فتح مكة من كتاب السيرة الحلبية

فتح مكة من كتاب السيرة الحلبية

اسم الكتاب:
السيرة الحلبية
المؤلف:
نورالدين الحلبي

فتح مكة شرفها الله تعالى

كان في رمضان سنة ثمان. وكان السبب في ذلك أنه لما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش كان فيه أن: من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فليدخل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه، فدخلت بنو بكر في عهد قريش، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وكان قبل ذلك بينهما دماء، أي فحجز الإسلام بينهما لتشاغل الناس به، وهم على ما هم عليه من العداوة، وكانت خزاعة حلفاء عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم، أي يناصرونه على عمه نوفل بن عبد مناف.

فإن المطلب لما مات وثب نوفل على ساحات وأفنية كانت لعبد المطلب واغتصبه إياها، فاضطرب عبد المطلب لذلك واستنهض قومه، فلم ينهض معه أحد منهم، وقالوا له لا ندخل بينك وبين عمك، وكتب إلى أخواله بني النجار، فجاءه منهم سبعون راكبا فأتوا نوفلا وقالوا له: ورب البينة لتردنّ على ابن أختنا ما أخذت وإلا ملأنا منك السيف، فرده ثم حالف خزاعة بعد أن حالف نوفل بني أخيه عبد شمس، وكان صلى الله عليه وسلم يعلم بذلك الحلف فإنهم أوقفوه على كتاب عبد المطلب وقرأه عليه أبي بن كعب رضي الله عنه: أي بالحديبية، وهو باسمك اللهم، هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة إذا قدم عليه سرواتهم وأهل الرأي منهم، غائبهم يقرّ بما قاضى عليه شاهدهم أن بيننا وبينكم عهود الله وميثاقه وما لا ينسى أبدا، اليد واحدة والنصر واحد، ما أشرق ثبير وثبت حرا مكانه، وما بلّ بحر صوفة.

وفي الإمتاع أن نسخة كتابهم: باسمك اللهم، هذا ما تحالف عليه عبد المطلب بن هاشم ورجالات عمرو بن ربيعة من خزاعة، تحالفوا على التناصر والمواساة ما بلّ بحر صوفة، حلفا جامعا غير مفرق، الأشياخ على الأشياخ، والأصاغر على الأصاغر، والشاهد على الغائب، وتعاهدوا وتعاقدوا أوكد عهد وأوثق عقد لا ينقض ولا ينكث، ما أشرقت شمس على ثبير، وحنّ بفلاة بعير، وما أقام الأخشبان، وعمر بمكة إنسان، حلف أبد لطول أمد، يزيده طلوع الشمس شدّا، وظلام الليل مدا، وأن عبد المطلب وولده ومن معهم ورجال خزاعة متكافئون متظاهرون متعاونون، فعلى عبد المطلب النصرة لهم بمن تابعه على كل طالب، وعلى خزاعة النصرة لعبد المطلب وولده ومن معهم على جميع العرب في شرق أو غرب أو حزن أو سهل، وجعلوا الله على ذلك كفيلا، وكفى بالله جميلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعرفني بحقكم وأنتم على ما أسلفتم عليه من الحلف.

فلما كانت الهدنة، وهي ترك القتال التي وقعت في صلح الحديبية اغتنمها بنو

بكر: أي طائفة منهم يقال لهم بنو نفاثة.

أي وفي الإمتاع: وسببها أن شخصا من بني بكر هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار يتغنى به، فسمعه غلام من خزاعة فضربه فشجه، فثار الشرّ بين الحيين مما كان بينهم من العداوة، فطلب بنو نفاثة من أشراف قريش أن يعينوهم بالرجال والسلاح على خزاعة، فأمدوهم بذلك، فبيتوا خزاعة: أي جاؤوهم ليلا بغتة وهم آمنون على ماء لهم يقال له الوتير، فأصابوا منهم. أي قتلوا منهم عشرين أو ثلاثة وعشرين، وقاتل معهم جمع من قريش مستخفيا، منهم صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى، أي وعكرمة بن أبي جهل وشيبة بن عثمان وسهيل بن عمرو رضي الله عنهم، فإنهم أسلموا بعد ذلك، ولا زالوا بهم إلى أن أدخلوهم دار بديل بن ورقاء الخزاعي بمكة، أي ولم يشاوروا في ذلك أبا سفيان. قيل شاوروه فأبى عليهم ذلك، وظنوا أنهم لم يعرفوا، وأن هذا لا يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما ناصرت قريش بني بكر على خزاعة، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق ندموا، وجاء الحارث بن هاشم إلى أبي سفيان وأخبره بما فعل القوم، فقال: هذا أمر لم أشهده ولم أغب عنه، وأنه لشر، والله ليغزونا محمد، ولقد حدثتني هند بنت عتبة يعني زوجته أنها رأت رؤيا كرهتها، رأت دما أقبل من الحجون يسيل حتى وقف بالخندمة فكره القوم ذلك.

وعند ذلك خرج عمرو، وقيل عمر بضم العين وصححه الذهبي ابن سالم الخزاعي: أي سيد خزاعة في أربعين راكبا: أي من خزاعة فيهم بديل بن ورقاء الخزاعي حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ودخل المسجد ووقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد بين الناس وقال من أبيات:

يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا

إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا

هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نصرت يا عمرو بن سالم، أي ودمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وقال: لا ينصرني الله. وفي لفظ: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب: يعني خزاعة مما أنصر به نفسي. وفي رواية: لأمنعهم مما أمنع منه نفسي. زاد في رواية:

وأهل بيتي ثم مرّت سحابة في السماء وأرعدت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا السحاب ليستهلّ، أي وفي لفظ: لينصب بنصر بني كعب يعني خزاعة.

أي وعن بشر بن عصمة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«خزاعة مني وأنا منهم» وقبل قدوم عمرو بن سالم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلامه بذلك

حدّثت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة الوقعة قال لها: لقد حدث في خزاعة حدث، قالت: فقلت: يا رسول الله أترى قريشا يجترئون على نقض العهد الذي بينك وبينهم؟ فقال: ينقضون العهد لأمر يريده الله، فقلت: خير، قال خير، وفي لفظ قالت: لخير أو لشر؟ قال لخير.

وعن ميمونة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بات عندها ليلة، فقام ليتوضأ للصلاة، قالت: فسمعته يقول لبيك لبيك ثلاثا. نصرت نصرت نصرت ثلاثا، فلما خرج قلت: يا رسول الله سمعتك تقول لبيك لبيك لبيك ثلاثا نصرت نصرت نصرت ثلاثا كأنك تكلم إنسانا، فهل كان معك أحد؟ قال: هذا راجز بني كعب يعني خزاعة يزعم أن قريشا أعانت عليهم بكر بن وائل: أي بطنا منهم وهم بنو نفاثة، قالت ميمونة: فأقمنا ثلاثا، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فسمعت الراجز يقول:

يا رب إني ناشد محمدا

إلى آخر ما تقدم، انتهى.

وعند ذلك قال صلى الله عليه وسلم لعمرو بن سالم وأصحابه: فيمن تهمتكم؟ قالوا: بنو بكر، قال: كلها؟ قالوا: لا ولكن بنو نفاثة، قال: هذا بطن من بكر.

ولما ندمت قريش على نقضهم العهد أرسلوا أبا سفيان ليشد العقد ويزيد في المدة، فقالوا له: ما لها سواك، اخرج إلى محمد فكلمه في تجديد العهد وزيادة المدة، فخرج أبو سفيان ومولى له على راحلتين فأسرع السير، لأنه يرى أنه أوّل من خرج من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس قبل قدوم أبي سفيان:

كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد ويزيد في المدة، وهو راجع بسخطه، ثم رجع أولئك الركب من خزاعة، فلما كانوا بعسفان لقوا أبا سفيان، أي ومولى له كلّ على راحلة وقد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيد في المدة، وقد خافوا مما صنعوا، فسألهم: هل ذهبتم إلى المدينة؟ قالوا: لا، وتركوه وذهبوا، فجاء إلى مبركهم بعد أن فارقوه، فأخذ بعرا وفته فوجد فيه النوى، فعلم أنهم ذهبوا إلى المدينة الشريفة.

قال: وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن سالم وأصحابه: ارجعوا وتفرقوا في الأودية، أي ليخفي مجيئهم للنبي صلى الله عليه وسلم. فرجعوا وتفرقّوا، فذهبت فرقة إلى الساحل، أي وفيهم عمرو بن سالم. وفرقة فيهم بديل بن ورقاء لزمت الطريق، وأن أبا سفيان لقي بديل بن ورقاء بعسفان، فأشفق أبو سفيان أن يكون بديل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فقال للقوم: أخبرونا عن يثرب متى عهدكم بها، فقالوا: لا علم لنا بها، أي وقالوا: إنما كنا في الساحل نصلح بين الناس في قتل. ثم صبر أبو سفيان حتى ذهب أولئك القوم. وفي لفظ قال: من أين أقبلت يا بديل؟ قال: سرت إلى خزاعة في هذا

الساحل، قال: ما أتيت محمدا؟ قال لا، فلما راح بديل إلى مكة. أي توجه إليها، قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى فجاء منزلهم ففتت أبعار أباعرهم فوجد فيها النوى، قال أبو سفيان: أحلف بالله لقد جاء القوم محمدا انتهى.

فالما قدم أبو سفيان المدينة دخل على ابنته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها، ولما أراد أن يجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بنية ما أدري، أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش النبي صلى الله عليه وسلم وأنت مشرك نجس، قال: والله لقد أصابك بعدي شر، فقالت: بل هداني الله تعالى للإسلام وأنت تعبد حجرا لا يسمع ولا يبصر، واعجبا منك يا أبت وأنت سيد قريش وكبيرها، فقال: أترك ما كان يعبد آبائي وأتبع دين محمد؟ ثم خرج حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له إني كنت غائبا في صلح الحديبية فامدد العهد وزدنا في المدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لذلك جئت يا أبا سفيان؟ قال نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كان فيكم من حدث؟ قال: معاذ الله، نحن على عهدنا وصلحنا لا نغير ولا نبدّل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن على مدتنا وصلحنا، فأعاد أبو سفيان القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يردّ عليه شيئا هذا.

وفي كلام سبط ابن الجوزي رحمهما الله أن مجيئه لأم حبيبة رضي الله عنها بعد مجيئه للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم ذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ما أنا بفاعل. وفي رواية قال لأبي بكر: جدّد العقد وزدنا في المدة، فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم. ثم أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكلمه، فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم: أي بها. وفي رواية أنه قال له: ما كان من حلفنا جديدا أخلفه الله، وما كان مقطوعا فلا وصلة الله، فعند ذلك قال له أبو سفيان: جزيت من ذي رحم شرا. وفي لفظ سوآ، ثم جاء إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال: إنه ليس في القوم أقرب بي رحما منك فزد في المدة وجدد العقد، فإن صاحبك لا يرده عليك أبدا، فقال عثمان: جواري في جواره صلى الله عليه وسلم، انتهى. ثم جاء فدخل على عليّ بي أبي طالب كرّم الله وجهه وعنده فاطمة وحسن رضي الله عنه غلام يدب بين يديها، فقال: يا عليّ إنك أمسّ القوم بي رحما، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا اشفع لي إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه، فالتفت إلى فاطمة رضي الله عنها، فقال: يا ابنة محمد هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر، قالت: والله ما يبلغ ببنيّ ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي وفي رواية أنه قال لفاطمة: أجيري

بين الناس، فقالت: إنما أنا امرأة، قال: قد أجارت أختك يعني زينب أبا العاص بن الربيع يعني زوجها وأجاز ذلك محمد، قالت: إنما ذاك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

فأمري أحد ابنيك، قالت: إنما هما صبيان ليس مثلهما يجير. قال: فكلمي عليا، فقالت: أنت تكلمه، فكلم عليا، فقال: يا أبا سفيان إنه ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتات على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار، وقول فاطمة رضي الله عنها في حق ابنيها إنهما صبيان ليس مثلهما يجير هو الموافق لما عليه أئمتنا من أن شرط من يؤمن أن يكون مكلفا، وأما قولها وإنما أنا امرأة فلا يوافق ما عليه أئمتنا من أن للمرأة والعبد أن يؤّمنا لأن شرط المؤمن عند أئمتنا أن يكون مسلما مكلفا مختارا. وقد أمنت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم زوجها أبا العاص بن الربيع، وقال صلى الله عليه وسلم «قد أجرنا من أجرت» وقال: «المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم» كما سيأتي في السرايا، وقد تقدم ذلك قريبا عن أبي سفيان. وسيأتي قريبا أن أم هانىء أجارت، وأنه صلى الله عليه وسلم قال لها: «أجرنا من أجرت يا أم هانىء» لكن سيأتي أن هذا كان تأكيدا للأمان الذي وقع منه صلى الله عليه وسلم لأهل مكة لا أمان مبتدأ.

ثم إن أبا سفيان أتى أشراف قريش والأنصار وكل يقول جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم جاء إلى علي كرم الله وجهه وقال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد انسدت عليّ فانصحني، قال: والله لا أعلم لك شيئا يغني عنك ولكنك سيد بني كنانة، فقم وأجر بين الناس ثم الحق بأرضك. قال: أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا؟

قال: والله ما أظنه ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال:

أيها الناس إني أجرت بين الناس. زاد في رواية: ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد، ولا يردّ جواري، قال: وفي رواية أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إني أجريت بين الناس، أي وقال: لا والله ما أظن أحدا يخفرني ويردّ جواري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة» ؟ وفي لفظ: يا أبا سفيان انتهى.

ثم ركب بعيره فانطلق حتى قدم على قريش وقد طالت غيبته واتهمته قريش أنه صبأ واتبع محمدا سرا وكتم إسلامه وقالت له زوجته: إن كنت مع طول الإقامة جئتهم بنجح فأنت الرجل، فلما أخبرها: أي وقد دنا منها وجلس منها مجلس الرجل من امرأته فضربت برجلها في صدره وقالت: قبحت من رسول قوم، فما جئت بخير، فلما أصبح أبو سفيان حلق رأسه عند أساف ونائلة، وذبح عندهما البدن، ومسح رؤوسهما بالدم ليدفع عنه التهمة، فلما رأته قريش قالوا: ما وراءك؟ هل جئت بكتاب من محمد أو عهد؟ قال: لا والله، لقد أبى عليّ، وقد تتبعت أصحابه، فما رأيت قوما لملك أطوع منهم له. وفي رواية قال: جئت محمدا فكلمته، فو الله ما رد عليّ شيئا، ثم جئت إلى ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت عمر بن

الخطاب فوجدته أدنى العدو. أي وفي رواية: أعدى العدوّ، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم، وقد أشار عليّ بشيء صنعته، فو الله لا أدري أيغني عني شيئا أم لا؟

قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس: أي قال لي لم تلتمس جوار الناس على محمد ولا تجير أنت عليه وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها أن لا يخفر جواره، ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال لا، أي وإنما قال: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة، والله لم يزدني، قالوا: رضيت بغير رضا، وجئت بما لا يغني عنا ولا عنك شيئا، ولعمر الله ما جوارك بجائز، وإن إخفارك: أي إزالة خفارتك عليهم لهين، والله أراد الرجل: يعنون عليا كرم الله وجهه أن يلعب بك. قال: والله ما وجدت غير ذلك، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وأمر أهله أن يجهزوه، أي قال لعائشة جهزينا وأخفي أمرك، فدخل أبو بكر رضي الله عنه على ابنته عائشة رضي الله عنها وهي تحرك بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي تجعل قمحا سويقا ودقيقا. وفي لفظ: وجد عندها حنطة تنسف وتنقى، فقال: أي بنية أمركن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجهيزه؟

قالت: نعم فتجهز، قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري، وإن ذلك قبل أن يستشير صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في السير إلى مكة كما سيأتي. ثم إنه صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتجهيز.

أي وفي الإمتاع أن أبا بكر رضي الله عنه لما سأل عائشة رضي الله عنها دخل عليه صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أردت سفرا؟ قال نعم؟ قال: أفأتجهز، قال نعم، قال: فأين تريد يا رسول الله؟ قال: قريشا، وأخف ذلك يا أبا بكر، وأمر صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وطوى عنهم الوجه الذي يريده، وقد قال له أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله أو ليس بيننا وبينهم مدة؟ قال إنهم غدروا ونقضوا العهد، واطو ما ذكرت لك، وفي رواية أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله أتريد أن تخرج مخرجا، قال: نعم، قال: لعلك تريد بني الأصفر، قال: لا، قال: أفتريد أهل نجد. قال:

لا، قال: فلعلك تريد قريشا، قال: نعم، قال: يا رسول الله أليس بينك وبينهم مدة، قال: أو لم يبلغك ما صنعوا ببني كعب: يعني خزاعة، قال: وأرسل صلى الله عليه وسلم إلى أهل البادية ومن حوله من المسلمين في كل ناحية يقول لهم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة، أي وذلك بعد أن تشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في السير إلى مكة، فذكر له أبو بكر رضي الله عنه ما يشير به إلى عدم السير حيث قال له: هم قومك، وحضه عمر رضي الله عنه حيث قال: نعم هم رأس الكفر، زعموا أنك ساحر، وأنك كذاب وذكر له سوء كانوا يقولون، وايم الله لا تذل العرب حتى تذل أهل مكة، فعند ذلك ذكر صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر كإبراهيم، وكان في الله ألين من اللين، وأن عمر كنوح وكان في الله أشد من الحجر، وأن الأمر

أمر عمر، وتقدم نحو هذا لما استشارهما صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر، أي ثم قدمت المدينة من قبائل العرب: أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، أي وفي رواية قال: اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعون بنا إلا فجأة، وأخذ بالأنقاب: أي الطرق، أي أوقف بكل طريق جماعة ليعرف من يمر بها، أي وقال لهم: لا تدعوا أحدا يمرّ بكم تنكرونه إلا رددتموه.

ولما أجمع صلى الله عليه وسلم المسير إلى قريش وعلم بذلك الناس كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش: أي إلى ثلاثة منهم من كبرائهم، وهم: سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بي أبي جهل رضي الله عنهم- فإنهم أسلموا بعد ذلك كما تقدم- كتابا يخبرهم بذلك ثم أعطاه امرأة وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، ويقال أعطاها عشرة دنانير وكساها بردا، أي وقال لها: اخفيه ما استطعت، ولا تمري على الطريق، فإن عليه حرسا فسلكت غير الطريق، قال: وتلك المرأة هي سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب بن عبد مناف، وكانت مغنية بمكة، وكانت قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأسلمت، وطلبت منه الميرة، وشكت الحاجة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان في غنائك ما يغنيك؟ فقالت: إن قريشا منذ قتل منهم من قتل ببدر تركوا الغناء، فوصلها صلى الله عليه وسلم، وأوقر لها بعيرا طعاما، فرجعت إلى قريش وارتدت عن الإسلام، وكان ابن خطل يلقي عليها هجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتغني به انتهى، فجعلت الكتاب في قرون رأسها: أي ضفائر رأسها خوفا أن يطلع عليها أحد، ثم خرجت به، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليا والزبير وطلحة والمقداد، أي وقيل عليا وعمارا والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد، أي ولا مانع أن يكون أرسل الكل، وبعض الرواة اقتصر على بعضهم، فقال صلى الله عليه وسلم:

أدركا امرأة بمحل كذا، قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم، فخذوه منها وخلوا سبيلها، فإن أبت فاضربوا عنقها، فخرجا حتى أدركاها في ذلك المحل الذي ذكره صلى الله عليه وسلم فقالا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها من كتاب، فاستنزلاها وفتشاها والتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها علي كرم الله وجهه: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم قط ولا كذبنا، ولتخرجن هذا الكتاب، أو لنكشفنك، أو أضرب عنقك، فلما رأت الجد منه قالت أعرض، فأعرض فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منه. وفي البخاري أخرجته من عقاصها، ولا منافاة، وفيه في محل آخر أخرجته من حجزتها، والحجزة معقد الإزار والسراويل. قال بعضهم: ولا مانع أن يكون في ضفائرها وأنها جعلت الضفائر في حجزتها فدفعته إليه، وسيأتي أنها ممن أباح صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح، ثم أسلمت وعفا

عنها. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الكتاب، أي وصورة الكتاب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لينصرنه الله تعالى عليكم، فإنه منجز له ما وعده فيكم، فإن الله تعالى ناصره ووليه. وقيل فيه: إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد نفر فإما إليكم وإما إلى غيركم فعليكم الحذر، وقيل فيه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آذن بالغزو ولا أراه إلا يريدكم، وقد أحببت أن تكون لي يد بكتابي إليكم.

أقول: لا مانع أن يكون جميع ما ذكر في الكتاب، بأن يكون فيه: إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد آذن، أي أعلم بالغزو وقد نفر: أي عزم على أن ينفر، فإما إليكم وإما إلى غيركم، ولا أراه إلا يريدكم، وهذا كان قبل أن يعلم بسيره إلى مكة، فلما علم ألحق بالكتاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه، أي يريد التوجه إليكم بجيش إلى آخره. وبعض الرواة اقتصر على ما في بعض الكتاب والله أعلم.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا فقال له: أتعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم، فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت. وفي لفظ: ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششت منذ نصحت، ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكني ليس لي في القوم أهل ولا عشيرة، ولي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم. أي وفي لفظ قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ إني كنت امرأ ملصقا: أي حليفا من قريش. وفي كلام بعضهم ما يفيد أن الملصق هو الذي لا نسب له ولا دخل في حلف. قال: ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون أموالهم وأهليهم بمكة، ولم يكن لي قرابة، فأحببت أن أتخذ فيهم يدا أحمي بها أهلي، أي وهي أمه.

ففي بعض الروايات: كنت غريبا في قريش، وأمي بين أظهرهم، فأردت أن يحفظوني فيها، وما فعلت ذلك كفرا بعد إسلام، وقد علمت أن الله تعالى منزل بهم بأسه لا يغني عنهم كتابي شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد صدقكم، فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله دعني لأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، وفي لفظ قال له: قاتلك الله ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بالأنقاب وتكتب إلى قريش تحذرهم. وفي رواية: دعني أضرب عنقه، لأنه يعلم أنك يا رسول الله أخذت على الطريق، وأمرت أن لا ندع أحدا يمر ممن تنكره إلا رددناه انتهى.

وأقول: مراد سيدنا عمر بقوله قد نافق، أي خالف الأمر، لا أنه أخفى الكفر لقوله صلى الله عليه وسلم: «قد صدقكم» ورأي أن مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم مقتضية للقتل، ولكن رواية البخاري: «إنه قد صدقكم، ولا تقولوا له إلا خيرا» وعليها يشكل قول عمر المذكور ودعاؤه عليه بقوله: قاتلك الله. إلا أن يقال: يجوز أن يكون قول عمر لذلك كان

قبل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكر. وعند قول عمر رضي الله عنه: دعني لأضرب عنقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وفي رواية «فقد وجبت لكم الجنة» وفي رواية: «لا يدخل النار أحد شهد بدرا» فعند ذلك فاضت عينا عمر رضي الله عنه بالبكاء، أي وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: الآية 1] الآيات. وفي قوله: عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ [الممتحنة:

الآية 1] منقبة عظيمة لحاطب رضي الله عنه بأن في ذلك الشهادة له بالإيمان، وقوله:

تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: الآية 1] أي تبدونها لهم، وذكر بعضهم أن البلتعة في اللغة: التظرف بالظاء المشالة، يقال تبلتع في كلامه: إذا تظرف فيه.

ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره، واستخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن الحصين الغفاري، وقيل ابن أم مكتوم وبه جزم الحافظ الدمياطي في سيرته. وخرج لعشر، وقيل لليلتين، وقيل لثنتي عشرة، وقيل ثلاث عشرة، وقيل سبع عشرة، وقيل ثمان عشرة، وهو في مسند الإمام أحمد بسند صحيح. قال ابن القيم: إنه أصح من قول من قال إنه خرج لعشر خلون من رمضان، أي وصدّر به في الإمتاع، وقيل خرج لتسع عشرة مضين من شهر رمضان في سنة ثمان. قال في النور لا أعلم خلافا في الشهر والسنة.

وما في البخاري أن خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة كان على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمة المدينة، أي فيكون في السنة التاسعة فيه نظر، وكان صلى الله عليه وسلم في عشرة آلاف، أي باعتبار من لحقه في الطريق من القبائل كبني أسد وسليم، ولم يتخلف عند أحد من المهاجرين والأنصار، وكان المهاجرون سبعمائة ومعهم ثلاثمائة فرس، وكانت الأنصار أربعة آلاف ومعهم خمسمائة فرس، وكانت مزينة ألفا وفيها مائة فرس، وكانت أسلم أربعمائة ومعها ثلاثون فرسا، وكانت جهينة ثمانمائة ومعها خمسون فرسا، وقيل كان صلى الله عليه وسلم في اثني عشر ألفا.

ولما وصل صلى الله عليه وسلم إلى الأبواء أو قريبا منها لقيه أبو سفيان ابن عمه الحارث وكان الحارث أكبر أولاد عبد المطلب، وكان يكنى به كما تقدم، وكان أبو سفيان أخاه صلى الله عليه وسلم من الرضاعة على حليمة كما تقدم، ولقيه عبد الله بن أمية بن المغيرة ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب أخو أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها لأبيها، لأن والدة أم سلمة عاتكة بنت جندل الطعان، وكان عند أبيها أمية بن المغيرة زوجتان أيضا كل منهما تسمى عاتكة، فكان عنده أربع عواتك. وكان مجيء الحارث وعبد الله له صلى الله عليه وسلم يريدان الإسلام، وكانا رضي الله تعالى عنهما من أكبر القائمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أشد الناس إذاية له صلى الله عليه وسلم، أي بعد أن كان الحارث قبل النبوة آلف الناس له صلى الله عليه وسلم

لا يفارقه كما تقدم، وقد تقدم بعض ذكر أذيتهما له صلى الله عليه وسلم، فأعرض صلى الله عليه وسلم عنهما فكلمته أم سلمة رضي الله عنها فيهما: أي قالت له: لا يكون ابن عمك وابن عمتك أي وصهرك أشقى الناس بك، فقال صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي: يعني أبا سفيان فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري يعني عبد الله أخا أم سلمة فهو الذي قال لي بمكة ما قال: أي قال له: والله لا آمنت بك حتى تتخذ سلما إلى السماء فتعرج فيه وأنا أنظر إليك، ثم تأتي بصك وأربعة من الملائكة يشهدون لك أن الله أرسلك إلى آخر ما تقدم. فلما خرج الخبر إليهما، قال أبو سفيان ومعه ابن له: والله ليأذننّ لي أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت جوعا وعطشا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه وأسلما وقبل صلى الله عليه وسلم إسلامهما.

وقيل إن عليا كرم الله وجهه قال لأبي سفيان: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [يوسف: الآية 91] ، فإنه صلى الله عليه وسلم لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولا منه ففعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تَثْرِيبَ [يوسف: الآية 92] عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. وكان أبو سفيان رضي الله عنه بعد ذلك لا يرفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حياء منه لأنه عاداه صلى الله عليه وسلم نحو عشرين سنة يهجوه ولم يتخلف عن قتاله. وكان صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يحبه ويشهد له بالجنة، ويقول: أرجو أن يكون خلفا من حمزة رضي الله عنهما، أي وقال له صلى الله عليه وسلم يوما: «الصيد كل الصيد في جوف الفرا» وفي رواية قال له صلى الله عليه وسلم: «أنت يا أبا سفيان كما قيل: كل الصيد في جوف الفرا» .

وفي سفره صلى الله عليه وسلم صام وصام الناس، حتى إذا كانوا بالكديد بفتح الكاف وكسر الدال المهملة الأولى: أي وهو محل بين عسفان وقديد أفطر، أي وقيل أفطر بعسفان، وقيل أفطر بقديد، وقيل أفطر بكراع الغميم. ولا منافاة لتقارب الأمكنة.

وقال بعضهم: لا مانع أن يكون صلى الله عليه وسلم كرر الفطر في تلك الأماكن لتتساوى الناس في رؤية ذلك، فأخبر كل منهم عن محل رؤيته.

قال: وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج ووصل إلى محل يقال له الصلصال قدم أمامه الزبير بن العوام رضي الله عنه في مائتين، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر.

أي وفي الإمتاع: لما خرج صلى الله عليه وسلم من المدينة نادى مناديه: من أحب أن يصوم فليصم، وفي بعض الأيام صب رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسه الماء ووجهه من شدة العطش، وفي لفظ: من شدة الحر وهو صائم.

وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ الكديد بلغه أن الناس شق عليهم الصيام، أي وأنهم

ينظرون فيما فعلت، فاستوى صلى الله عليه وسلم على راحلته بعد العصر ودعا بإناء فيه ماء، وقيل لبن فشرب، ثم ناوله لرجل بجنبه فشرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس صام، فقال: أولئك العصاة، أي لأنهم خالفوه أمره صلى الله عليه وسلم لهم بالفطر ليقووا على مقاتلة العدو، لأنه صلى الله عليه وسلم قال للصحابة لما دنوا من عدوهم: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فلم يزل صلى الله عليه وسلم يفطر حتى انسلخ الشهر انتهى.

أي وفي قديد عقد صلى الله عليه وسلم الألوية والرايات، ودفعها للقبائل، ثم سار حتى نزل بمر الظهران: أي وهو الذي يقال له الآن بطن مرو عشاء، أي وقد أعمى الله الأخبار عن قريش إجابة لدعائه صلى الله عليه وسلم، فلم يعلموا بوصوله إليهم، أي ولم يبلغهم حرف واحد من مسيره إليهم، فأمر صلى الله عليه وسلم أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار، وجعل على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان العباس رضي الله عنه قد خرج قبل ذلك بعياله مسلما، أي مظهرا للإسلام مهاجرا، فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة، وقيل بذي الحليفة، فرجع معه إلى مكة، أي وأرسل أهله وثقله إلى المدينة، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «هجرتك يا عم آخر هجرة كما أن نبوتي آخر نبوة» قال العباس رضي الله عنه:

ورقت نفسي لأهل مكة، أي وقال: يا صباح قريش، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال العباس رضي الله عنه: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء أي زاد بعضهم التي أهداها له دحية الكلبي، فخرجت عليها حتى جئت الأراك، فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة يخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة فو الله إني لأسير إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، أي وقد خرجا وحكيم بن حزام: أي بعد أن خرج أبو سفيان وحكيم بن حزام، فلقيا بديلا فاستصحباه وخرجوا يتجسسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به؟ أي لأنهم علموا بمسيره صلى الله عليه وسلم ولم يعلموا إلى أي جهة.

وفي سيرة الدمياطي: ولم يبلغ قريشا مسيره إليهم فلا ينافي ما قبله. وهم مغتمون يخافون من غزوه إياهم، فبعثوا أبا سفيان بن حرب يتجسس الأخبار وقالوا:

إن لقيت محمدا فخذ لنا منه أمانا، أي فلما سمعوا صهيل الخيل راعهم ذلك وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا، هذه كنيران عرفة، وبديل يقول له: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، وحمشتها بالحاء المهملة والشين المعجمة:

أي أحرقتها وقيل بالسين المهملة: أي اشتدت عليها من الحماسة وهي الشدة، وأبو سفيان يقول: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. أي وفي رواية أن القائل هذه خزاعة غير بديل، وأن بديلا هو القائل هؤلاء أكثر من خزاعة وهو المناسب، لأن بديلا من خزاعة. قال العباس رضي الله عنه: فعرفت صوت أبي

سفيان، أي وكان أبو سفيان صديقا للعباس ونديمه، قال العباس، فقلت: يا أبا حنظلة فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ فقلت نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي؟

قلت: والله هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس قد جاءكم بما لا قبل لكم به، أي وفي رواية: قد جاءكم بعشرة آلاف، فقال: واصباح قريش والله فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتيك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك، فركب خلفي، أي ورجع صاحباه، فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا من هذا؟ وإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها، قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: من هذا؟ وقام إليّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة، قال أبو سفيان عدوّ الله، الحمد لله الذي قد أمكن منك من غير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فركضت البغلة فسبقته فاقتحمته عن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر في أثري، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان، أي عدوّ الله قد أمكن الله منه من غير عقد ولا عهد، فدعني لأضرب عنقه، قال: قلت يا رسول الله إني قد أجرته. ولعل العباس وعمر رضي الله عنهما لم يبلغهما قوله صلى الله عليه وسلم إنكم لاقون بعضهم. فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه إن صح.

قال العباس رضي الله عنه: ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكد عمر في شأنه، قلت: مهلا يا عمر، فو الله لو كان من رجال بني عدّي بن كعب ما قلت مثل هذا، أي ولكنك قد عرفت أنه من رجال عبد مناف، قال: مهلا يا عباس، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به» .

وفي البخاري أن الحرس ظفروا بأبي سفيان ومن معه وجاؤوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا.

وجمع بعضهم بأنه يجوز أن يكون العباس أخذهم من الحرس، أي ويؤيده قول ابن عقبة رحمه الله لما دخل الحرس بأبي سفيان وصاحبيه لقيهم العباس بن عبد المطلب فأجارهم، أي وأتي بأبي سفيان وتأخر صاحباه، قال وفي لفظ: أخذهم نفر من الأنصار بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عيونا فأخذوا بخطم أبعرتهم، فقالوا: من أنتم؟

قالوا: نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وها هو، فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم، فجاؤوا بهم إلى عمر رضي الله تعالى عنه، أي لأنه كان في تلك الليلة على الحرس كما تقدم، فقالوا: جئناك بنفر من أهل

مكة، فقال عمر وهو يضحك إليهم: والله لو جئتموني بأبي سفيان ما زدتم، فقالوا:

والله أتيناك بأبي سفيان، فقال: احبسوه، فحبسوه حتى أصبح، فغدوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى، وفيه ما لا يخفى، فإن الجمع بينه وبين ما قبله بعيد.

قال العباس: ولما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «اذهب به يا عباس إلى رحلك» فذهبت به، فلما أصبح غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بعد أن نودي بالصلاة وثار الناس، ففزع أبو سفيان وقال للعباس يا أبا الفضل ما يريدون؟ قال الصلاة.

وفي رواية: ما للناس؟ أأمروا فيّ بشيء؟ قال: لا ولكنهم قاموا إلى الصلاة ورأى المسلمين يتلقون وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رآهم يركعون إذا ركع ويسجدون إذا سجد، فقال للعباس: يا عباس ما يأمرهم بشيء إلا فعلوه، فقال له العباس: لو نهاهم عن الطعام والشراب لأطاعوه، فقال: ما رأيت ملكا مثل هذا لا ملك كسرى ولا ملك قيصر ولا ملك بني الأصفر، ثم قال للعباس: كلمه في قومك هل عنده من عفو عنهم؟ فانطلق العباس بأبي سفيان حتى أدخله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ قال:

بأبي وأمي أنت، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لما أغنى عني شيئا بعد، قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي، أما والله هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئا.

قال: وفي رواية أن بديلا وحكيم بن حزام لم يرجعا بل جاء بهم العباس، وأن العباس قال: يا رسول الله أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء قد أجرتهم وهم يدخلون عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدخلهم، فدخلوا عليه، فمكثوا عنده عامة الليل يستخبرهم، أي عن أهل مكة، ودعاهم إلى الإسلام، فقالوا نشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشهدوا أني رسول الله» ، فشهد بذلك بديل وحكيم بن حزام، فقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك، والله إن في النفس من هذا شيئا فأرجئها انتهى: أي أخرها إلى وقت آخر.

وفي أسد الغابة أنه صلى الله عليه وسلم، قال ليلة قرب من مكة في غزوة الفتح: إن بمكة أربعة نفر من قريش أربأ بهم عن الشرك وأرغب بهم في الإسلام: عتاب بن أسيد، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو، أي وهذا يدل على القول بأن جبيرا أسلم يوم الفتح كمن ذكر معه. وذكر بعضهم أنه أسلم بعد الحديبية وقبل الفتح.

فقال العباس رضي الله عنه لأبي سفيان: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك، فشهد شهادة الحق فأسلم.

وذكر عبد بن حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم حين عرض الإسلام على أبي سفيان، قال له: كيف أصنع بالعزى، فسمعه عمر رضي الله تعالى عنه من وراء القبة، فقال له:

تخرأ عليها، فقال له أبو سفيان: ويحك يا عمر، إنك رجل فاحش، دعني مع ابن عمي فإياه أكلم، وكان في هذا تصديق أمية بن أبي الصلت، فإنه كان يقول: كنت أرى في كتبي أن نبيا يبعث في حرتنا فكنت أظن بل كنت لا أشك أني أنا هو، فلما دارست أهل العلم إذ هو في بني عبد مناف، فنظرت في بني عبد مناف فلم أجد أحدا يصلح لهذا الأمر إلا عتبة بن ربيعة فلما جاوز الأربعين سنة ولم يوح إليه علمت أنه غيره. قال أبو سفيان: فخرجت في ركب أريد اليمن في تجارة فمررت بأمية بن أبي الصلت فقلت له كالمستهزىء به: يا أمية قد خرج النبي الذي قد كنت تنعته، قال إنه حق فاتبعه، قلت: ما يمنعك من اتباعه؟ قال: ما يمنعني من اتباعه إلا الاستحياء من بنيات ثقيف، إني كنت أحدّثهم أني هو يرينني تابعا لغلام من بني عبد مناف، ثم قال لأبي سفيان: كأني بك يا أبا سفيان إن خالفته قد ربطت كما يربط الجدي حتى يأتي بك إليه فيحكم فيك بما يريد، رواه الطبراني في معجمه.

وذكر بعضهم أن أمية هذا كان يتفرس في بعض الأحيان في لغات الحيوان، فمر يوما على بعير عليه امرأة راكبة وهو يرفع رأسه إليها ويرغو، فقال: هذا البعير يقول إن في رحله مسلة تصيب ظهره، فأنزلوا تلك المرأة وحلوا ذلك الرحل، فوجدوا المسلة كما قال.

وذكر أن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله أجئت بأوباش الناس من يعرف ومن لا يعرف إلى أهلك وعشيرتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم أظلم وأفجر، قد غدرتم بعقد الحديبية، وتجارتهم على بني كعب يعني خزاعة بالإثم والعدوان في حرم الله وأمنه، فقال بديل: صدقت والله يا رسول الله، فقد غدروا بنا، والله لو أن قريشا خلوا بيننا وبين عدوّنا ما نالوا منا الذي نالوا، فقال حكيم: قد كنت يا رسول الله حقيقا أن تجعل عدتك وكيدك لهوازن، فإنهم أبعد رحما وأشد عداوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأرجو أن يجمعها لي ربي: فتح مكة، وإعزاز الإسلام بها، وهزيمة هوازن وأخذ أموالهم وذراريهم، وقال له أبو سفيان: يا رسول الله ادع الناس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش فكفت أيديها آمنون هم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، من كف يده وأغلق داره فهو آمن، قال العباس: فقلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا، قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن.

أي فحكيم بن حزام من مسلمة الفتح، وكان عمره ستين سنة، وبقي في

الإسلام مثل ذلك، كان من أشراف قريش في الجاهلية والإسلام، وأعتق في الجاهلية مائة رقبة، وفي الإسلام مثل ذلك، فإنه حج في الإسلام، وأوقف بعرفة مائة وصيف في أعناقهم أطواق الفضة منقوش عليها «عتقاء الله عن


تحميل : فتح مكة من كتاب السيرة الحلبية

كلمات دليلية: