مقاطعة قريش لبني هاشم وبني عبد المطلب_9216

مقاطعة قريش لبني هاشم وبني عبد المطلب من كتاب فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

اسم الكتاب:
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
المؤلف:
محمدسعيدرمضان البوطي

الحصار الاقتصادي

ورد بأسانيد مختلفة عن موسى بن عقبة، عن ابن إسحاق، وعن غيرهما، أن كفار قريش أجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وكلموا في ذلك بني هاشم وبني المطلب، ولكنهم أبوا تسليمه صلّى الله عليه وسلم إليهم.

فلما عجزت قريش عن قتله صلّى الله عليه وسلم أجمعوا على منابذته ومنابذة من معه من المسلمين ومن يحميه من بني هاشم وبني المطلب، فكتبوا بذلك كتابا تعاقدوا فيه على ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدعوا سببا من أسباب الرزق يصل إليهم، ولا يقبلوا منهم صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلم بنو المطلب رسول الله صلّى الله عليه وسلم إليهم للقتل، وعلقوا الكتاب في جوف الكعبة.

والتزم كفار قريش بهذا الكتاب ثلاث سنوات، بدءا من المحرم سنة سبع من البعثة إلى السنة العاشرة منها، وقيل بل استمر ذلك سنتين فقط.

ورواية موسى بن عقبة تدل على أن ذلك كان قبل أمر الرسول أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وإنما أمرهم بها أثناء هذا الحصار. أما رواية ابن إسحاق فتدل على أن كتابة الصحيفة كانت بعد هجرة أصحابه صلّى الله عليه وسلم إلى الحبشة وبعد إسلام عمر.

وحوصر بنو هاشم وبنو المطلب ومن معهم من المسلمين، ومعهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، في شعب بني المطلب، وإنما مكة شعاب متفرقة، واجتمع فيه من بني هاشم وبني المطلب المسلمون والكافرون، أما المسلمون فتدينا وأما الكافرون فحمية، إلا ما كان من أبي لهب، عبد العزى بن عبد المطلب، فإنه خرج إلى قريش، فظاهر النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه.

فجهد النبي صلّى الله عليه وسلم والمسلمون جهدا شديدا في هذه الأعوام الثلاثة واشتد عليهم البلاء، وفي الصحيح أنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخبط وورق الشجر. وذكر السهيلي أنهم كانوا إذا قدمت العير مكة، يأتي أحد أصحاب رسول الله إلى السوق ليشتري شيئا من الطعام يقتاته لأهله، فيقوم أبو لهب فيقول: «يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا شيئا معكم» ، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافا، حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس في يده شيء يعللهم به.

فلما كان على رأس ثلاث سنين من بدء هذا الحصار، تلاوم قوم من بني قصي، فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه، وأرسل الله على صحيفتهم التي كتب فيها نص المعاهدة الأرضة، فأتت على معظم ما فيها من ميثاق وعهد، ولم يسلم من ذلك إلا الكلمات التي فيها ذكر الله عز وجل.

وقد أخبر بذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم عمه أبا طالب، فقال له أبو طالب: «أربك أخبرك بذلك؟ قال: نعم، فمضى في عصابة من قومه إلى قريش، فطلب منهم أن يأتوه بالصحيفة موهما

إياهم أنه نازل عند شروطهم فجاؤوا بها وهي مطوية، فقال أبو طالب: إن ابن أخي قد أخبرني.

ولم يكذبني قط، أن الله تعالى قد سلط على صحيفتكم التي كتبتم الأرضة فأتت على كل ما كان فيها من جور وقطيعة رحم، فإن كان الحديث كما يقول فأفيقوا وارجعوا عن سوء رأيكم، فو الله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا ففعلتم به ما تشاؤون.

فقالوا: قد رضينا بالذي تقول. ففتحوا الصحيفة فوجدوا الأمر كما أخبر الصادق المصدوق صلّى الله عليه وسلم.

فقالوا: هذا سحر ابن أخيك!» .. وزادهم ذلك بغيا وعدوانا.

ثم إن خمسة من رؤساء المشركين من قريش، مشوا في نقض الصحيفة، وإنهاء هذا الحصار، وهم: هشام بن عمرو بن الحارث، وزهير بن أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود.

وكان أول من سعى إلى نقضها بصريح الدعوة زهير بن أمية، أقبل على الناس عند الكعبة فقال: «يا أهل مكة، أنأكل الطعام، ونلبس الثياب وبنو هاشم والمطلب هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم؟ .. والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة» .

ثم قال بقية الخمسة نحوا من هذا الكلام. ثم قام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فمزقها، ثم انطلق هؤلاء الخمسة، ومعهم جماعة، إلى بني هاشم وبني المطلب ومن معهم من المسلمين فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم.


ملف pdf

كلمات دليلية: