غزوة الطائف : 8 هـ من كتاب السيرة الحلبية

غزوة الطائف : 8 هـ من كتاب السيرة الحلبية

اسم الكتاب:
السيرة الحلبية
المؤلف:
نورالدين الحلبي

غزوة الطائف

ولما علم صلى الله عليه وسلم أن مالك بن عوف وجمعا من أشراف قومه لحقوا بالطائف عند انهزامهم. أي والطائف بلد كبير، كثير الأعناب والنخيل والفاكهة، قيل سمي بذلك لأن جبريل عليه السلام طاف بها حين نقلها من الشام إلى الحجاز بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام: أي أن الله يرزقهم أهل مكة من الثمرات.

أي وقيل إنهم بنوا حواليها حائطا وطافوا به تحصينا لهم، وقيل هي جنة أصحاب الصريم كانوا نواحي صنعاء، نقلها جبريل عليه السلام فسار بها إلى مكة وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في ذلك المكان، أي ويقال له: «وج» سمي ذلك باسم شخص من العماليق أول من نزل به، وأن أولئك القوم تحصنوا في حصن به وأدخلوا فيه ما يصلحهم سنة خرج صلى الله عليه وسلم من حنين وتوجه إليهم وترك السبي بالجعرانة.

أي، وفي الإمتاع أنه صلى الله عليه وسلم بعث بالسبي والغنائم إلى الجعرانة مع بديل بن ورقاء الخزاعي. وفي كلام السهيلي: وكان سبي حنين ستة آلاف رأس، قد ولى صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب أمرهم وجعله أمينا عليهم هذا كلامه، أي ولعل هذا بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطائف، لأن أبا سفيان كان معه صلى الله عليه وسلم بالطائف كما سيأتي فلا معارضة.

أي ومر صلى الله عليه وسلم بحصن مالك بن عوف، فأمر به فهدم، ومر بحائط، أي بستان لرجل من ثقيف قد تمنع فيه، فأرسل إليه صلى الله عليه وسلم: إما أن تخرج، وإما أن نخرب عليك حائطك، فأبى أن يخرج فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحراقه، ومر صلى الله عليه وسلم بقبر، فقال: هذا قبر

أبي رغال وهو أبو ثقيف، أي وكان من ثمود قوم صالح أي وقد أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان ثم دفن فيه، أي بعد أن كان بالحرم ولم تصبه تلك النقمة، فلما خرج من الحرم إلى المكان المذكور أصابته النقمة.

فعن بعض الصحابة: حين خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، الحديث.

وفي العرائس عن مجاهد قيل له: هل بقي من قوم لوط أحد؟ قال: لا، إلا رجل بقي أربعين يوما وكان بالحرم فجاءه حجر ليصيبه في الحرم، فقام إليه ملائكة الحرم فقالوا للحجر: ارجع من حيث جئت، فإن الرجل في حرم الله تعالى، فرجع فوقف خارجا من الحرم أربعين يوما بين السماء والأرض حتى قضى الرجل حاجته، وخرج من الحرم إلى هذا المحل أصابه الحجر فقتله فدفن فيه.

وأبو رغال هذا هو الذي كان دليلا لأبرهة ليوصله إلى مكة لما مر أبرهة بالطائف، وتلقاه أهله، وأظهروا له الطاعة، وقالوا له: نرسل معك من يدلك على الطريق، فأرسلوا أبا رغال معه دليلا كما تقدم. وقال صلى الله عليه وسلم: «آية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه» فابتدر الناس فنبشوه واستخرجوا منه الغصن. وقدّم صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه على مقدمته: أي وهي خيل بني سليم مائة فرس قدمها من يوم خرج من مكة، واستعمل عليهم خالد بن الوليد، فلم يزل كذلك حتى وصل، فلما وصل نزل قريبا من الحصن وعسكر هناك، فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحات.

أي وممن أصيب أبو سفيان بن حرب، أصيبت عينه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وعينه في يده، فقال: يا رسول الله، هذه عيني أصيبت في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شئت دعوت فردت عينك، وإن شئت فالجنة. وفي لفظ: فعين في الجنة، قال:

فالجنة، ورمى بها من يده» ، أي وقلعت عينه الثانية في القتال يوم اليرموك عند مقاتلة الروم، فإن أبا سفيان رضي الله تعالى عنه كان في ذلك اليوم يحرض المسلمين على قتال الروم والثبات لهم، ويقول لهم: الله الله عباد الله، انصروا الله ينصركم، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك، وذلك في آخر خلافة الصديق، فإن الصديق رضي الله عنه توفي وهم في الاستعداد للقتال باليرموك، وكان الأمير على العسكر خالد بن الوليد رضي الله عنه.

ولما ولي سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه أرسل البريد بعزل خالد وولاية أبي عبيدة بن الجراح على العسكر، فجاء البريد وقد التحم القتال بين المسلمين والروم،

وأخذته خيول المسلمين، وسألوه عن الخبر، فلم يخبرهم إلا بخير وسلامة، وأخبرهم عن إمداد يجيء إليهم، وأخفى موت أبي بكر رضي الله تعالى عنه وتأمير أبي عبيدة، فأتوا به إلى خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، فأسرّ إليه موت أبي بكر وولاية عمر رضي الله تعالى عنهما، وأخبره بما أخبر به الجند، فاستحسن ذلك منه، وأخذ الكتاب فجعله في كنانته وخاف إن هو أظهر ذلك يتخاذل العسكر، ثم لما هزم الله الروم، وجمعوا الغنائم، ودفنوا قتلى المسلمين وقد بلغوا ثلاثة آلاف، دفع خالد رضي الله تعالى عنه الكتاب إلى أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه، فتولى أبو عبيدة، ثم بعث أبو عبيدة أبا جندل رضي الله تعالى عنه بشيرا إلى سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه بالفتح على المسلمين.

ولما عزل سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد وولى أبا عبيدة خطب الناس وقال: إني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد، إني نزعته وأثبتّ أبا عبيدة بن الجراح، فقام إليه عمرو بن حفص وهو ابن عم خالد بن الوليد وابن عم أم سيدنا عمر، فقال: والله ما عدلت يا عمر، لقد نزعت عاملا استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغمدت سيفا سله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد قطعت الرحم، وجفوت ابن العم، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إنك قريب القرابة، حديث السن، غضبت لابن عمك.

ومات ممن خرج بالطائف اثنا عشر رجلا، فارتفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع مسجد الطائف الآن، وكان معه صلى الله عليه وسلم من نسائه أم سلمة وزينب رضي الله تعالى عنهما، فضرب لهما قبتين، وكان يصلي بين القبتين الصلاة مقصورة مدة حصار الطائف، وكانت ثمانية عشر يوما: أي غير يومي الدخول والخروج، وهذا هو المراد بقول فقهائنا لأنه صلى الله عليه وسلم أقامها بمكة عام الفتح لحرب هوازن يقصر الصلاة، وقيل في مدة حصاره غير ذلك.

ودخل صلى الله عليه وسلم خيمة أم سلمة وعندها أخوها عبد الله ومخنث، وإذا المخنث يقول: يا عبد الله إن فتح الله عليكم الطائف غدا، فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فلما سمعه صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخل هذا عليكن. وأراد المخنث بالأربع التي تقبل بهن عكنها الأربع التي في بطنها، ولكل عكنة طرفان فتكون ثمانية من خلفها، فهي الثمانية التي تدبر بهن.

أي وفي الإمتاع: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مولى لخالته فاخته بنت عمرو بن عائذ يقال له ماتع، وكان يدخل بيوته صلى الله عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم كان يرى أنه لا يفطن لشيء من أمر النساء ولا إربة له، فسمعه صلى الله عليه وسلم وهو يقول لخالد بن الوليد ويقال لعبد الله أخي أم سلمة: إن فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف غدا فعليك ببادية، أي رضي الله تعالى عنها فإنها أسلمت، وبادية بالياء تحت لا بالنون بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر

بثمان، إذا قامت تثنت، وإذا جلست تبنت، وإذا تكلمت تغنت، بين رجليها مثل الإناء المكفوء، ثم نفر كأنه الأقحوان، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا أرى هذا الخبيث يفطن لما أسمع» .

وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال له: قاتلك الله، لقد أمعنت النظر، ما كنت أظن هذا الخبيث يعرف شيئا من أمر النساء.

وفي الأغاني أن هيتا بكسر الهاء وقيل بفتحها وإسكان التحتية بعدها مثناة.

والهيت: الأحمق المخنث، قال لعبد الله بن أمية: إن فتح الله عليكم الطائف فاسأل النبي صلى الله عليه وسلم بادية بنت غيلان، فإنها رداح شموع نجلاء إن تكلمت تغنت يعني من الغنة، وإذا قامت تثنت، موردة الخدين، منحطة المانتين، لقحاء الفخذين، مسرولة الساقين، كأنها قضيب بان. وفي لفظ: كأنها خوط بانة قصفت، تقبل بأربع وتدبر بثمان، وبين فخديها شيء مخبوء كأنه الإناء المكفوء، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه قال: لقد غلغلت النظر يا عدو الله، ثم نفاه من المدينة إلى الحمى وقال: لا يدخل على أحد من نسائكم، فقيل له صلى الله عليه وسلم: إنه يموت جوعا، فأذن له أن يدخل المدينة كل جمعة يسأل الناس.

وقيل نفى صلى الله عليه وسلم كلا من ماتع وهيت إلى الحمى، فشكيا الحاجة، فأذن لهما أن ينزلا كل جمعة يسألان الناس ثم يرجعان إلى مكانهما، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلا المدينة فأخرجهما أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فلما توفي دخلا المدينة فأخرجهما عمر رضي الله تعالى عنه، فلما مات دخلا.

وغيلان أبو بادية هو الذي أسلم وعنده عشرة نسوة، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يمسك أربعا ويفارق سائرهن.

واختلف الفقهاء في ذلك؟ فقال فقهاء الحجاز: يختار أربعا، وقال فقهاء العراق يمسك التي تزوج أولا ثم التي تليها إلى الرابعة. واحتج فقهاء الحجاز بترك الاستفصال.

وغيلان هذا لما وفد على كسرى قال له: أيّ ولدك أحب إليك، فقال الغائب حتى يقدم والمريض حتى يعافى، والصغير حتى يكبر.

وكان المخنثون في زمانه صلى الله عليه وسلم ثلاثة: هيت، وماتع وهذم، وقيل لهم ذلك لأنه كان في كلامهم لين، وكانو يختضبون بالحناء كخضاب النساء لا أنهم يأتون الفاحشة الكبرى. ويحتمل أن يكون كل من ماتع وهيت كان معه صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة وقد سمع منهما ما تقدم عنهما، ويدل لهذا الاحتمال أنه نفاهما. وفي البخاري أن القائل لعبد الله ما تقدم هو هيت. ويحتمل أن الذي كان معه صلى الله عليه وسلم أحدهما وتكرر منه ذكر ما

تقدم، وتسميته باسم الآخر خلط من بعض الرواة فليتأمل.

وقال: أقبل خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ونادى من يبارز؟ فلم يطلع إليه أحد ثم كرر ذلك فلم يطلع إليه أحد، وناداه عبد ياليل لا ينزل إليك منا أحد، ولكن نقيم في حصننا، فإن به من الطعام ما يكفينا سنين، فإن أقمت حتى يذهب هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعا حتى نموت عن آخرنا اهـ، ونصب عليهم المنجنيق: أي ورمي به كما في كلام غير واحد من أئمتنا، وهو أول منجنيق رمي به في الإسلام، أي أرشده إليه سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: إنا كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون فنصيب من عدونا، أي ويقال إن سلمان رضي الله تعالى عنه هو الذي عمله بيده، وفيه أنه تقدم في خيبر أنه لما فتح حصن الصعب وجدوا فيه آلة حرب ودبابات ومنجنيقات، إلا أن يقال سلمان صنع هذا المنجنيق الذي بالطائف، لأنه يجوز أن يكون الذي وجدوه في خيبر لم يكن معهم في الطائف، وتقدم في خيبر أنه صلى الله عليه وسلم لما حاصر الوطيح وسلالم أربعة عشر يوما ولم يخرج أحد منهما همّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل عليهم المنجنيق، وتقدم عن الإمتاع أنه صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على حصن البراء. وقد قدمنا أن ذلك لا يخالف قول بعضهم لم ينصب المنجنيق إلا في غزوة الطائف، لأنه يجوز أن يكون مراد هذا البعض لم يرم به إلا في غزوة الطائف، أي كما أشرنا إليه.

وأول من صنع المنجنيق إبليس، فإن نمروذا لعنهما الله لما أراد أن يلقي إبراهيم عليهم الصلاة والسلام في النار بنى إلى جنب الجبل جدارا طوله ستون ذراعا، ولما ألقوا الحطب وجعلوا فيه النار ووصلت النار إلى رأس ذلك الجدار لم يدروا كيف يلقون إبراهيم، فتمثل لهم إبليس لعنه الله في صورة نجار فصنع لهم المنجنيق ونصبوه على رأس الجبل ووضعوه فيه وألقوه في تلك النار.

وأوّل من رمى به في الجاهلية جذيمة الأبرش، وهو أوّل من أوقد الشمع ودخل نفر من الصحابة تحت دبابة وزحفوا بها إلى جدار الحصن ليحرقوه. وفي الإمتاع دخلوا تحت دبابتين وكانا من جلود البقر، فأرسلت إليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرموهم بالنبل فقتل منهم رجال. أي والدبابة بفتح الدال المهملة ثم موحدة مشددة وبعد الألف موحدة ثم تاء التأنيث: وهي آلة من آلات الحرب تجعل من الجلود يدخل فيها الرجال فيدبون بها إلى الأسوار لينقبوها، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعنابهم، أي ونخيلهم وتحريقها، فقطع المسلمون قطعا ذريعا، فسألوه أن يدعها لله وللرحم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أدعها لله وللرحم، ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج منهم بضعة عشر، أي وقيل ثلاثة وعشرون رجلا، ونزل منهم شخص في بكرة، فقيل له

أبو بكرة، أي وكان عبدا للحارث بن كلدة، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة، قال: واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن في أن يأتي ثقيفا في حصنهم ليدعوهم إلى الإسلام فأذن له في ذلك، فأتاهم فدخل في حصنهم، فقال لهم: تمسكوا في حصنكم فو الله لنحن أذل من العبيد، أي زاد بعضهم: ولا تعطوا بأيدكم ولا تتأثروا:

أي لا يشق عليكم قطع هذا الشجر، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما قلت لهم يا عيينة؟ قال: أمرتهم بالإسلام ودعوتهم إليه، وحذرتهم النار ودللتهم على الجنة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبت، إنما قلت لهم كذا، وقص عليه القصة، فقال صدقت يا رسول الله، أتوب إلى الله وإليك من ذلك اهـ.

ولم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح الطائف، أي فإن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون، قالت له: يا رسول الله ما يمنعك أن تنهض إلى أهل الطائف؟

قال لم يؤذن لنا الآن فيهم، وما أظن أن نفتحها الآن، وقال له عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ذلك، فقال: لم يؤذن لنا في قتالهم، فقال رضي الله تعالى عنه: كيف نقبل في قوم لم يأذن الله فيهم، وفي لفظ: إن خولة قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حليّ بادية بنت غيلان أو حلي الفارغة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف، فقال لها صلى الله عليه وسلم: وإن كان لم يؤذن لنا في ثقيف يا خولة، فذكرت خولة ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خولة؟ زعمت أنك قلت لها، قال: قلته، قال أو ما أذن الله فيهم يا رسول الله؟ قال لا، قال: أو أذن بالرحيل؟ قال بلى، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الناس أي وهو نوفل بن معاوية الديلمي في الذهاب أو المقام، فقال له: يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت أخذته، وإن تركته لم يضرك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأذن في الناس بالرحيل، فقبح الناس ذلك وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاغدوا على القتال، فغدوا، فأصابت الناس جراحات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قافلون إن شاء الله، فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، أي تعجبا من سرعة تغير رأيهم، لأنهم رأوا أن رأيه صلى الله عليه وسلم أبرك وأنفع من رأيهم، فرجعوا إليه وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قولوا لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فلما ارتحلوا واستقبلوا، قال قولوا: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، وقيل: يا رسول الله ادع على ثقيف أهل الطائف، فقال: اللهم اهد ثقيفا وائت بهم مسلمين، ولعل صاحب الهمزية رحمه الله يشير إلى ذلك بقوله:

جهلت قومه عليه فأغضى ... وأخو الحلم دأبه الإغضاء

وسع العالمين علما وحلما ... فهو بحر لم تعيه الأعباء

أي آذاه صلى الله عليه وسلم قومه من قريش وغيرهم فأرخى جفنه حياء، وصاحب عدم الانتقام شأنه إرخاء الجفن. وسع علمه علوم العالمين من الإنس والجن والملك، ووسع حلمه كل من صدر منه نقص، فهو بسبب ذلك بحر واسع لم تتعبه الأحمال الثقيلة.

ومن جملة من جرح سيدنا عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما رماه بسهم أبو محجن، وطاوله ذلك الجرح إلى أن مات به في خلافة أبيه، ورثته زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكان يحبها حبا شديدا مرّ عليه أبوه يوم جمعة وهو يلاعبها وقد صلى الناس، فقال عبد الله: أو جمع الناس؟ فسمعه أبوه، فقال: أشغلتك عن الصلاة؟ لا جرم لا تبرحن حتى تطلقها فطلقها، ثم تعب عبد الله بسبب طلاقها فاطلع عليه أبوه يوما فسمعه يقول أبياتا من جملتها:

فلم أرى مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير جرم تطلق

فقال له: يا عبد الله راجع عاتكة، فقال لأبيه: قف بمكانك، وكان معه غلام مملوك له، فقال للغلام: أنت حر لوجه الله، اشهدا أني قد راجعت عاتكة، فلما مات رضي الله تعالى عنه رثته بقولها في أبيات:

آليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا

ثم تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فلما أعرس بها، قال له علي كرم الله وجهه: أتأذن لي أن أكلم عاتكة، فقال: لا غيرة عليك كلمها، فقال لها علي كرم الله وجهه: أنت القائلة البيت:

آليت لا تنفك عيني قريرة ... عليك ولا ينفك جلدي أصفرا

قالت: لم أقل هكذا، وبكت وعادت إلى حزنها، فقال له رضي الله تعالى عنه: يا أبا الحسن ما أردت إلا إفسادها عليّ، فلما قتل عمر رضي الله تعالى رثته بأبيات منها:

من لنفس عادها أحزانها ... ولعين شفها طول السهد

جسد لفف في أكفانه ... رحمة الله على ذاك الجسد

ثم تزوجها الزبير رضي الله تعالى عنه، فلما قتل رثته بأبيات منها تخاطب قاتله:

ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمد

ثم خطبها سيدنا علي كرم الله وجهه، فقالت له: لم يبق للإسلام غيرك وأنا أنفس لك عن القتل، ومن ثم قيل في حقها: من أراد الشهادة فعليه بعاتكة.

وعند منصرفه صلى الله عليه وسلم من ذلك: أي وبيننا هو يسير ليلا بواد بقرب الطائف إذ غشي سدرة في سواد الليل وهو في وسن النوم، فانفرجت السدرة له نصفين، فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بي نصفيها وبقيت منفرجة على حالها، أي وعند انحداره صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة لقيه سراقة، وهو واضع الكتاب الذي كتبه له صلى الله عليه وسلم عند الهجرة بين أصبعيه وينادي: أنا سراقة، وهذا كتابي، فقال صلى الله عليه وسلم: هذا يوم وفاء ومودة، أدنوه، فأدنوه منه وساق إليه الصدقة، وسأله عن الضالة من الإبل ترد حوضه الذي ملأه لإبله هل له في ذلك من أجر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم في كل ذات كبد حراء أجر» .

وعند وصوله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة أحصى السبي فكان ستة آلاف رأس والإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألفا وأربعة آلاف أوقية فضة.

فأعطى صلى الله عليه وسلم للمؤلفة، أي من أسلم من أهل مكة، فكان أولهم أبا سفيان بن حرب رضي الله عنه أعطاه أربعين أوقية ومائة من الإبل، وقال: ابني يزيد ويقال له يزيد الخير فأعطاه كذلك، وقال ابني معاوية فأعطاه كذلك، فأخذ أبو سفيان رضي الله عنه ثلاثمائة من الإبل ومائة وعشرين أوقية من الفضة. وقال: بأبي أنا وأمي يا رسول الله، لأنت كريم في الحرب وفي السلم، أي وفي لفظ: لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، وقد سالمتك فنعم المسالم أنت، هذا غاية الكرم جزاك الله خيرا.

وأعطى حكيم بن حزام رضي الله عنه مائة من الإبل ثم سأله مائة أخرى، فأعطاه إياها، أي وفي الامتاع: وسأله حكيم بن حزام مائة من الإبل فأعطاه، ثم سأله مائة فأعطاه ثم سأله مائة فأعطاه، وقال له: «يا حكيم هذا المال خضر حلو من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه باشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى» فأخذ حكيم المائة الأولى وترك ما عداها، أي وقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا لا أرزأ أحد بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال عمر:

يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه.

وأعطى صلى الله عليه وسلم الأقرع بن حابس مائة من الإبل. وأعطى عيينة مثله. وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل، فقال في ذلك شعرا: أي يعاتبه صلى الله عليه وسلم به حيث فضل الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن عليه وهو:

أتجعل نهبي ونهب العبي ... د (يعني فرسه) بين عيينة والأقرع

وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع

وما كنت دون امرىء منهم ... ومن تضع اليوم لا يرفع

فأعطاه صلى الله عليه وسلم تمام المائة. أي وفي رواية أنه قال: اقطعوا عني لسانه. وفي الكشاف أنه صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا بكر اقطع لسانه عني وأعطه مائة من الإبل، هذا كلامه، وحينئذ يتوقف في قولهم فظن ناس أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يمثل به وفزع هو أيضا لذلك فأتي به إلى الغنائم، وقيل له خذ منها كما شئت، فقال: إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع لساني بالعطاء فكرة أن يأخذ منها شيئا، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلة، وفي رواية:

«فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة» وروي بدل: فما كان حصن ولا حابس: فما كان بدر ولا حابس وهو صحيح أيضا، لأن بدرا جد حصن أبو أبيه فانتسب تارة إلى أبيه حصن وتارة إلى جد أبيه بدر، فإن عيينة بن حصن بي حذيقة بن بدر. ويروى بدل مرداس: شيخي بالإفراد يعني والده، ويروى بالتثنية يعني والده وجده.

وفي كلام بعضهم: كانت المؤلفة ثلاثة أصناف. صنف يتألفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا كصفوان بن أمية. وصنف ليثبت إسلامهم كأبي سفيان بن حرب. وصنف لدفع شرهم كعيينة بن حصن والعباس بن مرداس والأقرع بن حابس.

لكن في رواية: «قيل يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة. وتركت جعيل بن سراقة؟ فقال: أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع، ولكني تألفتهما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه» وتقدم أن جعيلا هذا كان من فقراء المسلمين، وكان رجلا صالحا دميما قبيحا، وهو الذي تصوّر الشيطان بصورته يوم أحد، وقال إن محمدا قد مات، وجاء: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه خشية أن يكب في النار على وجهه» وقال صلى الله عليه وسلم: «إن من الناس ناسا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حبان» وأعطى صفوان بن أمية ما تقدم ذكره وهو جميع ما في الشعب من غنم وإبل وبقر، وكان مملوآ وكان ذلك سببا لإسلامه كما تقدم.

أقول: في كلام ابن الجوزي رحمه الله: اعلم أن من المؤلفة قلوبهم أقواما تؤلفوا في بدء الاسلام ثم تمكن الإسلام في قلوبهم، فخرجوا بذلك عن حد المؤلفة، وإنما ذكرهم العلماء في المؤلفة اعتبارا ببداية أحوالهم، وفيهم من لم يعلم منه حسن الإسلام، والظاهر بقاؤه على حالة التأليف.

ولا يمكن أن يفرق بين من حسن إسلامه، وبين من لم يحسن إسلامه لجواز أن يكون من ظننا به شرا أنه على خلاف ذلك، إذ الإنسان قد يتغير عن حاله ولا ينقل إلينا أمره فالواجب أن نظن بكل من نقل عنه الإسلام خبرا.

وقد جاء عن أنس رضي الله عنه، قال: «كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم

لشيء يعطاه من الدنيا، فلا يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها» هذا كلام ابن الجوزي، والعباس بن مرداس أسلم قبل الفتح بيسير، وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، والله أعلم. ولا زال صلى الله عليه وسلم يعطي الرجل ما بين مائة وخمسين من الإبل، أي وذلك من الخمس كما سيأتي.

ثم أمر صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم: أي ما بقي منها، وهي الأربعة الأخماس الباقية بعد إعطاء من تقدم ما تقدم من الخمس وقسمتها عليهم، أي بعد أن اجتمعوا إليه وصاروا يقولون يا رسول الله اقسم علينا حتى ألجؤوه صلى الله عليه وسلم إلى شجرة فاختطفت رداءه، فقال ردوا ردائي أيها الناس، فو الله إن كان لي فيه شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كدودا، ثم قام صلى الله عليه وسلم إلى جنب بعيره فأخذ وبرة من سنامه ثم رفعها، ثم قال: أيها الناس، والله ما لي من فيئكم أي غنيمتكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة، فجاء شخص من الأنصار بكبة من خيوط شعر، وقال: يا رسول الله أخذت هذه الكبة أعمل بها بردعة بعير لي دبر، فقال: أما نصيبي منها فلك، قال: أما إذا بلغت هذا فلا حاجة لي بها وألقاها.

ويروى أن عقيلا كان دفع لامرأته إبرة أخذها من الغنيمة، أي فإنها قالت له:

إني قد علمت أنك قد قاتلت فماذا أصبت من الغنيمة، فقال: دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك. فسمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شيئا فليرده حتى الخياط والمخيط، فرجع وأخذها منها وألقاها في الغنائم.

وفي كلام السهيلي أن أبا جهم بن حذيفة العدوي كان على الأنفال يوم حنين، فجاءه خالد بن البرصاء وأخذ من الأنفال زمام شعر فمانعه أبو جهم، فلما تمانعا ضربه أبو جهم بالقوس فشجه منقلة، فاستعدى عليه خالد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:

خذ خمسين شاة ودعه فقال: أقدني منه، فقال: خذ مائة ودعه، فقال: أقدني منه، فقال: خذ خمسين ومائة ودعه وليس لك إلا ذلك، ولا أقيدك من وال عليك، فقوّمت المائة والخمسون بخمس عشرة فريضة من الإبل، فمن هنا جعلت دية المنقلة خمس عشرة فريضة، ولما قسم ما بقي خص كل رجل أربعا من الإبل وأربعين شاة، فإن كان فارسا أخذ اثنتي عشرة بعيرا وعشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم إلا لفرس واحد ومن ثم لم يعط الزبير رضي الله عنه إلا لفرس واحد، وكان معه أفراس، وبه أخذ إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه فقال: لا يعطى إلا لفرس واحد، وقال بعض المنافقين، قيل وهو معتب هذه القسمة ما عدل فيها ولا أريد بها وجه الله، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فتغير وجهه الشريف، أي

حتى صار كالصرف بكسر الصاد المهملة: وهو شيء أحمر يدبغ به الجلد. وفي رواية: فغضب صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا واحمر وجهه وقال: «من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحمة الله على أخي موسى عليه السلام، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» انتهى.

ولعل من ذلك أن قارون ابن خالة موسى عليه السلام أو ابن عمه حمله البغي والشر على أن أحضر امرأة بغيا وجعل لها جعلا على أن ترمي موسى بنفسها، وأحضر بني إسرائيل وأعلمهم بذلك ودعا موسى عليه السلام وقال له: إن قومك اجتمعوا فاخرج إليهم لتأمرهم وتنهاهم، فخرج عليه السلام إليهم وقال لهم: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى محصنا رجمناه حتى يموت، ومن زنى وهو لم ينكح جلدناه مائة جلدة، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟

قال: وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل زعموا أنك فجرت بفلانة، فقال: ادعها، فإن قالت فهو كما قالت، فأتت فقال موسى: يا فلانة أنشدك بالذي أنزل التوراة أصدق قارون؟ فقالت: أما إذا أنشدتني فقد أشهد أنك بريء وأنك رسول الله، وإن قارون جعل لي جعلا على أن أرميك بنفسي، وجاءت بخريطتين فيهما دراهم عليهما ختمه، وقالت للملأ: إن قارون أعطاني هاتين وهذا ختمه، وأعوذ بالله أن أفتري على الله، فنظر القوم إلى ختمه فعلموا صدقها فخر موسى ساجدا، فأوحى الله إليه: أن ارفع رأسك فإني أمرت الأرض أن تطيعك، فخسف به فهو يتجلجل في الأرض، يخسف به في كل مقدار قامة إلى يوم القيامة.

ولعل من ذلك أيضا أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام: إن طائفة تزعم أن الله لا يكلمك فخذ منا من يذهب معك ليسمعوا كلامه تعالى فيؤمنوا، فأوحى الله لموسى عليه السلام: أن اختر سبعين من خيارهم واصعد بهم الجبل أنت وهارون واستخلف يوشع ففعل، فلما سمعوا كلامه سبحانه سألوه أن يريهم الله جهرة.

ومن ذلك نسبته إلى أنه قتل أخاه هارون عليهما السلام كما تقدم، أي وقيل إن قائل: هذه القسمة ما عدل فيها: ذو الخويصرة التميمي، وهو غير ذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد. فقد جاء: «أن ذا الخويصرة التميمي وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل، فكيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلت، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟» فقال عمر رضي الله عنه: ألا نقتله؟ قيل وقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: ألا أضرب عنقه» .

قال الإمام النووي رحمه الله: ولا تعارض، لأن كل واحد منهما استأذن فيه؟

أي ففي مسلم: «فقام إليه عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟

قال: لا، ثم أدبر، فقام إليه خالد رضي الله عنه فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال لا لعله أن يكون يصلي، قال خالد رضي الله عنه: وكم مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم» .

وفي مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «بعث علي كرم الله وجهه وهو باليمن بذهبة في تربتها، أي لم تخلص من ترابها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة وزيد الخير، فغضبت قريش فقالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم، فجاء رجل فقال: اتق الله يا محمد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن يطع الله إن عصيته! يأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟» وفي رواية: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحا ومساء، فجاء رجل فقال ما تقدّم، فقال له: ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟» .

ولعل هذه القسمة غير قسمة غنائم حنين، وأن الرجل الذي قال له ما ذكر يحتمل أن يكون واحدا منهما أو من شيعة ذلك الرجل الذي قال في أحدهما.

وذكر بعضهم أن ذا الخويصرة أصل الخوارج، وأنه صلى الله عليه وسلم قال: «دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية» وفي رواية: «قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله دعني فأقتل هذا المنافق، فقال:

معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه» أي جماعة يخرجون من صلبه فهو أصل الخوارج: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» وفي لفظ:

«تراقيهم، لا تفقهه قلوبهم، ليس لهم حظ منه إلا تلاوة الفم، وإنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وثمود» أي قتلا مستأصلا لعامتهم. وفي رواية: «إذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة» وبهذا استدل من يقول بجواز قتل الخوارج. وقد قاتلهم عليّ كرم الله وجهه. وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الخوارج، أهم كفار؟ فقال: «من الكفر فروا، فقيل: أمنافقون؟ فقال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا وهؤلاء يذكرون الله كثيرا فقيل: ما هم؟ فقال: أصابتهم فتنة فعموا وصموا» فلم يجعلهم صلى الله عليه وسلم كفارا لأنهم تعلقوا بضرب من التأويل.

وحينئذ يكون المراد بالدين في وصفهم بالمروق من الدين الطاعة لا الملة، ويبعده رواية بدل الإيمان: الإسلام، وكان مصداق ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ذا الخويصرة خرج منه حرقوص المعروف بذي الثدية، وهو أول من بويع من الخوارج بالأمانة.

والخوارج قوم يكفرون مرتكب الكبيرة، ويحكمون بحبوط عمل مرتكبها وتخليده في النار، ويحكمون بأن دار الإسلام تصير بظهور الكبائر فيها دار كفر ولا يصلون جماعة.

وسبب مقاتلة سيدنا علي كرّم الله وجهه لهم أنهم نقموا عليه التحكيم الذي وقع بينه وبين معاوية في صفين، وقالوا لا حكم إلا الله، وأنت كفرت حيث حكمت الحكمين، فإن شهدت على نفسك أنك كفرت فيما كان من تحكيمك الحكمين واستأنفت التوبة والإيمان نظرنا فيما سألتنا من الرجوع إليك، وإن تكن الأخرى فإنا ننابذك على سواء وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ [يوسف: الآية 52] فلما أيس من رجوعهم إليه قاتلهم. وحرقوص هذا أول مارق من الدين، وكان رجلا أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة. فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: «إن فيهم رجلا له عصد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض» .

ولما قاتلهم علي كرّم الله وجهه وقتل غالبهم التمس ذلك الرجل فأتي به، فإذا هو له ثدي كثدي المرأة. وفي رواية التمسوه في القتلى فلم يجدوه، فقال عليّ كرم الله وجهه بنفسه فطاف في القتلى فأخرجوه من بينهم، فكبر عليّ كرم الله وجهه، ثم قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول «إن فيهم رجلا له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض» فقام إليه عبيدة السلماني، فقال: يا أمير المؤمنين: والله الذي لا إله إلا هو أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف له.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء وجدوا في أنفسهم» أي غضبوا «حتى كثرت منهم القالة» أي وهي القول الرديء «أي حتى قال بعضهم إن هذا لهو العجب يعطي قريشا» وفي لفظ: «الألفاء والمهاجرين، ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم» أي وفي لفظ: «إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دماء قريش، وإن غنائمنا تردّ عليهم» وفي رواية: «إذا كانت شديدة ندعى إليها ويعطي الغنيمة غيرنا» وفي رواية: «سيوفنا تقطر من دمائهم وهم يذهبون بالمغنم، فإن كان من أمر الله صبرنا، وإن كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم استعتبناه، فدخل عليه سعد بن عبادة رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم» ، أي غضبوا «لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومي، قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة» أي وهي قبة من أدم. أي وفي

كلام بعضهم أن الحظيرة الزريبة التي تجعل للإبل والغنم من الشجر لتقيها من البرد والريح، ولعل هذا باعتبار الأصل فلا مخالفة، فلما اجتمعوا له أتى سعد إليه صلى الله عليه وسلم فقال: «اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي فقال لهم:

أفيكم أحد من غيركم؟ قالوا لا إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ابن أخت القوم منهم» وفي رواية: «قال: من كان ههنا من غير الأنصار فليرجع إلى رحله» ، وذكر بعضهم أن سبب إيراد ابن أخت القوم منهم أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه «اجمع لي من هنا من قريش، فجمعهم له ثم قال: تخرج إليهم أم يدخلون؟ قال:

اخرج، فخرج صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر قريش هل فيكم من غيركم، قالوا: لا إلا ابن أختنا فذكره» ثم قال: «يا معشر قريش إن أولى الناس بي المتقون، فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالدنيا تحملونها فأصدّ عنكم بوجهي» انتهى.

«فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها عليّ في أنفسكم؟» المقلة كما علمت: الكلام الرديء، والجدة: الغضب، والمعروف أنه الموجدة، ومن ثم قال بعضهم: الجدة في المال، والموجدة في الغضب «ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداء فألف بين قلوبكم» أي وفي لفظ: «وكنتم متفارقين فجمعكم الله» وفي لفظ:

«يا معشر الأنصار ألم يمنّ الله عليكم بالإيمان، وخصكم بالكرامة، وسماكم بأحسن الأسماء، أنصار الله، وأنصار رسوله؟ قالوا: بلى الله ورسوله أمنّ وأفضل، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنة والفضل» أي وفي لفظ: «قالوا: يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور، ووجدتنا على شفا جرف من النار فأنقذنا الله بك. ووجدتنا ضلالا فهدانا الله بك، فرضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، فافعل ما شئت، فأنت يا رسول الله في حل، قال: إذن والله لو شئتم لقلتم فصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فأغنيناك، أي وخائفا فأمناك» أوي أي إن كان متعديا كما هنا فالأفصح المد، وإن كان قاصرا فالأفصح القصر، قال تعالى:

وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ [المؤمنون: الآية 50] وقال تعالى: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ [الكهف: الآية 10] «قال فقال الأنصار: المن لله ولرسوله، والفضل علينا وعلى غيرنا، فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فسكتوا، فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم، قالوا: يغفر الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم» ، أي وفي رواية: «ما الذي بلغني عنكم؟ قالوا هو الذي بلغك، لأنهم لا يكذبون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعطي رجالا حديثو عهد بكفر أتألفهم» اهـ. أي وفي رواية: «إن قريشا حديثو عهد

بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتالفهم، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم فيّ لغاغة» بضم اللام وغينين معجمتين: أي شيء قليل من الدنيا «ألفت بها قوما ليسلموا، أي ليحسن إسلامهم ويسلم غيرهم تبعا لهم، ووكلتكم إلى إسلامكم الثابت الذي لا يزلزل، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت رجلا من الأنصار» . أي لانتسبت إلى المدينة «ولو سلك الناس شعبا» أي بكسر الشين المعجمة: وهو ما انفرج بين جبلين «وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار» وفي لفظ: «فبكى القوم حتى أخضلوا لحالهم وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا» أي وقوله صلى الله عليه وسلم للأنصار: «ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي» ليس من المن المذموم في قوله صلى الله عليه وسلم: «آفة السماحة المن» بل هو من التذكير بنعمة الله، لكن يشكل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم للأنصار: «ألا تجيبوني الخ» فليتأمل، أي وقد جاء في مدح الأنصار «اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، ولأزواج الأنصار، ولذراري الأنصار، الأنصار كرشي وعيبتي، وإن الناس يكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» وفي لفظ آخر: «اللهم صل على الأنصار، وعلى ذرية الأنصار وعلى ذرية ذرية الأنصار» وقال للأنصار: «أنتم شعار والناس دثار» أي والشعار الثوب: الذي يلي الجسد، والدثار: الثوب الذي يكون فوق ذلك الثوب، فهم ألصق به وأقرب إليه صلى الله عليه وسلم من غيرهم وقال: «الأنصار حبهم إيمان، وبغضهم نفاق، اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار، ولنساء الأنصار، ولنساء أبناء الأنصار، ولنساء أبناء أبناء الأنصار» . وفي لفظ: «اللهم اغفر للأنصار، ولذراري الأنصار، ولذراري ذراريهم، ولمواليهم، ولجيرانهم، لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» وقال:

«لا تؤذوا الأنصار، فمن آذاهم فقد آذاني، ومن نصرهم فقد نصرني، ومن أحبهم فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد أبغضني، ومن بغى عليهم فقد بغى عليّ، ومن قضى لهم حاجة كنت في حاجته يوم القيامة أسرع. إن الله اختار دارهم لإعزاز دينه، واختارهم لنبيه أنصارا» وقال صلى الله عليه وسلم «حب الأنصار آية الإيمان وبغضهم آية النفاق» وقال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» وقال لهم: «اللهم أنتم أحب الناس إليّ قالها ثلاثا» قال: وقال حسان رضي الله عنه في مدح الأنصار:

سماهم الله أنصارا بنصرهم ... دين الهدى وعوان الحرب تستعر

وسارعوا في سبيل الله واعترفوا ... للنائبات وما خافوا وما ضجروا

انتهى

أي وقد وقع له صلى الله عليه وسلم نظير ذلك، فعن عمرو بن ثعلبة: «أنه صلى الله عليه وسلم سبى فأعطى

قوما ومنع قوما، وقال: إنا لنعطي قوما نخشى هلعهم وجزعهم، ونكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن ثعلبة» ، فكان عمرو رضي الله ع


تحميل : غزوة الطائف : 8 هـ من كتاب السيرة الحلبية

كلمات دليلية: