهُ} ، و {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} ، و {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ} 2.

__________

1 هذا القول، أحد قولين، كما ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 441 وغيره. وقال: والثاني: لما كان في الغار.

فليس هو محصور قولهم بيوم الأحزاب أو بدر أو حنين، كما ذكر المؤلف. وأما قوله أن المراد بالجنود النسيج والحمامتان، لا الملائكة، وعجبه من المفسرين. فالعجب منه هو، كيف سوغ لنفسه مخالفة جميع هؤلاء المفسرين. ثم إن مجرد رؤية العنكبوت أو الحمامة ليس يدفع الرائي للرجوع وعدم الدخول في الغار، إلا بما يقذف في قلبه من ذلك.

وهذا من عمل الملائكة، لا من عمل الحمام أو نسيج العنكبوت نفسه.

ومن هنا يعرف صحة ما قالوا، وضعف ما انتقد.

نعم، لو قال: لا مانع أن تدخل الحمامتان، ونسج العنكبوت ضمن تلك الجنود مع الملائكة بعد ثبوت الخبر، لكان أحسن.

2 فائدة:

تفسير القرآن يحتاج لفهم وسبر يجعلهما الله فيمن يريد من عباده، فلا يتعجل المسلم في الخوض في ذلك، وانتقال السياق من موضع لآخر، ومن حكمة لأخرى أمر مشهود مشهور في القرآن العظيم، وبدليل ما في هذه الآية نفسها:

فقوله تعالى: {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} .

قال جمهور أهل التفسير: عليه -أي على أبي بكر- لا على النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه كان مطمئنًا، كما صح ذلك ومضى الحديث.. وقال قليلون: عليه أي على النبي، وقيل: عليهما!

وأما "أيده" فقالوا: هي للنبي -صلى الله عليه وسلم- مع أن السياق واحد.

وقد أوضح ابن الجوزي وغيره هذه الظاهرة فقال في "الزاد" 4/ 441:

فإن قيل: إذا وقع الاتفاق أن هاء أيده ترجع للنبي -صلى الله عليه وسلم- فكيف تفارقها هاء "عليه" =

ومن هنا يسوغ لنا أن نقول -والله أعلم- إن تأييد الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم- بالجنود يُقصد به في هذه الآية ما سخره الله من القوى لنصرة محمد -صلى الله عليه وسلم- وتيسير طريقه إلى يثرب وإخفاء المعالم التي تدل عليه حتى يصل إلى غايته في أمن وسلام1، ولله قول شوقي حينما يسجل تلك العناية في قصيدته نهج البردة:

سل عصبة الشرك حول الغار حائمة ... لولا مطاردة المختار لم تحم

هل أبصروا الأثر الوطاء أم سمعوا ... همس التسابيح والقرآن من أَمَمِ؟

وهل تمثل نسج العنكبوت لهم ... كالغاب والحائمات الزغب كالرخم؟

فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم ... كباطل من جلال الحق منهزم

لولا يد الله بالجارين ما سلما ... وعينه حول ركن الدين لم يقم

تواريا بجناح الله واستترا ... ومن يَضُمُّ جناح الله لا يُضَمِ

وكما أسعدني الحظ بالرقي إلى غار حراء، حيث بدأ نزول الوحي على النبي الأمين، فقد أسعدني الحظ -كذلك- بالرقي إلى غار ثور حيث لجأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه يحتميان من طغيان المشركين، ولقد كانت رحلة مباركة من طلاب كلية

__________

= وهما متفقان في نظم الكلام؟

فالجواب: أن كل حرف يرد إلى الأليق به، والسكينة يحتاج إليها المنزعج، ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- منزعجًا.

وأما التأييد بالملائكة فلم يكن إلا للنبي -صلى الله عليه وسلم- نظير هذا في قوله تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ} فالتعزير والتوقير للنبي -صلى الله عليه وسلم- والتسبيح لله -عز وجل. انتهى.

وفي المقام كلام أطول من هذا بكثير، وإنما أوردته حتى لا يغتر مغتر بهذه الحجة التي أوردها المؤلف.

1 نعم، والملائكة أحق من قصد بذلك وعني.

الشريعة بمكة المكرمة. وعلى الرغم من متاعب الطريق الذي كانت تزحمه الرمال السافية والذي غاصت فيه السيارة مرة بعد مرة، ولم تتحرك إلا بعد أن نزل الجميع وعاونوها على المسير، فقد كنا نتجه في طريق الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونسير على الدرب الذي سلكه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولذا عادت بنا الذاكرة من خلال القرون الماضية إلى يوم الهجرة النبوية، وتمثلنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خارجًا في ظلام الليل يطارده الظلم بجحافله الجرارة، ويضيء في قلبه الإيمان فيبدد هذا الظلم والظلام، وكنا نتطلع إلى الرمال عسى أن نرى أثرًا من آثاره، ونتسمع إلى الرياح عسى أن تروي لنا خبرًا من أخباره ... وهكذا حتى وصلنا -بحمد الله وتوفيقه- إلى جبل ثور.

ولقد كان هذا الجبل يختلف عن جبل حراء، لأنه جبل تسلمك قمته إلى سفح جبل آخر. فكأن الصاعد إلى غار ثور سوف يتسلق جبلين، ويبذل من الجهد مثل ما بذل في جبل حراء مرتين. ولقد عاوننا بعض الطلاب المرافقين لنا على الصعود، وكأنما كانت تشدنا إلى غايتنا قوة سحرية حتى وصلنا إلى هذا المكان الخالد1، ووقفنا أمامه خاشعين متأملين. والناظر إلى هذا الغار لأول وهلة يروعه جلال عجيب، ويسيطر على نفسه شعور غريب، فهو قبة كبيرة من الصخر مجوفة من الداخل ويتسع لأكثر من ثلاثين رجلًا، وبابه ضيق لا يستطيع أحد أن يدخله إلا حبوًا، على يديه ورجليه، وسقفه منخفض لا يزيد ارتفاعه عن متر ونصف متر، وأمام الباب فتحة واسعة تبلغ ضعف فتحة الباب.

وقد وسعها بعض الأمراء المسلمين ليدخل منها الضوء وتسهل دخول الناس، وكان هذا عملًا بعيدًا عن الصواب.

__________

1 كذا قال، ولا أدري من أين جاء بهذا.

وأمام الغار وعلى بعد ما يقرب من عشرة أمتار توجد صخرة مرتفعة، وهي التي وقف عليها المشركون حينما كانوا يبحثون عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

وقد قضينا في هذا المكان نصف يوم، كان في تقديرنا نصف العمر أو العمر كله. ورجعنا بعد ذلك من نفس الطريق الذي جئنا منه؛ حيث ضربت لنا خيمة بسفح الجبل فاسترحنا في ظلها، وتناولنا أقداح الشاي وأقداح اللبن.

قلت لصاحبي -وأنا أجول في أعماق الماضي البعيد: ليت هذه الخيمة كانت خيمة أم معبد؟ وليت هذا اللبن الذي شربناه كان من شاة أم معبد.1 فأجابني قائلا: يا ليت ثم يا ليت، ولكن هيهات هيهات أن يرجع ما فات.

وبعد ثلاثة أيام قضاها الصاحبان في غار ثور، وبعد أن هدأ الطلب وسكن الناس عنهما، أتاهما الدليل: عبد الله بن أريقط، ببعيرين لهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بطعامهما.

فلما ارتحلا لم تجد ما تعلق به الطعام والماء في رحالهما، فشقت نطاقها وعلقت الطعام بنصفه وانتطقت بالنصف الآخر، فسميت ذات النطاقين. وتتحدث السيدة أسماء عما أخذه أبوها من ماله في يوم الهجرة، فتقول: لما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر معه خمسة آلاف درهم، وكانت هي كل ماله.

فدخل علينا جدِّي أبو قحافة -وقد ذهب بصره- فقال:

__________

1 سيأتي ذكر ذلك.

والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه.

فقلت له: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا.

قالت: ثم أخذت أحجارًا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدل على هذا المال.

قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، ثم تقول السيدة أسماء: ولا والله ما كان قد ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك1.

__________

1 انظر المراجع السابقة لهذه القصة، وصحيح البخاري 2/ 312 وغيره.

,

قصة أم معبد

وتعيد إلينا قصة أم معبد الخزاعية قصة حليمة السعدية مرضعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلقد كان قدوم محمد -صلى الله عليه وسلم- خيرًا وبركة، وظهر ذلك فيما منحها الله من رزق وفير، وكان ذلك في أيام رضاعه وطفولته.

وكذلك كان قدوم محمد -صلى الله عليه وسلم- على أم معبد الخزاعية في طريق هجرته إلى المدينة وفي أيام كهولته خيرًا وبركة، وظهر ذلك بما أفاء الله عليها من خير بيمن قدومه، ومن حيث لم تكن هناك أسباب يتوقع منها هذا الخير، وإليكم ما رواه ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى1 عن ذلك: "عن أبي معبد الخزاعي أن

__________

1 "1/ 230"، ومن وجهه أخرجها البيهقي كما في البداية 3/ 192، وكذلك أخرجها أبو نعيم من هذا الوجه، وفي السند مقال الذهبي في تلخيص المستدرك.

لكن جاءت القصة من طريق آخر عند الحاكم في المستدرك 913 عن هشام بن =

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، مروا بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت المرأة1 جلدة برزة2 تحتبي وتقعد بفناء الخيمة ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمرًا أو لحمًا يشترونه. فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وإذا القوم مرملون3، مسنتون4.

فقلت والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى.

فنظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى شاة في كسر الخيمة فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد"؟

قالت: هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم. فقال "هل بها من لبن"؟

قالت: هي أجهد من ذلك، قال: "تأذنين لي أن أحلبها"؟

قالت: نعم، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا. فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله، وقال: "اللهم بارك لها في شاتها"، قال:

__________

= حبيش، وعند الطبراني في الأحاديث الطوال 25/ 30، وأبي نعيم في الدلائل رقم 238، وعزاه السيوطي في الخصائص للبغوي وابن شاهين وابن منده وغيرهم،

قلت: وأخرجه كذلك البيهقي في الدلائل 1/ 277، والبغوي في شرح السنة 3974، واللالكائي في أصول الاعتقاد 1434، 1437، وقد تكلمت على الإسنادين في الدرك بتخريج المستدرك، وذكرت أن الحديث يحسن من طريقيه، وانظر البداية 3/ 192 وما بعدها، من إتيان هذه القصة عن غير أم معبد أيضًا، وترجيح الحافظ أن القصتين واحدة، وكذلك نقل هذا الترجيح عن البيهقي، وأسانيد القصص الأخرى قوية.

1 الجلدة: القوية.

2 برزة: أي تبرز لا تحتجب احتجاب الشابات لكهولتها، وهي مع ذلك عفيفة عاقلة.

3 المرملون: من نفد زادهم.

4 مسنتون: أصابتهم سنة، أي مجاعة وجرب.

فتفاجت1 ودرت واجترت فدعا بإناء لها يُربض الرهط2 فحلب فيه ثجًّا حتى غلبه الثمال3 فسقى لها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى ارتووا، وشرب -صلى الله عليه وسلم- آخرهم، فشربوا جميعًا عللا بعد نهل4ثم حلب فيه ثانيًا عَودا على بدء، فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها، فقلما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد.

فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين لكم هذا والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت؟ قالت: والله، إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، قال: ذاك والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر ولو كنت وافقته يا أم معبد لالتمست أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.5

وتروي كتب السيرة 6 أن هاتفًا من الجن أخبر أهل مكة بما وقع في خيمة أم معبد، فكان مما قال:

جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد

هما نزلا بالبر ثم ترحلَا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد7

لِيَهْنِ بني كعب مقامُ فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد8

__________

1 فرجت بين رجليها وتهيأت للحلب.

2 أي يروي الجماعة نحو العشرة.

3 الثمال: الرغوة.

4 أي مرة بعد مرة.

5 هكذا أورد القصة المؤلف، وقد اختصر شيئًا منها.

6 قد جاءت هذه الأبيات في نفس الحديث الماضي.

7 كذا في "الطبقات" 1/ 231، و"البداية" 2/ 193، وأما في "دلائل أبي نعيم":

هما نزلا بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد

8 سقط هذا البيت من "الطبقات الكبرى". وثبت في دلائل أبي نعيم. وزاد قبله:

فيا لقصي ما زوى الله عنهم ... به من فعال لا تجازى وسؤدد

سلو أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد1

وقد أجابه حسان بن ثابت بعد ذلك:

لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليه ويغتدي

ترحل عن قوم فزالت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد2

نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلوا كتاب الله في كل مشهد

لِتَهْنِ أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد3

__________

1 وثمة أبيات لم تذكر كذلك وانظر:

"الطبقات الكبرى" 1/ 231.

"الروض الأنف" 2/ 7.

"دلائل النبوة" لأبي نعيم 2/ 339.

"المستدرك" 3/ 10.

"البداية والنهاية" 3/ 193.

وغير ذلك.

2 بعد بيتين فيما مضى من المصادر:

هداهم بعد الضلالة ربهم ... فارشدهم ومن يتبع الحق يرشد

وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا ... عمى وهداة يهتدون بمهتد

3 وثمة أبيات كذلك.

,

حديث سراقة

:

وكانت قريش قد رصدت مائة ناقة مكافأة ناجزة لمن يأتيهم بمحمد -صلى الله عليه وسلم- حيا أو ميتا، وهي مكافأة يسيل لها لعاب الباحثين عن الثروة وطلاب المال، وقد تطلع إليها الكثيرون من الشبان الأقوياء والفرسان الشجعان، فبحثوا عن محمد -صلى الله عليه وسلم- في

كل مكان، وتتبعوا آثاره وأخباره حتى كادوا ينبشون الجبال، ويسألون الحصى والرمال.

وكان من أكثرهم حرصًا وتلهفًا على الظفر بهذه الجائزة الكبرى رجل من بني مدلج يقال له: سراقة بن مالك، وكان قد سمع من بعض المسافرين القادمين من مكة أمارات واضحة تدل على الطريق الذي يسير فيه محمد وأصحابه، وكان عددهم أربعة، فأخذ يضلل السامعين ويعمي عليهم حتى يظفر وحده بالإبل المائة، ويظفر إلى جوار ذلك بالفخر أمام أهل مكة الذين أعياهم البحث عن محمد -صلى الله عليه وسلم- واستسلموا في النهاية إلى اليأس والفشل.

وقد جهز الرجل عدته وسلاحه وامتطى فرسه وانطلق يعدو ميممًا الطريق والمكان الذي توقع فيه ضالته المنشودة، حتى أصبح على مرمى البصر من محمد -صلى الله عليه وسلم- ومرافقيه. ويقول سراقة إن فرسه عثرت به ثلاث مرات، وفي المرة الثالثة ساخت قوائمها في الرمال، فانتزعها من الأرض فتصاعد منها دخان كالإعصار وحينئذ فزع سراقة، وأدرك أن سرًا عجيبًا وعناية خاصة تحيط بهؤلاء الناس، وأنه إن استمر في طلبهم فسوف يسعى إلى حتفه بظلفه، فناداهم قائلا: أنا سراقة بن جعشم، انظروني أكلمكم، فوالله لا أرينكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر: قل له: "وماذا تبتغي منا"؟ فقال ذلك أبو بكر، فأجابه سراقة: أريد أن تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك. قال: اكتب له يا أبا بكر. فكتب له كتابا بما طلب ثم ألقاه إليه1.

__________

1 وعده بهذا الكتاب بأشياء، نفذها له فيما بعد، ولفظ البخاري 3906 لذلك: قال سراقة: فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم، ثم مضى ... وكونها في البخاري لا نطيل بتخريج القصة، لكن من أراد الاستقصال، فلينظرها في فتح الباري 7/ 238 ففيه ذكر تفاصيل أخرى.

ولينظر كذلك دلائل النبوة للبيهقي 2/ 483 وما بعدها، ومسند أحمد 1/ 2، والمعرفة والتاريخ 1/ 239 للفسوي، والسيرة للصالحي 3/ 345، و"سيرة ابن هشام" 2/ 102 وغير ذلك.

ورجع سراقة إلى مكة مأخوذًا بما وقع له ومصمما على تنفيذ ما تعهد به من إبعاد الأذى عن محمد -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه، وتضليل كل من يريد بهم الشر والسوء.

ويذكر الرواة1: أن أبا جهل وجه اللوم إلى سراقة حينما رجع دون أن يتحقق له شيء. فقال له سراقة -وكان شاعرا:

أبا حكم والله لو كنت شاهدًا ... لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه

علمت2 -ولم تشكك- بأن محمدا ... رسول ببرهان فمن ذا يقاومه؟

عليك بكف القوم عنه فإنني ... أرى أمره يومًا ستبدو معالمه

بأمر يود الناس فيه بأسرهم3 ... لو أن جميع الناس طرًا يسالمه

وسواء أكان هذا الشعر لسراقة نفسه أم أنه من كلام غيره، فإنه -بلا شك- تعبير صادق عما يجيش في صدره، بعد ما رأى تلك العناية التي تحيط بمحمد -صلى الله عليه وسلم- وتحول بين أعدائه وبين ما يشتهون.

وقد واصل الرسول -صلى الله عليه وسلم- سيره في هذا الركب موليا وجهه شطر يثرب، ولكن الدليل سلك بهم طريقًا غير مألوف حتى يمعن في تضليل الأعداء والاستخفاء عن أعينهم، فاتجه إلى تهامة على مقربة من شاطئ البحر الأحمر، وهو على أمكنة يصعب فيها السير. ولكنه اختارها لبعدها عن الطريق المعروف، فمر بعسفان -وسميت بذلك لتعسف السير فيها- ومر بالجداجد، وهو مكان كثير الصخور. ومر بالعرج، وهو مكان ينعرج فيه الطريق. وهكذا حتى وصلوا إلى

__________

1 انظر "سيرة ابن هشام" 2/ 102-104، و"دلائل النبوة" 2/ 489 للبيهقي وغير ذلك.

2 في "الدلائل": عجبت.

3 في "الدلائل": "بإلبها"، وانظر "الروض الأنف" 612.

قباء بعد رحلة في صحراء الجزيرة العربية استمرت اثني عشر يومًا1، لقي الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه خلالها من وعثاء السفر ووحشة الطريق وكيد الأعداء ما ينوء به الأبطال.

وقد أقام الرسول -صلى الله عليه وسلم- أربعة أيام في قباء2 وفيها أسس مسجدها المبارك الذي وصفه الله -عز وجل- بقوله: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} 3.

__________

1 قال في "المواهب اللدنية" 1/ 306، 307:

قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: كان قدومه -صلى الله عليه وسلم- لهلال ربيع الأول -أي أول يوم منه- وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق: قدمها لليلتين خلتا من ربيع الأول، ونحوه عن أبي معشر، لكن قال ليلة الاثنين.

وعن ابن سعد: قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول.

وفي "شرف المصطفى" لأبي سعد النيسابوري من طريق أبي بكر بن حزم: قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول.

وقيل: كان حين اشتد الضحاء يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة منه، وبه جزم النووي وقال ابن الكلبي: خرج من الغار يوم الاثنين أول يوم من ربيع الأول، ودخل المدينة يوم الجمعة لثنتي عشرة منه، وقيل لليلتين.

وعند البيهقي: لثنتين وعشرين.

وقال ابن حزم: خرجا من مكة وقد بقي من صفر ثلاث ليالٍ.

2 الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، على حد قول ابن إسحاق، كما نقله عنه ابن كثير في "البداية" 3/ 198 ثم قال:

وعن محمد بن إسحاق قال: بنو عمرو بن عوف يزعمون أنه -صلى الله عليه وسلم- أقام فيهم ثماني عشرة ليلة.

قال ابن كثير: وقد تقدم في البخاري عن عروة أنه أقام فيهم بضع عشرة ليلة.

وعن موسى بن عقبة عن مجمع بن يزيد بن حارثة أنه أقام في بني عمرو بن عوف بقباء اثنتين وعشرين ليلة.

وقال الواقدي: يقال: أقام فيهم أربع عشرة ليلة. انتهى.

قلت: في صحيح مسلم أنه أقام أربع عشرة ليلة. وكذا في البخاري من حديث أنس.

3 وقد قدمت الكلام على هذا أوائل الكتاب، وأن المسألة موضع خلاف، والراجح الذي جاءت به السنة أن المسجد المراد بالآية، هو المسجد النبوي.

ثم غادر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قباء، واتجه إلى المدينة، حيث كان الأوس والخزرج -وهم الأنصار- يحيطون به عن يمين ويسار وقد تقلدوا سيوفهم وامتلأت نفوسهم بالبشر والسرور، فكانت لحظات خالدة في تاريخ المدينة، وكان يومًا عظيمًا في تاريخ الإسلام، وخرج النساء والصبيان في جو من النشوة والفرح تتردد فيه الأناشيد الجميلة.

ثم سار في المدينة في موكب من النور، وكلما مر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على دار من دور الأنصار، دعاه أهلها للنزول عندهم، وأخذوا بزمام ناقته فيقول لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "دعوها فإنها مأمورة".

ولم تزل سائرة حتى بركت في محلة من محلات أخواله بني النجار أمام دار أبي أيوب الأنصاري، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ههنا المنزل إن شاء الل هـ، {رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} [المؤمنون: من الآية: 29] ". فاحتمل له أبو أيوب رحله فوضعه في منزله وخرجت ولائد من بني النجار يقلن:

نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار

فقال عليه السلام: "أتحببنني"؟ فقلن: نعم. فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم: "إن قلبي يحبكن". واختار عليه الصلاة والسلام النزول في الدور الأسفل من بيت أبي أيوب ليكون أريح لزائريه. ولكن أبا أيوب -رضي الله عنه- كره ذلك وأبى إلا أن ينزل الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الطابق الأعلى إكراما وإعزازًا لشأنه1.

__________

1 طبقات ابن سعد 1/ 259 ترتيب طبقاته وقد أخرجه من وجوه، وأخرج القصة ابن إسحاق من حديث أبي أيوب نفسه، كما عند ابن هشام 2/ 144، وهي عند البيهقي 2/ 510 ومسلم في صحيحه ص 1623. وأخرج القصة البيهقي في "الدلائل" 3/ 499 وما بعدها، من مرسلات عروة بن الزبير. ومن حديث أنس بن مالك كما في "البداية" 3/ 199 لابن كثير، ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يروه أحد من أصحاب السنن، وقد أخرجه الحاكم في مستدركه انتهى.

قلت: نزوله في دار أبي أيوب صح في البخاري 3699 دون ذكر تفصيل القصة. وفي سنن الترمذي وقعت القصة وصححها، من حديث أبي أيوب 4/ 261.

وكان الأنصار يتسابقون في إكرام الرسول -صلى الله عليه وسلم- فما من ليلة إلا وعلى بابه الثلاثُ أو الأربعُ من جفان الثريد يأكل منها -عليه الصلاة والسلام- هو وأضيافه من الأنصار والمهاجرين.

,

بناء الدولة الإسلامية

:

ومنذ أول يوم استقر فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في يثرب بدأ يؤسس الدولة الإسلامية الكبرى التي أذن الله لها -فيما بعد- أن تمتد في كل اتجاه وتضم بين ذراعيها أقوى دولتين كانتا تتحكمان في هذا العالم، وهما: دولة الفرس ودولة الروم.

وإذا كان كثير من المؤرخين قد درجوا على أن يجعلوا الأسس التي أقيمت عليها الدولة الإسلامية حينئذ ثلاثة فحسب، وهي: بناء المسجد، والمؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، والمعاهدة بين الرسول وبين اليهود، فإننا لدى التأمل نستطيع أن نضيف إليها أسسا أخرى لها أهميتها الكبرى وهي: إلغاء العصبية القبلية بين الأوس والخزرج، حيث حول الإسلام قوتها المدمرة إلى قوة نافعة معمرة، وتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، إذ ترتب على هذا التحول ترغيب كثير من القبائل العربية في الإسلام الذي يقدس بيت الله الحرام، وتوجيه المسلمين إلى القتال في سبيل الله حتى يتطهر الجو الذي كان يحيط بهم من عوامل الشر والفساد، ويفتح المجال أمام الراغبين في الإسلام دون خوف من اضطهاد أو فتنة1.

وأخيرا وضع النظام الاقتصادي الذي سوف تقوم عليه الدولة الجديدة.

__________

1 ولكن في هذا نظر؛ لأن من تكلم عن الأسس تلك، أراد التي فعلها ساعة دخوله المدينة، بخلاف الأشياء التي ذكرها المؤلف فمتأخرة على وقت الدخول. كما سيأتي.



كلمات دليلية: