ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة الحلبية

ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة الحلبية

اسم الكتاب:
السيرة الحلبية
المؤلف:
نورالدين الحلبي

باب ذكر مولده صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم

عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا أي مقطوع السرة. وجاء «أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ولد نزل جبريل عليه السلام وقطع سرته، وأذن في أذنه، وكساه ثوبا أبيض» وولد نبينا صلى الله عليه وسلم مختونا أي على صورة المختون: أي مكحولا ونظيفا ما به قذر.

أقول: أي لم يصاحبه قذر وبلل، فلا ينافي جواز وجود البلل والقذر بعده: أي في زمن إمكان النفاس، فلا يستدل بذلك على أن أمه صلى الله عليه وسلم لم تر نفاسا، فإن النفاس عندنا معاشر الشافعية هو البلل الحاصل بعد الولادة في زمن إمكانه، وهو قبل مضي

خمسة عشر يوما لا الحاصل مع الولد، والله أعلم.

قال: وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا، ولم ير أحد سوأتي» أي لئلا يرى أحد سوأتي عند الختان. قال الحاكم: تواترت الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم ولد مختونا. وتعقبه الذهبي فقال:

ما أعلم صحة ذلك، فكيف يكون متواترا: أي وأجيب بأنه أراد بالتواتر الاشتهار، فقد جاءت أحاديث كثيرة في ذلك. قال الحافظ ابن كثير: فمن الحافظ من صححها، ومنهم من ضعفها، ومنهم من رآها من الحسان: أي وقد يدعى أنه لا مخالفة بين هذه الأقوال الثلاثة، لأنه يجوز أن يكون من قال صحيحة أراد صحيحة لغيرها، والصحيحة لغيرها قد تكون حسنة لغيرها، ومن قال ضعيفة أراد في حد ذاتها.

وفي الهدى أن الشيخ جمال الدين بن طلحة صنف في أنه ولد مختونا مصنفا أجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام. ورد عليه في ذلك الشيخ جمال الدين بن العديم وذكر أنه صلى الله عليه وسلم ختن على عادة العرب.

وولد من الأنبياء على صورة المختون أيضا غير نبينا صلى الله عليه وسلم ستة عشر نبيا، وقد نظم الجميع بعضهم فقال:

وفي الرسل مختون لعمرك خلقة ... ثمان وتسع طيبون أكارم

وهم زكريا شيث إدريس يوسف ... وحنظلة عيسى وموسى وآدم

ونوح شعيب سام لوط وصالح ... سليمان يحيى هود يس خاتم

وليس هذا من خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل غيرهم من الناس يولد كذلك.

ومن خرافات العامة أن يقولوا لمن يولد كذلك: ختنه القمر: أي لأن العرب تزعم أن المولود في القمر تنفسخ قلفته فيصير كالمختون، وربما قالت العامة ختنته الملائكة وبهذا يرد على ما ذكره الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم ولادته مختونا.

وقيل ختن صلى الله عليه وسلم: أي ختنه الملك الذي هو جبريل كما صرح به بعضهم يوم شق قلبه صلى الله عليه وسلم عند ظئره: أي مرضعته حليمة. قال الذهبي: إنه خبر منكر. وقيل ختنه جده يوم سابع ولادته صلى الله عليه وسلم. قال العراقي، وسنده غير صحيح اهـ: أي لما عق عنه صلى الله عليه وسلم بكبش كما سيأتي.

أقول: وقد يجمع بأنه يجوز أن يكون ولد مختونا غير تام الختان كما هو الغالب في ذلك، فتمم جده ختانه، لكن ينازع فيه ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم «من كرامتي

على ربي أني ولدت مختونا ولم ير أحد سوأتي» أي لأجل الختان كما هو الظاهر إن صح كما قدمنا.

وفي كلام بعضهم أن عيسى عليه الصلاة والسلام ختن بآلة. وعلى صحته يجمع بنحو ما تقدم. والظاهر أن المراد بالآلة التي ختن بها عيسى والتي ختن بها صلى الله عليه وسلم بناء على أن جده ختنه كانت بالآلة المعروفة التي هي الموس وإلا لنقلت، لأن ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله.

لا يقال عدم وجود القلفة نقص من أصل الخلقة الإنسانية، فقد قالوا في حكمة وجود العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان فيه ولم يخلق بدونها، بل خلق بها تكملة للخلق الإنساني. لأنا نقول: إنما لم يخلق بتلك القلفة ليحصل كمال الخلقة الإنسانية، لأن هذه القلفة لما كانت تزال ولا بد من كل أحد مع ما يلزم على إزالتها من كشف العورة، كان نقص الخلقة الإنسانية عنها عين الكمال، بخلاف العلقة السوداء.

وكره الحسن أن يختن الولد يوم السابع، لأن فيه تشبيها باليهود، أي لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ختن ولده إسحق عليه الصلاة والسلام يوم سابع ولادته، اتخذه بنو إسرائيل في ذلك اليوم سنة، وختن ولده إسمعيل عليه الصلاة والسلام لثلاث عشرة سنة. قال أبو العباس بن تيمية، فصار ختان إسمعيل عليه الصلاة والسلام، أي في ذلك الوقت سنة في ولده يعني العرب، ويؤيده قول ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا لا يختنون الغلام حتى يدرك: أي لأن الثلاثة عشر هي مظنة الإدراك، ومن ثم لما سئل ابن عباس عن سنه حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

وأنا يومئذ مختون، أي في أوائل زمن الختان، والله أعلم.

ولما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على الأرض مقبوضة أصابع يده يشير بالسبابة كالمسبح بها.

أقول: وفي رواية عن أمه أنها قالت «لما خرج من بطني نظرت إليه، فإذا هو ساجد قد رفع أصبعيه كالمتضرع المبتهل» ولا مخالفة، لجواز أن يراد بأصبعيه السبابتان من اليدين، والله أعلم. وفي سجوده إشارة إلى أن مبدأ أمره على القرب من الحضرة الإلهية قال وروى ابن سعد «أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد وقع على يديه رافعا رأسه إلى السماء» وفي رواية «وقع على كفيه وركبتيه شاخصا ببصره إلى السماء» اهـ.

أقول: وفي رواية: «وقع جاثيا على ركبتيه» ولا يخالف هذا ما سبق من أنها نظرت إليه، فإذا هو ساجد، لجواز أن يكون سجوده بعد رفع رأسه وشخوص بصره إلى السماء. ولا مخالفة بين كونه وقع على الأرض مقبوضة أصابع يده ووقوعه على

كفه، لجواز أن يكون قبض أصابعه ما عدا السبابة بعد ذلك. ولا ينافيه قوله مقبوضة المنصوب على الحال لقرب زمنها من الوقوع على الأرض، والاقتصار على الركبتين لا ينافي الجمع بينهما وبين الكفين.

ورأيت في كلام بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم ولد واضعا إحدى يديه على عينيه والأخرى على سوأتيه فليتأمل، والله أعلم.

وإلى رفع رأسه صلى الله عليه وسلم وشخوص بصره إلى السماء يشير صاحب الهمزية بقوله:

رافعا رأسه وفي ذلك الرف ... ع إلى كل سودد إيماء

رامقا طرفه السماء ومرمى ... عين من شأنه العلو العلاء

أي وضعته حال كونه رافعا رأسه إلى السماء، وفي ذلك الرفع الذي هو أول فعل وقع منه بعد بروزه صلى الله عليه وسلم إلى هذا العالم إشارة إلى حصول كل رفعة وسيادة ووضعته حالة كونه رامقا ببصره إلى السماء، وسر ذلك الإشارة إلى علو مرماه، إذ مرمى عين الذي قصده ارتفاع مكانه الرفعة والشرف. قال: وقد روي «أنه صلى الله عليه وسلم قبض قبضة من تراب، وأهوى ساجدا، فبلغ ذلك رجلا من بني لهب، فقال لصاحبه: لئن صدق هذا الفأل ليغلبن هذا المولود أهل الأرض» : أي لأنه قبض عليها وصارت في يده. والفأل بالهمز وبدونه، يقال فيما يسر والتطير فيما يسوء فالفأل ضد الطيرة بكسر الطاء. وقد جاء «إني أتفاءل ولا أتطير» وقيل له صلى الله عليه وسلم «ما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» وقال صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الكلمة الحسنة والكلمة الطيبة» وفي رواية «وأحب الفأل الصالح» .

وفرق بعضهم بين الفأل والتفاؤل بأن الأول يكون في سماع الآدميين. والثاني يكون في الطير بأسمائها وأصواتها وممرها. وقوله: لا عدوى معارض لما جاء أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم «إنا قد بايعناك فارجع فرجع ولم يصافحه» وجاء «لا تديموا النظر للمجذومين» وسيأتي الجواب عنه بما يحصل به الجمع بينه وبين ما جاء «أنه أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة وقال: كل بسم الله عز وجل وتوكلا عليه» وبنو لهب بكسر اللام وسكون الهاء: حي من الأزد أعلم الناس بالزجر: أي زجر الطير والتفاؤل بها وبغيرها.

فقد كان في الجاهلية إذا أراد الشخص أن يخرج لحاجة جاء إلى الطير وأزعجها عن أوكارها، فإن مر الطائر على اليمين سمي سانحا واستبشر مريد الحاجة بقضائها، وإن مر على اليسار سمي بارحا بالموحدة والراء والحاء مهملة، وقعد مريد الحاجة عنها تفاؤلا بعدم قضائها: أي وهذا ما فسر به إمامنا الشافعي الحديث الآتي:

«أقروا الطير في مكامنها» فعن سفيان بن عيينة قال: قلت للشافعي رضي الله تعالى

عنه: يا أبا عبد الله ما معنى هذا الحديث؟ فقال: علم العرب كان في زجر الطير، كان الرجل منهم إذا أراد سفرا جاء إلى الطير في مكامنها فطيرها الحديث.

ويحكى عن وائل بن حجر وكان زاجرا حسن الزجر أنه خرج يوما من عند زياد بالكوفة، وهو الذي ألحقه معاوية بأبيه أبي سفيان، وهو والد عبيد الله بن زياد الذي قاتل الحسين، وكان أميرها المغيرة بن شعبة فرأى غرابا ينغق بالغين المعجمة: أي يصيح فرجع إلى زياد وقال له هذا غراب يرحلك من ههنا إلى خير، فقدم رسول معاوية إلى زياد من يومه بولاية البصرة.

وقد ذكر أن أبا ذؤيب الهذلي الشاعر كان مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يجتمع به قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليل، ولما كان وقت السحر هتف بي هاتف وأنا نائم وهو يقول:

قبض النبي محمد فعيوننا ... تذري الدموع عليه بالتسجام

قال: فقمت من نومي فزعا، فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح، فتفاءلت به وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبض، فركبت ناقتي وحثثتها حتى إذا كنت بالغابة زجرت الطير فأخبرني بوفاته صلى الله عليه وسلم، فلما قدمت المدينة فإذا فيها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج فسألت، فقيل لي: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى وقد خلا به أهله، وأبو هذيل هذا هو القائل:

أمن المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع

وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع

وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع

والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع

ومن زجر الطير ما حكاه بعضهم قال: جاء أعرابي إلى دار القاضي أبي الحسين الأزدي المالكي، فجاء غراب فقعد على نخلة في تلك الدار وصاح ثم طار، فقال الأعرابي هذا الغراب يقول إن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام، فصاح الناس عليه وزجروه فقام وانصرف، ففي سابع يوم مات هذا القاضي.

وقد جاء النهي عن ذلك: أي عن الزجر والطيرة في قوله صلى الله عليه وسلم «أقروا الطير على مكامنها» أي لا تزجروها. وجاء «الطيرة شرك» وجاء «من أرجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» أي حيث اعتقد أنها تؤثر. وجاء «إذا رأى أحدكم من الطيرة ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» وفي رواية «اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك

ثم يمضي لحاجته» وقد جاء «لا عدوى ولا طيرة ولا هام» وفي لفظ «ولا هامة» بالتخفيف زاد في رواية «ولا صفر» والهامة هو أنه كان أهل الجاهلية يزعمون أنه إذا قتل القتيل ولم يؤخذ بثأره يخرج له طائر يقول عند قبره اسقوني من دم قاتلي، اسقوني من دم قاتلي، ولا يزال يقول ذلك حتى يؤخذ بثأر القتيل، كانت العرب تسميه الهامة بالتخفيف. وأما الهامة بالتشديد فواحدة الهوام، وهي الحيات والعقارب وما شاكلها، ومن ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في تعويذه للحسن والحسين «أعيذ بكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة ثم يقول: هكذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يعوذ إسمعيل وإسحق» ، وقوله «ولا صفر» ذكر الإمام النووي أن المراد به حية صفراء تكون في جوف الإنسان إذا جاع تؤذيه، كذا كانت العرب تزعم ذلك قال: وهذا التفسير هو الصحيح الذي عليه عامة العلماء، وقد ذكره مسلم عن جابر راوي الحديث، فتعين اعتماده.

وروى ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور أضاءت له قصور بصرى» وفي رواية «أنها قالت لما وضعته خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، فأضاءت له قصور الشام وأسواقها حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى» .

وفي الخصائص الصغرى «ورأت أمه عند ولادته نورا خرج منها أضاء له قصور الشام» وكذلك أمهات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يرين اهـ، ولعل المراد يرين مطلق النور لا الذي تضيء منه قصور الشام. وقوله «قصور الشام» الخ ظاهر في أن المراد جميع الإقليم لا خصوص بصرى، ولعل الاقتصار على بصرى في الروايات لكون النور كان بها أتمّ، ومن ثم قالت «حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى» أو رأت مرة وصول النور إلى بصرى خاصة ومرة جاوزها تأمل، وإلى هذا النور يشير عمه العباس رضي الله تعالى عنه بقوله في قصيدته التي امتدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رجوعه صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، وقد قال له في مرجعه من تلك الغزوة «يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك، فقال له رسول الله: قل، لا يفضض الله فاك، فقال قصيدة منها:

وأنت لما ولدت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق

فنحن في ذلك الضياء وفي الن ... ور سبل الرشاد نخترق»

وإلى ذلك يشير صاحب الهمزية رحمه الله بقوله:

وتراءت قصور قيصر بالرو ... م يراها من داره البطحاء

أي رؤيت قصوره ملك الروم في بلاد الروم يبصرها الذي داره بمكة قال:

وهذا ظاهر في أنها رأت ذلك النور يقظة، وتقدم في حديث شداد أنها رأته مناما،

وقد تقدم الجمع اهـ: أي وتقدم ما في ذلك الجمع.

وذكر أن أم إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه رأت وهي حامل به أن النجم المسمى بالمشتري خرج من فرجها فوقع في مصر ثم وقع في كل بلدة منه شظية، فتأول ذلك أصحاب تأويل الرؤيا بأنها تلد عالما يكون علمه بمصر أولا ثم ينتشر إلى سائر البلدان.

وروى السهيلي على الواقدي «أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد تكلم، فقال: جلال ربي الرفيع» وروي «أن أول ما تكلم به لما ولدته أمه حين خروجه من بطنها الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا» ولا مانع من أنه صلى الله عليه وسلم تكلم بكل ذلك والأولوية في الرواية الثانية إضافية لما لا يخفى.

وقد وقع الاختلاف في وقت ولادته صلى الله عليه وسلم: أي هل كان ليلا أو نهارا وعلى الثاني في أي وقت من ذلك النهار وفي شهره وفي عامه وفي محله؟ فقيل ولد يوم الاثنين، قال بعضهم: لا خلاف فيه والله، بل أخطأ من قال ولد يوم الجمعة: أي فعن قتادة رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن يوم الاثنين، فقال ذلك يوم ولدت فيه» وذكر الزبير بن بكار والحافظ ابن عساكر أن ذلك كان حين طلوع الفجر ويدل له قول جده عبد المطلب: ولد لي الليلة مع الصبح مولود. وعن سعيد بن المسيب «ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إبهار النهار» أي وسطه «وكان ذلك اليوم لمضي اثني عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول» أي وكان ذلك في فصل الربيع، وقد أشار إلى ذلك بعضهم بقوله:

يقول لنا لسان الحال منه ... وقول الحق يعذب للسميع

فوجهي والزمان وشهر وضعي ... ربيع في ربيع في ربيع

قال: وحكي الإجماع عليه وعليه العمل الآن، أي في الأمصار خصوصا أهل مكة في زيارتهم موضع مولده صلى الله عليه وسلم، وقيل لعشر ليال مضت من ربيع وصحح اهـ أي صححه الحافظ الدمياطي: أي لأن الأول قال فيه ابن دحية: ذكره ابن إسحق مقطوعا دون إسناد، وذلك لا يصح أصلا، ولو أسنده ابن إسحق لم يقبل منه لتجريح أهل العلم له فقد قال كل من ابن المديني وابن معين أن ابن إسحاق ليس بحجة ووصفه مالك رضي الله تعالى عنه بالكذب. قيل وإنما طعن فيه مالك لأنه بلغه عنه أنه قال:

هاتوا حديث مالك فأنا طبيب بعلله، فعند ذلك قال مالك: وما ابن إسحق إنما هو رجل من الدجاجلة أخرجناه من المدينة. قال بعضهم: وابن إسحق من جملة من يروي عنه شيخ مالك يحيى بن سعيد. وقال بعضهم: ابن إسحق فقيه ثقة لكنه مدلس وقيل ولد لسبع عشرة ليلة خلت منه. وقيل لثمان مضت منه. قال ابن دحية: وهو

الذي لا يصح غيره وعليه أجمع أهل التاريخ.

وقال القطب القسطلاني: وهو اختيار أكثر أهل الحديث: أي كالحميدي وشيخه ابن حزم. وقيل لليلتين خلتا منه، وبه جزم ابن عبد البر. وقيل لثمان عشرة ليلة خلت منه، رواه ابن أبي شيبة، وهو حديث معلول. وقيل لاثنتي عشرة بقين منه. وقيل لاثني عشرة. وقيل لثمان ليال خلت من رمضان وصححه كثير من العلماء، وهذا هو الموافق لما تقدم من أن أمه صلى الله عليه وسلم حملت به في أيام التشريق أو في يوم عاشوراء وأنه مكث في بطنها تسعة أشهر كوامل، لكن قال بعضهم: إن هذا القول غريب جدا ومستند قائله أنه أوحى إليه صلى الله عليه وسلم في رمضان فيكون مولده في رمضان، وعلى أنها حملت به في أيام التشريق الذي لم يذكروا غيره يعلم ما في بقية الأقوال قال، وقيل ولد في صفر. وقيل في ربيع الآخر، وقيل في محرم، وقيل في عاشوراء أي كما ولد عيسى عليه السلام، وقيل لخمس بقين منه اهـ. أي وذكر الذهبي أن القول بأنه ولد صلى الله عليه وسلم في عاشوراء من الإفك: أي الكذب، وفيه إن كان ذلك لأنه لا يجامع أنها حملت به صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق، وأنه مكث في بطنها تسعة أشهر كوامل لا يختص الإفك بهذا القول، بل يأتي فيما عدا القول بأنه ولد في رمضان، ثم رأيت بعضهم حكى أنه حمل في شهر رجب، وحينئذ يصح القول المشهور بولادته في ربيع الأول.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ولد يوم الاثنين في ربيع الأول، وأنزلت عليه النبوة يوم الاثنين في ربيع الأول، وهاجر إلى المدينة يوم الاثنين في ربيع الأول، وأنزلت عليه البقرة يوم الاثنين في ربيع الأول، وتوفي يوم الاثنين في ربيع الأول. قال بعضهم: وهذا غريب جدا.

وقيل لم يولد نهارا، بل ولد ليلا. فعن عثمان بن أبي العاص عن أمه رضي الله تعالى عنهما أنها شهدت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ليلا، قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نورا، وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لتقعن علي. قال ابن دحية وهو حديث مقطوع. قال بعضهم: ولا يصح عندي بوجه أنه ولد ليلا، لقوله صلى الله عليه وسلم الثابت عنه بنقل العدل عن العدل «أنه سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: فيه ولدت» واليوم إنما هو النهار بنص القرآن. وأيضا الصوم لا يكون إلا نهارا.

وأفاد البدر الزركشي أن هذا الحديث: أي المتقدم عن أم عثمان بن أبي العاص على تقدير صحته لا دلالة فيه على أنه ولد ليلا، قال: فإن زمان النبوة صالح للخوارق. ويجوز أن تسقط النجوم نهارا: أي فضلا عن أن تكاد تسقط سيما إن قلنا ولد عند الفجر لأن ذلك ملحق بالليل، وإلى التردد في وقت ولادته صلى الله عليه وسلم هل هو في الليل أو النهار أشار صاحب الهمزية بقوله:

ليلة المولد الذي كان للد ... ين سرور بيومه وازدهاء

فهنيئا به لآمنة الف ... ضل الذي شرفت به حواء

من لحواء أنها حملت أح ... مد أو أنها به نفساء

يوم نالت بوضعه ابنة وهب ... من فخار ما لم تنله النساء

أي ليلة المولد الذي وجد فيه الفرح والافتخار للدين بيومه، وقد أضاف كلا من الليل واليوم للولادة مراعاة للخلاف في ذلك، فهنيئا لآمنة الفضل الذي حصل لها بسبب ولادتها له صلى الله عليه وسلم: أي لا يشوب ذلك الفضل كدر ولا مشقة الذي شرفت بذلك الفضل حواء التي هي أم البشر، ومن يشفع لحواء في أنها حملت به وأنه أصابها نفاس به يوم أعطيت آمنة بنت وهب بسبب وضعه من الفخار، وهو ما يتمدح به من الخصال العلية، والشيم المرضية، ما لم يعطها غيرها من النساء.

أي وقد أقسم الله بليلة مولده صلى الله عليه وسلم قوله تعالى وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ [الضحى:

الآيتان 1 و 2] وقيل أراد بالليل ليلة الإسرى، ولا مانع أن يكون الإقسام وقع بهما، أي استعمل الليل فيهما. ويدل لكون ولادته صلى الله عليه وسلم كانت ليلا قول بعض اليهود ممن عنده علم الكتاب لقريش هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلم قال: ولد الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، إلى آخر ما يأتي، وسيأتي ما يدل على ذلك، وهو وضعه تحت الجفنة.

وولادته صلى الله عليه وسلم قيل كانت في عام الفيل، قيل في يومه. فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل. وعن قيس بن مخرمة: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل ضحا فنحن لدان، قال الحافظ ابن حجر المحفوظ لفظ العام: أي بدل لفظ اليوم، وقد يراد باليوم مطلق الوقت فيصدق بالعام، كما يقال يوم الفتح ويوم بدر، وعليه فلدان معناه متقاربان في السن بالموحدة، وعلى أن المراد باليوم حقيقته يكون بالنون.

وفي تاريخ ابن حبان: ولد عام الفيل في اليوم الذي بعث الله تعالى الطير الأبابيل فيه على أصحاب الفيل.

وعند ابن سعد: ولد يوم الفيل يعني عام الفيل اهـ: أي لما تقدم عن ابن حجر، وعليه فيكون قول ابن حبان في اليوم تفسيرا للعام. على أن المراد باليوم مطلق الوقت الصادق بالعام.

وقيل ولد بعد الفيل بخمسين يوما، كما ذهب إليه جمع منهم السهيلي. قال بعضهم: وهو المشهور. قال: وقيل بخمسة وخمسين يوما. وقيل بأربعين يوما، وقيل بشهر، وقيل بعشر سنين، وقيل بثلاث وعشرين سنة، وقيل بثلاثين سنة، وقيل

بأربعين سنة، وقيل بسبعين سنة اهـ: أي وعلى أنه بعد الفيل بخمسة وخمسين يوما اقتصر الحافظ الدمياطي رحمه الله. وعبارة المواهب: حكاه الدمياطي في آخرين، وكونه في عام الفيل قال الحافظ ابن كثير: هو المشهور عند الجمهور. وقال إبراهيم بن المنذر شيخ البخاري رحمه الله لا يشك فيه أحد من العلماء، ونقل غير واحد فيه الإجماع. وقال: كل قول يخالفه وهم: أي وقيل قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة. قال بعضهم: وهذا غريب منكر وضعيف أيضا.

أقول: والقول بأنه ولد قبل عام الفيل أو فيه أو بعده بعشر سنين يقتضي تضعيف ما ذكره الحافظ أبو سعيد النيسابوري أن نور النبي صلى الله عليه وسلم كان يضيء في غرة جده عبد المطلب، وكانت قريش إذا أصابها قحط أخذت بيد عبد المطلب إلى جبل ثبير يستسقون به، فيسقيهم الله تعالى ببركة ذلك النور، وأنه لما قدم صاحب الفيل لهدم الكعبة لتكون كنيسته التي بناها. ويقال إنها القليس كجميز لارتفاع بنائها وعلوها ومنه القلانس لأنها في أعلى الرؤوس مكان الكعبة في الحج إليها.

وقد اجتهد أبرهة في زخرفتها، فجعل فيها الرخام المجزع والحجارة المنقوشة بالذهب، كان ينقل ذلك من قصر بلقيس صاحبة سليمان عليه السلام، وجعل فيها صلبانا من الذهب والفضة، ومنابر من العاج والآبنوس، وشدد على عمالها بحيث إذا طلعت الشمس قبل أن يأخذ العامل في عمله قطع يده، فنام رجل منهم ذات يوم حتى طلعت الشمس، فجاءت معه أمه وهي امرأة عجوز، فتضرعت إليه في أن لا يقطع يد ولدها فأبى إلا قطع يده، فقالت له اضرب بمعولك اليوم، فاليوم لك وغدا لغيرك، فقال لها: ويحك ما قلت؟ فقالت نعم كما صار هذا الملك من غيرك إليك فكذلك يصير منك إلى غيرك، فأخذته موعظتها فعفا عنه، ورجع عن هذا الأمر، فعند ذلك ركب عبد المطلب في قريش إلى جبل ثبير فاستدار ذلك النور، في وجه عبد المطلب كالهلال، وألقى شعاعه على البيت الحرام مثل السراج، فلما نظر عبد المطلب لذلك قال: يا معشر قريش ارجعوا فقد كفيتم هذا الأمر فو الله ما استدار هذا النور مني إلا أن يكون الظفر لنا فرجعوا فلما دخل رسول صاحب الفيل إلى مكة ونظر إلى وجه عبد المطلب خضع وتلجلج لسانه وخر مغشيا عليه أي فكان يخور كما يخور الثور عند ذبحه، فلما أفاق خر ساجدا لعبد المطلب: أي فإن صاحب الفيل أمره أن يقول لقريش: إن الملك إنما جاء لهدم البيت، فإن لم تحولوا بينه وبينه لم يزد على هدمه، وإن أحلتم بينه وبينه أتى عليكم، فقال له عبد المطلب؟ ما عندنا منعة ولا ندفع عن هذا البيت، وله رب إن شاء منعه: أي وفي لفظ قال عبد المطلب، والله ما نريد حربه وما لنا منه بذلك طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت إبراهيم خليل الله، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن لم يحل بينه وبينه فو الله ما

عندنا دفع عنه وأمر أبرهة رسوله أيضا أن يأتي له بسيد القوم، فقال لعبد المطلب:

قد أمرني أن آتيه بك، فقال عبد المطلب أفعل، فجاءه راعي إبله وخيله، وأخبره أن الحبشة أخذت الإبل والخيل التي كانت ترعى بذي المجاز.

وفي سيرة ابن هشام بل وفي غالب السير الاقتصار على الإبل، وأنها كانت مائتي بعير، وقيل أربعمائة ناقة. فركب عبد المطلب صحبة رسول صاحب الفيل وركب معه ولده الحارث فاستؤذن له على أبرهة أي قيل له أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عين مكة يعني زمزم، وهو يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال، فأذن له. فلما دخل ورآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه على سرير ملكه، فنزل عن سريره وأجلسه معه على البساط وقال لترجمانه اسأله عن حاجته، فذكر إبله وخيله، فذكر الترجمان له ذلك، فقال للترجمان بلسان الحبشة قل له كنت أعجبتني إذ رأيتك ثم قد زهدت فيك إذ سألتني إبلا وخيلا، وتركت أن تسأل عن البيت الذي هو عزك، فقال له الترجمان ذلك، فقال عبد المطلب أنا رب الإبل والخيل التي سألتها الملك، وأما البيت فله رب إن شاء أن يمنعه من الملك، فقال أبرهة ما كان ليمنعه مني، فرد عليه ما كان أخذ له وانصرف. وأبرهة بلسان الحبشة: الأبيض الوجه.

ثم إن الفيل لما نظر إلى وجه عبد المطلب برك كما يبرك البعير وخر ساجدا، وأنطق الله سبحانه وتعالى الفيل، فقال: السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب.

وفي كلام بعضهم أن أبرهة لما بلغه مجيء عبد المطلب إليه أمر أن عبد المطلب قبل دخوله عليه أن يذهب به إلى الفيلة ليراها ويرى الفيل العظيم وكان أبيض اللون.

أقول: رأيت أن ملك الصين كان في مربطه ألف فيل أبيض، وكان مع الفرس في قتال أبي عبيد بن مسعود الثقفي أمير الجيش في خلافة الصديق أفيلة كثيرة عليها الجلاجل، وقدّموا بين أيديهم فيلا عظيما أبيض، وصارت خيول المسلمين كلما حملت وسمعت حس الجلاجل نفرت، فأمر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة فقتلوها عن آخرها، وتقدم أبو عبيد لهذا الفيل العظيم الأبيض فضربه بالسيف فقطع زلومه، فصاح الفيل صيحة هائلة، وحمل على أبي عبيد فتخبطه برجله ووقف فوقه فقتله، فحمل على الفيل شخص كان أبو عبيد أوصى أن يكون أميرا بعده فقتله، ثم آخر حتى قتل سبعة من ثقيف كان قد نص أبو عبيد عليهم واحدا بعد واحد، وهذا من أغرب الاتفاقيات والله أعلم. وإنما أرى عبد المطلب الفيلة إرهابا لها وتخويفا فإن العرب لم تكن تعرف الأفيال، وكانت الأفيال كلها ما عدا الفيل الأعظم تسجد لأبرهة.

وأما الفيل الأعظم فلم يسجد إلا للنجاشي، فلما رأت الفيلة عبد المطلب

سجدت حتى الفيل الأعظم. وقيل إن أبرهة لم يخرج إلا بالفيل الأعظم، ولما بلغ أبرهة سجود الفيلة لعبد المطلب تطير ثم أمر بإدخال عبد المطلب عليه، فلما رآه ألقيت له الهيبة في قلبه، فنزل عن سريرة تعظيما لعبد المطلب. ثم رأيت العلامة ابن حجر في شرح الهمزية حاول الجواب عن هذا الذي تقدم عن الحافظ النيسابوري، من أن النور استدار في وجه عبد المطلب إلى آخره: أي وقول الفيل: السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب مع أن ولادته صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، يلزمها أن يكون النور انتقل من عبد المطلب إلى عبد الله، ثم انتقل من عبد الله إلى آمنة، بأن النور وإن انتقل من عبد المطلب، لكن الله سبحانه وتعالى أكرم عبد المطلب فأحدث ذلك النور في ظهره، وفي وجهه وأطلع الفيل عليه هذا كلامه فليتأمل.

وذكر بعضهم أن الفيل مع عظم خلقته صوته ضئيل أي ضعيف، ويفرق أي يخاف من السنور الذي هو القط ويفزع منه.

وفي المواهب: والمشهور أنه صلى الله عليه وسلم ولد بعد الفيل، لأن قصة الفيل كانت توطئة لنبوته ومقدمة لظهوره وبعثته، هذا كلامه. وفيه أنه قد يقال الإرهاصات إنما تكون بعد وجوده وقبل مبعثه الذي هو دعواه الرسالة، لا قبل وجوده بالكلية الذي هو المراد بظهوره. وحينئذ فقول القاضي البيضاوي: إنها من الإرهاصات، إذ روي أنها وقعت في السنة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي بعد وجوده. ومن ثم قال ابن القيم في الهدى: إن مما جرت به عادة الله تعالى أن يقدم بين يدي الأمور العظيمة مقدمات تكون كالمدخل لها، فمن ذلك قصة مبعثه صلى الله عليه وسلم تقدمها قصة الفيل، هذا كلامه.

قال: فلما شرع أبرهة في الذهاب إلى مكة وصل الفيل إلى أول الحرم، والمواهب أسقط هذا، وهو يوهم أنهم دخلوا مكة، وأن الفيل برك دون البيت فليتأمل، وعند وصوله إلى أول الحرم برك، فصاروا يضربون رأسه ويدخلون الكلاليب في مراق بطنه فلا يقوم، فوجهوا وجهه إلى جهة اليمين، فقام يهرول، وكذا إلى جهة الشام فعل ذلك مرارا فأمر أبرهة أن يسقى الفيل الخمر ليذهب تمييزه فسقوه فثبت على أمره.

ويقال إنما برك لأن نفيل بن حبيب الخثعمي قام إلى جنب الفيل فعرك أذنه وقال: ابرك محمودا وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه فبرك.

قال السهيلي رحمه الله: الفيل لا يبرك، فيحتمل أن يكون بروكه سقوطه على الأرض لما جاءه من أمر الله سبحانه. ويحتمل أن يكون فعل البرك وهو الذي يلزم موضعه ولا يبرح فعبر بالبروك عن ذلك.

قال: وقد سمعت من يقول إن في الفيلة صنفا منها يبرك كما يبرك الجمل، وعند ذلك أرسل الله سبحانه وتعالى عليهم الطير الأبابيل، خرجت من البحر أمثال الخطاطيف. ويقال إن حمام الحرم من نسل تلك الطير فأهلكتهم.

وقد يقال إن هذا اشتباه، لأن الذي قيل إنه من نسل الأبابيل إنما هو شيء يشبه الزرازير يكون بباب إبراهيم من الحرم. وإلا فسيأتي أن حمام الحرم من نسل الحمام الذي عشش على فم الغار على ما سيأتي فيه. وفي حياة الحيوان أن الطير الأبابيل تعشش وتفرخ بين السماء والأرض.

ولما هلك صاحب الفيل وقومه عزت قريش وهابتهم الناس كلهم، وقالوا:

أهل الله لأن الله معهم. وفي لفظ: لأن الله سبحانه وتعالى قاتل عنهم، وكفاهم مؤونة عدوهم الذي لم يكن لسائر العرب بقتاله قدرة، وغنموا أموال أصحاب الفيل:

أي ومن حينئذ مزقت الحبشة كل ممزق، وخرب ما حول تلك الكنيسة التي بناها أبرهة، فلم يعمرها أحد، وكثرت حولها السباع والحيات ومردة الجن، وكان كل من أراد أن يأخذ منها شيئا أصابته الجن، واستمرت كذلك إلى زمن السفاح الذي هو أول خلفاء بني العباس، فذكر له أمرها، فبعث إليها عامله على اليمن فخرّ بها وأخذ خشبها المرصع بالذهب والآلات المفضضة التي تساوي قناطير من الذهب، فحصل له منها مال عظيم، وحينئذ عفا رسمها وانقطع خبرها، واندرست آثارها.

وقد كان عبد المطلب أمر قريشا أن تخرج من مكة وتكون في رؤوس الجبال خوفا عليهم من المعرة، وخرج هو وإياهم إلى ذلك بعد أن أخذ بحلقة باب الكعبة ومعه نفر من قريش، يدعون الله سبحانه وتعالى، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال:

لا هم إن العبد يح ... مى رحله فامنع حلالك

لا يغلبنّ صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك

أي فإنهم كانوا نصارى. ولا هم: أصله اللهم، فإن العرب تحذف الألف واللام، وتكتفي بما يبقى، وكذلك تقول: لاه أبوك، تريد لله أبوك، والحلال بكسر الحاء المهملة: جمع حلة، وهي البيوت المجتمعة. والمحال بكسر الميم: القوة والشدة، والغدو بالغين المعجمة أصله الغد: وهو اليوم الذي يأتي بعد يومك الذي أنت فيه. ويقال إن عبد المطلب جمع قومه وعقد راية وعسكر بمنى.

وجمع ابن ظفر بينه وبين ما تقدم من أنه خرج مع قومه إلى رؤوس الجبال، بأنه يحتمل أنه أمر أن تكون الذرية في رؤوس الجبال: أي وخرج معه تأنيسا لهم ثم رجع وجمع إليه المقاتلة: أي ويؤيد ذلك قول المواهب: ثم إن أبرهة أمر رجلا من

قومه يهزم الجيش، فلما وصل مكة ونظر إلى وجه عبد المطلب خضع إلى آخر ما تقدم. فإسقاط المواهب كون قريش جيشت جيشا مع قومه، ثم إن أبرهة أرسل رجلا من قومه ليهزم الجيش لا يحسن. ثم ركب عبد المطلب لما استبطأ مجيء القوم إلى مكة ينظر ما الخبر فوجدهم قد هلكوا: أي غالبهم، وذهب غالب من بقي، فاحتمل ما شاء من صفراء وبيضاء، ثم آذن: أي أعلم أهل مكة بهلاك القوم فخرجوا فانتهبوا.

وفي كلام سبط ابن الجوزي: وسبب غنى عثمان بن عفان أن أباه عفان وعبد المطلب وأبا مسعود الثقفي لما هلك أبرهة وقومه كانوا أول من نزل مخيم الحبشة، فأخذوا من أموال أبرهة وأصحابه شيئا كثيرا ودفنوه عن قريش، فكانوا أغنى قريش وأكثرهم مالا. ولما مات عفان ورثه عثمان رضي الله تعالى عنه.

أي ومن جملة من سلم من قوم أبرهة ولم يذهب بل بقي بمكة سائس الفيل وقائده.

فعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أدركت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس.

وأورد على هذا أن الحجاج خرّب الكعبة بضرب المنجنيق ولم يصبه شيء؟.

ويجاب بأن الحجاج لم يجىء لهدم الكعبة ولا لتخريبها ولم يقصد ذلك، وإنما قصد التضييق على عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما ليسلم نفسه، وهذا أولى من جواب المواهب كما لا يخفى، والله أعلم.

وكان مولده صلى الله عليه وسلم بمكة في الدار التي صارت تدعى لمحمد بن يوسف أخي الحجاج: أي وكانت قبل ذلك لعقيل بن أبي طالب، ولم تزل بيد أولاده بعد وفاته إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار قاله الفاكهي: أي فأدخلها في داره وسماها البيضاء: أي لأنها بنيت بالجص ثم طليت به، فكانت كلها بيضاء، وصارت تعرف بدار ابن يوسف، لكن سيأتي في فتح مكة أنه قيل له صلى الله عليه وسلم «يا رسول الله تنزل في الدور؟ قال: هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور» فإن هذا السياق يدل على أن عقيلا باع تلك الدار فلم يبق بيده ولا بيد أولاده بعده. إلا أن يقال المراد باع ما عدا هذه الدار التي هي مولده صلى الله عليه وسلم: أي لأنه كما سيأتي في الفتح باع دار أبيه أبي طالب، لأنه وطالبا أخاه ورثا أبا طالب، لأنهما كانا كافرين عند موت أبي طالب، دون جعفر وعلي رضي الله تعالى عنهما فإنهما كانا مسلمين، وعقيل أسلم بعد دون طالب، فإن طالبا اختطفته الجن ولم يعلم به، وإن عقيلا باع دار رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي دار خديجة: أي التي يقال لها مولد فاطمة رضي الله تعالى

عنها، وهي الآن مسجد يصلى فيه، بناه معاوية رضي الله تعالى عنه أيام خلافته. قيل وهو أفضل موضع بمكة بعد المسجد الحرام: أي واشتهر بمولد فاطمة رضي الله تعالى عنها لشرفها، وإلا فهو مولد بقية إخوتها من خديجة، ولعل معاوية رضي الله تعالى عنه اشترى تلك الدار ممن اشتراها من عقيل.

ويدل لما قلناه قول بعضهم: لم يتعرض صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة لتلك الدار التي أبقاها في يد عقيل: أي التي هي دار خديجة، فإنه لم يزل بها صلى الله عليه وسلم حتى هاجر فأخذها عقيل.

وفي كلام بعضهم: لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة ضرب مخيمه بالحجون، فقيل له:

ألا تنزل منزلك من الشعب فقال «وهل ترك لنا عقيل منزلا» وكان عقيل قد باع منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنازل إخوته حين هاجروا من مكة، ومنزل كل من هاجر من بني هاشم.

وفي كلام بعضهم: كان عقيل تخلف عنهم في الإسلام والهجرة، فإنه أسلم عام الحديبية التي هي السنة السادسة وباع دورهم، فلم يرجع النبي صلى الله عليه وسلم في شيء منها، وهي أي تلك الدار التي ولد بها صلى الله عليه وسلم عند الصفا، قد بنتها زبيدة زوجة الرشيد أم الأمين مسجدا لما حجّت.

وفي كلام ابن دحية أن الخيزران أم هارون الرشيد لما حجت أخرجت تلك الدار من دار ابن يوسف وجعلتها مسجدا. ويجوز أن تكون زبيدة جددت ذلك المسجد الذي بنته الخيزران فنسب لكل منهما، وسيأتي أن الخيزران بنت دار الأرقم مسجدا، وهي عند الصفا أيضا، ولعل الأمر التبس على بعض الرواة لأن كلا منهما عند الصفا. وقيل ولد صلى الله عليه وسلم في شعب بني هاشم.

أقول: قد يقال لا مخالفة، لأنه يجوز أن تكون تلك الدار من شعب بني هاشم، ثم رأيت التصريح بذلك. ولا ينافيه ما تقدم في الكلام على الحمل من أن شعب أبي طالب وهو من جملة بني هاشم كان عند الحجون، لأنه يجوز أن يكون أبو طالب انفرد عنهم بذلك الشعب، والله أعلم.

قال: وقيل ولد صلى الله عليه وسلم في الردم: أي ردم بني جمح، وهم بطن من قريش، ونسب لبني جمح لأنه ردم على من قتلوا في الجاهلية من بني الحارث، فقد وقع بين بني جمح وبين بني الحارث في الجاهلية مقتلة، وكان الظفر فيها لبني جمح على بني الحارث فقتلوا منهم جمعا كثيرا، وردم على تلك القتلى بذلك المحل. وقيل ولد بعسفان انتهى.

أقول: مما يردّ القول بكونه ولد بعسفان ما ذكره بعض فقهائنا، أن من جملة ما يجب على الولي أن يعلم موليه إذا ميز أنه صلى الله عليه وسلم ولد بمكة ودفن بالمدينة، إلا أن يقال

ذاك بناء على ما هو الأصح عندهم. والردم: هو المحل الذي كانت ترى منه الكعبة قبل الآن، ويقال له الآن المدعي، لأنه يؤتى فيه بالدعاء الذي يقال عند رؤية الكعبة، ولم أقف على أنه صلى الله عليه وسلم وقف به، ولعله لم يكن مرتفعا في زمنه صلى الله عليه وسلم عليه السلام، لأنه إنما رفعه وبناه سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه في خلافته، لما جاء السيل العظيم الذي يقال له سيل أم نهشل، وهي بنت عبيدة بن سعيد بن العاص، فإنه أخذها وألقاها أسفل مكة فوجدت هناك ميتة، ونقل المقام إلى أن ألقاه بأسفل مكة أيضا فجيء به وجعل عند الكعبة، وكوتب عمر رضي الله عنه بذلك فحضر وهو فزع مرعوب، ودخل مكة معتمرا فوجد محل المقام دثر، وصار لا يعرف، فهاله ذلك ثم قال: أنشد الله عبدا عنده علم من محل هذا المقام، فقال المطلب بن رفاعة رضي الله تعالى عنه: أنا يا أمير المؤمنين عندي علم بذلك، فقد كنت أخشى عليه مثل ذلك، فأخذت قدره من موضعه إلى باب الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بحفاظ، فقال له اجلس عندي وأرسل، فأرسل فجيء بذلك الحفاظ فقيس به ووضع المقام بمحله الآن، وأحكم ذلك واستمر إلى الآن. فعند ذلك بني هذا المحل الذي يقال له الردم بالصخرات العظيمة ورفعه فصار لا يعلوه السيل، وصارت الكعبة تشاهد منه، والآن قد حالت الأبنية فصارت لا ترى، ومع ذلك لا بأس بالوقوف عنده والدعاء فيه تبركا بمن سلف، ولعل هذا محمل قول من قال: أول من نقل المقام إلى محله.

وكان ملصقا بالكعبة- عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فلا ينافي أن الناقل له هو صلى الله عليه وسلم كما سيأتي، لكن رأيت ابن كثير قال: وقد كان هذا الحجر أي الذي هو المقام ملصقا بباب الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأخره عنه لئلا يشغل المصلين عنده الطائفون بالبيت هذا كلامه.

وقوله من قديم الزمان ظاهره من عهد إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام فليتأمل.

وعن كعب الأحبار: إني أجد في التوراة: عبدي أحمد المختار، مولده بمكة:

أي وهو ظاهر في أن كعب الأحبار كان قبل الإسلام على دين اليهودية.

قال وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه عن أمه الشفاء: أي بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء، وقيل بفتحها وتشديد الفاء مقصورا قالت: لما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على يدي: أي فهي دايته صلى الله عليه وسلم. ووقع في كلام ابن دحية أن أم أيمن دايته صلى الله عليه وسلم.

وقد يقال إطلاق الداية على أم أيمن، لأنها قامت بخدمته صلى الله عليه وسلم، ومن ثم قيل لها حاضنته، وللشفاء قابلته.

وقد قيل: في اسم الوالدة والقابلة الأمن والشفاء، وفي اسم الحاضنة البركة والنماء، وفي اسم مرضعته أولا التي هي ثويبة الثواب، وفي اسم مرضعته المستقلة برضاعه التي هي خليمة السعدية الحلم والسعد. قالت أم عبد الرحمن: فاستهل، فسمعت قائلا يقول: يرحمك الله تعالى، أو رحمك ربك: أي أو يرحمك ربك، ولهذا القول الذي لا يقال إلا عند العطاس: أي الذي هو التشميت بالشين المعجمة والمهملة، حمل بعضهم الاستهلال الذي هو في المشهور صياح المولود أول ما يولد: يقال استهل المولود: إذا رفع صوته على العطاس مع الاعتراف بأنه لم يجىء في شيء من الأحاديث تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لما ولد عطس انتهى: أي فقد قال الحافظ السيوطي: لم أقف في شيء من الأحاديث يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد عطس بعد مراجعة أحاديث المولد من مظانها: أي وعطس بفتح الطاء يعطس بالكسر والضم وحكي بالفتح، ولعله من تداخل اللغتين، لكن في الجامع الصغير «استهلال الصبي العطاس» وحينئذ يكون استهلال المولود له معنيان: هما مجرد رفع الصوت والعطاس، وحمل هنا على العطاس بقرينة الجواب الذي لا يقال إلا عند العطاس، وقد أشار إلى التشميت صاحب الهمزية رحمه الله بقوله:

شمتته الأملاك إذ وضعته ... وشفتنا بقولها الشفاء

أي قالت له الأملاك: رحمك الله، أو رحمك ربك وقت وضع أمه له، وفرحتنا بقولها المذكور الشفاء التي هي أم عبد الرحمن بن عوف.

أقول: قال بعضهم: ولعله ص


تحميل : ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة الحلبية

كلمات دليلية: