معركة مؤتة من كتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

معركة مؤتة من كتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
عبدالله محمد عبدالوهاب

غزوة مؤتة

وسببها: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم - بعث الحارث بن عمير بكتاب إلى ملك الروم - أو بصرى - فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني. فقتله - ولم يقتل لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم - رسول غيره - فاشتد ذلك عليه فبعث البعوث. واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس وإن أصيب جعفر فعبد اللَّه بن رواحة فتجهزوا. وهم ثلاثة آلاف.

فلما حضر خروجهم. ودع الناس أمراء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم - وسلموا عليهم. فبكى عبد اللَّه بن رواحة. فقالوا ما يبكيك؟ فقال أما واللَّه ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم. ولكني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم - يقرأ آية من كتاب اللَّه يذكر فيها النار {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: 71] (1) ولست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود؟ فقال المسلمون صحبكم اللَّه ودفع عنكم. وردكم إلينا صالحين.

فقال ابن رواحة:

لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع تقذف الزبدا

أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا

حتى يقال إذا مروا على جدثي ... يا أرشد اللَّه من غاز وقد رشدا.

_________

(1) آية 71 من سورة مريم.

ثم مضوا حتى نزلوا معان. فبلغهم أن هرقل بالبلقاء في مائة ألف من الروم وانضم إليه من لخم وجذام وبلي وغيرهم مائة ألف. فأقاموا ليلتين ينظرون في أمرهم.

وقالوا: نكتب إلى رسول اللَّه فنخبره. فإما أن يمدنا، وإما أن يأمرنا بأمره فشجعهم عبد اللَّه بن رواحة، وقال واللَّه إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة. وما نقاتل الناس بقوة ولا كثرة وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا اللَّه به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظفر. وإما شهادة.

فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم الجموع. فانحاز المسلمون إلى مؤتة. ثم اقتتلوا عندها والراية في يد زيد. فلم يزل يقاتل بها حتى شاط في رماح القوم. فأخذها جعفر فقاتل بها. حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها. ثم قاتل حتى قطعت يمينه. فأخذ الراية بيساره فقطعت يساره. فاحتضن الراية حتى قتل. وله ثلاث وثلاثون سنة. -رضي اللَّه عنهم-.

ثم أخذها عبد اللَّه بن رواحة. فتقدم بها، وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويقول:

أقسم باللَّه لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه

يا طالما قد كنت مطمئنه ... إن أجلب الناس وشدوا الرنه

مالي أراك تكرهين الجنه؟

ويقول أيضا:

يا نفس إن لم تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت

وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت

ثم نزل. فأتاه فناداه ابن عم له بعرق من لحم. فقال: شد بهذا صلبك، فإنك لقيت في أيامك هذه ما لقيت. فأخذها فانتهس منها نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس. فقال: وأنت في الدنيا؟ فألقاها من يده وتقدم. فقاتل حتى قتل.

ثم أخذ الراية خالد بن الوليد. فدافع القوم وخاشى بهم (1) ثم انحازوا، وانصرف الناس.

وقال ابن عمر: وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبه، وما أقبل منه تسعين جراحة.

وقال زيد بن أرقم: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة. فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله. فوالله أنه ليسير ذات ليلة، إذ سمعته وهو ينشد شعرا:

إذا أديتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحسام

فشأنك فانعمي , وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي

وجاء المسلمون وغادروني ... بأرض الشام مستنهي (2) الثواء

وردك كل ذي نسب قريب ... إلى الرحمن منقطع الإخاء

_________

(1) قال السهيلي: المخاشاة المحاجزة. وهي مفاعلة من الخشية. لأنه خشي على المسلمين لقلة عددهم.

(2) قال السهيلي: مستفعل من النهاية والانتهاء أي حيث انتهى به مثواه.

هنالك لا أبالي طلع بعل ... ولا نخل أسافلها ورائي

قال: فبكيت. فخفقني بالسوط، وقال: ما عليك يا لكع، أن يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبتي الرحل؟ .

[غزوة الفتح الأعظم]


ملف pdf

كلمات دليلية: