كفالة عمه من كتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

كفالة عمه من كتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
عبدالله محمد عبدالوهاب

قصة عمه أبي طالب

لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته. وقاسى في ذلك الشدائد العظيمة. وصبر عليها، ومع ذلك كان مصدقًا له، مادحا لدينه، محبا لمن اتبعه، معاديًا لمن عاداه، لكن لم يدخل فيه. ولم يتبرأ من دين آبائه، واعتذر عن ذلك بأنه لا يرضى بمسبة آبائه. ولولا ذلك لاتبعه. ولما مات - وأراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار له - أنزل الله عليه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] (2) .

_________

(1) أي لو كان لهم رخصة في مداهنتهم وعدم إظهار العداوة والبغضاء لهم ولدينهم لفعلوا ذلك ليخلصوا من تعذيب المشركين لهم.

(2) الآية 113 من سورة براءة.

فيا لها من عبرة ما أبينها! ومن عظة ما أبلغها! ومن بيان ما أوضحه! لما يظن كثير ممن يدعي اتباع الحق فيمن أحب الحق وأهله، من غير اتباع للحق، لأجل غرض من أغراض الدنيا.

[,

أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم

وأما أبو طالب: فهو الذي تولى تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد جده كما تقدم، ورق عليه رقة شديدة. وكان يقدمه على أولاده.

قال الواقدي: قام أبو طالب - من سنة ثمان من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة العاشرة من النبوة أي ثلاثا وأربعين - يحوطه ويقوم بأمره، ويذب عنه. ويلطف به. وقال أبو محمد بن قدامة: كان يقر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم. وله في ذلك أشعار، منها:

ألا أبلغا عني على ذاتِ بيننا ... لُؤَيا. وخُصَّا من لؤي بني كعب

بأنا وجدنا في الكتاب محمدا ... نبيا كموسى , خُطَّ في أول الكتب

_________

(1) الحديث رواه الحاكم في مستدركه بلفظ أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن الذبيحين. كما في كشف الخفا عن المقاصد.

وأن عليه في العباد محبة ... ولا خير ممن خصه الله بالحب

ومنها:

تَعَلّم خيارَ الناس أن محمدًا ... وزيرٌ لموسى والمسيح ابن مريم

فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا ... فإن طريق الحق ليس بمظلم

ولكنه أبى أن يدين بذلك خشية العار. ولما حضرته الوفاة: «دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم - وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية - فقال: "يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل صلى الله عليه وسلم يرددها عليه، وهما يرددان عليه حتى كان آخر كلمة قالها: "هو على ملة عبد المطلب " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أُنْه عنك فأنزل الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] (1) ونزل قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] » (2) الآية (3) .

قال ابن إسحاق: وقد رثاه ولده علي بأبيات، منها:

أرِقْتُ لطير آخر الليل غردا ... يذكرني شجوا عظيما مجددا

أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى ... جوادًا إذا ما أصدر الأمر أوردا

_________

(1) آية 113 سورة براءة.

(2) من الآية 56 سورة القصص.

(3) قصة وفاة أبي طالب أخرجها البخاري ومسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه ورواها أحمد ومسلم والترمذي من حديث أبي هريرة.

.. فأمست قريش يفرحون بموته

ولست أرى حيا يكون مخلدا ... أرادوا أمورا زيفتها حلومهم

ستوردهم يوما من الغي موردا ... يُرَجُّون تكذيب النبي وقتله

وأن يفترى قدمًا عليه ويجحدا ... كذبتم وبيت الله حتى نذيقكم

صدور العوالي والحسام المهندا

خلّفَ أبو طالب أربعة ذكور وابنتين. فالذكور: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، وبين كل واحد عشر سنين. فطالب أسنهم، ثم عقيل، ثم جعفر، ثم علي.

فأما طالب: فأخرجه المشركون يوم بدر كرها. فلما انهزم الكفار طُلِبَ، فلم يوجد في القتلى، ولا في الأسرى، ولا رجع إلى مكة، وليس له عقب.

وأما عقيل: فأُسر ذلك اليوم. ولم يكن له مال. ففداه عمه العباس.

ثم رجع إلى مكة. فأقام بها إلى السنة الثامنة. ثم هاجر إلى المدينة. فشهد مُؤتة مع أخيه جعفر. وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل ترك لنا عقيل من منزل؟» (1) .

واستمرت كفالة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم - كما ذكرنا - فلما بلغ اثنتي عشرة سنة - وقيل: تسعًا خرج به أبو طالب إلى الشام في تجارة، فرآه بَحيرى الراهب، وأمر عمه أن لا يقدم به إلى الشام؛ خوفا عليه من اليهود. فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى المدينة.

_________

(1) الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد.

ووقع في الترمذي. " أنه بعث معه بلالا " وهو غلط واضح. فإن بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا.

[خروجه إلى الشام وزواجه خديجة]

,

حماية أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم

ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزايد أمره ويقوى، ورأوا ما صنع أبو طالب به. مشوا إليه بعمارة بن الوليد. فقالوا: يا أبا طالب، هذا أنهد فتى في قريش وأجمله. فخذه وادفع إلينا هذا الذي خالف دينك ودين آبائك فنقتله، فإنما هو رجل برجل. فقال: بئسما تسومونني، تعطوني

_________

(1) آية 8 سورة طه.

ابنكم أربيه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ فقال المطعم بن عدي بن نوفل: يا أبا طالب، قد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص منك بكل طريق. قال: والله ما أنصفتموني، ولكنك أجمعت على خذلاني، فاصنع ما بدا لك.

وقال أشراف مكة لأبي طالب: إما أن تُخلي بيننا وبينه فنكفيكه. فإنك على مثل ما نحن عليه أو أجمع لحربنا. فإنا لسنا بتاركي ابن أخيك على هذا، حتى نهلكه أو يكف عنا، فقد طلبنا التخلص من حربك بكل ما نظن أنه يخلص.

فبعث أبو طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: يابن أخي، إن قومك جاءوني، وقالوا كذا وكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني ما لا أطيق أنا ولا أنت. فاكْفُفْ عن قومك ما يكرهون من قولك. فقال صلى الله عليه وسلم: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يُظهره الله، أو أهلك في طلبه" فقال: امض على أمرك، فوالله لا أسلمك أبدًا» .

ودعا أبو طالب أقاربه إلى نصرته فأجابه بنو هاشم وبنو المطلب، غير أبي لهب، وقال أبو طالب:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وأبشر وقَرَّ بذاك منك عيونا

ودعوتني , وعرفتُ أنك ناصحي ... ولقد صَدَقْتَ , وكنتَ ثمَّ أمينا

وعرضت دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حِذار مسبة ... لوجدتني سمحًا بذاك مبينا

[حصار بني هاشم في الشعب]


تحميل : كفالة عمه من كتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

كلمات دليلية: