غزوة بني المصطلق من كتاب السيرة الحلبية

غزوة بني المصطلق من كتاب السيرة الحلبية

اسم الكتاب:
السيرة الحلبية
المؤلف:
نورالدين الحلبي

غزوة بني المصطلق

ويقال لها غزوة المريسيع، ويقال لها غزوة محارب، وقيل محارب غيرها.

ويقال لها غزوة الأعاجيب لما وقع فيها من الأمور العجيبة، أي كما قيل بذلك كذلك في غزوة ذات الرقاع كما تقدم.

وبنو المصطلق: بطن من خزاعة، وهم بنو جذيمة، وجذيمة هو المصطلق، من الصلق: وهو رفع الصوت. والمريسيع: اسم ماء من مياههم، أي من ماء خزاعة مأخوذة من قولهم: رسعت عين الرجل إذا دمعت من فساد، وذلك الماء في ناحية قديد.

وسببها أنه صلى الله عليه وسلم بلغه أن الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق رضي الله عنه، فإنه أسلم بعد ذلك كما سيأتي، جمع لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قدر عليه من قومه ومن العرب، فأرسل صلى الله عليه وسلم بريدة بالتصغير ابن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين في آخره موحدة كما تقدم، أي ليعلم علم ذلك.

قال: واستأذن بريدة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما يتخلص به من شرهم، أي وإن كان خلاف الواقع فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج حتى ورد عليهم ورأى جمعهم،

فقالوا له: من الرجل؟ قال: رجل منكم قدمت لما بلغني من جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني، فنكون يدا واحدة حتى نستأصلهم، فقال له الحارث:

فنحن على ذلك؛ فعجل علينا، قال بريدة: أركب الآن فآتيكم بجمع كثير من قومي، فسروا بذلك منه ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر القوم انتهى. فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إليهم، فأسرعوا الخروج، وكان في شعبان لليلتين خلتا منه سنة خمس من الهجرة، وقيل أربع كما في البخاري نقلا عن ابن عقبة، وعليه جرى الإمام النووي في الروضة. قال الحافظ ابن حجر: وكأنه سبق فلم أراد أن يكتب سنة خمس من الهجرة فكتب سنة أربع، لأن الذي في مغازي ابن عقبة من عدة طرق سنة خمس، وقيل سنة ست، وأن عليه أكثر المحدثين، وقادوا الخيل وهي ثلاثون فرسا عشرة للمهاجرين: أي منها فرسان له صلى الله عليه وسلم اللزاز والظرب، وعشرون للأنصار رضي الله عنهم: واستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة زيد بن حارثة رضي الله عنهما. وقيل أبا ذر الغفاري رضي الله عنه. وقيل نميلة تصغير نملة بن عبد الله الليثي رضي الله عنه، وخرج معه صلى الله عليه وسلم من نسائه عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: أي وخرج معه صلى الله عليه وسلم ناس كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزوة قط مثلها منهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وزيد بن الصلت ليس لهم رغبة في الجهاد، وإنما غرضهم أن يصيبوا من عرض الدنيا مع قرب المسافة، وسار صلى الله عليه وسلم حتى بلغ محلا نزل به، فأتي برجل من عبد القيس فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أين أهلك؟ قال: بالروحاء، قال أين تريد؟

قال: إياك جئت لأومن بك، وأشهد أن ما جئت به حق: وأقاتل معك عدوك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي هداك للإسلام، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة لأوّل وقتها. فكان بعد ذلك يصلي الصلاة لأول وقتها.

وأصاب صلى الله عليه وسلم عينا للمشركين وكان وجهه الحارث ليأتيه بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، فلم يذكر من شأنهم شيئا، فعرض عليه الإسلام فأبى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يضرب عنقه فضرب عنقه، فلما بلغ الحارث مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه قتل عينه سىء بذلك ومن معه، وخافوا خوفا شديدا، وتفرق عنه جمع كثير ممن كان معه، وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع فضربت له صلى الله عليه وسلم قبة من أدم، وكان معه فيها عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما فتهيأ المسلمون للقتال، ودفع صلى الله عليه وسلم راية المهاجرين إلى أبي بكر رضي الله عنه.

وقيل لعمار بن ياسر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة رضي الله عنه، أي وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقول لهم: قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم ففعل عمر ذلك فأبوا فتراموا بالنبل ساعة. ثم أمر

رسول الله أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان، وقتل منهم عشرة، وأسر سائرهم: الرجال والنساء والذرية؛ واستاق إبلهم وشياههم، فكانت الإبل ألفي بعير، والشأء خمسة آلاف شاة، واستعمل صلى الله عليه وسلم على ذلك مولاه شقران، أي بضم الشين المعجمة، واسمه صالح، وكان رضي الله عنه حبشيا، وكان السبي مائتي أهل بيت. وفي كلام بعضهم كانوا أكثر من سبعمائة، وكانت برة بنت الحارث الذي هو سيد بني المصطلق في السبي.

وقيل أغار عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم غافلون، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم، أي وهذا القول هو الذي في صحيح البخاري: أي ومسلم، والأول هو الذي في السيرة الهشامية.

وجمع بأنه يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم لما أغار عليهم ثبتوا وصفوا للقتال، ثم انهزموا، ووقعت الغلبة عليهم، أي وقتل منهم من قاتل ولم يستأسر. وكان شعار المسلمين: أي علامتهم التي يعرفون بها في ظلمة الليل أو عند الاختلاط «يا منصور؟؟؟» تفاؤلا بأن يحصل لهم النصر بعد موت عدوهم.

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسارى فكتفوا، واستعمل عليهم بريدة رضي الله عنه.

ثم فرق صلى الله عليه وسلم السبي، فصار في أيدي الناس.

أي وفي هذا دليل لقول إمامنا الشافعي رضي الله عنه في الجديد: يجوز استرقاق العرب، لأن بني المصطلق عرب من خزاعة خلافا لقوله في القديم إنهم لا يسترقون لشرفهم. وقد قال في الأمّ: لولا أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هكذا: أي لا يجري الرق على عربي.

وبعث صلى الله عليه وسلم أبا ثعلبة الطائي إلى المدينة بشيرا من المريسيع، أي وجمع صلى الله عليه وسلم المتاع الذي وجده في رحالهم والسلاح والنعم والشاء، وعدلت الجزور بعشرة من الغنم، ووقعت برة بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس، وابن عم له، فجعل ثابت لابن عمه نخلات له بالمدينة في حصته من برة، وكاتبها أي على تسع أواق من ذهب، فدخلت عليه صلى الله عليه وسلم، فقالت له: يا رسول الله إني امرأة مسلمة: أي أسلمت لأني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وإني برة بنت الحارث سيد قومه، أصابنا من الأمر ما قد علمت، ووقعت في سهم ثابت بن قيس وابن عم له، وخلصني ثابت من ابن عمه بنخلات في المدينة، وكاتبني على ما لا طاقة لي به، وإني رجوتك فأعني في مكاتبتي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو خير من ذلك؟ قالت:

ما هو؟ قال: أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت بن قيس فطلبها منه، فقال ثابت رضي الله عنه: هي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان كاتبها عليه وأعتقها

وتزوجها، أي وهي ابنة عشرين سنة، وسماها جويرية: أي وكان اسمها برة، وكذلك ميمونة، وزينب بنت جحش كان اسم كل منهما برة فغيره صلى الله عليه وسلم، وكذا كان اسم بنت أم سلمة برة فسماها زينب. ويذكر أن عليا كرم الله وجهه هو الذي أسرها.

أقول: ولا مانع أن يكون عليّ كرّم الله وجهه أسرها ثم وقعت في سهم ثابت وابن عمه رضي الله عنهما عند القسمة، لأنه لم يثبت في هذه الغزوة أنه صلى الله عليه وسلم جعل الأسرى لمن أسرهم كما وقع في بدر، إلا ما يأتي من قول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ورغبنا في الفداء وقد يقال: رغبوا في الفداء بعد القسمة والله أعلم.

قال: وعن عائشة رضي الله عنها قالت «كانت جويرية امرأة حلوة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم عندي ونحن على الماء: أي الذي هو المريسيع، إذ دخلت جويرية تسأله في كتابتها، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله إني امرأة مسلمة الحديث» اهـ وإنما كرهت ذلك لما جبلت عليه النساء من الغيرة.

ومن ثم جاء «أنه صلى الله عليه وسلم خطب امرأة فأرسل عائشة رضي الله تعالى عنها لتنظر إليها، فلما رجعت إليه قالت: ما رأيت طائلا، فقال: بلى لقد رأيت خالا في خدّها فاقشعرت منه كل شعرة في جسدك، أي وفي لفظ آخر عن عائشة رضي الله عنها «فما هو إلا أن وقفت جويرية بباب الخباء لتستعين رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتابتها فنظرت إليها فرأيت على وجهها ملاحة وحسنا، فأيقنت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآها أعجبته علما منها بموقع الجمال منه صلى الله عليه وسلم، فما هو إلا أن كلمته صلى الله عليه وسلم، فقال لها صلى الله عليه وسلم: خير من ذلك، أنا أؤدي كتابتك وأتزوجك، فقضى عنها كتابتها وتزوجها» والملاح أبلغ من المليح، والمليح، مستعار من قولهم طعام مليح: إذا كان فيه الملح بمقدار ما يصلحه.

قال الأصمعي رحمه الله: الحسن في العينين، والجمال في الأنف، والملاحة في الفم. وهذا السياق يدل على أنه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهم على الماء الذي هو المريسيع، ويؤيده ما يأتي عنها رضي الله تعالى عنها.

قال الشمس الشامي رحمه الله: ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لجويرية حتى عرف من حسنها ما دعاه لتزوجها، لأنها كانت أمة مملوكة: أي لأنها مكاتبة، ولو كانت غير مملوكة: أي حرة ما ملأ صلى الله عليه وسلم عينه منها، أو أنه صلى الله عليه وسلم نوى نكاحها، أو أن ذلك كان قبل آية الحجاب.

أقول: تبع في هذا السهيلي رحمه الله. وقد قدمنا أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم جواز نظر الأجنبية والخلوة بها لأمنه صلى الله عليه وسلم من الفتنة، فلا يحسن قوله ولو كانت حرة ما ملأ صلى الله عليه وسلم عينه منها.

ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم حرمة نكاح الأمة، فلا يحسن قوله أو أنه نوى نكاحها، وأن نزول آية الحجاب كان في سنة ثلاث على الراجح.

ومذهب الشافعي رضي الله عنه: حرمة نظر سائر بدن الأمة الأجنبية كالحرة على الراجح عند الشافعية ومنهم الشمس الشامي، فلا يحسن قوله لأنها كانت أمة مملوكة، والله أعلم.

روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بني المصطلق، فسبينا كرائم العرب أي واقتسمناها وملكناها، فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء، فأردنا نستمتع ونعزل، فقلنا نفعل ذلك» وفي لفظ «فأصبنا سبايا وبنا شهوة للنساء، واشتدت علينا العزوبة، وأحببنا الفداء، وأردنا أن نستمتع ونعزل، وقلنا: نعزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا فسألناه عن ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا عليكم أن لا تفعلوا ما كتب الله خلق نسمة» أي نفسا «قدّرها هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون» . وفي لفظ «ما عليكم أن لا تفعلوا فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة» وفي رواية «لا عليكم أن لا تفعلوا ذلك، فإنما هو القدر» وفي رواية «ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه» أي ما عليكم حرج في عدم فعل العزل: وهو الإنزال في الفرج، لأن العزل الإنزال خارج الفرج، فيجامع حتى إذا قارب الإنزال نزع فأنزل خارج الفرج «ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة» أي عزلتم أم لا فلا فائدة في عزلكم، لأن الماء قد يسبق العزل إلى الرحم فيجيء الولد، وقد ينزل في الفرج ولا يجيء الولد.

وكون ذلك كان في بني المصطلق هو الصحيح، خلافا لما نقل عن موسى بن عقبة رحمه الله تعالى أن ذلك كان في غزوة أوطاس. وقول أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: «قد طالت علينا العزبة واشتهينا النساء» أي لعل أبا سعيد الخدري رضي الله عنه ومن تكلم على لسانه كان في المدينة أعزب، وإلا فأيام تلك الغزوة لم تطل، فإنها كانت ثمانية وعشرين يوما قال أبو سعيد رضي الله عنه: فقدم علينا وفدهم: أي بالمدينة. ففي الإمتاع وكانوا قدموا المدينة ببعض السبي، فقدم عليهم أهلوهم فاقتدوا الذرية والنساء، كل واحد بست فرائض، ورجعوا إلى بلادهم.

قال أبو سعيد رضي الله عنه: وخرجت بجارية أبيعها في السوق: أي قبل أن يقدم وفدهم في فدائهم فقال لي يهودي: يا أبا أسعيد تريد بيعها وفي بطنها منك سخلة هي في الأصل ولد الغنم، فقلت: كلا، إني كنت أعزل عنها، فقال: تلك الوأدة الصغرى: أي المرة من الوأد، وهو أن يدفن الرجل بنته حية، فالموؤودة البنت تدفن في القبر وهي حية، كانت الجاهلية خصوصا كندة تفعل ذلك، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرته، فقال: كذبت يهود، كذبت يهود، زاد في رواية «لو أراد

الله عز وجل أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه» وبهذا مع ما تقدم من نفي الحرج استدل أئمتنا رحمهم الله على جواز العزل مع الكراهة في كل امرأة سرية أو حرة في كل حال، سواء رضيت أم لا؛ وقال جمع بحرمته، قالوا لأنه طريق إلى قطع النسل، وفي مسلم ما يوافق ما قالته يهود. ففي مسلم «سألوه صلى الله عليه وسلم عن العزل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك الوأد الخفي» أي بمثابة دفن البنت حية الذي كان يفعله الجاهلية خوف الإملاق أو خوف حصول العار.

إلا أن يقال: هذا كان منه صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه بحل ذلك ثم نسخ فلا مخالفة. ويدل لذلك ما في مسلم أيضا عن جابر رضي الله عنه: «كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل فلم ينهنا» . وفي رواية «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن لي جارية هي خادمنا وساقيتنا في النخل، وأنا أكره أن تحمل، فقال صلى الله عليه وسلم: أعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها، فلبث الرجل ثم أتاه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الجارية قد حبلت، فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها» فقد أرشده صلى الله عليه وسلم إلى العزل الذي لا يكون معه الولد غالبا، وأخبر بأن ذلك لا يمنع وجود ما قدر لها من حصول الولد.

وعن عبد الله بن زياد رضي الله عنه. قال «أفاء» أي غنم «رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة بني المصطلق جويرية بنت الحارث، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأقبل أبوها في فدائها، فلما كان بالعقيق نظر إلى إبله التي يفدي بها ابنته فرغب في بعيرين منها كانا من أفضلها، فعقبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أصبتم ابنتي. وفي رواية قال: يا رسول الله كريمة لا تسبى وهذا فداؤها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين البعيران اللذان عقبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: أشهد أنك رسول الله، ما اطلع على ذلك إلا الله وأسلم» ولعله دخل بالأمان إلى المدينة. وفي رواية: أنه أسلم قبل ذلك وأسلم معه ابنان وناس من قومه وعليه فيكون قوله فأسلم: أي أظهر إسلامه، وعند ذلك أمره صلى الله عليه وسلم بأن يخيرها، فقالت: أحسنت وأجملت، فقال لها أبوها: يا بنية لا تفضحي قومك، قالت اخترت الله ورسوله. وفيه كيف يأمره صلى الله عليه وسلم بتخييرها بعد أن تزوجها، كما تقدم أن مقتضى السياق أنه تزوجها وهم على الماء.

ثم رأيت الإمام أبا العباس بن تيمية أنكر مجيء أبيها وتخييرها فليتأمل.

وفي الاستيعاب: أن عبد الله بن الحارث أخا جويرية بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في فداء أسارى بني المصطلق وغيب في الطريق ذودا وجارية سوداء، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء الأسارى. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم فما جئت به؟ قال: ما جئت بشيء قال: فأين الذود والجارية السوداء الذي غيبت في

موضع كذا؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، والله ما كان معي أحد ولا سبقني إليك أحد فأسلم. وفيه ما تقدّم في أبيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك الهجرة حتى تبلغ برك الغماد، هذا كلامه. والذود: من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر.

والمتبادر من هذا السياق أنه جاء بذلك الذود وتلك الجارية للفداء، فعنّ له أن يسأل في الفداء من غير شيء، فغيب ذلك الذود وتلك الجارية طمعا في أنه صلى الله عليه وسلم يجيبه لذلك لمكان أخته عنده. ويحتمل أن العبارة فيها اختصار، وحينئذ يكون الأصل في قوله صلى الله عليه وسلم فما جئت به المال الزائد على هذا الذي جئت به، فيكون الذود والجارية بعض ما جاء به للفداء؛ فقال: ما جئت بشيء: أي زائد على هذا الذي جئت به لأنه يبعد أن يطلب الفداء من غير شيء فليتأمل.

وفي لفظ أنه لما جاء أبوها في فدائها دفعت إليه ابنته جويرية وأسلمت وحسن إسلامها فخطبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبيها، فزوّجه إياها وأصدقها أربعمائة درهم.

وفي الإمتاع يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق. ويقال جعل صداقها عتق أربعين من قومها، ولا يخفى أن مجيء أبيها في فدائها وتزويجها للنبي صلى الله عليه وسلم مخالف لسياق ما تقدم أنه تزوجها وهم على الماء، ويحتاج للجمع بين ما ذكر وبين ما روي أنه لما رأى المسلمون أنه صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية قال في حق بني المصطلق: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقوا ما بأيديهم منهم.

وعبارة الإمتاع: ولما تزوّجها صلى الله عليه وسلم، خرج الخبر إلى الناس وقد اقتسموا رجال بني المصطلق وملكوهم ووطئوا نساءهم، فقالوا أصهار النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقوا ما بأيديهم من ذلك السبي.

وعن جويرية رضي الله تعالى عنها قالت: لما أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوّجني، والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم، وما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر، فحمدت الله سبحانه وتعالى.

أقول: وذكر بعضهم أن ليلة دخوله صلى الله عليه وسلم بها طلبتهم منه فوهبهم لها ويحتاج للجمع، ويقال في الجمع بين ما تقدم من فدائهم وإطلاقهم من غير فداء بأنه يجوز أن يكون الفداء وقع لبعضهم قبل عتق جويرية والتزوّج بها، فلما تزوّجها صلى الله عليه وسلم أطلق بعضهم الآخر الباقي، فالفداء وقع لبعضهم والإعتاق وقع لبعضهم الآخر، فإن السبي كان لأهل مائتي بيت. ويؤيد ذلك قول بعضهم: كان السبي منهم من منّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير فداء ومنهم من افتدى. ويؤيد ذلك ما يأتي في كلام عائشة رضي الله تعالى عنها أن الإعتاق كان لأهل مائة بيت، أي فيكون الفداء لأهل مائة بيت والإطلاق في الفداء لأهل المائة الأخرى، ويكون مراد جويرية رضي الله عنها

بقولها «ما كلمته في قومي» أي فيمن بقي منهم.

ثم لا يخفى أن مجيء أبيها أو أخيها ومجيء وفدهم لفدائهم مخالف لما تقدم من أنه أسر سائرهم: الرجال والنساء والذرية، ولم يفلت منهم أحد، ويبعد غياب هؤلاء خصوصا أباها الذي كان يجمع القوم، فعليك أن تتنبه للجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها والله أعلم. ثم بعد ذلك أسلم بنو المصطلق. وبعد بعامين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط لأخذ الصدقة: أي وكان بينهم وبينه شحناء في الجاهلية، فخرجوا للقائه وهم متقلدون السيوف فرحا وسرورا بقدومه، فتوهم أنهم خرجوا لقتاله ففر راجعا، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم ارتدوا، فهمّ عليه الصلاة والسلام بقتالهم: أي وأكثر المسلمون ذكر غزوهم، فعند ذلك قدم وفدهم وأخبروا بأنهم خرجوا إليه ليكرموه ويؤدوا ما عليهم من الصدقة.

أي وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم خالد بن الوليد فأخبروه الخبر. وعند إرساله قال له صلى الله عليه وسلم أرمقهم عند الصلاة فإن كان القوم تركوا الصلاة فشأنك بهم، فدنا منهم عند غروب الشمس، فكمن حيث يسمع الصلاة، فإذا هو بالمؤذن قد قام حين غربت الشمس فأذن ثم أقام الصلاة فصلوا المغرب، ثم لما غاب الشفق أذن مؤذنهم ثم أقام الصلاة فصلوا العشاء، ثم لما كان جوف الليل فإذا هم يتهجدون ثم عند طلوع الفجر أذن مؤذنهم وأقام الصلاة فصلوا، فلما انصرفوا وأضاء النهار فإذا هم بنواصي الخيل في ديارهم. فقالوا ما هذا؟ قيل خالد بن الوليد. فقالوا يا خالد ما شأنك؟ قال: أنتم والله شأني، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له إنكم تركتم الصلاة وكفرتم بالله، فجثوا يبكون وقالوا معاذ الله، وهذا الوليد بيننا وبينه شحناء في الجاهلية، وإنما خرجنا بالسيوف خشية أن يكافئنا بالذي كان بيننا وبينه، فرد الخيل عنهم ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ [الحجرات: الآية 6] الآيتين.

قال ابن عبد البر رحمه الله: لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ [الحجرات: الآية 6] نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق لأخذ صدقاتهم: أي ونزل فيه وفي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (18) [السّجدة: الآية 18] أي فكان يدعى الفاسق، وبعثه لأخذ صدقات بني المصطلق يرد قول من قال إنه ممن أسلم يوم الفتح، وكان قد ناهز الحلم.

أي ويرد ما روى بعضهم عنه أنه قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيمسح على رؤوسهم ويدعو لهم بالبركة فأتي بي إليه وأنا مضمخ بالخلوق، فلم يمسح على رأسي، ولم يمنعه من ذلك إلا وجود الخلوق.

ويرد ذلك أيضا ما سيأتي أنه خرج هو وأخوه عمارة ليرد أختهما أم كلثوم عن الهجرة وكانت هجرتها في الهدنة: هدنة الحديبية.

والوليد هذا كان أخا عثمان بن عفان لأمه وولاه الكوفة: أي وعزل عنها سعد بن أبي وقاص، فلما قدم الوليد الكوفة على سعد رضي الله عنه قال له: والله ما أدري أصرت كيسا بعدنا أم حمقنا بعدك، فقال له: لا تجزعنّ أبا إسحاق وإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون، فقال سعد: أراكم- يعني بني أمية- ستجعلونها والله- يعني الخلافة- ملكا، وعند ذلك قال الناس: بئسما فعل عثمان رضي الله عنه، عزل سعدا الهين اللين الورع المستجاب الدعوة، وولى أخاه الخائن الفاسق كما تقدم.

ولقي الوليد ابن مسعود رضي الله عنه فقال له: ما جاء بك؟ فقال: جئت أميرا. فقال له ابن مسعود: ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس؟ وكان الوليد شاعرا ظريفا حليما شجاعا كريما، شرب الخمر ليلة من أول الليل إلى الفجر، فلما أذن المؤذن لصلاة الفجر خرج إلى المسجد وصلى بأهل الكوفة الصبح أربع ركعات، وصار يقول في ركوعه وسجوده اشرب واسقني، ثم قاء في المحراب، ثم سلم وقال: هل أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لا زادك الله خيرا ولا من بعثك إلينا، وأخذ فردة خفه وضرب بها وجه الوليد، وحصبه الناس، فدخل القصر والحصباء تأخذه وهو مترنح، وإلى ذلك يشير الحطيئة بقوله:

شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر

نادى وقد تمت صلاتهم ... أأزيدكم سكرا وما يدري

ولما شهدوا عليه بشرب الخمر عند عثمان بن عفان رضي الله عنه استقدمه، وأمر به فجلد: أي أمر عليا كرم الله وجهه أن يقيم عليه الحدّ فجلده. وقيل: فقال عليّ كرم الله وجهه لابن أخيه عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما: أقم عليه الحدّ أي بعد أن أمر ابنه الحسن رضي الله عنه بذلك فامتنع، فأخذ عبد الله رضي الله عنه السوط وجلده وعليّ كرم الله وجهه يعدّ عليه حتى بلغ أربعين. فقال لعبد الله:

أمسك، جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر أربعين وجلد أبو بكر رضي الله عنه أربعين، وجلد عمر رضي الله عنه ثمانين، وكل سنة. وهذا: أي ما فعلته من جلده أربعين أحبّ إليّ من جلد عمر ثمانين.

هذا، وفي البخاري أن عبد الله جلده ثمانين. وأجيب عنه بأن السوط كان له رأسان وحينئذ يكون قوله «وكل سنة» أي طريقة، فأربعون طريقته صلى الله عليه وسلم. وطريقة الصديق رضي الله عنه، والثمانون طريقة عمر رضي الله عنه رآها اجتهادا مع استشارته

لبعض الصحابة في ذلك، لما رآه من كثرة شرب الناس للخمر.

وبعد أن جلده وعزله عن الكوفة أعاد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

ولما أراد سعد أن يصعد المنبر قال: لا أصعد عليه حتى تغسلوه من آثار الوليد الفاسق فإنه نجس فغسلوه كما تقدم.

وإرسال الوليد بن عقبة لبني المصطلق كان ينبغي أن يذكر في السرايا، وكذا إرسال خالد رضي الله عنه لهم.

قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها من جويرية، أعتق بتزويجها لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مائة بيت، أي ومن المعلوم أن هذا كان قبل سبايا أوطاس الذين أطلقوا بسبب أخته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة على ما سيأتي في بعض الروايات وقيل في حقها: ما عرفت امرأة هي أيمن على قومها منها.

وذكرت جويرية رضي الله عنها أنها قبل قدومه صلى الله عليه وسلم عليهم بثلاث ليال رأت كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجرها. أي وعنها رضي الله عنها قالت: فكرهت أن أخبر بها أحدا من الناس، فلما سبينا رجوت الرؤيا.

قال وعنها رضي الله عنها أنها قالت: لما أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن على المريسيع، فأسمع أبي يقول: أتانا ما لا قبل لنا به فلبثت أرى من الناس والخيل والسلاح ما لا أصف من الكثرة، فلما أن أسلمت وتزوّجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعنا جعلت أنظر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى، فعلمت أنه رعب من الله تعالى يلقيه في قلوب المشركين، أي وهذا مما يؤيد ما تقدّم من أنه صلى الله عليه وسلم تزوّجها وهم على الماء الذي هو المريسيع، وكان رجل منهم ممن أسلم وحسن إسلامه يقول: لقد كنا نرى رجالا بيضا على خيل بلق ما كنا نراهم قبل ولا بعد انتهى. وهو يدل على أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام كانت مددا لهم في هذه الغزوة.

ولم يقتل في غزوة بني المصطلق من المسلمين إلا رجل واحد قتله رجل من الأنصار خطأ يظنه من العدوّ، والمقتول هشام بن صبابة رضي الله تعالى عنه.

أقول: وهذا مجمل قول الحافظ الدمياطي رحمه الله في سيرته: إنه لم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد فاعتراض صاحب الهدى عليه بأن هذا وهم لأنهم لم يكن بينهم قتال ليس في محله، لأنه فهم أن الرجل قتله الكفار، وقد علمت أنه إنما قتله شخص من الأنصار يظنه من العدوّ، والله أعلم، وقدم أخو هذا المقتول من مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مظهرا الإسلام وقال: جئت أطلب دية أخي، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية أخيه، فأخذها مائة من الإبل، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدا، ويوم فتح مكة أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه،

فقتل في ذلك اليوم كما سيأتي.

وما هنا هو الصحيح خلافا لما يأتي عن الأصل في فتح مكة أن قتل أخيه كان في غزوة ذي قرد ثم بعد انقضاء الحرب وهم على الماء اختصم أجير لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أي كان يقود له فرسه يقال له جهجاه رضي الله عنه مع رجل من حلفاء الخزرج، قيل حليف عمرو بن عمرو، وقيل حليف عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وهو سنان بن فروة رضي الله عنه، أي فضرب أجير عمر رضي الله عنه حليف الخزرج فسال الدم، وفي لفظ: كسعه، أي دفعه، فنادى حليف الخزرج؛ يا معشر الأنصار، أي وقيل قال: يا للخزرج، ونادى أجير عمر يا معشر المهاجرين، وقيل قال: يا لكنانة يا لقريش، فأقبل جمع من الجيشين، وشهروا السلاح حتى كاد أن تكون فتنة عظيمة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ فأخبر بالحال. أي فقالوا رجل من المهاجرين ضرب رجلا من الأنصار. فقال صلى الله عليه وسلم: دعوها، أي تلك الكلمة التي هي يا لفلان فإنها منتنة، أي مذمومة لأنها من دعوى الجاهلية، وجاء «من دعا دعوى الجاهلية كان من محشي جهنم» أي مما يرمى به فيها «قيل: يا رسول الله وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم، قال: وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم» وقال صلى الله عليه وسلم «لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه فإنه ناصر، أي له، وإن كان مظلوما فلينصره» أي يزيل ظلامته، ثم كلموا ذلك المضروب فترك حقه، فسكنت الفتنة وانطفت ثائرة الحرب.

وجهجاه هذا روى عنه عطاء بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد» وهو المراد بهذا الحديث في كفره وإسلامه، لأنه شرب حلاب سبع شياه قبل أن يسلم ثم أسلم، فلم يستتم حلاب شاة واحدة، أي وسيأتي نظير ذلك لثمامة الحنفي.

ونقل أبو عبيد أن الرجل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المقالة هو أبو بصرة الغفاري، أي ولا مانع أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك في حق الرجل المذكور أيضا، فقد تكرر منه صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات لرجال ثلاثة أكل كل واحد منهم في الكفر أكثر مما أكل في الإسلام.

قال ابن عبد البر رحمه الله: وجهجاه هذا هو الذي تناول عصا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يد عثمان رضي الله عنه وهو يخطب فكسرها على ركبته، فأخذته أكلة في ركبته فمات منها، هذا كلامه.

وفي كلام السهيلي رحمه الله أنه انتزع تلك العصا من عثمان حين أخرج من المسجد ومنع من الصلاة فيه؛ وكان هو أحد المعينين عليه هذا كلامه.

وقد يقال: لا مخالفة بين كونه أخذ العصا منه وهو يخطب وبين كونه أخذها حين أخرج من المسجد، لأنه يجوز أن يكون أخرج من المسجد في أثناء الخطبة وأخذت العصا منه حينئذ.

وعند تخاصم الرجلين غضب عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكان عنده رهط من قومه من الخزرج من المنافقين، وكان عندهم زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه وهو غلام حديث السن، فقال عبد الله بن أبيّ لعنه الله: والله ما رأيت كاليوم مذلة، أو قد فعلوها؟ نافرونا، أي غلبونا وكاثرونا في بلادنا، أي وأنكرونا ملتنا، والله ما أعدّنا:

أي أظننا يعني معاشر الأنصار وقريش. وفي رواية: وجلابيب قريش، هؤلاء يعني معاشر المهاجرين إلا كما قال الأول، أي الأقدمون في أمثالهم: سمن كلبك يأكلك، أي ويقولون: أجع كلبك يتبعك، والله لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما سمعت أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني بالأعز نفسه، وبالأذل النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي الاستيعاب أن عبد الله بن أبيّ قال ذلك في غزوة تبوك، هذا كلامه، وفيه نظر ظاهر.

والجلابيب: جمع جلبيب ما يجلب من بلد إلى غيره يعني أغراب. وقيل شبهوا بالجلابيب التي هي الأزر الغلاظ القليلة القيمة.

ثم أقبل على من حضر من قومه. فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم، أي ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا فقتلتم دونه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، فأيتمتم أولادكم، وقللتم وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من عند محمد صلى الله عليه وسلم، فسمع ذلك زيد بن أرقم رضي الله عنه على ما هو الصحيح، وقيل سفيان بن تيم، فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أي ونفر من المهاجرين والأنصار.

وفي البخاري عن زيد بن أرقم رضي الله عنه «فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فدعاني فحدثته، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وتغير وجهه، وقال له:

يا غلام لعلك غضبت عليه، قال: والله يا رسول الله لقد سمعته منه، قال: لعله أخطأ سمعك، ولامه من حضر من الأنصار، وقالوا: عمدت إلى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل» .

أي وفي البخاري «فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأصابني همّ لم يصبني مثله قط، وجلست في البيت» أي الخباء «فقال لي عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم

ومقتك، فقال زيد: والله لقد سمعت ما قال، ولو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لأرجو أن ينزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ما يصدق حديثي» .

أي وقيل إن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال لابن أبيّ لما قال أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل: أنت والله الذليل المنقص في قومك:

ومحمد صلى الله عليه وسلم في عز من الرحمن وقوة من المسلمين، فقال له ابن أبيّ لعنه الله:

اسكت، فإنما كنت ألعب، فعند تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنه عمر رضي الله عنه في أن يقتل ابن أبي، والتمس منه أن يأمر غيره بقتله إذا لم يأذن له في ذلك.

أي فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان من أمر ابن أبيّ ما كان، جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فيء شجرة: أي ظلها، عنده غليم أسود يغمز ظهره أي يكبسه. فقلت يا رسول الله كأنك تشتكي ظهرك: فقال تقحمت بي الناقة: أي ألقتني الليلة، فقلت يا رسول الله ائذن لي أن أضرب عنق ابن أبيّ، أو مر محمد بن مسلمة بقتله. أي وفي رواية مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يا عمر إذا تحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه.

وفي لفظ أن عمر رضي الله عنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصاريا؛ فقال: ترعد له أذن وأنف كثيرة بيثرب يعني المدينة، ولعل تسميته صلى الله عليه وسلم لها بذلك إن كان بعد النهي لبيان الجواز.

ويبعد أن يكون ذلك كان قبل النهي عن ذلك ولكن أذن بالرحيل، وكان ذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها.

أي وفي رواية: لما شاع الخبر ولم يكن للناس حديث في ذلك اليوم. أي الوقت إلا ذلك، أذن بالرحيل، وكانت ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحل فيها، أي لشدة الحر، فارتحل الناس وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه أسيد بن حضير رضي الله عنه فحياه بتحية النبوّة وسلم عليه، أي قال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وقال: يا نبي الله لقد رحلت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها، أي فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرحل إلا إن برد الوقت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما بلغك ما قال صاحبكم، فقال: أي صاحب يا رسول الله؟ قال عبد الله بن أبي ابن سلول، قال وما قال؟ قال:

زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل، قال: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله أرفق به فو الله لقد جاء الله بك. وفي رواية لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه، ما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي، فإنه ليرى أنك استلبته ملكا، وقد تقدم الاعتذار عنه بذلك في غير ما مرة.

ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس سيرا حثيثا أي صار يضرب راحلته بالسوط في مراقها: أي مارق من جلد أسفل بطنها، وسار يومهم ذلك وليلتهم، وصدر ذلك اليوم الثاني حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض وقعوا نياما، وإنما فعل صلى الله عليه وسلم ذلك ليشتغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي ابن سلول.

قال وذهب بعض الأنصار الذين سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم ورده على الغلام إلى ابن أبي لعنه الله. فقال له: يا أبا الحباب إن كنت قلت ما نقل عنك فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فليستغفر لك، ولا تجحده فينزل فيك ما يكذبك وإن كنت لم تقله فائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذر له واحلف له ما قلته، فحلف بالله العظيم ما قاله من ذلك شيئا، ثم مشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن أبيّ إن كانت سبقت منك مقالة فتب، فجعل يحلف بالله ما قلت ما قال زيد، وما تكلمت به انتهى.

أي وفي لفظ أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى ابن أبي فأتاه، فقال له: أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني عنك؟ فقال: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل.

أي، وفي لفظ أنهم قالوا: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا يصدق عليه كلام غلام.

ثم إن عبد الله رضي الله عنه ولد عبد الله بن أبي ابن سلول، أي وكان اسمه الحباب، فسماه صلى الله عليه وسلم يوم موت أبيه عبد الله لما بلغه مقالة عمر رضي الله عنه من قتل أبيه، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنه قد بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي يعني والده فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني أن أحمل لك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا.

قال وفي رواية، فمرني، فو الله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، وإني لأخشى يا رسول الله أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فأدخل النار، فعفوك أفضل، ومنتك أعظم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أردت قتله، ولا أمرت به ولنحسنن صحبته ما كان بين أظهرنا، فقال عبد الله: يا رسول الله إن أبي كانت أهل هذه البحيرة أي المدينة، اتفقوا على أن يتوّجوه عليهم، فجاء الله عز وجل بك فوضعه ورفعنا بك، أي زاد في رواية: ومعه قوم أي من المنافقين يطيفون به ويذكرونه أمورا قد غلب الله عليها، وتقدم أنه وقع لعبد الله رضي الله عنه مثل ذلك مع أبيه.

روى الدارقطني مسندا «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على جماعة فيهم عبد الله بن أبي، فسلم عليهم ثم ولى، فقال عبد الله: لقد عثا ابن أبي كبشة في هذه البلاد، فسمعها ابنه عبد الله، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يأتيه برأس أبيه، فقال لا ولكن بر أباك، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرب المدينة هاجت ريح شديدة تخوفوها كادت تدفن الراكب» أي خافوا أن تكون لأمر حدث بالمدينة على أهلهم، فإن مدة الموادعة التي كانت بينه صلى الله عليه وسلم وبين عيينة بن حصن كان ذلك حين انقضائها، فخافوا على المدينة منه «فقال صلى الله عليه وسلم: ليس عليكم منه» يعني من عيينة بن حصن «بأس، ما بالمدينة من نقب» أي باب «إلا وملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها، ولكن تعصف هذه الريح لموت عظيم من الكفار» وفي رواية «لموت منافق» وفي لفظ «مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة» فكان كما قال صلى الله عليه وسلم مات في ذلك اليوم زيد بن رفاعة بن التابوت وكان كهفا للمنافقين، كان من عظماء يهود بني قينقاع وكان ممن أسلم ظاهرا، وإلى ذلك أشار الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته بقوله:

وقد عصفت ريح فأخبرت أنها ... لموت عظيم في اليهود بطيبة

قال: وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بموته، فقد جاء أن عبادة بن الصامت قال لابن أبي: يا أبا حباب مات خليلك قال: أيّ خليل؟ قال: من موته فتح للإسلام وأهله، قال: من؟ قال: زيد بن رفاعة. قال: واويلاه من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟

قال، قلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه مات هذه الساعة، فحزن حزنا شديدا. انتهى وذكر أهل المدينة أن هذه الريح وجدت بالمدينة، وأنه لما دفن عدوّ الله سكنت.

أقول لكن في كلام ابن الجوزي رفاعة بن زيد بن التابوت، وهو عمّ قتادة بن النعمان، قد ذكر عنه قتادة رضي الله تعالى عنه ما يدل على صحة إسلامه.

أي وقد يقال: جاز أن يكون أظهر ذلك لقتادة ليظن به ما ظنه من صحة إسلامه.

قال ابن الجوزي: ولهم رفاعة بن التابوت معدود في الصحابة ذكره في الإصابة. قال: جاء ذكره في حديث مرسل، كانوا في الجاهلية إذا أحرموا لم يأتوا بيتا من قبل بابه، ولكن من قبل ظهره، إلا الحمس فإنها كانت تأتي البيوت من أبوابها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا ثم خرج من بابه، فأتبعه رجل يقال له رفاعة بن التابوت ولم يكن من الحمس. فقالوا: يا رسول الله نافق رفاعة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما حملك على ما صنعت ولم تكن من الحمس؟ قال: فإن ديننا واحد، فنزلت وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [البقرة: الآية 189] وسيأتي نحو هذه القصة لقطبة بن عامر ولعلها وقعت لهما.

وأما الحديث الذي أخرجه مسلم «إن ريحا عظيمة هبت فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها هبت لموت منافق عظيم النفاق» وهو رفاعة بن التابوت، فهو آخر غير هذا. فقد جاء من وجه آخر «رافع بن التابوت» أي فذكر رفاعة بدل رافع من تصر


تحميل : غزوة بني المصطلق من كتاب السيرة الحلبية

كلمات دليلية: