مشروعية الأذان من كتاب السيرة الحلبية

مشروعية الأذان من كتاب السيرة الحلبية

اسم الكتاب:
السيرة الحلبية
المؤلف:
نورالدين الحلبي

باب بدء الأذان ومشروعيته

أي والإقامة ومشروعيتها، وكل منهما من خصائص هذه الأمة، كما أن خصائصها الركوع والجماعة وافتتاح الصلاة بالتكبير، فإن صلاة الأمم السابقة كانت لا ركوع فيها ولا جماعة، وكانت الأنبياء كأممهم يستفتحون الصلاة بالتوحيد والتسبيح والتهليل، أي وكان دأبه صلى الله عليه وسلم في إحرامه لفظة الله أكبر، ولم ينقل عنه سواها أي كالنية.

ولا يشكل على الركوع قوله تعالى لمريم وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: الآية 43] لأن المراد به في ذلك الخضوع أو الصلاة، لا الركوع المعهود كما قيل، لكن في البغوي قيل إنما قدم السجود على الركوع لأنه كان كذلك في شريعتهم وقيل بل كان الركوع قبل السجود في الشرائع كلها وليست الواو للترتيب بل للجمع هذا كلامه فليتأمل، وكان وجود ذلك: أي الأذان والإقامة في السنة الأولى، وقيل في الثانية.

ذكر أن الناس إنما كانوا يجتمعون للصلاة لتحين مواقيتها، أي لدخول أوقاتها من غير دعوة، أي وقد قال ابن المنذر: هو صلى الله عليه وسلم كان يصلي بغير أذان منذ فرض الصلاة بمكة، إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور.

قال: ووردت أحاديث تدلّ على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة من تلك الأحاديث ما في الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال «لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم أوحى الله تعالى إليه بالأذان، فنزل به وعلمه بلالا» قال الحافظ ابن رجب: هو حديث موضوع.

ومنها ما رواه ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا «لما أسري بي أذن جبريل فظنت الملائكة أنه» أي جبريل «يصلي بهم، فقدمني فصليت» قال فيه الذهبي: حديث منكر، بل موضوع هذا كلامه. على أنه يدل على أن المراد بالأذان الإقامة كما تقدم أنها المرادة بالأذان انتهى.

أقول: ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان ما رواه أبو نعيم في الحلية بسند فيه مجاهيل «إن جبريل نادى بالأذان لآدم حين أهبط من الجنة» وقد سئل الحافظ السيوطي: هل ورد أن بلالا أو غيره أذن بمكة قبل الهجرة؟ فأجاب بقوله: ورد ذلك بأسانيد ضعيفة لا يعتمد عليها. والمشهور الذي صححه أكثر العلماء ودلت عليه الأحاديث الصحيحة أن الأذان إنما شرع بعد الهجرة، وأنه لم يؤذن قبلها لا بلال ولا

غيره. وذكر في الدرّ في قوله تعالى وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً [فصّلت: الآية 33] أنها نزلت بمكة في شأن المؤذنين، والأذان إنما شرع في المدينة، فهي مما تأخر حكمه عن نزوله هذا كلامه.

وفي كلام الحافظ ابن حجر ما يوافقه، حيث ذكر أن الحق أنه لا يصح شيء من الأحاديث الدالة على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة، وذكر ما تقدم عن ابن المنذر، من أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي من غير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة، إلى أن هاجر، صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور في ذلك: أي فقد ائتمر صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه كيف يجمع الناس للصلاة؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رآها الناس أذن» أي أعلم «بعضهم بعضا فلم يعجبه ذلك، فذكر له بوق «يهود» أي يقال له الشبور بفتح الشين المعجمة ثم موحدة مشددة مضمومة ثم واو ساكنة ثم راء، ويقال له القبع بضم القاف وإسكان الموحدة وقيل بفتحها، وقيل باسكان النون وبالعين المهملة.

قال السهيلي: وهو أولى بالصواب، وقيل بالمثناة فوق، وقيل بالمثلثة، وهو القرن الذي يدعون به لصلاتهم: أي يجتمعون لها عند سماع صوته «فكرهه صلى الله عليه وسلم وقال: هو من أمر اليهود، فذكر له الناقوس الذي يدعون به النصارى لصلاتهم، فقال: هو من أمر النصارى، أي فقالوا لو رفعنا نارا أي فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة، فقال ذلك للمجوس، وقيل كما في حديث الشيخين عن ابن عمر «أن عمر رضي الله عنهما قال: أو لا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة» أي بحضورها «أي ففعلوا ذلك وكان المنادي هو بلال رضي الله تعالى عنه» .

قال الحافظ ابن حجر: وكان اللفظ الذي ينادي به بلال: أي قبل رؤيا عبد الله «الصلاة جامعة» كما رواه ابن سعد وسعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب مرسلا.

وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال «لقد هممت أن أبث رجالا ينادون الناس بحين الصلاة» أي في حينها: أي وقتها «وقد هممت أن آمر رجالا تقوم على الآطام ينادون المسلمين بحين الصلاة» أي ولعل هذا كان منه صلى الله عليه وسلم قبل وقوع ما تقدم بلال، ثم أمر بلال بما تقدم.

وقيل ائتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالناقوس: أي اتفقوا عليه فنحت ليضرب به المسلمون أي وهو خشبة طويلة يضرب عليها بخشبة صغيرة، فنام عبد الله بن زيد، فأري الأذان أي والإقامة في منامه.

فعنه رضي الله تعالى عنه، قال «لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس فطاف بي وأنا نائم رجل» وفي لفظ «إني لبين نائم ويقظان طاف بي رجل» والمراد أنه نام نوما

خفيفا قريبا من اليقظة فروحه كالمتوسطة بين النوم واليقظة.

قال الحافظ السيوطي: أظهر من هذا أن يحمل على الحالة التي تعتري أرباب الأحوال ويشاهدون فيها ما يشاهدون، ويسمعون ما يسمعون، والصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين هم رؤوس أرباب الأحوال، أي وهذه الحالة هي التي عناها الشيخ عبد الله الدلاصي بقوله: كنت بالمسجد الحرام في صلاة الصبح، فلما أحرم الإمام وأحرمت أخذتني أخذة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إماما وخلفه العشرة فصليت معهم، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى سورة المدثر، وفي الثانية عَمَّ يَتَساءَلُونَ (1) [النّبإ: الآية 1] ثم سلم الإمام فعقلت تسليمه فسلمت.

أي ويدل لذلك قول عبد الله بن زيد كما جاء في رواية: ولولا أن يقول الناس: أي يستبعد الناس ذلك لقلت إني كنت يقظان غير نائم وذلك الرجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده؛ فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ فقلت بلى: أي وفي رواية فقلت أتبيع الناقوس؛ فقال: ماذا تريد به؟ فقلت:

أريد أن أبتاعه لكي أضرب به للصلاة لجماعة الناس، قال: فأنا أحدثك بخير لك من ذلك، فقلت بلى، قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، قال عبد الله: ثم استأخر عني: أي ذلك الرجل غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله: أي ففي هذه الرواية افراد ألفاظ الإقامة إلا لفظها ولفظ التكبير أولا وآخرا. وفي رواية «رأى رجلا عليه ثياب خضر وهو قائم على سقف المسجد. وفي رواية: على جذم حائط، بكسر الجيم وسكون المعجمة: أي أصل الحائط، ولا مخالفة لما سيعلم فأذن ثم قعد قعدة، ثم قام فقال مثلها، أي مثل الكلمات، أي كلمات الأذان، إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، أي زيادة على تلك الكلمات التي هي الأذان. ففي هذه الرواية تثنية ألفاظ الإقامة والإتيان بالتكبير في أولها أربعا كالأذان، أي وهذا: أي كونه على سقف المسجد، وكونه على جذم حائط لا مخالفة بينهما، لأنه يجوز أن يكون لما قال له تقول الله أكبر، إلى آخر الأذان والإقامة كانا قائما على سقف المسجد قريبا من جذم الحائط، فنسب قيامه إلى كل منهما، ويكون قوله ثم استأخر عني غير بعيد: أي سكت غير طويل. قال عبد الله: فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم

فأخبرته بما رأيت. أي وفي رواية: أنه أتاه ليلا وأخبره، وهي المذكورة في سيرة الحافظ الدمياطي.

ولا منافاة لأنه يجوز أن يكون قول عبد الله: فلما أصبحت: أي قاربت الصباح، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به فإنه أندى» وفي رواية «أمدّ صوتا منك» أي أعلى وأرفع. وقيل أحسن وأعذب. ولا مانع من إرادة ذلك كله هنا «فقمت مع بلال» وفي رواية «فقال لبلال: قم فانظر ما أمرك به عبد الله بن زيد فافعله، فجعلت ألقيه عيه ويؤذن به» أي فبلال أول مؤذنيه صلى الله عليه وسلم، أي وقيل أول مؤذنيه عبد الله بن زيد ذكره الإمام الغزالي، وأنكره ابن الصلاح، أي حيث قال لم أجد هذا بعد البحث عنه، هذا كلامه.

وقد يقال: لا منافاة لأن عبد الله أول من نطق بالأذان، وبلال أول من أعلن به، وحينئذ يكون أوّل مشروعيته كان في أذان الصبح، فلما سمع بذلك: أي بأذان بلال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو في بيته خرج يجر رداءه. وفي رواية: إزاره أي عجلا، أي وقد أعلم بالقصة لقوله «والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه» . وفي رواية «مثل ما يقول» أي بلال رضي الله تعالى عنه «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلله الحمد» قال الترمذي:

عبد الله بن زيد بن عبد ربه لا نعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان.

وقيل رأى مثل ما رأى عبد الله أبو بكر رضي الله تعالى عنه. وقيل سبعة من الأنصار وقيل أربعة عشر.

قال ابن الصلاح: لم أجد هذا بعد إمعان النظر، وتبعه النووي، فقال: هذا ليس بثابت ولا معروف، وإنما الثابت خروج عمر يجرّ رداءه، وقيل رآه صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء «أسمع ملكا يؤذن» أي فقد جاء في حديث بعض رواته متروك.

بل قيل إنه من وضعه «أنه لما أراد الله عز وجل أن يعلم رسوله الأذان جاء جبريل عليه الصلاة والسلام بدابة يقال لها البراق، فركبها حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك خرج من الحجاب ملك فقال: الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر» وذكر بقية الأذان.

فرؤيا عبد الله دلت على أن هذا الذي رآه في السماء يكون سنة في الأرض عند الصلوات الخمس التي فرضت عليه تلك الليلة، أي فلذلك قال «إنها لرؤيا حق إن شاء الله» .

وفيه أن الذي تقدم عن الخصائص أن المراد بهذا الأذان الذي أتى به الملك الإقامة لا حقيقة الأذان، أي ويدل لذلك أن الملك قال فيه «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فقال الله: صدق عبدي، أنا أقمت فريضتها، ثم قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم، فأمّ أهل السماء فيهم آدم ونوح» .

قال بعضهم: والأذان ثبت بحديث عبد الله بن زيد بإجماع الأمة لا يعرف بينهم خلاف في ذلك، إلا ما روي عن محمد ابن الحنفية. وعن أبي العلاء قال: قلت لمحمد ابن الحنفية: إنا لنتحدث أن بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه، قال: ففزع لذلك محمد ابن الحنفية فزعا شديدا، وقال: عمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنه إنما كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه تحتمل الصدق والكذب، وقد تكون أضغاث أحلام؛ قال: فقلت له: هذا الحديث قد استفاض في الناس، قال: هذا والله هو الباطل، ثم قال: «وإنما أخبرني أبي أن جبريل عليه الصلاة والسلام أذن في بيت المقدس ليلة الإسراء، وأقام، ثم أعاد جبريل الأذان لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء فسمعه عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب.

وفي رواية عنه أنه لما انتهى إلى مكان من السماء وقف به وبعث الله ملكا، فقيل له علمه الأذان، فقال الملك: الله أكبر، فقال الله: صدق عبدي، أنا الله أكبر، إلى أن قال: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة. وفيه ما علمت أن هذه الإقامة لا الأذان، وقد ردّ عليه بأنه لو ثبت بقول جبريل لما احتاج صلى الله عليه وسلم إلى المشورة، والمعراج كان بمكة قبل الهجرة.

والأولى أن يتمسك ابن الحنفية بما يأتي عن بعض الروايات، من قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله «قد سبقك بذلك الوحي» وكونه أتى بالبراق إلى الحجاب هو بناء على أن العروج كان على البراق وتقدم ما فيه. ويحتمل أن يكون هذا عروجا آخر غير ذلك، وحينئذ لا يخالف هذا ما تقدم أنه لما أسري به أذن جبريل وتقدم ما فيه، ولا ما جاء عن عليّ رضي الله تعالى عنه «مؤذن أهل السماء جبريل» لجواز حمل ذلك على الغالب، وحينئذ لا يخالف أيضا ما جاء «إسرافيل مؤذن أهل السماء، وامامهم ميكائيل عند البيت المعمور» وفي لفظ «يؤم بالملائكة في البيت المعمور» ولعلّ كون ميكائيل إمام أهل السماء لا يخالف ما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها «إمام أهل السماء جبريل» لما علم، وجاء «إن مؤذن أهل السماء يؤذن لاثنتي عشرة ساعة من النهار، ولاثنتي عشرة ساعة من الليل» .

أقول: وفي النور لو رآه أي الأذان ليلة الإسراء لم يحتج إلا إلى ما يجمع به المسلمين إلى الصلاة. ويردّ بأنه لم يكن يعلم قبل هذه الرؤيا أن ما رآه في السماء

يكون سنة للصلوات الخمس التي فرضت عليه تلك الليلة، فبتلك الرؤيا علم أن ذلك سنة في الأرض كما تقدم.

وعبارة بعضهم: ولا يشكل على أذان جبريل ببيت المقدس أن الأذان إنما كان بعد الهجرة، لأنه لا مانع من وقوعه ليلة الإسراء قبل مشروعيته للصلوات الخمس، وهذا كله على تسليم أن المرئي له الأذان حقيقة لا الإقامة، وقد علمت ما فيه.

ثم رأيت بعضهم قال: وأما قول القرطبي. لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعا في حقه، ففيه نظر لقوله في أوله: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان، أي لأن المتبادر تعليمه الأذان الذي يأتي به في الأرض للصلوات.

وقد يقال: على تسليم ذلك قد علمت أن المراد بالأذان الذي سمعه ليلة الإسراء الإقامة وقد قال الحافظ ابن حجر: الحق أنه لم يصح شيء من هذه الأحاديث الواردة بأنه سمعه ليلة الإسراء، ومن ثم قال ابن كثير في بعض الأحاديث الواردة بأنه سمع هذا الأذان في السماء ليلة المعراج: هذا الحديث ليس كما زعم البيهقي أنه صحيح، بل هو منكر، تفرد به زياد بن المنذر أبو الجارود الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية، وهو من المتهمين، وبهذا يعلم ما في الخصائص الصغرى:

خص صلى الله عليه وسلم بذكر اسمه في الأذان في عهد آدم وفي الملكوت الأعلى، والله أعلم.

أي وروي بسند واه: إن أول من أذن بالصلاة جبريل عليه الصلاة والسلام في سماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال رضي الله تعالى عنهما، فسبق عمر بلالا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ ثم جاء بلال، فقال له: سبقك بها عمر، وهذا لا دلالة فيه، لأنه يجوز أن يكون ذلك بعد رؤيا عبد الله.

وذكر أن عمر رضي الله تعالى عنه رآه من عشرين يوما وكتمه، ولما أخبر صلى الله عليه وسلم بذلك، قال له: ما منعك أن تخبرني؟ قال سبقني عبد الله بن زيد فاستحيت منه.

أقول: في هذا الكلام ما لا يخفى فليتأمل، إنما قال له «إنها رؤيا حق» لأنه يجوز أن يكون جاءه صلى الله عليه وسلم الوحي بذلك قبل أن يجيء إليه عبد الله بن زيد به، ومن ثم قال له حين أخبره بذلك على ما في بعض الروايات «قد سبقك بذلك الوحي» فالأذان إنما ثبت بالوحي لا بمجرد رؤيا عبد الله.

قال بعضهم في قوله وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً [المائدة: الآية 58] الآية، كان اليهود إذا نودي إلى الصلاة وقام المسلمون إليها يقولون: قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا، على طريق الاستهزاء والسخرية.

وفيها دليل على مشروعية الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده هذا كلامه.

ورده أبو حيان بأن هذه جملة شرطية دلت على سبق المشروعية لا على إنشائها أي

وذلك على تسليم أن يكون المدعوّ به للصلاة خصوص اللفظ الذي وجد في المنام، وصار بلال يؤذن بذلك للصلوات الخمس، وينادي في الناس لغير الصلوات الخمس، لأمر يحدث يطلب له حضور الناس كالكسوف والخسوف والاستسقاء «الصلاة جامعة» .

قيل «وكان بلال إذا أذن، قال: أشهد أن لا إله إلا الله حيّ على الصلاة، فقال له عمر على أثرها: أشهد أن محمدا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: قل كما قال عمر» وهذا روي عن ابن عمر في حديث فيه راو ضعيف، ولولا التعبير بكان لأمكن حمل ذلك على أن بلالا أتى بذلك ناسيا في ذلك الوقت لما لقنه عبد الله بن زيد. ثم رأيت ابن حجر الهيتمي، قال: والحديث الصحيح الثابت في أول مشروعية الأذان يرد هذا كله، هذا كلامه.

قيل وزاد بلال في أذان الصبح بعد الحيعلات «الصلاة خير من النوم مرتين» فأقرها صلى الله عليه وسلم» أي لأن بلالا كان يدعو النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة، فيقول له الصلاة «فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نائم، فصرخ بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم مرتين» أي اليقظة الحاصلة للصلاة خير من الراحة الحاصلة بالنوم.

أقول: وهذا يقال له التثويب، وذكر فقهاؤنا أنه صح أنه صلى الله عليه وسلم لقن ذلك لأبي محذورة أي قال له «فإن كانت صلاة الصبح، قلت الصلاة خير من النوم» ولا منافاة لأن تعليم أبي محذورة للأذان كان عند منصرفه. صلى الله عليه وسلم من حنين على ما سيأتي، وكذا ما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم قال إن ذلك من السنة، لأنه يجوز أن يكون ذلك صدر منه بعد أن أقرّ بلالا عليه، نعم ذكر أنه لم ينقل أن ابن أم مكتوم كان يقوله، أي لقول بلال له في الأذان الأول، وهو يدل لمن قال إنه إذا قيل في الأذان الأول لا يقال في الثاني، لأن أذانه للصبح كان متأخرا عن أذان بلال في أكثر الأحوال، وهو محمل ما جاء في كثير من الأحاديث «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» ومن غير الأكثر محمل ما جاء «إن ابن أم مكتوم ينادي بليل وكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال، إن ابن أم مكتوم أعمى، فإذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا، وإذا أذن بلال فأمسكوا ولا تأكلوا» والراجح أنه يقوله فيهما: لكن ربما يخالف ذلك ما في الموطأ أن المؤذن جاء عمر يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائما، فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر رضي الله عنه أن يجعلها في نداء الصبح» وفي الترمذي «أن بلالا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تثويب في شيء من الصلاة» أي من أذان الصلاة «إلا في صلاة الفجر» أي يقول الصلاة خير من النوم.

وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع الأذان في مسجد، فأراد أن يصلي فيه، فسمع المؤذن يثوب في غير الصبح، فقال لرفيق له: اخرج بنا من عند

هذا المبتدع، فإن هذه بدعة: أي سمع المؤذن يقول بين الأذان والإقامة على باب المسجد الصلاة، الصلاة وهذا هو المراد بالتثويب الذي سمعه ابن عمر كما قاله بعضهم.

وفي كلام بعضهم: من المحدثات أن المؤذن يجيء بين الأذان والإقامة إلى باب المسجد فيقول: حي على الصلاة. قيل وأول من أحدثه مؤذن معاوية رضي الله تعالى عنه فكان يأتيه بعد الأذان وقبل الإقامة يقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، وحي على الفلاح، حي على الفلاح يرحمك الله.

أما قول المؤذن بين الأذان والإقامة: الصلاة الصلاة فليس بدعة، لأن بلالا كان يقول ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. وأما قوله «حي على الصلاة» فهذا لم يعهد في عصره صلى الله عليه وسلم.

ثم رأيت في «درر المباحث في أحكام البدع والحوادث» : اختلف الفقهاء في جواز دعاء الأمير إلى الصلاة بعد الأذان وقبل الإقامة؛ بأن يأتي المؤذن باب الأمير، فيقول: حي على الصلاة حي على الفلاح أيها الأمير، وفسر به التثويب. فاحتج من قال بجوازه: أي بسنتيه «أن بلالا كان إذا أذن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة يرحمك الله» أي كما كان يفعل مؤذن معاوية رضي الله تعالى عنه، فليس من المحدثات.

وفي الحديث المشهور «أنه في مرضه صلى الله عليه وسلم أتاه بلال، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، فقال صلى الله عليه وسلم له: مر أبا بكر فليصلّ بالناس» . واحتج من قال بالمنع، بأن عمر رضي الله تعالى عنه لما قدم مكة أتاه أبو محذورة فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، فقال:

ويحك أمجنون أنت؟ أما كان في دعائك الذي دعوته ما يكفيك حتى تأتينا؟ ولو كان هذا سنة لم ينكر عليه، أي وكون عمر رضي الله تعالى عنه لم يبلغه فعل بلال من البعيد.

وعن أبي يوسف: لا أرى بأسا أن يقول المؤذن: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يرحمك الله، لاشتغال الأمراء بمصالح المسلمين، أي ولهذا كان مؤذن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يفعله.

وذكر بعضهم أن في دولة بني بويه كانت الرافضة تقول بعد الحيعلتين: حيّ على خير العمل، فلما كانت دولة السلجوقية منعوا المؤذّنين من ذلك، وأمروا أن يقولوا في أذان الصبح بدل ذلك: الصلاة خير من النوم مرتين، وذلك في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة.

ونقل عن ابن عمرو عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أنهما كانا يقولان في أذانيهما بعد حي على الفلاح: حي على خير العمل.

ورد الترجيع في خبر أذان أبي محذورة أيضا، وهو أن يخفض صوته بالشهادتين قبل رفعه بهما. ففي مسلم عن أبي محذورة أنه قال «قلت: يا رسول الله علمني سنة الأذان قال: فمسح مقدّم رأسي وقال: تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله» وكان أبو محذورة يشفع الإقامة كالأذان: أي يكرر ألفاظها فيقول «الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله» لقنه صلى الله عليه وسلم ذلك وهي الرواية الثانية التي تقدمت عن عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه.

وذكر الإمام أبو العباس بن تيمية رحمه الله أن النقل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أبا محذورة الأذان فيه الترجيع والإقامة مثناة كالأذان، وأن بلالا كان يشفع الأذان ويوتر الإقامة، أي ولا يرجع الأذان.

ففي الصحيحين «أمر بلال أن يشفع الأذان» أي ومن شفع الأذان التكبير أوله أربعا، ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم الاقتصار فيه على مرتين وإن كان هو عمل أهل المدينة كما سيأتي، نعم يرد على شفع الأذان التهليل آخره فإنه مفرد، فالأولى أن يقال يشفع معظم الأذان، ويوتر الإقامة إلا الإقامة: أي لفظها، أي وهي «قد قامت الصلاة» فإنه يكررها مرتين يقول «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة» ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم إفرادها البتة أي وإن كان هو عمل أهل المدينة كما سيأتي، وصح عنه تكرير لفظ التكبير مرتين أولا وآخرا؛ وحينئذ يكون المراد بإفراد الإقامة إفراد معظمها، فكان يقول في الإقامة «الله أكبر، الله أكبر؛ أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله» ولم يكن في أذانه ترجيع: أي وهو الإتيان بالشهادتين مرتين سرا، ثم يأتي بهما جهرا: أي كما تقدم، قال: فنقل إفراد الإقامة صحيح بلا ريب، وتثنيتها صحيح بلا ريب.

أي وكل روى عن عبد الله بن زيد كما علمت، قال: أي ابن تيمية وأحمد وغيره: أخذوا بأذان بلال وإقامته، أي فلم يستحبوا الترجيع في الأذان، واستحبوا إفراد الإقامة إلا لفظها.

والشافعي رضي الله تعالى عنه أخذ بأذان أبي محذورة وإقامة بلال، فاستحب الترجيع في الأذان والإفراد في الإقامة إلا لفظها.

وأبو حنيفة رحمه الله أخذ بأذان بلال وإقامة أبي محذورة، أي فلم يستحب الترجيع، واستحب تثنية ألفاظ الإقامة.

قال في الهدى: وأخذ مالك بما عليه عمل أهل المدينة من الاقتصار في التكبير على مرتين في الأذان وعلى كلمة الإقامة مرة واحدة؛ أي ولعل هذا بحسب ما كان في المدينة، وإلا ففي أبي داود «ولم يزل ولد أبي محذورة وهم الذين يلون الأذان بمكة يفردون الإقامة» أي معظم ألفاظها «ويحكونه عن جدهم» غير أن التثنية عنه أكثر؛ فيحتمل أن إتيان أبي محذورة بالإقامة فرادى، واستمراره وولده بعده على ذلك كان بأمر منه صلى الله عليه وسلم له بذلك بعد أمره أولا له بتثنيتها، أي فيكون آخر أمره الإفراد. وقد قيل لأحمد رضي الله تعالى عنه- وقد كان يأخذ بأذان بلال أي كما تقدم: أليس أذان أبي محذورة بعد أذان بلال، أي لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه له عند منصرفه من حنين على ما سيأتي، وهو الذي رواه إمامنا الشافعي رضي الله عنه عن أبي محذورة أنه قال «خرجت في نفر وكنا ببعض طريق حنين، فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون» أي عن الطريق «فصرنا نحكيه ونستهزىء به، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إليّ فحبسني» أي أبقاني عنده «وأرسلهم وقال: قم فأذن، فقمت ولا شيء أكره إليّ من النبي صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقى عليّ التأذين هو بنفسه صلى الله عليه وسلم» الحديث «ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصيتي ومر بها على وجهي، ثم بين يدي، ثم على كبدي حتى بلغت يده سرتي، ثم قال: بارك الله فيك، وبارك عليك، فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، فقال صلى الله عليه وسلم: قد أمرتك به» وذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهته وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدمت على عتاب بن أسيد رضي الله تعالى عنه عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة فأذنت بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل علمه صلى الله عليه وسلم ذلك يوم فتح مكة لما أذن بلال رضي الله تعالى عنه للظهر على ظهر الكعبة، وصار فتية من قريش يستهزئون ببلال ويحكون صوته، وكان من جملتهم أبو محذورة، فأعجبه صلى الله عليه وسلم صوته فدعاه وعلمه الأذان، وأمره أن يؤذن لأهل مكة فليتأمل الجمع، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي بالمتأخر عنه، لأن المتأخر ينسخ المتقدم، فقال: أليس لما عاد إلى المدينة أقر بلالا على أذانه؟.

قال أبو داود: وتثنية الأذان وإفراد الإقامة مذهب أكثر علماء الأمصار، وجرى به العمل في الحرمين والحجاز وبلاد الشام واليمن وديار مصر ونواحي المغرب، أي إلا مصر في المساجد التي تغلب صلاة الأروام بها فإن الإقامة تثنى كالأذان فيها.

وقد ذكر أن أبا يوسف رحمه الله ناظر إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه في المدينة بين يدي مالك رضي الله تعالى عنه والرشيد، فأمر الشافعي بإحضار أولاد بلال وأولاد سائر مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: كيف تلقيتم الأذان والإقامة عن آبائكم؟ فقالوا: الأذان مثنى مثنى والإقامة فرادى، هكذا تلقيناه من آبائنا، وآباؤنا عن أسلافنا إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء «أنه صلى الله عليه وسلم سمع بلالا يقيم الصلاة، فلما قال:

قد قامت الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم أقامها الله وأدامها» وفي البخاري «من قال حين يسمع النداء: أي الأذان، اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته وجبت له شفاعتي يوم القيامة» .

قال بعضهم: كان المؤذنون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنين بلالا وابن أم مكتوم، فلما كان زمن عثمان رضي الله تعالى عنه جعلهم أربعا وزاد الناس بعده.

ولما مات صلى الله عليه وسلم ترك بلالا الأذان ولحق بالشام، فمكث زمانا، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له: يا بلال جفوتنا وخرجت من جوارنا فاقصد إلى زيارتنا. وفي لفظ أنه قال له: ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا فانتبه بلال رضي الله تعالى عنه فقصد المدينة، فلما انتهى إلى المدينة تلقاه الناس، أي وأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه، وأقبل على الحسن والحسين يقبلهما ويضمهما، وألحوا عليه أن يؤذن، فلما صعد ليؤذن اجتمع أهل المدينة رجالهم ونساؤهم، وخرجت العذارى من خدورهن ليستمعوا أذانه رضي الله تعالى عنه، فلما قال: الله أكبر ارتجت المدينة وصاحوا وبكوا؛ فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله ضجوا جميعا، فلما قال:

أشهد أن محمدا رسول الله لم يبق ذو روح إلا بكى وصاح، وكان ذلك اليوم كيوم موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انصرف إلى الشام وكان يرجع إلى المدينة في كل سنة مرة فينادي بالأذان إلى أن مات رضي الله تعالى عنه.

أقول: في كلام بعضهم كان سعد القرظ رضي الله تعالى عنه مؤذنه صلى الله عليه وسلم بقباء، فلما لحق بلال بالشام أيام عمر رضي الله تعالى عنه أمر سعد القرظ أن يؤذن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي فإن بلالا لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: يا خليفة رسول الله، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «أفضل أعمال المؤمن الجهاد في سبيل الله» وقد أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت، فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أنشدك الله يا بلال وحرمتي وحقي عليك أن لا تفارقني، فأقام بلال حتى توفي أبو بكر رضي الله تعالى عنه وهو يؤذن. ثم جاء إلى

عمر فقال له كما قال لأبي بكر وردّ عليه رضي الله عنه كما رد عليه أبو بكر، فأبى وخرج إلى الشام مجاهدا.

وفي «أنس الجليل» : لما فتح أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه بيت المقدس حضرت الصلاة، فقال: يا بلال أذن لنا يرحمك الله، قال بلال: يا أمير المؤمنين والله ما أردت أن أؤذن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد ولكن سأطيعك إذ أمرتني في هذه الصلاة وحدها، فلما أذن بلال وسمعت الصحابة رضي الله تعالى عنهم صوته ذكروا النبي صلى الله عليه وسلم فبكوا بكاء شديدا، ولم يكن من الصحابة يومئذ أطول بكاء من أبي عبيدة ومعاذ بن جبل، حتى قال لهما عمر رضي الله تعالى عنه:

حسبكما رحمكما الله تعالى، فلم يؤذن بلال بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة لما أمره عمر بالأذان؛ هذا ما في أنس الجليل، أي فالمراد بالمرة هذه المرة التي كانت ببيت المقدس.

وفيه أن هذا يخالف ما تقدم مما ظاهره أنه استمر يؤذن مدة خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وما تقدم من إلحاح الحسن والحسين عليه في أن يؤذن عند مجيئه للمدينة.

إلا أن يقال: المراد لم يؤذن خارج المدينة فلا يخالف ما سبق من أذانه بعد إلحاح الحسن والحسين، ولعل ما سبق كان بعد فتح بيت المقدس، بل وبعد موت الخلفاء الأربعة.

ثم رأيت الزين العراقي قال: لم يؤذن بلال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لأحد من الخلفاء، إلا أن عمر لما قدم الشام حين فتحها أذن بلال، هذا كلامه فليتأمل مع ما سبق.

وفي الكتاب المذكور: روي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه «أن رجلا قال: يا رسول الله أي الخلق أول دخولا الجنة، قال: الأنبياء، قال: ثم من؟

قال الشهداء، قال: ثم من؟ قال مؤذنو بيت المقدس، قال: ثم من؟ قال مؤذنو بيت الحرام قال: ثم من؟ قال مؤذنو مسجدي، قال: ثم من؟ قال سائر المؤذنين» .

ثم رأيت في نسخة من شرح المنهاج للدميري عن جابر تقديم مؤذني المسجد الحرام على مؤذني بيت المقدس. ورأيت في بعض الروايات ما يوافقه، وهي «أول من يدخل الجنة بعدي أبو بكر ثم الفقراء، ثم مؤذنو المسجد الحرام، ثم مؤذنو بيت المقدس، ثم مؤذنو مسجدي، ثم سائرهم على قدر أعمالهم» .

وفي «البدور السافرة» عن جابر رضي الله تعالى عنه «أن رجلا قال: يا رسول الله أي الخلق أول دخولا الجنة يوم القيامة؟ قال: الأنبياء، قال: ثم من؟ قال الشهداء،

قال ثم من؟ قال: مؤذنو الكعبة، قال: ثم من؟ قال: مؤذنو بيت المقدس، قال: ثم من؟ قال: مؤذنو مسجدي هذا، قال: ثم من؟ قال: سائر المؤذنين على قدر أعمالهم» .

وفيها عن جابر أيضا «أول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم، ثم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم النبيون والرسل، ثم يكسى المؤذنون» .

وجاء «إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: يا رسول الله لقد تركتنا نتنافس في الأذان بعدك، فقال: إما إنه يكون قوم بعدكم سفلتهم مؤذنوهم» قيل وهذه الزيادة منكرة وقال الدارقطني: ليست محفوظة.

وجاء «إذا أخذ المؤذن في أذانه وضع الرب جل وعز يده فوق رأسه، ولا يزال كذلك حتى يفرغ من أذانه، وإنه ليغفر له مدّ صوته، فإذا فرغ قال الرب: صدقت عبدي؛ وشهدت شهادة الحق، فأبشر» والله أعلم.

قال: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رجل من اليهود أي من التجار وعن السدي: من النصارى بالمدينة سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: خزى الله الكاذب. وفي رواية: أحرق الله الكاذب، فدخلت خادمه بنار وهو نائم وأوله نيام فسقطت شرارة فأحرقت البيت واحترق هو وأهله انتهى.

أي وفي بعض الأسفار «حضر وقت الصلاة: أي صلاة الصبح فطلبوا بلالا يؤذن فلم يوجد أي لتأخره في السير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن زياد بن الحارث الصدائي أي بأمره صلى الله عليه وسلم، فقال له أذن يا أخا صداء» وصداء حي من اليمن.

وعنه رضي الله تعالى عنه «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمرني على قومي، فقال: لا خير في الإمرة لرجل مؤمن، فقلت: حسبي، ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم مسيرا فسرت معه، فانقطع عنه أصحابه وأضاء الفجر، فقال لي: أذن يا أخا صداء، فأذنت، ثم لما حضرت الصلاة أراد بلالا أن يقيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا، إنما يقيم من أذن» واختلف هل أذن صلى الله عليه وسلم بنفسه؟ فقيل نعم أذن مرة، واستدل على ذلك بأنه جاء في بعض الأحاديث، أي وقد صح «أنه صلى الله عليه وسلم أذن في السفر وصلى وهم على رواحلهم، فتقدم على راحلته صلى الله عليه وسلم فصلى بهم يومىء إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع» وقيل ما أذن، وإنما أمر بلالا بالأذان كما في بعض طرق ذلك الحديث.

ففي الهدى «وصلى بهم الفرض على الرواحل لأجل المطر والطين» وقد روى أحمد والترمذي «أنه صلى الله عليه وسلم انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، والسماء من فوقهم، والمسيل من أسفل منهم فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم» الحديث والمفصل يقضي على المجمل.

وفي رواية «أذن اختصارا» : أي أمر بالأذان، أي وهذا المجمل الذي تشير إليه هو «فأذن صلى الله عليه وسلم على راحلته وأقام» : أي ويروى «أن بلالا كان يبدل الشين في أشهد سينا، فقال صلى الله عليه وسلم: سين بلال عند الله شين» قال ابن كثير: لا أصل لرواية سين بلال شين في الجنة، ولا يلزم من كون هذه الرواية لا أصل لها أن تكون تلك الرواية كذلك.

وكان بلال وابن أم مكتوم يتناوبان في أذاني الصبح، فكان أحدهما يؤذن بعد مضي نصف الليل الأول والليل باق، والثاني يؤذن بعد طلوع الفجر» وروى الشيخان «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» أي وفي مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال أو قال نداء بلال من سحوره فإنه يؤذن، أو قال ينادي ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم، إنما يؤذن بليل بعد نصفه الأول، فيرجع القائم المتهجد إلى راحلته لينام غفوة ليصبح نشيطا ويستيقظ النائم ليتأهب للصبح» .

قال في الهدى: وانقلب على بعض الرواة، فقال إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال. أي وقد علمت أنه لا قلب وأنهما كانا يناديان، فكان بلال تارة يؤذن بليل وابن أم مكتوم عند الفجر الثاني، وتارة يكون ابن أم مكتوم بالعكس، فوقع كل من الأحاديث باعتبار ما هو موجود عند النطق، ولم يكن بين أذانيهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا: أي أن ينزل المؤذن الأول من أذانه ويرقى المؤذن الثاني كما ذكر، فمن كان يؤذن أولا يتربص بعد أذانه لنحو الدعاء ثم يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر صاحبه فيرقى ويؤذن مع الفجر أو عقبه من غير فاصل، وهذا هو المراد مما قيل «إن ابن أم مكتوم كان لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت» .

وعن ابن عمر كان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه. وفي أبي داود عن ابن عمر «أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام» أي غفل عن الوقت، أو رجع لينام لبقاء الليل، ولعل هذا كان قبل أن يتخذ ابن أم مكتوم مؤذنا ثانيا أو كان أذان بلال في هذه المرة بعد أذان ابن أم مكتوم على ما تقدم، فلا مخالفة.

والثابت في الجمعة أذان واحد كان يفعل بين يديه صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر وجلس عليه، كذا قال فقهاؤنا، مستدلين على ذلك بحديث البخاري عن السائب بن يزيد قال «كان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما» وليس فيه أن ذلك الأذان كان بين يديه ولما كثر المسلمون أمر عثمان رضي الله تعالى عنه، أي وقيل عمر، وقيل معاوية بأن يؤذن قبله على المنارة.

وعبارة بعضهم: وفي السنة الرابعة والعشرين زاد عثمان النداء على الزوراء يوم الجمعة ليسمع الناس فيأتوا إلى المسجد؛ وأول من أحدثه بمكة الحجاج، والتذكير قبل الأذان الأول الذي هو التسبيح أحدث بعد السبعمائة في زمن الناصر محمد بن قلاوون.

وأول ما أحدثت الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم: أي على الكيفية المعهودة الآن بعد تمام الأذان على المنارة، أي في غير المغرب في زمن السلطان المنصور حاجي بن الأشرف شعبان بن حسن بن محمد بن قلاوون بأمر المحتسب نجم الدين الطنبدي في أواخر القرن الثامن، واستمر ذلك إلى الآن، لكن في غير أذان الصبح الثاني وغير أذان الجمعة أول الوقت، أما أذان الصبح الثاني وأذان الجمعة المذكور، فتقدم الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم على الأذان فيهما، وكان أحدث ذلك في زمان صلاح الدين بن أيوب، ولعل الحكمة في ذلك، أما في الأول فلاستيقاظ النائم، وأما في الثاني فلأجل حصول التكبير المطلوب في الجمعة.

ولا يخفى أن من السنة مطلق الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم بعد فراغ الأذان ففي مسلم «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ» وقيس بذلك الإقامة، فالأذان والإقامة من المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (4) [الشّرح: الآية 4] فقد قيل في معناه: لا أذكر إلا وتذكر معي، لكن بعد فراغهما لا عند الابتداء بهما كما يقع لبعض الأروام أن يقول المقيم للصلاة عند ابتداء الإقامة اللهم صل على سيدنا محمد الله أكبر الله أكبر فإن ذلك بدعة.

ومن البدع التطريب في الأذان والتلحين فيه. وفي كلام إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه: ويكون الأذان مرسلا بغير تمطيط ولا تغن. قيل التمطيط التفريط في المد والتغني أن يرفع صوته حتى يجاوز المقدار.

ومن البدع رفع المؤذنين أصواتها بتبليغ التكبير لمن بعد عن الإمام من المقتدين. قال بعضهم: ولا بأس به لما فيه من النفع، أي حيث لم يبلغهم صوت الإمام بخلاف ما إذا بلغهم.

ففي كلام بعضهم: التبليغ بدعة منكرة باتفاق الأئمة الأربعة حيث بلغ المأمومين صوت الإمام، ومعنى منكرة أنها مكروهة.

وأول ما أحدث التسبيح بالأسحار في زمن موسى عليه الصلاة والسلام حين كان بالتيه، واستمر إلى أن بنى داود عليه الصلاة والسلام بيت المقدس، فرتب فيه جماعة يقومون به على الآلات إلى ثلث الليل الأخير، ثم بعد ثلث الليل الأخير يقومون به على الآلات عند الفجر.

وأول حدوثه في ملتنا كان بمصر، أمر به أميرها من قبل معاوية مسلمة بن مخلد الصحابي رضي الله تعالى عنهما، فإنه لما اعتكف بجامع عمرو سمع أصوات النواقيس عالية، فشكا ذلك إلى شرحبيل بن عامر عريف المؤذنين بجامع عمرو، ففعل ذلك من نصف الليل إلى قريب الفجر. ومسلمة هذا تولى مصر من معاوية بعد عتبة بن أبي سفيان أخي معاوية رضي الله تعالى عنهما، وعتبة تولاها حين مات أميرها


تحميل : مشروعية الأذان من كتاب السيرة الحلبية

كلمات دليلية: