غزوة بني قريظة _9265

غزوة بني قريظة   من كتاب فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

اسم الكتاب:
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
المؤلف:
محمدسعيدرمضان البوطي

غزوة بني قريظة

جاء في الصحيحين أن النبي صلّى الله عليه وسلم لما رجع من الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فقال: «قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، فاخرج إليهم قال: فإلى أين؟ قال: ههنا، وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي صلّى الله عليه وسلم إليهم» «84» .

ونادى صلّى الله عليه وسلم في المسلمين «ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فسار الناس، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلّي، ولم يرد منا ذلك. فذكروا ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلم، فلم يعنف أحدا منهم» «85» .

وحاصر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بني قريظة (وهم متحصنون في حصونهم) خمسا وعشرين ليلة وقيل خمسة عشر يوما «86» حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب.

روى ابن هشام أن كعب بن أسعد قال لليهود: لما رأى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم: «يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم. قالوا: فما هي؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فو الله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأبنائكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، قال: فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، قالوا: فما ذنب المساكين؟ قال: فإن أبيتم هذه أيضا فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فأنزلوا لعلنا نصيب منهم غرة، فأبوا ذلك أيضا» .

ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيهم- وقد كانت بنو قريظة حلفاء للأوس- فأحب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يكل الحكم عليهم إلى واحد من رؤساء الأوسيين، فجعل الحكم فيهم إلى سعد بن

__________

(83) انظر فتح الباري: 2/ 47 ونيل الأوطار: 2/ 27

(84) متفق عليه واللفظ للبخاري.

(85) رواه البخاري.

(86) الذي رواه ابن هشام أن مدة الحصار كانت خمسة وعشرين يوما. وجزم ابن سعد في طبقاته أنها كانت خمسة عشر فقط.

معاذ، وكان قد أصيب بسهم في الخندق فكان يداوى في خيمة هناك. فلما حكّمه رسول الله صلّى الله عليه وسلم في بني قريظة وأرسل إليه بذلك، أتى على حمار. فلما دنا من المسجد «87» ، قال للأنصار: قوموا إلى سيدكم أو خيركم. ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك. قال: تقتل مقاتلهم وتسبي ذريتهم، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم: قضيت بحكم الله تعالى «88» .

ثم قال سعد رضي الله عنه: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك صلّى الله عليه وسلم، وأخرجوه. اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها، واجعل موتي فيها. فانفجرت من لبّته، فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم. فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات منها رضي الله عنه «89» ، وفي رواية أحمد أن جرحه حينما انفجر كان قد برئ إلا مثل الخرص (حلي يوضع في الأذن) أي إلا شيء يسير قد بقي منه.

ثم استنزل اليهود من حصونهم فسيقوا إلى خنادق في المدينة، فقتل مقاتلهم (أي رجالهم) وسبي ذراريهم. وكان في جملة من سيق إلى القتل فقتل: حيي بن أخطب الذي كان قد سعى حتى أقنع بني قريظة بالغدر ونقض العهد. روى ابن إسحاق أنه جيء به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم جلس فضربت عنقه» .


ملف pdf

كلمات دليلية: