غزوة حنين 8 هـ_9286

غزوة حنين : 8 هـ من كتاب فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

اسم الكتاب:
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
المؤلف:
محمدسعيدرمضان البوطي

غزوة حنين

وقد كانت في شوال سنة ثمان من هجرة النّبي صلّى الله عليه وسلم.

وسببها أن الله جلّ جلاله، حينما فتح على رسوله مكة، ودانت له قريش بعد بغيها وعدوانها، مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض، وقد توغر صدورهم للنصر الذي آتاه الله رسوله والمؤمنين. فحشدوا حشودا كبيرة، وجمع أمرهم مالك بن عوف سيّد هوازن، وأمرهم فجاؤوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم، حتى نزلوا بأوطاس (مكان بين مكة والطائف) ، وإنما أمرهم بذلك حتى يجد كل منهم ما يحبسه عن الفرار، وهو الدفاع عن الأهل والمال والولد! ..

وأجمعوا المسير إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم. فخرج إليهم صلّى الله عليه وسلم لست ليال خلون من شوال «72» في اثني عشر ألفا من المسلمين، عشرة آلاف من أهل المدينة، وألفين من أهل مكة «73» .

وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ليذهب فيدخل بين المشركين ويقيم فيهم ويعلم أخبارهم ثم يعود بذلك إليه صلّى الله عليه وسلم. فانطلق حتى دخل بينهم وطاف بمعسكرهم ثم جاءه بخبرهم.

__________

(71) راجع الأحكام السلطانية: 164، وزاد المعاد لابن القيم: 2/ 174

(72) طبقات ابن سعد: 4/ 200

(73) طبقات ابن سعد: 4/ 300، وسيرة ابن هشام.

وكان قد ذكر لرسول الله صلّى الله عليه وسلم أن عند صفوان بن أمية أدراعا وأسلحة، فأرسل إليه- وهو يومئذ مشرك- فطلب منه تلك الدروع والأسلحة. فقال صفوان: «أغصبا يا محمد؟! .. قال: بل عارية، وهي مضمونة حتى نؤديها إليك. فأعطاه مئة درع بما يكفيها من السلاح» «74» .

وعلم مالك بن عوف بمقدم الرسول صلّى الله عليه وسلم، فعبأ أصحابه في وادي حنين وانتشروا يكمنون في أنحائه، وأوعز إليهم أن يحملوا على محمد صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، حملة واحدة.

ووصل المسلمون إلى وادي حنين، فانحدروا فيه في غبش الصبح، فما راعهم إلا الكتائب خرجت إليهم من مضايق الوادي وشعبه وقد حملوا حملة واحدة على المسلمين، فانكشفت الخيول وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على آخر.

وانحاز رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذات اليمين، ثم نادى في الناس: «إليّ يا عباد الله، أنا النّبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» . روى مسلم عن العباس رضي الله عنه قال: «شهدت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ولم نفارقه، وهو على بغلة له بيضاء، فلما التقى المسلمون والكفار ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلّى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار. قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلّى الله عليه وسلم أكفّها، إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: ناد أصحاب السمرة «75» (وكان رجلا صيّتا) فقلت بأعلى صوتي يا أصحاب السمرة، قال: فو الله لكأنّ عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك، يا لبيك.. وأقبلوا يقتتلون مع الكفار، وكان النداء: يا للأنصار، وأشرف رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينظر إلى قتالهم قائلا: الآن حمي الوطيس. ثم أخذ حصيّات من الأرض فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا وربّ محمد» «76» .

وقذف الله في قلوب المشركين الرعب، فانهزموا لا يلوي واحد منهم على أحد، واتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، فما رجع الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلم.

وفي هذه الغزوة أعلن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قائلا: «من قتل قتيلا له عليه بيّنة فله سلبه» «77» .

فروى ابن إسحاق وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لقد استلب أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلا وحده، هو قتلهم.

__________

(74) رواه ابن إسحاق بسند صحيح، ورواه عن طريقه ابن جرير وابن سيّد الناس.

(75) هي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية.

(76) رواه مسلم، وروى نحوه باختصار البخاري أيضا، وترويه بتفصيل كل كتب السيرة.

(77) متفق عليه.

وروى ابن إسحاق وابن سعد بسند صحيح أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم التفت فرأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبي طلحة، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أم سليم! .. قالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك؟ - وكان معها خنجر- فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به» .

«ومرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد، والناس مجتمعون عليها، فقال ما هذا؟ قالوا امرأة قتلها خالد بن الوليد. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لبعض من معه: أدرك خالدا فقل له إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا» «78» .

وفرّ مالك بن عوف ومن معه من رجالات قومه حتى وصلوا إلى الطائف فامتنعوا بحصنها وقد تركوا وراءهم مغانم كثيرة.

«وأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالغنائم كلها فحبست في الجعرانة، وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري، واتجه صلّى الله عليه وسلم بمن معه إلى الطائف فحاصروها، وأخذت ثقيف تقذف المسلمين من حصونها بالنبال، فقتل بذلك ناس منهم، وظل رسول الله صلّى الله عليه وسلم في حصاره للطائف بضعة عشر يوما، وقيل بضعة وعشرين يوما. ثم بدا له أن يرتحل. روى عبد الله بن عمرو أنه صلّى الله عليه وسلم أعلن في أصحابه: إنا قافلون إن شاء الله، فقال بعض أصحابه: نرجع ولم نفتتحه؟ فقال لهم: اغدوا على القتال- أي فقاتلوا إن شئتم- فغدوا عليه، فأصابهم جراح، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إنا قافلون غدا، فأعجبهم ذلك، فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلم» «79» .

ولما قفل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عائدا، قال لأصحابه: قولوا «آيبون، تائبون، عابدون، لربّنا حامدون» ، وقال له بعض الصحابة: يا رسول الله ادع الله على ثقيف، فقال: «اللهم اهد ثقيفا وأت بهم» «80» .

قلت: وقد هدى الله ثقيفا بعد ذلك بقليل، فقد جاء وفدهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالمدينة لإعلان إسلامهم.

__________

(78) أخرجه أبو داود وابن ماجه، وروى الشيخان بمعناه، والعسيف: الأجير والعبد.

(79) متفق عليه.

(80) رواه ابن سعد في الطبقات، وأخرجه الترمذي في سننه. وقد رواه ابن سعد عن عاصم الكلابي عن الأشهب، عن الحسن.

أمر الغنائم وكيفية تقسيم رسول الله صلّى الله عليه وسلم لها

وعاد رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى الجعرانة، وفيها السبي والغنائم التي أخذت من هوازن في غزوة حنين، فقسم السبي هناك. ثم قدم عليه وفد من هوازن مسلمين، وسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم (أي أخّرت قسم السبي والغنائم آملا إسلامكم) . وكان النّبي صلّى الله عليه وسلم قد أنظرهم بضع عشرة ليلة حين رجع من الطائف.

فقالوا: يا رسول الله خيّرتنا بين أحسابنا وأموالنا فالحسب أحب إلينا، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤوا تائبين، وإني رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيّب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء علينا فليفعل «81» .

فنادى الناس جميعا: قد طيّبنا ذلك يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيّبوا، وأذنوا» «82» ، فأعيد إلى هوازن سبيها.

وسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم وفد هوازن- فيما رواه ابن إسحاق- عن مالك بن عوف ما فعل؟

فقالوا بالطائف مع ثقيف، فقال لهم: «أخبروه أنه إن أتى مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مئة من الإبل، فأخبر مالك بذلك، فجاء يلحق برسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى أدركه فيما بين الجعرانة ومكة، فردّ عليه أهله وماله وأعطاه مئة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه» .

وخصّ النّبي صلّى الله عليه وسلم المؤلّفة قلوبهم- وهم أهل مكة- بمزيد من الغنائم والآعطيات يتألف قلوبهم على الإسلام، فوجد بعض الأنصار في نفوسهم من ذلك وقالوا: «يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم!» «83» .

فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأرسل إلى الأنصار فاجتمعوا في مكان أعد لهم، ولم يدع معهم أحدا غيرهم، ثم قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:

__________

(81) أي بأن يردّ السبي بشرط أن يعطى عوضه فيما بعد.

(82) رواه البخاري، ورواه الطبري والبيهقي وابن سيّد الناس كلهم عن طريق ابن إسحاق بمزيد من التفصيل.

(83) متفق عليه.

«يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألّفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي» ، (كلما قال لهم من ذلك شيئا قالوا بلى، الله ورسوله أمن وأفضل) ، ثم قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنّ والفضل. فقال صلّى الله عليه وسلم:

«أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدّقتم: أتيتنا مكذّبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك» ، فصاحوا: بل المنّ علينا لله ورسوله.

ثم تابع رسول الله صلّى الله عليه وسلم قائلا: «أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم من أجل لعاعة «84» من الدنيا تألّفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار. وإنكم ستلقون أثرة من بعدي فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» .

فبكى القوم حتى اخضلّت لحاهم، وقالوا رضينا بالله ورسوله قسما ونصيبا «85» .

وتبعه صلّى الله عليه وسلم ناس من الأعراب يسألونه مزيدا من العطاء، حتى اضطروه إلى سمرة تعلق بها رداؤه، فالتفت إليهم قائلا: «أعطوني ردائي أيها الناس، فو الله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم لا تجدونني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا «86» ، أيها الناس والله ما لي من فيئكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» «87» .

وأدركه أعرابي فجذبه صلّى الله عليه وسلم جذبة شديدة من برده، وكان عليه برد نجراني غليظ، حتى أثّرت حاشية الرداء في صفحة عنقه، وقال له، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء «88» .

قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا، فلما فرغ، انصرف راجعا إلى المدينة، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد.

__________

(84) اللعاعة: بقلة خضراء تستهوي العين، شبّه بها الدنيا..

(85) رواه البخاري ومسلم، وابن إسحاق، وابن سعد، بنصوص متقاربة في الزيادة والنقصان.

(86) رواه البخاري.

(87) هذه الزيادة أخرجها أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو.

(88) متفق عليه.


تحميل : غزوة حنين 8 هـ_9286

كلمات دليلية: