غزوة بدر الكبرى من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

غزوة بدر الكبرى من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

غزوة بدر الكبرى

«4»

لم يطل العهد بتلك العير العظيمة التي خرج لها عليه الصلاة والسلام وهي

__________

(1) وهي لغة: التطهير والإصلاح والنماء والمدح، وشرعا: اسم لما يخرج من مال أو صدقة على وجه مخصوص وهي أحد أركان الاسلام ومن جحدها كفر ويقاتل الممتنع عن أدائها، وتؤخذ منه قهرا وإن لم يقاتل.

(2) كل أربعين شاة إلى مائة وعشرين شاة شاة وفي ثلاثين من البقر تبيع (له سنة) وفي كل أربعين مسنة (لها سنتان) وفي خمس من الإبل إلى عشرين جذعة، أو جذع ضأن (له سنة) .

(3) سورة التوبة اية 60.

(4) حدثت في 17 رمضان في السنة الثانية من الهجرة سنة 924 م في يوم الجمعة على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة. وبدر بلدة بالحجاز إلى الجنوب الشرقي من ساحل البحر، ويسمونها بدر حنين

متوجّهة إلى الشام، فلم يدركها ولم يزل مترقبا رجوعها. فلما سمع برجوعها ندب إليها أصحابه وقال: هذه عير قريش فاخرجوا إليها لعلّ الله أن ينفلكموها فأجاب قوم وثقل اخرون لظنهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يرد حربا، فإنه لم يحتفل بها بل قال: من كان ظهره حاضرا فليركب معنا. ولم ينتظر من كان ظهره غائبا، فخرج لثلاث ليال خلون من رمضان بعد أن ولّى على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وكان معه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا: مائتان ونيف وأربعون من الأنصار. والباقون من المهاجرين، ومعهم فرسان، وسبعون بعيرا يعتقبونها «1» .

والحامل للواء مصعب بن عمير العبدري. ولما علم أبو سفيان بخروج الرسول صلّى الله عليه وسلّم استأجر راكبا «2» ليأتي قريشا ويخبرهم الخبر، فلمّا علموا بذلك أدركتهم حميتهم، وخافوا على تجارتهم، فنفروا سراعا ولم يتخلّف من أشرافهم إلّا أبو لهب بن عبد المطلب، فإنه أرسل بدله العاص بن هشام بن المغيرة «3» . وأراد أمية بن خلف أن يتخلّف لحديث حدثه إياه سعد بن معاذ حينما كان معتمرا بعد الهجرة بقليل، حيث قال كما رواه البخاري: سمعت من رسول الله يقول: إنهم قاتلوك بمكّة؟

قال لا أدري، ففزع لذلك، وحلف ألّا يخرج، فعابه أبو جهل ولم يزل به حتى خرج قاصدا الرجوع بعد قليل. ولكن إرادة الله فوق كل إرادة فإن منيته ساقته إلى حتفه رغم أنفه. وكذلك عزم جماعة من الأشراف «4» على القعود فعيب عليهم ذلك، وبهذا أجمعت رجال قريش على الخروج، فخرجوا على الصعب والذلول، أمامهم القينات يغنين بهجاء المسلمين وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ «5» . وقد ضرب الله عمل الشيطان هذا مثلا يعتبر به ذوو الرأي من بعدهم، فقال في سورة الحشر: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ»

__________

وهي في سهل يليه من الشمال إلى الشرق جبال وعرة ومن الجنوب اكام صخرية، ومن الغرب كثبان رملية.

(1) يتناوبون ركوبها.

(2) ضمضم بن عمرو.

(3) استأجره بأربعة الاف درهم كانت له عليه قد أفلس بها.

(4) عتبة بن ربيعة وأبو سفيان وحكيم بن حزام.

(5) سورة الأنفال اية 48.

(6) اية 16.

وهكذا كان عمله في هذه الواقعة فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ «1» وكان عدة من خرج من المشركين تسعمائة وخمسين رجلا معهم مائة فرس وسبعمائة بعير «2» أما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يكن يعرف شيئا مما فعله المشركون، ولم يكن خروجه إلّا للعير، فعسكر ببيوت السقيا خارج المدينة، واستعرض الجيش فردّ من ليس له قدرة على الحرب، ثم أرسل اثنين يتجسّسان الأخبار «3» عن العير. ولما بلغ الروحاء «4» جاءه الخبر بمسير قريش لمنع عيرهم، وجاءه كبراء الجيش وقال لهم:

«أيها الناس إن الله قد وعدني إحدى الطائفتين أنها لكم العير أو النفير» فتبيّن له عليه الصلاة والسلام أن بعضهم يريدون غير ذات الشوكة وهي العير ليستعينوا بما فيها من الأموال، فقد قالوا هلا ذكرت لنا القتال فنستعد، وجاء مصداق ذلك قوله تعالى في سورة الأنفال وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ «5» . ثم قام المقداد بن الأسود «6» رضي الله عنه فقال:

يا رسول الله امض لما أمرك الله فو الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:

اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله لو سرت بنا إلى برك الغماد «7» لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه فدعا له بخير، ثم قال عليه الصلاة والسلام: أشيروا عليّ أيها الناس وهو يريد الأنصار، لأن بيعة العقبة ربما يفهم منها أنه لا تجب عليهم نصرته إلّا ما دام بين أظهرهم. فإن فيها: يا رسول الله إنا براء من ذمتك حتى تصل إلى دارنا، فإذا

__________

(1) سورة الأنفال اية 48.

(2) قال الأموي: كان مع المشركين ستون فرسا وستمائة درع، وكان مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرسان وستون درعا.

(3) وهما بسبس بن عمرو الجهني حليف بني ساعدة وعدي بن أبي الزّغباء حليف بني النجار قال موسى بن عقبة: عدى بن أبي الزغباء مات في خلافة عمر وكان قد شهد بدرا وأحدا والخندق مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

(4) موضع على ثلاثين أو أربعين ميلا جنوب المدينة الغربي (المؤلف) . (قال الحازمي: موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن. وقال البكري: هي أقاصي هجر. وقال الهمداني: هو في أقصى اليمن) .

(5) اية 7.

(6) يكنى أبا الأسود أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد بعدها، وكان فارسا، واتفقوا على أنه مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان قيل وهو ابن سبعين سنة.

(7) بالغين المعجمة تضم وتكسر لغتان بعد ميم وألف ودال مهملة وقال ياقوت في المشترك «باب برك ثمانية مواضع بكسر الباء وسكون الراء وكاف وهو أقصى حجر باليمن.

وصلت إليها فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فقال سعد بن معاذ سيد الأوس: كأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال أجل، فقال سعد: قد امنا بك وصدّقناك، وأعطيناك عهودنا، فامض لما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك، وما نكره أن تكون تلقى العدو بنا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعلّ الله يريك منا ما تقرّ به عينك فسر على بركة الله، فأشرق وجهه عليه الصلاة والسلام وسرّ بذلك وقال كما في رواية البخاري « (أبشروا والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم) » فعلم القوم من هذه الجملة أنّ الحرب لا بدّ حاصلة وحقيقة حصلت، فإنّ أبا سفيان لما علم بخروج المسلمين له ترك الطريق المسلوكة، وسار متبعا ساحل البحر فنجا، وأرسل إلى قريش يعلمهم بذلك، ويشير عليهم بالرجوع، فقال أبو جهل: لا نرجع حتى نحضر بدرا «1» فنقيم فيه ثلاثا ننحر الجزر «2» ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا. فقال الأخنس بن شريق الثقفي لبني زهرة وكان حليفا لهم: ارجعوا يا قوم فقد نجّى الله أموالكم، فرجعوا، ولم يشهد بدرا زهري ولا عدوي، ثم سار الجيش حتى وصلوا وادي بدر فنزلوا عدوته القصوى «3» عن المدينة في أرض سهلة لينة أما جيش المسلمين، فإنّه لمّا قارب بدرا أرسل عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ليعرفا الأخبار «4» فصادفا سقاة لقريش فيهم غلام لبني الحجاج وغلام لبني العاص السهميين، فأتيا بهما والرسول عليه الصلاة والسلام قائم يصلي، ثم سألاهما عن أنفسهما فقالا: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم الماء، فضرباهما لأنهما ظنا أن الغلامين لأبي سفيان، فقال الغلامان: نحن لأبي سفيان فتركاهما. ولما أتمّ الرسول عليه الصلاة والسلام صلاته قال: إذا صدقاكم ضربتموهما. وإذا كذباكم تركتموهما؟! صدقا «5» . والله إنهما لقريش. ثم قال لهما: أخبراني عن قريش؟

__________

(1) محل بين مكة والمدينة وهو إلى المدينة أقرب في الجنوب الغربي منها على الطريق السلطاني، وكان به سوق تعقد كل سنة ثمانية أيام (المؤلف) .

(2) الجزر: ما يذبح من الشاة واحدتها جزرة. والعبارة في سيرة ابن هشام ننحر الجزور.

(3) عدوة الوادي: شاطئه (المؤلف) .

(4) وزاد ابن اسحاق سعد بن أبي وقّاص في نفر من أصحابه كما حدثه يزيد ابن رومان عن عروة بن الزبير.

(5) اسمهما: أسلم غلام بني الحجاج وعريض أبو يسار.

قالا: هم وراء هذا الكثيب، فقال لهما: كم هم؟ فقالا: لا ندري. قال كم ينحرون كل يوم. قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. قال: القوم ما بين التسعمائة والألف، ثم سألهما عمن في النفير من أشراف قريش فذكرا له عددا عظيما «1» فقال عليه الصلاة والسلام لاصحابه: هذه مكّة قد ألقت اليكم أفلاذ كبدها «2» ، ثم ساروا حتى نزلوا بعدوة الوادي الدنيا من المدينة بعيدا عن الماء في أرض سبخة «3» ، فأصبح المسلمون عطاشا بعضهم جنب وبعضهم محدث، فحدّثهم الشيطان بوسوسته، ولولا فضل الله عليهم ورحمته لثنيت عزائمهم، فإنه قال لهم:

ما ينتظر المشركون منكم إلّا أن يقطع العطش رقابكم، ويذهب قواكم فيتحكموا فيكم كيف شاؤوا.

فأرسل الله لهم الغيث حتى سال الوادي، فشربوا واتّخذوا الحياض على عدوة الوادي، واغتسلوا وتوضؤوا وملؤوا الأسقية، ولبدت الأرض، حتى ثبتت عليها الأقدام، على حين أنّ كان هذا المطر مصيبة على المشركين، فإنه وحّل الأرض حتى لم يعودوا يقدرون على الارتحال. ومصداق هذا قوله تعالى في سورة الأنفال وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ «4» وقد أرى الله رسوله في منامه الأعداء كما أراهموه وقت اللقاء قليلي العدة كيلا يفشل المسلمون، وليقضي الله أمرا كان مفعولا. قال تعالى في سورة الأنفال إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ «5» ثم سار جيش المسلمين حتى نزل أدنى ماء من بدر، فقال له الحباب بن المنذر «6» الأنصاري وكان مشهورا بجودة الرأي:

__________

(1) هم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية ابن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ودّ.

(2) قطع كبدها.

(3) مالحة.

(4) اية 11

(5) اية 43- 44.

(6) يكنى أبا عمرو شهد بدرا وكان يدعى بأبي الرأي مات في خلافة عمر وقد زاد على الخمسين.

يا رسول الله هذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّم عنه أو نتأخّر أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله:

ليس لك هذا بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فإني أعرف غزارة مائه وكثرته فننزله ونغور «1» ما عداه من الابار، ثم نبني عليه حوضا، فنملؤه ماء فنشرب ولا يشربون، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: لقد أشرت بالرأي.

ونهض حتى أتى أدنى ماء من القوم، ثم أمر بالابار التي خلفهم فغوّرت لينقطع أمل المشركين في الشرب من وراء المسلمين، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه. ثم قال له سعد بن معاذ سيد الأوس: يا نبي الله ألا نبني لك عريشا «2» تكون فيه، ونعدّ عندك ركائبك ثم نلقى عدونا، فإن أعزّنا الله تعالى وأظهرنا على عدّونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الاخرى، جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلّف عنك أقوام، يا نبيّ الله، ما نحن بأشدّ حبّا منهم، ولا أطوع لك منهم لهم رغبة في الجهاد ونيّة، ولو ظنّوا أنك تلقى حربا ما تخلّفوا عنك، إنما ظنّوا أنها العير، يمنعك الله بهم، ويناصحونك ويجاهدون معك، فقال عليه الصلاة والسلام: أو يقضي الله خيرا من ذلك. ثم بني للرسول عريش فوق تل مشرف على ميدان الحرب، ولما اجتمعوا عدل عليه الصلاة والسلام صفوفهم مناكبهم متلاصقة، فصاروا كأنهم بنيان مرصوص ثم نظر لقريش فقال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها «3» وفخرها تحادّك «4» وتكذب رسولك اللهمّ فنصرك الذي وعدتني به» . وفي هذا الوقت وقع خلف بين رؤساء عسكر المشركين، فإن عتبة بن ربيعة أراد أن يمنع الناس من الحرب ويحمل دم حليفه عمرو بن الحضرمي الذي قتل في سرية عبد الله بن جحش، ويحمل ما أصيب من عيره ودعا الناس إلى ذلك، فلمّا بلغ أبا جهل الخبر وسمه بالجبن وقال: والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وقبل أن تقوم الحرب على ساقها، خرج من صفوف المشركين الأسود بن عبد الأسد المخزومي وقال: أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم، أو لأهدمنّه، أو لأموتنّ دونه، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب

__________

(1) أي ندفن ونطمس.

(2) العرش كل ما أظلك وعلاك من فوقك.

(3) كبريائها.

(4) تعاديك.

وضربه ضربة قطع بها قدمه بنصف ساقه فوقع على ظهره، فزحف على الحوض حتى اقتحم فيه ليبرّ قسمه فأتبعه حمزه فقتله، ثم وقف عليه الصلاة والسلام يحرض الناس على الثبات والصبر وكان فيما قال: «وأن الصبر في مواطن البأس ما يفرّج الله به الهمّ وينجّي به من الغم» . ثم ابتدأ القتال بالمبارزة فخرج من صفوف المشركين ثلاثة نفر: عتبة بن ربيعة، بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فطلبوا أكفاءهم فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار «1» . فقالوا لا حاجة، لنا بكم، إنما نريد أكفاءنا من بني عمنا، فأخرج لهم عليه الصلاة والسلام عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب للأول، وحمزة بن عبد المطلب للثاني. وعلي بن أبي طالب للثالث.

فأما حمزة وعلي فقتلا صاحبيهما، وأما عبيدة وعتبة فأختلفا بضربتين كلاهما جرح صاحبه؛ فحمل رفيقا عبيدة على عتبة فأجهزا عليه. وحمل عبيدة بين الصفوف جريحا يسيل مخ ساقه، وأضجعوه إلى جانب موقفه صلّى الله عليه وسلّم فأفرشه رسول الله قدمه الشريفة. فوضع خده عليها وبشّره عليه الصلاة والسلام بالشهادة. فقال: وددت والله أن أبا طالب كان حيّا ليعلم أننا أحقّ منه بقوله:

ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وبعد انقضاء هذه المبارزة وقف عليه الصلاة والسلام بين الصفوف يعدلها بقضيب في يده. فمرّ بسوّاد بن غزيّة، حليف بني النجار وهو خارج من الصف، فضربه بالقضيب في بطنه وقال: «استقم يا سوّاد» ، فقال: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثت بالحقّ والعدل، فأقدني من نفسك. فكشف الرسول عليه الصلاة والسلام عن بطنه، وقال: استقد يا سواد، فاعتنقه سواد وقبّل بطنه. فقال عليه الصلاة والسلام: ما حملك على ذلك؟ فقال: يا رسول الله: قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون اخر العهد أن يمسّ جلدي جلدك «2» فدعا له بخير، ثم ابتدأ عليه الصلاة والسلام يوصي الجيش فقال: ( «لا تحملوا حتى امركم وأن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبل «3» ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم» ثم حضّهم على الصبر

__________

(1) وهم عوف ومعوّذ- ابنا الحارث- ورجل اخر يقال هو عبد الله بن رواحة.

(2) رواه ابن منده وأبو نعيم وأبو عمر بن عبد البر وقال أبو عمر قد رويت هذه القصة لسواد بن عمرو لا لسواد بن غزيّة.

(3) رواه ابن اسحاق.

والثبات، ثم رجع إلى عريشه ومعه رفيقه أبو بكر وحارسه سعد بن معاذ واقف على باب العريش متوشّح سيفه، وكان من دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام ذاك الوقت كما جاء في صحيح البخاري «اللهم أنشدك عهدك ووعدك اللهم ان شئت لم تعبد» ) فقال أبو بكر: حسبك فإن الله سينجز لك وعدك «1» . فخرج عليه الصلاة والسلام من العريش وهو يقول سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «2» . ثم قال عليه الصلاة والسلام يحرض الجيش: «والذي نفس محمّد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنّة، ومن قتل قتيلا فله سلبه» فقال عمير بن الحمام «3» وبيده تمرات يأكلها: بخ بخ «4» ، ما بيني وبين أن أدخل الجنّة ألا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه، وقاتل حتى قتل «5» ، واشتدّ القتال، وحمي الوطيس. وأيّد الله المسلمين بالملائكة بشرى لهم ولتطمئن به قلوبهم، فلم تكن إلّا ساعة حتى هزم الجمع، وولوا الدّبر، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتل من المشركين نحو السبعين منهم من قريش عتبة «6» وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة قتلوا مبارزة أول القتال»

، وأبو البختري بن هشام «8» ، والجرّاح والد أبي عبيدة قتله ابنه بعد أن ابتعد عنه فلم يزدجر، وقتل أمية بن خلف وابنه علي، اشترك في قتلهما جماعة من الأنصار مع بلال بن رباح وعمّار بن ياسر، وقد سعيا في ذلك لما كان يفعله بهما أمية في مكّة. ومن القتلى حنظلة بن أبي سفيان، وأبو جهل بن هشام أثخنه فتيان صغيران «9» من الأنصار،

__________

(1) رواه الشيخان والترمذي.

(2) سورة القمر اية 45.

(3) كان أول قتيل في سبيل الله في الحرب. وفي حديث مسلم والبخاري: أن هذه القصة كانت أيضا يوم أحد لكنه لم يسمّ فيها عميرا، ولا غيره فالله أعلم.

(4) هي كلمة معناها التعجب وفيها لغات بسكون الخاء وبكسرها مع التنوين وبتشديدها منوّنة وغير منونة.

(5) قتله خالد بن الأعلم.

(6) قال ابن هشام: اشترك فيه هو وحمزة وعلي.

(7) قال ابن إسحاق: شيبة قتله حمزة والوليد قتله علي بن أبي طالب.

(8) قتله المجذّر بن زياد البلوي.

(9) ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح فقطع رجله وضرب ابنه عكرمة يد معاذ فطرحها ثم ضربه معوّذ بن عفراء حتى أثبته، ثم تركه وبه رمق، ثم دفق عليه عبد الله بن مسعود واحتز رأسه، حين أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يلتمس في القتلى. وفي صحيح مسلم أنهما معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمر بن الجموح وأصح من هذا كله حديث أنس حيث قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من يأتيني بخبر أبي جهل، في الحديث وفيه أن بني عفراء قتلاه.

لما كانا يسمعانه من أنه كان شديد الإيذاء لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأجهز عليه عبد الله بن مسعود، وقتل نوفل بن خويلد قتله علي بن أبي طالب، وقتل عبيدة والعاص «1» والد أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية، وقتل كثيرون غيرهم، أما الأسرى فكانوا سبعين أيضا، قتل منهم عليه الصلاة والسلام وهو راجع بن أبي معيط «2» ، والنضر بن الحارث «3» اللذين كانا بمكّة من أشدّ المستهزئين. وكانت هذه الواقعة في 17 رمضان، وهو اليوم الذي ابتدأ فيه نزول القران وبين التاريخين 14 سنة قمرية كاملة.

وقد أمر عليه الصلاة والسلام بالقتلى فنقلوا من مصارعهم التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر بها قبل حصول الموقعة إلى قليب بدر، لأنه عليه الصلاة والسلام كان من سننه في مغازيه إذا مرّ بجيفة إنسان أمر بها فدفنت لا يسأل عنه مؤمنا، أو كافرا «4» . ولما ألقي عتبة والد أبي حذيفة «5» أحد السابقين إلى الإسلام تغير وجه ابنه، ففطن الرسول عليه الصلاة والسلام لذلك، فقال:

لعلّك دخلك من شأن أبيك شيء! فقال لا والله ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام، فلما رأيت ما مات عليه أحزنني ذلك، فدعا له الرسول عليه الصلاة والسلام بخير، ثم أمر عليه الصلاة والسلام براحلته، فشدّ عليها حتى قام على شفة القليب الذي رمى فيه المشركون، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء ابائهم: يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان، أيسرّكم أنكم كنتم أطعتم الله ورسوله، فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّا. فقال عمر: يا رسول الله ما تكلّم من أجساد لا أرواح فيها! فقال: والذي نفس محمّد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، وتقول عائشة رضي الله عنها: إنما قال إنهم الان ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حقّ، ثم

__________

(1) قتله عمر بن الخطاب.

(2) قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح.

(3) قتله علي ابن أبي طالب.

(4) هكذا وقع في السن للدار قطني.

(5) يكنى سالما هاجر الهجرتين، وصلّى إلى القبلتين، وأسلم بعد ثلاثة وأربعين انسانا، وكان ممن شهد بدرا، واستشهد يوم اليمامة وهو ابن ست وخمسين سنة.

قرأت: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى «1» وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ «2» ، تقول يعلمون ذلك حينما تبوؤوا مقاعدهم من النار- رواه البخاري- ثم أرسل عليه الصلاة والسلام المبشرين، فأرسل عبد الله بن أبي رواحة لأهل العالية «3» ، وأرسل زيد بن حارثة لأهل السافلة راكبا على ناقة رسول الله، وكان المنافقون والكفّار من اليهود قد أرجفوا بالرسول صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين، عادة الأعداء في إذاعة الضرّاء يقصدون بذلك فتنة المسلمين، فجاء أولئك المبشّرون بما سرّ أهل المدينة، وكان ذلك وقت انصرافهم من دفن رقية بنت رسول الله زوج عثمان. ثم قفل رسول الله راجعا، وهنا وقع خلف بين بعض المسلمين في قسمة الغنائم، فالشبان يقولون: باشرنا القتال، فهي لنا خالصة، والشيوخ يقولون: كنّا ردا لكم فنشارككم. ولمّا كان هذا الاختلاف مما يدعو إلى الضعف، ويزرع في القلوب العداوة والبغضاء المؤديين إلى تشتت الشمل، أنزل الله حسما لهذا الخلاف أول سورة الأنفال يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «4» فسطع على أفئدتهم نور القران، فتألفت بعد أن كادت تفترق، وتركوا أمر الغنائم لرسول الله يضعها كيف شاء كما حكم القران، فقسّمها عليه الصلاة والسلام على السواء الراجل مع الراجل، والفارس مع الفارس، وأدخل في الإسهام بعض من لم يحضر لأمر كلّف به وهم: أبو لبابة الأنصاري «5» لأنه كان مخلّفا على أهل المدينة والحارث بن حاطب «6» لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خلّفه على بني عمرو بن عوف ليحقّق أمرا بلغه، والحارث بن الصمّة «7» وخوّات بن جبير لأنهما كسرا بالروحاء، فلم يتمكّنا من السير، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد لأنهما أرسلا يتجسّسان الأخبار، فلم

__________

(1) سورة الروم الاية 52.

(2) سورة فاطر الاية 22.

(3) قرى بظاهر المدينة وهي العوالي- (المؤلف) .

(4) اية رقم 1.

(5) وكان أحد نقباء ليلة العقبة وكانت راية بني عمرو بن عوف يوم الفتح معه ويقال مات في خلافة علي رضي الله عنه.

(6) أخو ثعلبة وروى الطبراني بسند ضعيف أن هذا شهد صفين مع علي رضي الله عنه.

(7) اخى الرسول صلّى الله عليه وسلّم بينه وبين صهيب بن سنان وشهد أحدا إلى جنب الجبل وروى ابن اسحاق في المغازي أنه استشهد ببئر معونة.

يرجعا إلّا بعد انتهاء الحرب، وعثمان بن عفّان لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خلّفه على ابنته رقيّة يمرضها، وعاصم بن عدي «1» لأنه خلفه على أهل قباء والعالية، وكذلك أسهم لمن قتل ببدر وهم أربعة عشر منهم عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الذي جرح في المبارزة الأولى، فإنه رضي الله عنه مات عند رجوع المسلمين من بدر ودفن بالصّفراء «2» . ولما قارب عليه الصلاة والسلام المدينة تلقته الولائد بالدفوف يقلن:

طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع

أيّها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع

,

أسرى بدر

ولما دخلوا المدينة استشار عليه الصلاة السلام أصحابه فيما يفعل بالأسرى، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله قد كذّبوك وقاتلوك وأخرجوك فأرى أن تمكّنني من فلان لقريب له فأضرب عنقه، وتمكّن حمزة من أخيه العباس، وعليّا من أخيه عقيل «3» . وهكذا حتى يعلم الناس أنه ليس في قلوبنا مودّة للمشركين، ما أرى أن تكون لك أسرى، فاضرب أعناقهم، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.

ووافقه على ذلك سعد بن معاذ وعبد الله بن رواحة، وقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء أهلك وقومك قد أعطاك الله الظفر والنصر عليهم، أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفّار، وعسى أن الله يهداهم بك فيكونوا لك عضدا. فقال عليه الصلاة والسلام: إنّ الله ليلين قلوب أقوام حتى تكون ألين من اللبن، وإنّ الله ليشدد قلوب أقوام حتى تكون أشدّ من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ

__________

(1) حليف الأنصار كان سيد بني عجلان وهو أخو معن بن عدي يكنى أبا عمرو وشهد أحدا وما بعدها مات سنة خمس وأربعين وهو ابن مائة وخمس عشرة.

(2) بقعة بين مكّة والمدينة.

(3) أسلم عام الحديبية وفي الإصابة تأخر إسلامه إلى عام الفتح. سكن البصرة، ومات بالشام، في خلافة معاوية. روى عن النبي أحاديث. وكان أسن من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أسن من علي بعشر سنين، وكان طالب أسن من عقيل بمثل ذلك.

رَحِيمٌ «1» وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «2» ورأى عليه الصلاة والسلام رأي أبي بكر بعد أن مدح كلا من الصاحبين لأن الوجهة واحدة وهي إعزاز الدين، وخذلان المشركين ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة «3» فلا يفلتن أحد من أسراكم إلّا بفداء، وقد بلغ قريشا ما عزم عليه الرسول في أمر الأسرى، فناحت على القتلى شهرا ثم أشير عليهم من كبارهم ألّا يفعلوا كيلا يبلغ محمّدا وأصحابه جزعهم فيشمتوا بهم، فسكتوا وصمموا على ألّا يبكوا قتلاهم حتى يأخذوا بثأرهم، وتواصوا فيما بينهم ألّا يعجلوا في طلب الفداء لئلا يتغالى المسلمون فيه.

,

الفداء

فلم يلتفت إلى ذلك المطلب ابن أبي وداعة السهمي. وكان أبوه من الأسرى، فخرج خفية حتى أتى المدينة وفدى أباه بأربعة الاف درهم، وعند ذلك بعثت قريش في فداء أسراها، وكان أربعة الاف درهم، ومن لم يكن معه فداء وهو يحسن القراءة والكتابة أعطوه عشرة من غلمان المدينة يعلّمهم، وكان ذلك فداءه.

ومن الأسرى: عمرو بن أبي سفيان، ولما طلب من أبيه فداؤه أبى وقال:

والله لا يجمع محمّد بين ابني ومالي دعوه يمسكوه في أيديهم ما بدا لهم. فبينما أبو سفيان بمكّة إذ وجد سعد بن النعمان الأنصاري معتمرا، فعدا عليه فحبسه بابنه عمرو، فمضى قوم سعد إلى رسول الله وأخبروه فأعطاهم عمرا ففكّوا به سعدا ومن الأسرى: أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت الرسول، وكان عليه الصلاة والسلام قد أثنى عليه خيرا في مصاهرته، فإنه لما استحكمت العداوة بين قريش ورسول الله بمكّة، طلبوا من أبي العاص أن يطلّق زينب، كما فعل ابنا أبي لهب بابنتي الرسول، فامتنع وقال: والله لا أفارق صاحبتي، وأحب أنّ لي بها امرأة من قريش، ولما أسر أرسلت زينب في فدائه قلادة لها كانت حلّتها بها أمها خديجة

__________

(1) سورة إبراهيم اية 36.

(2) سورة نوح اية 26، رواه الإمام أحمد في مسنده.

(3) فقراء.

ليلة عرسها. فلمّا رأى عليه الصلاة والسلام تلك القلادة رقّ لها رقة شديدة، وقال لأصحابه: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردّوا لها قلادتها فافعلوا، فرضي الأصحاب بذلك، فأطلقه عليه الصلاة والسلام بشرط أن يترك زينت تهاجر إلى المدينة. فلمّا وصل إلى مكّة أمرها باللحاق بأبيها، وكان الرسول أرسل لها من يأتي بها فاحتملوها. هذا ولما أسلم أبو العاص بن الربيع قبيل الفتح ردّ عليه امرأته بالنكاح الأول «1» .

ومن الأسرى: سهيل بن عمرو «2» وكان من خطباء قريش وفصحائها وطالما اذى المسلمين بلسانه، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أنزع ثنيتي سهيل، يدلع «3» لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا. فقال عليه الصلاة والسلام «لا أمثّل فيمثّل الله بي وإن كنت نبيّا، وعسى أن يقوم مقاما لا تذمّه» وقدم بفدائه مكرز بن حفص، ولما ارتضى معهم على مقدار حبس نفسه بدله حتى جاء بالفداء. هذا وقد حقق الله خبر الرسول في سهيل، فإنه لمّا مات عليه الصلاة والسلام أراد أهل مكّة الارتداد كما فعل غيرهم من الأعراب، فقام سهيل هذا خطيبا وقال: بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله: أيها الناس من كان يعبد محمّدا فإن محمّدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت ألم تعلموا أن الله قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «4» وقال وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ «5» ثم قال: والله وأني أعلم أنّ هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها فلا يغرّنكم هذا- يريد أبا سفيان من أنفسكم، فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم لكنه قد ختم على صدره حسد

__________

(1) لم يحدث شيئا بعد ست سنين، ويعارض هذا الحديث ما رواه عنه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ردها عليه بنكاح جديد وهذا الحديث هو الذي عليه العمل ومنه جمع بين الحديثين قال حديث ابن عباس معنى ردها عليه على النكاح الأول، أي أعلى مثل النكاح الأول، في الصداق والحياء لم يحدث زيادة على ذلك شرط، ولا غيره.

(2) القرشي العامري خطيب قريش أبو يزيد، قال البخاري سكن مكة ثم المدينة، وهو الذي تولى أمر صلح الحديبية وكلامه ومراجعته للنبي صلّى الله عليه وسلّم ووقف موقفا قيما عند وفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم مع المسلمين ومات بالطاعون سنة ثمان عشرة.

(3) يخرج.

(4) سورة الزمر اية 30.

(5) سورة ال عمران اية 144.

بني هاشم، وتوكّلوا على ربكم، فإنّ دين الله قائم، وكلمته تامة، وإن الله ناصر من نصره ومقوّ دينه، وقد جمعكم الله على خيركم يريد أبا بكر وإن ذلك لم يزد الإسلام إلّا قوة فمن رأيناه ارتدّ ضربنا عنقه، فتراجع الناس عمّا كانوا عزموا عليه، وكان هذا الخبر من معجزات نبينا صلّى الله عليه وسلّم.

ومن الأسرى: الوليد بن الوليد «1» أفتكّه أخواه خالد وهشام، فلمّا افتدى ورجع إلى مكّة أسلم، فقيل له: هلّا أسلمت قبل الفداء؟ فقال: خفت أن يعدّوا إسلامي خوفا. ولما أراد الهجرة منعه أخواه ففرّ إلى النبي في عمرة القضاء.

ومن الأسرى: السائب بن يزيد «2» وكان صاحب الراية في تلك الحرب فدى نفسه وهو الجد الخامس للإمام محمّد بن إدريس الشافعي.

ومنهم: وهب بن عمير الجمحي «3» كان أبوه عمير شيطانا من شياطين قريش كثير الإيذاء لرسول الله، جلس يوما بعد انتهاء هذه الحرب مع صفوان بن أمية «4» يتذكران مصاب بدر، فقال عمير: والله لولا دين عليّ ليس عندي قضاؤه وعيال أخشى عليهم الفقر بعدي، كنت اتي محمدا فأقتله، فإن ابني أسير في أيديهم، فقال صفوان: دينك عليّ وعيالك مع عيالي، فأخذ عمير سيفه وشحذه وسمّه، وانطلق حتى قدم المدينة، فبينا عمر مع نفر من المسلمين إذ نظر إلى عمير متوشحا سيفه، فقال: هذا الكلب عدو الله ما جاء إلّا بشرّ، ثم قال للنبي عليه الصلاة والسلام هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحا سيفه فقال: أدخله عليّ. فأخذ عمر

__________

(1) حضر بدرا مع المشركين فأسر فافتداه أخواه هشام وخالد، ولما أسلم حبسه أخواله فكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يدعو له في القنوت ثم أفلت من أسرهم ولحق بالنبي صلّى الله عليه وسلّم في عمرة القضاء، ويقال أنه مات ببئر أبي عتبة.

(2) يعرف بابن أخت النمر بن جبل، ولما ألمّ به وجع في رأسه مسح النبي صلّى الله عليه وسلّم رأسه ودعا له، وتوضأ فشرب من وضوء النبي، ونظر إلى خاتم النبوة. وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أحاديث، واستعمله عمر على سوق المدينة، ومات سنة 82 هـ.

(3) شهد فتح مصر، وولي بحر مصر في غزوة عمورية، وكان من أحفظ الناس، فكانت قريش تقول: «له قلبان» من شدّة حفظه.

(4) يكنى أبا وهب، وأبوه أمية بن خلف، وهرب صفوان يوم الفتح ثم رجع إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فشهد معه حنينا والطائف وهو كافر، وامرأته مسلمة أسلمت يوم الفتح قبل صفوان بشهر، ثم أسلم صفوان، وكان أحد الأشراف في الجاهلية، وكان أحد المطعمين وهو أحد المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم، وكان من أفصح قريش لسانا، ومات بمكة سنة 42 في أول خلافة معاوية.

بحمائل «1» سيفه وأدخله، فلمّا راه عليه الصلاة والسلام قال: أطلقه يا عمر، أدن يا عمير فدنا وقال: أنعموا صباحا، فقال عليه الصلاة والسلام: قد أبدلنا الله تحية خيرا من تحيتك وهي: السلام، ثم قال ما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف؟ قال قبّحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئا؟ قال عليه الصلاة والسلام: أصدقني ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلّا لذلك. قال عليه الصلاة والسلام: كلا بل قعدت أنت وصفوان في الحجر وقلتما كيت وكيت فأسلم عمير وقال: كنّا نكذبك بما تأتي به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلّا أنا وصفوان!! فقال عليه الصلاة والسلام: فقّهوا أخاكم في دينه وأقرؤوه القران، وأطلقوا أسيره، فعاد عمير إلى مكة وأظهر أسلامه.

ومن الأسرى: أبو عزيز بن عمير «2» أخو مصعب بن عمير مرّ به أخوه فقال للذي أسره: شدّ يدك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك. فقال له: يا أخي هذه وصايتك بي! ثم بعثت أمه بفدائه أربعة الاف درهم.

ومن الأسرى: العباس بن عبد المطلب»

عم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كان قد خرج لهذه الحرب مكرها، ولما وقع في الأسر طلب منه فداء نفسه وابن أخيه عقيل بن أبي طالب، فقال: علام ندفع وقد استكرهنا على الخروج؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لقد كنت في الظاهر علينا، فأخذت منه فدية نفسه وابن أخيه، ثم قال للرسول: لقد تركتني فقير قريش ما بقيت، قال كيف وقد تركت لأم الفضل أموالا؟ وقلت لها إن متّ فقد تركتك غنية! فقال العباس: والله ما اطّلع على ذلك أحد. وهذا العمل غاية ما يفعل من العدل والمساواة فإنه عليه الصلاة والسلام لم يعف عمّه مع علمه بأنه إنما خرج مكرها، وقد أعفى غيره جماعة تحقق له فقرهم فهكذا العدل، ولا غرابة فذلك أدب قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ

__________

(1) جمع حمل وهي علاقته.

(2) اسم أبي عزيز هذا زرارة له صحبة وسماع من النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقيل قتل مع أخيه في أحد شهيدا.

(3) عم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكنى بأبي الفضل، ولد قبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسنتين، وكان إليه في الجاهلية السقاية والعمارة، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم، ثم هاجر قبل الفتح بقليل وشهد الفتح، وثبت يوم حنين، وكان العباس أعظم الناس عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والصحابة يعترفون للعباس بفضله ويشاورونه ويأخذون رأيه، ومات بالمدينة سنة 32.

بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ «1» ومن الأسرى: أبو عزة الجمحي الشاعر، كان شديد الإيذاء لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمكّة فلمّا أسر قال: يا محمد إني فقير، وذو عيال، وذو حاجة قد عرفتها فامنن، فمن عليه فضلا منه.

,

العتاب في الفداء

ولما تمّ الفداء أنزل الله في شأنه ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «2» نهى سبحانه عن اتّخاذ الأسرى قبل الإثخان في قتل الذين يصدّون عن سبيل الله ويمنعون دين الله من الإنتشار، وعاب بعض المسلمين على إرادة عرض الدّنيا وهو الفدية، ولولا حكم سابق من الله أن لا يعاقب مجتهدا على اجتهاده ما دام المقصد خيرا لكان العذاب، ثم أباح لهم الأكل من تلك الفدية المبني أخذها على النظر الصحيح. وهذا من أقوى الأدلة على صدق نبيّنا عليه الصلاة والسلام فيما جاء به، لأنه لو كان من عنده ما كان يعاتب نفسه على عمل عمله بناء على رأي كثير من الصحابة. وقد وعد الله الأسرى الذين يعلم في قلوبهم خيرا بأن يؤتيهم خيرا ممّا أخذ منهم ويغفر لهم فقال يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «3» وهذه الغزوة هي التي أعزّ الله بها الإسلام وقوّى أهله، ودمغ فيه الشرك، وخرّب محلّه مع قلّة المسلمين وكثرة عدوهم، فهي اية ظاهرة على عناية الله تعالى بالإسلام وأهله مع ما كان عليه العدو من القوة بسوابغ الحديد، والعدة الكاملة، والخيل المسومة، والخيلاء الزائدة، ولذلك قال الله ممتنا على عباده بهذا النصر وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ «4» أي قليل عددكم لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله فهي أعظم غزوات الإسلام إذ بها كان ظهوره، وبعد وقوعها أشرق على الافاق نوره، فقد قتل فيها

__________

(1) سورة النساء اية 135.

(2) سورة الأنفال اية 67- 68.

(3) سورة الأنفال اية 70.

(4) سورة ال عمران اية 123.

من صناديد قريش «1» من كانوا الأعداء الألداء للإسلام، ودخل الرعب في قلوب العرب الاخرين، فكانت للمسلمين هيبة بها يكسرون الجيوش، ويهزمون الرجال، فلا جرم أن شكرنا العلي الأعلى على هذه العناية، واتّخذنا يوم النصر في بدر وهو السابع عشر من شهر رمضان عيدا نتذكر فيه نعمة الله على رسوله وعلى المسلمين.


ملف pdf

كلمات دليلية: