مؤامرة دار الندوة من كتاب ما شاع و لم يثبت في السيرة النبوية

مؤامرة دار الندوة من كتاب ما شاع و لم يثبت في السيرة النبوية

اسم الكتاب:
ما شاع و لم يثبت في السيرة النبوية
المؤلف:
محمدعبدالله العوشن

مؤامرة دار الندوة

قال ابن إسحاق-رحمه الله-: "ولما رأت قريش أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم ... فحذروا خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة ... يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين خافوه".

ثم قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما أجمعوا لذلك واتّعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها ... فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل .. (1) "الخ.

وعلة هذا السند جهالة شيخ ابن إسحاق وقد سبق قول البيهقي (2): ابن إسحاق إذا لم يُسمِّ من حدثه فلا يُفرح به. وقد أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق فقال: "حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمَّد بن إسحاق، قال حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ... (3) ".

وفي سند الطبري سقطت الواسطة بين ابن إسحاق وابن أبي نجيح وصرَّح ابن إسحاق فيه بالتحديث عنه، لكن في هذا الإسناد علّة هي: أن شيخ الطبري هو: محمَّد بن حُميد بن حيان الرازي، قال الحافظ في التقريب: (حافظ ضعيف) (4) وكذّبه أبو زرعة والنسائي وابن وارة. وقال صالح بن محمَّد الأسدي: ما رأيت أحدًا أحذق بالكذب منه ومن الشاذكوني (5)، وذكره

__________

(1) الروض الأنف (4/ 176).

(2) في قصة الفحل الذي عرض لأبي جهل.

(3) تاريخ الطبري (1/ 566).

(4) تقريب التهذيب (2/ 156).

(5) تهذيب التهذيب، وفيه: "قال إسحاق بن منصور الكوسج قرأ علينا محمَّد بن حميد كتاب المغازي عن سلمة، فقضى أني صرتُ إلى علي بن مهران فرأيته يقرأ كتاب المغازي عن سلمة فقلت له: قرأ علينا محمَّد بن حميد، قال: فتعجب علي وقال: سمعه محمَّد بن حميد مني" (9/ 129).

الذهبي في (الضعفاء والمتروكين) (6) وفي (الكاشف) وقال: "وثقه جماعة والأولى تركه (7) ".

ومحمد بن حُميد هذا هو المتهم -والله أعلم- بتسوية إسناد ابن إسحاق عند الطبري.

وفي السند علة أخرى لكنها دون الأولى، وهي أن عبد الله بن أبي نجيح-وهو ثقة رمي بالقدر- ربما دلس، وقد عنعن هنا، قال يحيى بن سعيد وابن المديني: لم يسمع ابن أبي نجيح التفسير من مجاهد (8)، وقال ابن حبان: رواه عن مجاهد من غير سماع (9).

وأخرجه ابن سعد (10) من طريق الواقدي، وقد تقدم مرارًا أنه متروك على سعة علمه، وأخرجه عبد الرازق عن قتادة مرسلًا (11).

وهذه القصة لم أرَ -حسب علمي- من صحّح أسانيدها من أهل العلم، على أنها مشهورة في كتب السيرة، لكن الشهرة لا تغني عن صحة الإسناد. ومال الدكتور سليمان السعود إلى تقوية القصة بأمور ثلاثة:

1 - أن لها أصلًا في كتاب الله في قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} (*) [الأنفال: 30] وبهذه القصة فسرها الطبري.

2 - أنها وردت من عدة طرق يشد بعضها بعضًا.

__________

(6) 2/ 289.

(7) 3/ 32.

(8) تاريخ ابن أبي خيثمة (1/ 231 و 240).

(9) تهذيب التهذيب (6/ 54).

(10) الطبقات الكبرى (1/ 227)،

(11) المصنف، كتاب المغازي (5/ 389).

(*) عن هذه الآية انظر ما يأتي: قصة نسيج العنكبوت

3 - شهرة هذه القصة واستفاضتها عند أئمة السير (12) ا. هـ.

وقال الشيخ محمَّد الصادق عرجون -رحمه الله- عن هذه القصة ومشاركة إبليس إنه ضرب من الخيال المجنون: "لأنه لم يثبت فيه خبر صحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ما جاء فيه رواية مرسلة عن ابن عباس لم يثبت لها سند يمكن التشبث به والاعتماد عليه .. (13) ".

وتعقبه الدكتور مهدي رزق الله بقوله: "قلت: جاءت القصة بطريق صحيح عن [عند] ابن إسحاق والطبري إضافة إلى أن ابن إسحاق والزهري والواقدي وابن سعد والأموي من أئمة المغازي والسير، واتفقوا على ذكر القصة مما يدل أن لها أصلًا، خاصة حديثهم -إذا استثنينا قصة النجدي- ورد مضمونه في أحاديث صحيحة، مثل الأحاديث التي وردت في تفسيير الآية: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... } (14) ".

وهذا التعقب يحتاج إلى تعقب، فالقول بأن هذه القصة جاءت من طريق صحيح، غير صحيح وقد سبق أن الرواية لهذه القصة إما من طريق الواقدي وهو متروك، أو من طريق ابن إسحاق وفيه جهالة شيخه، وما ذكر من أن ابن إسحاق قد صرح بالسماع في رواية الطبري لا يفيد لأن شيخ الطبري كما سبق كذّبه العلماء وهو -والله أعلم- المتّهم بتسوية السند، وكل ذلك قد مرّ قريبًا.

__________

(12) أحاديث الهجرة جمع وتحقيق ودراسة، مركز الدراسات الإِسلامية، برمنجهام، بريطانيا، الطبعة الأولى، 1411 هـ، ص 114. والكتاب رسالة ماجستير

(13) محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، منهج ورسالة، بحث وتحقيق. دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى 1405 هـ (2/ 498).

(14) السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، الطبعة الأولى 1412 هـ، مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث، ص 265.

وروى ابن إسحاق قصة في حصار بيته - صلى الله عليه وسلم - للفتك به، فقال: "فحدثني يزيد بن زياد عن محمَّد بن كعب القُرظي قال: لما اجتمعوا له، وفيهم أبو جهل بن هشام، فقال وهم على بابه: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بُعثتم من بعد موتكم فجُعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جُعلت لكم نار تحرقون فيها.

قال: وخرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال أنا أقول ذلك، أنت أحدهم. وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ .... } إلى قوله: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} حتى فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هؤلاء الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا قد وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممّن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمدًا، قال: خيبكم الله: قد والله خرج عليكم محمَّد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا قد وضع على رأسه ترابًا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون، فيرون عليًا على الفراش متسجيًا ببُرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقولون: والله إن هذا لمحمدًا نائمًا عليه بُرده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي - رضي الله عنه - عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا (15) ".

وهذا إسناد مرسل، وقد أشار إلى ضعفها الدكتور أكرم العمري (16)، والدكتور سليمان السعود (17)،ولهذا لم يعرِّج أكثر أئمة التفسير إلى ذكر هذه

__________

(15) الروض الأنف (4/ 178 و 179).

(16) السيرة النبوية الصحيحة (1/ 207).

(17) أحاديث الهجرة ص 111.

الأحاديث عند تفسيرهم للآيات السابقة من سورة يّس، مع عنايتهم بذكر سبب النزول، كالطبري والقرطبي وابن الجوزي والزمخشري، وأوردها ابن كثير نقلًا عن ابن إسحاق، بل ذكر أكثرهم سببًا آخر للنزول لم يثبت هو الآخر.

واعلم أن في قصة الهجرة تساؤلات كثيرة، ففي صحيح البخاري في حديث الهجرة عن عائشة - رضي الله عنها: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، وهي ساعة لم يكن يأتيه فيها، وأخبره بأنه قد أُذن له في الخروج، قالت: فجهزناهما أحثَّ الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب ... ثم لحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر بغارٍ في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال (18) ". فمتى حاصر المشركون بيته؟ -على القول بصحة القصة- هل كان قبل ذهابه إلى بيت أبى بكر؟ فأين قضى - صلى الله عليه وسلم - هذا الوقت الذي استغرق ليلة ونصف نهار قبل أن يذهب إلى بيت صاحبه الصديق - رضي الله عنه -؟ أو كان بعد عودته من بيت أبي بكر وإخباره له بالهجرة؟ وهذا لا يستقيم مع رواية البخاري، فإن ظاهرها أن التوجه إلى الغار كان من بيت أبي بكر.

ومن هذه التساؤلات: متى تم استئجار ابن أريقط؟ ومنها: - على القول بصحة الحصار -أين كان بنو هاشم عن هذه المؤامرة؟ ولماذا سكتوا عنها؟ ولم يُسمع لهم فيها بأدنى ذكر؟ صحيح أن أبا طالب قد مات، لكن ذلك لا يعني عدم وجود آخرين من بني هاشم تأخذهم الحمية والأنفة لابن أخيهم، وعلى رأس الهاشميين العباس بن عبد المطلب وهو الذي قد رافق -وكان لا يزال مشركًا- رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في لقائه بالآنصار في بيعة العقبة الثانية، بل وبدأ بالحديث حينها، وبيّن للحاضرين أن ابن أخيه في عزّ ومنعة من قومه، لكنه أبى إلا الانحياز إليهم، ثم تثبّت منهم إن كانوا صادقين في بيعتهم. ثم كيف علمت قريش بموعد هجرته - صلى الله عليه وسلم - حتى تقوم بمثل هذه الأمور؟ إلى غير ذلك من

__________

(18) البخاري (7/ 230)

الإشكالات وقد أشار الشيخ محمَّد عرجون -رحمه الله- إلى كثير من هذه التساؤلات (19).


ملف pdf

كلمات دليلية: