غزوة أحـد_20671

غزوة أحـد


معركة أحد

راحت قريش تعد العدة كي تثأر من المسلمين في أعقاب الهزيمة النكراء التي منيت بها في بدر، وأقسم أبو سفيان ألّا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا، فخرج في ذي الحجة على رأس مائتي راكب من قريش، تدفعه رغبة إنتقامية عاتية، ليبر بيمينه، وعندما بلغ مشارف المدينة، تسلل ليلا إلى أحياء بني النضير، وطرق الباب على أحد زعمائهم (حيي بن أخطب) ، فدفعه خوفه إلى أن يغلق الباب، فانصرف أبو سفيان إلى سلام بن مشكم، سيد بني النضير، آنذاك، فاستضافه وقدم له بعض المعلومات. وفي فجر اليوم التالي قام أبو سفيان بإرسال جماعة من أصحابه إلى ناحية (العريض) في المدينة فحرقوا نخيلها وقتلوا رجلا من الأنصار وحليفا له وهما يعملان في حرث لهما، ثم انصرفوا راجعين. وعندما انتشر نبأ الهجوم بين الناس خرج الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه لطلبهم، واستعمل على المدينة «بشير بن عبد المنذر» فلما أحس أبو سفيان وأصحابه أنهم مدركون تخففوا من أزوادهم ومعظمها من السويق، طارحين إياها في عرض الطريق، وتمكنوا من النجاة «1» .

وإذ شددت النتيجة التي تمخضت عنها معركة بدر من قبضة المسلمين على طريق مكة التجاري إلى الشام، قررت قريش من أجل أن تتجاوز هذا الحصار أن تسلك في تجارتها طريقا آخر، دلها عليه بعض العارفين، وهو الذي يتجه إلى العراق، صوب الشمال الشرقي بعيدا عن يثرب، وقد عبّر (صفوان بن أمية) عن

__________

(1) ابن هشام ص 169- 170 الطبري 2/ 483- 485 ابن سعد 2/ 1/ 20 الواقدي 1/ 181- 182 المسعودي: التنبيه ص 207 البلاذري: أنساب 1/ 310 خليفة بن خياط: تاريخ 1/ 16- 17 ابن حزم: جوامع ص 152- 153 ابن الأثير: الكامل 2/ 139- 140 ابن كثير 3/ 344.

مخاوف القرشيين بقوله: إن محمدا وأصحابه قد عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع وأصحابه لا يبرحون الساحل وأهل الساحل قد وادعوهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا نأكل رؤوس أموالنا، ونحن في دارنا هذه.. إنما نزلناها على التجارة إلى الشام في الصيف، وفي الشتاء إلى أرض الحبشة «1» .

وقد خرجت إحدى قوافلهم تحمل مقادير كبيرة من الفضة، يقودها عدد من الرجال فيهم أبو سفيان، ويدلها على الطريق الجديد (فرات بن حيان) ، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم سرعان ما بلغته أنباء القافلة الغنية فبعث على جناح السرعة، سرية يقودها زيد بن حارثة، تمكن من مباغتة القافلة في منطقة في نجد تدعى (ماء القردة) فهرب رجالها تاركين بضائعهم لقمة سائغة للقائد المسلم الذي عاد بها إلى المدينة كي يقتسمها المسلمون «2» .

كانت هذه المقدمات تسوق قريشا إلى الإسراع بتوجيه ضربة قاصمة للمسلمين انتقاما لما لحقهم بمعركة بدر، وكسرا للحصار الاقتصادي الذي ازدادت وطأته في أعقاب بدر وذي القردة، واجتمع عدد من زعمائها، ممن أصيب أقرباؤهم ببدر، بأبي سفيان وتم الإتفاق على أن يتنازل أهل مكة عن أموالهم في القافلة التي قدم بها أبو سفيان من الشام قبيل معركة بدر لاستخدامها في التهيؤ للمعركة المرتقبة.

استنفرت قريش كل قادر على حمل السلاح من أبنائها، ودعت الأحابيش وحلفاءها من قبائل كنانة، وأهل تهامة وثقيف للانضمام إليها فبلغوا ثلاثة آلاف رجل بضمنهم سبعمائة دارع ومائتا فرس وثلاثة آلاف بعير.. واستدعيت النساء للخروج كي يثرن الحمية في نفوس المقاتلين ويمنعنهم من الفرار، وتولى القيادة أبو سفيان، فسار بهم طاويا الصحراء حتى نزل قريبا من جبل أحد شمالي المدينة، وعندما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بعث ثلاثة من أصحابه ليأتوه بأخبارهم

__________

(1) الواقدي 1/ 197.

(2) ابن هشام ص 173 الطبري 2/ 492- 493 ابن سعد 1/ 2/ 24- 25 الواقدي 1/ 197- 198 البلاذري: أنساب 1/ 374 اليعقوبي: تاريخ 2/ 59 ابن الأثير: الكامل 2/ 145 ابن كثير: 4/ 4- 5.

وأمر بتشديد الحراسة على المدينة، وعرض على أصحابه أن يظلوا في المدينة، ويدعوا قريشا حيث نزلت [فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها] فكأنه صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يعتمد الخطة التي يسمونها اليوم «حرب الشوارع» أو «الحارات» ، فحيثما كان المهاجمون أكثر عددا من المدافعين كان الأجدر أن يحتمي هؤلاء داخل مدنهم، كي يتمكنوا من إنزال ضرباتهم بالعدو الذي سيجد نفسه مضطرا إلى التشتت في أنحاء المدينة التي لا يعرف الكثير عن منعطفاتها وزواياها، هذا فضلا عن أن قتالا كهذا سيتيح حتى للنساء والأطفال أن يشاركوا في القتال، إلا أن المسلمين الذين فاتهم شرف القتال في بدر، وخاصة الشباب منهم ألحوا بالخروج وقالوا: يا رسول الله أخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرونا أنا جبنّا عنهم وضعفنا!! وأيد عبد الله بن أبي- زعيم المنافقين-، غير صادق، رأي الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما ألح عدد من كبار الصحابة على الخروج قائلين: إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج جبنا عن لقائهم فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله عليهم ونحن اليوم بشر كثير، قد كنا نتمنى هذا اليوم، وندعو الله به، فقد ساقه الله إلينا في ساحتنا ... وقال مالك بن سنان: يا رسول الله نحن والله بين إحدى الحسنيين، إما أن يظفرنا الله بهم، أو يرزقنا الشهادة. وقال حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي هذا خارجا من المدينة. وقال النعمان ابن مالك أخو بني سالم: يا رسول الله لم تحرمنا الجنة؟ فو الذي لا إله إلا هو لأدخلنها.

سأل الرسول صلى الله عليه وسلم بم؟ قال: إني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف.

فقال الرسول: صدقت. وقال أياس بن أوس: يا رسول الله، نحن بنو عبد الأشهل نرجو أن نذبح ويذبح فينا فنصير إلى الجنة ويصيرون إلى النار مع أني يا رسول لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولون: حصرنا محمدا في صياصي يثرب وآطامها فيكون هذا جرأة لقريش. وقال عبد الله بن جحش: اللهم إني أسألك أن ألقى العدو غدا، فيقتلوني، ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني وتسألني فيم ذلك، فأقول فيك «1» .

__________

(1) الواقدي 1/ 199- 200 و 1/ 210- 213، 233 وانظر عن بطولات أحد بالتفصيل: الطبري 2/ 503، 505- 506، 516، 517، 518، 520، 522، 529، 530، 532، 533، 534- 535.

ومما لا ريب فيه أن مواقف كبار الصحابة هؤلاء تبين لنا أن الإلحاح على الخروج للقتال بعيدا عن المدينة، لم يجىء من الشباب والذين لم يشهدوا بدرا فحسب، بل أسهم معهم في ذلك عدد من كبار المسلمين، الأمر الذي يفسر لنا استجابة الرسول صلى الله عليه وسلم لوجهة النظر هذه، وعدم تردده في قبولها اعتمادا على ثقته الكبيرة بهذا العدد الكبير من أتباعه الراغبين في الخروج.

وخوفا من أن يطول النقاش، وتتعرض وحدة الصف المسلم للخطر، وتلبية لنداء الشباب المتحمسين للقتال والشهادة، أسوة بإخوانهم في بدر أسرع الرسول صلى الله عليه وسلم فدخل بيته ولبس درعه وحمل سلاحه، وما أن رآه المسلمون الذين ألحوا بالخروج حتى ندموا وقالوا:

استكرهنا الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك، وعرضوا عليه أن يعود إلى رأيه الأول، إلا أنه أجابهم «ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل، فانظروا ما أمرتكم به فافعلوه، فلكم النصر ما صبرتم» ، ومن ثم غادر المدينة على رأس ألف مقاتل، بعد أن وضع نساءها وصبيانها في الحصون والآطام حتى إذا قطعوا شوطا من الطريق إلى أحد انسحب ابن أبيّ بثلث الناس وقال مبررا ذلك: أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ فتبعهم عبد الله بن عمرو ابن حزام يحثهم على الرجوع لإخوانهم، فلم يستجيبوا، وكان الأنصار قد عرضوا على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستعين باليهود فرفض «1» .

عسكر الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه السبعمائة قريبا من أحد جاعلا ظهورهم إليه وسوّى صفوف المسلمين، وطلب منهم ألايقاتلوا حتى يأمرهم بذلك، واختار خمسين رجلا وضعهم على الجبل وأمّر عليهم عبد الله بن جبير وقال له: انضح الخيل عنا بالنبال لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت لا نؤتين من قبلك، ولبس صلى الله عليه وسلم درعين زيادة في الحيطة ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير. أما قريش فعبأت رجالها بمواجهة المسلمين وقسمت فرسانها الذين بلغوا مئتي رجل إلى قسمين، أحدهما في الميمنة بقيادة خالد بن الوليد والآخر في الميسرة بقيادة

__________

(1) ابن هشام ص 173- 176 الطبري 2/ 499- 504 ابن سعد 2/ 1/ 26- 27 الواقدي 1/ 200- 219 المسعودي: التنبيه ص 211 اليعقوبي: تاريخ 2/ 38- 39 البلاذري: أنساب 1/ 312- 315.

عكرمة بن أبي جهل، وسلم اللواء إلى بني عبد الدار، وراح أبو سفيان يحرضهم على القتال ... فقالوا: ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع «1» .

وما أن التقى الطرفان (السبت منتصف شوال) ودنا بعضهم من بعض حتى راحت هند بنت عتبة والنسوة يحرضن الرجال ويضربن الدفوف وينشدن الأراجيز الحماسية للتحريض على القتال.

ورفع المسلمون شعارهم: أمت أمت، وراحوا يتنادون به ليعرف بعضهم بعضا، وجرد رسول الله سيفه ونادى: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فسأله أبو دجانة: وما حقه يا رسول الله؟ أجابه: أن تضرب به العدو حتى ينحني، فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، واستلم السيف، وعصب رأسه بعصابة حمراء كعادته، واندفع إلى قلب المعركة لا يعترضه أحد من المشركين إلا قتله.

وراح حمزة يقتطف رؤوس القرشيين واحدا واحدا ويحدث في صفوفهم خللا واضطرابا، وهو ينهدّ عليهم يمينا وشمالا، لولا أن كمن له وحشي- غلام جبير ابن مطعم- الذي يجيد الإصابة بحربته الحبشية، والذي كان قد وعد من قبل سيده، أن ينال حريته إذا ما تمكن من قتل حمزة. ويحدثنا وحشي كيف قضى على العملاق « ... وهززت حربتي حتى إذا رضيت عنها، دفعتها عليه فوقعت في ثلته حتى خرجت من بين رجليه. فأقبل نحوي، فغلب فوقع، وأمهلته حتى إذا مات جئت، وأخذت حربتي، ثم تنحيت إلى العسكر، ولم تكن لي بشيء حاجة غيره ... » «2» .

استمرت المعركة بين المعسكرين غير المتكافئين، إلا أن حرارة الإيمان والرغبة العميقة في الشهادة مكنت القلة أن تواصل القتال وتقتل من المشركين أضعاف قتلاها، وتحرز انتصارا تدريجيا. شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد حمل على المسلمين فرمته الرماة فتراجع واختفى ... وأعاد المحاولة مرة أخرى ونبال الرماة تنهال على أصحابه فتقتل منهم من تقتل

__________

(1) ابن هشام ص 176- 177 الطبري 2/ 507، 512 ابن سعد 2/ 1/ 27- 28 الواقدي 1/ 219- 223 البلاذري: أنساب 1/ 316- 317.

(2) ابن هشام ص 177- 179 الطبري 2/ 516- 517 الواقدي 1/ 223- 228 وانظر بالتفصيل البخاري: التجريد 2/ 81- 82 والواقدي (كذلك) 1/ 285- 290.

وتضطرهم إلى الانسحاب «1» .

وقاتل مصعب بن عمير دون الرسول صلى الله عليه وسلم حتى قتل على يد ابن قميئة الليثي الذي ظنه الرسول صلى الله عليه وسلم فتسلم اللواء علي رضي الله عنه بأمر من الرسول، وراح المسلمون يجالدون أعداءهم حتى أنزل الله نصره عليهم وصدقهم وعده، فراحوا يستأصلونهم بالسيوف حتى كشفوهم عن مواقعهم، وكانت الهزيمة لا شك فيها «2» .

إلا أن لحظة من لحظات الضعف البشري ساقت الرماة الذين كانوا على جبل أحد إلى نسيان أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ومغادرة مواقعهم لمشاركة إخوانهم في مطاردة المشركين وجمع الغنائم، فنادى عبد الله بن جبير: أما علمتم ما عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إليكم؟ فلم يلتفتوا إليه، وقالت طائفة أخرى من الرماة: بل نطيع الرسول صلى الله عليه وسلم فنثبت في مكاننا. وبقي ابن جبير في عشرة من أصحابه أمرهم بالانتشار بالجبل لئلا يتيحوا ثغرة للعدو، واستقبلوا الشمس فانقض خالد عليهم يتبعه عكرمة، وقام بحركة التفاف من وراء الجبل «3» ، فجرح وقتل الرماة الذين ثبتوا في أماكنهم، وراح عبد الله بن جبير يقاتلهم بما تبقى معه من نبال حتى فنيت، ثم طاعن بالرمح حتى انكسر فكسر جفن سيفه وراح يقاتلهم حتى قتل «4» ، وخرجت أمعاؤه من ضربات الرماح «5» ، ثم انقض خالد بخيالته على ظهور المسلمين يعمل فيهم قتلا وجرحا، وصرخ صارخ أن محمدا قد قتل، فتشتت المسلمون تحت وقع المباغتة المميتة، وما أن رأى المشركون المنهزمون ما فعل خالد، حتى عادوا ثانية إلى ساحة القتال، وأوقعوا المسلمين في شقي الرحى، وراحوا يحصدونهم حصدا «6» .

ولم يفقد الرسول صلى الله عليه وسلم رباطة جأشه، وقدرته على القيادة والتخطيط للخروج من المحنة القاسية التي كادت تأتي على أصحابه، ودعوته، وتعرض مصير ست

__________

(1) الطبري 2/ 510 الواقدي 1/ 225- 229.

(2) ابن هشام ص 179- 181 الطبري 2/ 507- 510، 513 ابن سعد 2/ 1/ 28- 29 الواقدي 1/ 229- 231 البلاذري: أنساب 1/ 317- 318 خليفة بن خياط 1/ 27- 28.

(3) الواقدي 1/ 284 البلاذري: أنساب 1/ 318- 319.

(4) الواقدي 1/ 232.

(5) الواقدي 1/ 284.

(6) ابن هشام ص 181 الطبري 2/ 509- 510 ابن سعد 2/ 1/ 29 الواقدي 1/ 229- 233.

عشرة سنة من الجهد والعذاب للضياع ... فرأى أن يتخذ من مكان قيادته مركزا يتجمع المسلمون فيه ثانية كي لا يتبعثروا وينفرد المشركون بهم ويحيلوا نصرهم إلى عملية إبادة شاملة، فاتجه صوب الشعب يصحبه أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وجماعة من المسلمين بلغوا ثلاثين رجلا، بينما كان الآخرون قد تشتتوا في أطراف الميدان، وعاد بعضهم إلى المدينة. ورأت طائفة أخرى أن يبعثوا إلى عبد الله بن أبي كي يطلب الأمان لهم من أبي سفيان وقالوا: يا قوم، إن محمدا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فاعترض أنس بن النضر:

يا قوم إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد لم يقتل فقاتلوا ما قاتل عليه محمد، اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل.

وراح الرسول صلى الله عليه وسلم يقاتل، حتى صارت قوسه شظايا، ويقاتل معه أصحابه المحيطون به، قتالا بطوليا مريرا، تساقط منهم خلاله الكثير وهم ينافحون عن نبيهم ودعوتهم. وقف ستة رجال من الأنصار، يدافعون عنه صلى الله عليه وسلم ويقتلون دونه وكان آخرهم رجل يسمى زياد بن السكن، أصابه جرح مميت فنادى الرسول صلى الله عليه وسلم ادنوه مني فأدنوه منه فوسده قدمه وبه أربعة عشر جرحا، فمات هناك. ورمى سعد ابن أبي وقاص، دون الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول يناوله النبل ويقول: فداك أبي وأمي.

وترّس أبو دجانة بنفسه دون الرسول صلى الله عليه وسلم يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل، وخلص بعض المشركين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يعتزمون قتله، وانهالت الحجارة عليه ... فأصيبت رباعيته، وجرح وجهه وكلمات شفته، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، فجعل الدم يسيل على وجهه وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يمسح الدم ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ ... وما لبث أن أدركه أبي ابن خلف وهو يقول: أي محمد لا نجوت إن نجوت! فقال القوم: يا رسول الله أيعطف عليه رجل منها؟ فقال: دعوه، وتناول حربته واستقبل بها غريمه وقذفه بها فاستقرت في عنقه فسقط عن فرسه يتلوى ومات في عودته إلى مكة «1» ، وأقبل الحباب بن المنذر يصيح يا آل سلمى فأقبلوا كتلة واحدة وهم يهتفون لبيك داعي الله لبيك، وترتفع حناجرهم بشعار

__________

(1) ابن هشام ص 181- 184 الطبري: تاريخ 2/ 514- 519 ابن سعد 2/ 1/ 29 الواقدي 1/ 239- 262 البلاذري: أنساب 1/ 318- 321.

المسلمين: أمت أمت «1» ، وقاتل كعب ابن مالك قتالا شديدا حتى جرح سبعة عشر جرحا «2» ، ونثر أبو طلحة كنانته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان راميا، وجعل يصيح: يا رسول الله نفسي دون نفسك، فلم يزل يرمي بها سهما سهما حتى فنيت نبله وهو يقول لنبيه: نحري دون نحرك جعلني الله فداك «3» . وانقض سعد بن أبي وقاص باحثا عن أخيه الذي كسر رباعية الرسول صلى الله عليه وسلم ليقتله ولكنه أفلت منه «4» .

وقاتل طلحة بن عبيد الله عن النبي قتالا شديدا، وأصابه سهم شلّ إصبعه حتى أن سعد ابن أبي وقاص قال عنه: يرحمه الله إنه كان أعظمنا غناء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، لزم النبي وكنا نتفرق عنه ونؤوب إليه، لقد رأيته يدور حول النبي صلى الله عليه وسلم يترس بنفسه!! وقال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي في الدنيا وهو من أهل الجنة فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله «5» ، وقد تلقى وهو يقاتل المشركين، ضربة قاسية على رأسه، من أحد المشركين، فنزف منه الدم، وأغمي عليه، فقال الرسول لأبي بكر: عليك بابن عمك فجاءه وراح ينضح الماء على وجهه، ولما أفاق سأل: ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أجابه أبو بكر: خيرا، هو أرسلني.

فرد طلحة: الحمد لله، كل مصيبة بعده جلل «6» .

وأقبل وهب بن قابوس المزني، وابن أخيه الحارث بن عقبة، ومعهما غنم لهما فدخلا المدينة، فلقياها قد خلت من الناس! فقالا: أين الناس؟ فقيل بأحد، وخبرا الخبر، فخرجا مقاتلين حتى قتلا «7» . ومرّ أحد المقاتلين على خارجة بن زيد وبه ثلاثة عشر جرحا كلها قد خلص إلى مقتل فقال: أما علمت أن محمدا قد قتل؟ قال خارجة: إن قتل محمد فإن الله حي لا يموت، فقاتل عن دينك، فقد بلّغ محمد رسالة ربه «8» . وقاتلت نسيبة بنت كعب مع زوجها، وولديها، وأبلت بلاء حسنا فجرحت اثني عشر جرحا بين طعنة برمح وضربة بسيف، ودافعت عن الرسول صلى الله عليه وسلم إزاء محاولات قتله من قبل المشركين دفاعا مستميتا، ولما جرح أحد ابنيها، وراح الدم ينزف منه بغزارة، من عضده اليسرى، سعت أمه إليه وربطت

__________

(1) الواقدي 1/ 234.

(2) الواقدي 1/ 236.

(3) الواقدي 1/ 243.

(4) الواقدي 1/ 245.

(5) الواقدي 1/ 254- 255.

(6) الواقدي 1/ 255 وانظر عن البطولات كذلك، المصدر نفسه 1/ 256- 262، 274- 284، 391. وعن بطولات النساء انظر: المصدر نفسه 1/ 264- 274، 292 وانظر هامش (30) وما يليه.

(7) البلاذري: أنساب 1/ 326.

(8) المصدر السابق 1/ 326.

جرحه بعصابة كانت قد أعدتها لمداواة الجرحى ثم قالت له انهض يا بني فضارب القوم، والرسول صلى الله عليه وسلم يناديها: ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟ ويلتفت إلى أصحابه قائلا: ما التفت يمينا وشمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني، فسألته نسيبة:

ادع الله أن نرافقك في الجنة قال: اللهم اجعلهم رفاقي في الجنة. فقالت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا «1» . وخرجت السميراء بنت قيس، وقد أصيب ابناها، فلما نعيا لها قالت: ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا، وهو بحمد الله على ما تحبين. قالت: أرونيه أنظر إليه، فأشاروا لها إليه فقالت: كل مصيبة بعدك يا رسول الله جلل «2» . ولقيت أم أيمن جماعة من المنهزمين، فجعلت تنثر التراب في وجوههم وتقول: هاك المغزل فاغزل به «3» .

تمكن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصمود لهجمات المشركين وعرف المسلمون الذين تشتتوا في ميدان المعركة، في أعقاب التفاف خالد، وانتشار شائعة وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، عرفوا أن رسولهم لم يمت فتجمعوا حوله، وطلب صلى الله عليه وسلم منهم أن يتراجعوا صوب جبل أحد وأن يحصبوا المشركين بالحجارة، وأن لا يسمحوا لهم بأن يلتفوا عليهم من فوقهم. وسعت فرقة من القرشيين إلى الالتفاف حول المسلمين كرة أخرى والانقضاض عليهم من جبل أحد فتصدى لهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة من المهاجرين حتى أجلوهم عن الجبل، ونهض صلى الله عليه وسلم إلى صخرة أحد ليعلوها فلم يستطع لشدة إعيائه وثقل دروعه فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض حتى استوى عليها. وأدرك المشركون أن دون إبادة المسلمين وتفتيتهم المستحيل وكانوا قد أصابهم التعب والجراح فاثروا الانسحاب مكتفين بهذا القدر من النصر على المسلمين وهو قدر كما اعتقدوا ليس بالقليل، وأشرف أبو سفيان على مرتفع عال ونادى بأعل صوته: إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر أعل هبل! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر: قم فأجبه وقل: الله أعلى وأجلّ، لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فطلب أبو سفيان من عمر أن يقترب وقال له: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك

__________

(1) الواقدي 1/ 268- 273.

(2) الواقدي 1/ 292.

(3) البلاذري: أنساب 1/ 326.

الآن، فانصرف أبو سفيان ومن معه وهو ينادي: إن موعدكم بدر للعام القابل، فقال صلى الله عليه وسلم لعمر قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد «1» !! وتوقف القتال، وقد خسر المسلمون بضعة وسبعين قتيلا، وقيل خمسة وستين، أما المشركون فلم يزد عدد قتلاهم على ثلاثة وعشرين رجلا «2» . ولم تغب عن ذهنه صلى الله عليه وسلم وهو يعاني التعب والسهر والجراح، أن المشركين ربما فكروا بهجوم حاسم على المدينة فقطعوا الطريق على المسلمين في أحد وعرضوهم لمصير أشد حلكة وخطرا من المعركة نفسها، فطلب من علي رضي الله عنه أن يخرج في أعقاب القوم فينظر ماذا يصنعون، وما يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، وأقسم الرسول صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم فيها) ، لكن عليا ما لبث أن عاد، ليخبره بأن المشركين امتطوا الإبل ويمموا وجوههم شطر مكة «3» .

ومن أجل مزيد من ضمان عدم عودة المشركين لمهاجمة المدينة، انتدب صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا من أصحابه لمتابعة المشركين والتأكد من عدم اعتزامهم الرجوع «4» .

لقد أجمع المؤرخون على اعتبار نتيجة أحد نصرا للمشركين على المسلمين، لكن الحقائق العسكرية لا تتفق مع ما أجمع عليه هؤلاء. لقد كان بإمكان المشركين القضاء على قوات المسلمين في معركة أحد، بعد أن استطاعوا إحاطتهم من كافة الجوانب، بقوات متفوقة عليهم تفوقا ساحقا، ومع ذلك استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشق طريقه بين القوات المحيطة به ويخلص تسعة أعشار قواته من فناء أكيد.

إن فشل المشركين في القضاء على قوات المسلمين بعد أن أحاطوهم بقواتهم المتفوقة يعتبر اندحارا لهم، وإن نجاح المسلمين في الخروج من تطويق المشركين والتخلص منه بخسائر عشرة بالمائة بقواتهم القليلة يعتبر نصرا لهم.

وبالإضافة إلى نجاح المسلمين في التخلص من الفناء التام في أحد فقد نجحوا في

__________

(1) ابن هشام ص 186- 187 الطبري 1/ 521- 522، 526- 527 ابن سعد 2/ 1/ 33 الواقدي 1/ 294- 298 البلاذري: أنساب 1/ 327.

(2) ابن سعد 2/ 1/ 29- 30، البلاذري: أنساب 1/ 328- 335 خليفة بن خياط: تاريخ 1/ 34.

(3) ابن هشام ص 187 الطبري 2/ 527- 528 الواقدي 1/ 298- 299.

(4) البخاري: التجريد 2/ 82.

معرفة المنافقين في صفوفهم قبل المعركة وبعدها، مما أتاح لهم القيام بالتطهير التام في صفوفهم بعد أحد على هدى وبصيرة، وبذلك تظهر الفائدة العظيمة لغزوة أحد للمسلمين. إن نتيجة أحد نصر تعبوي «1» للمشركين على المسلمين ولكنه فشل سوقي «2» للمشركين، ولا يعد النصر التعبوي شيئا يذكر إلى جانب الفشل السوقي «3» .

فزع الناس لقتلاهم فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: من ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد، فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمض فقال له: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر في الأموات أنت أم في الأحياء؟ قال: أنا في الأموات فأبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم عني السلام وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف «4» .

وخرج صلى الله عليه وسلم يبحث عن جسد حمزة فوجده ببطن الوادي، قد بقرت بطنه فقال صلى الله عليه وسلم: لولا أن تحزن صفية، ويكون سنّة من بعدي، لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم!! فلما رأى المسلمون حزن الرسول صلى الله عليه وسلم وغيظه قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب، إلا أن الآيات القرآنية نزلت بالقيم الثابتة التي تتجاوز مواقف الانفعال والآلام وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ «5» فعفا الرسول صلى الله عليه وسلم ونهى عن المثلة، ثم أمر بحمزة فسجي ببردة ثم

__________

(1) التعبية: هي الأعمال العسكرية في المعركة: خطاب: الرسول القائد، هامش 1 ص 125.

(2) السوق: هو الاستفادة من المعارك للحصول على الغرض من الحرب. ومن ذلك يتضح أن السوق يعني نتائج الحرب كلها بينما تعني التعبية نتائج معركة محلية واحدة: المرجع السابق، هامش 1 ص 125.

(3) شيت خطاب: الرسول القائد ص 124- 125.

(4) ابن هشام ص 187- 188 الطبري 2/ 528 الواقدي 1/ 292- 293.

(5) سورة النحل، الآيتان: 126- 127.

صلى عليه ثم أمر بالقتلى يوضعون إلى جانب حمزة واحدا واحدا، فصلى عليهم وعليه حتى أنه صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة هي عدد القتلى من المسلمين، وآثر صلى الله عليه وسلم مصعبا بن عمير وهو مقتول ببردة له، وقال: «رحمك الله، لقد رأيتك بمكة وما بها أرق خلّة ولا أحسن حلة منك، ثم أنت في أشعث بردة» «1» .

وجاءت صفية بنت عبد المطلب وقد سمعت بأن أخاها قد مثل به فقالت: ما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله!، وكان بعض المسلمين قد حملوا قتلاهم ليدفنوهم في المدينة فنهاهم صلى الله عليه وسلم قائلا: «ادفنوهم حيث صرعوا» .

ثم وقف عليهم وقال: «أنا شهيد على هؤلاء، إنه ما من جريح يجرح في الله إلا ويبعثه الله يوم القيامة، يدمى جرحه، اللون لون دم والريح ريح مسك» ، ثم قفل صلى الله عليه وسلم وأصحابه عائدين إلى المدينة في نفس اليوم السبت الخامس عشر من شوال «2» .

لم يلبث الرسول صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي أن قام بمناورة عسكرية استهدفت تحقيق أهداف عدة منها إرهاب العدو، مشركين وأعرابا، منافقين ويهودا، وإشعارهم أن المسلمين لا زالوا على قوتهم ومقدرتهم القتالية، وأن هزيمة أحد لم توهنهم عن أهدافهم، ومنها رفع معنويات المسلمين وإزالة الآثار النفسية المؤلمة، التي خلفتها معركة أحد، والتي كان بإمكانها أن تحفر في نفوسهم خنادق وحفرا لا تمحوها الأيام، فنادى مناديه في السادس عشر من شوال أن يتهيأ الناس لطلب العدو وألايخرج معهم أحد لم يشترك في معركة أحد، يوم أمس، وانطلق صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد على بعد ثمانية أميال من المدينة، وكان المشركون قد بلغوا الروحاء على بعد ليلتين من المدينة، وعسكروا هناك، وأجمعوا أمرهم على العودة ثانية لقتال المسلمين بعد أن أدركوا أنهم لم يستأصلوا شأفتهم، لكن رجلا من خزاعة، حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، مر بهم وأعلمهم أن محمدا يطلبهم على رأس قوة كبيرة من المسلمين تتحرق شوقا لقتالهم، انضم

__________

(1) البلاذري: أنساب 1/ 336.

(2) ابن هشام ص 188- 190 الطبري 2/ 528- 529، 532 الواقدي 1/ 289- 290، 309- 317.

إليها حتى الذين لم يشهدوا أحدا، فعدل المشركون عن رأيهم، واستأنفوا طريق عودتهم إلى مكة، إلا أن أبا سفيان رأى أن يستفز المسلمين ويرهبهم فدس إليهم من يخبرهم، أن قريشا عائدة لاستئصالهم، فما كان من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن قال:

حسبنا الله ونعم الوكيل. وأقام هناك ثلاثة أيام، ثم قفل عائدا وقد حقق الأهداف التي توخاها من مناورته تلك «1» .

لقد جاءت هزيمة أحد تعليما قيما للمسلمين، عبر دروب صراعهم المرير ضد الأعداء. وكأن إرادة الله شاءت أن يكبو المسلمون هذه الكبوة، بعد سلسلة الانتصارات التي حققوها قبل بدر وبعدها، لأن الانتصار الدائم يعرض الجماعة لنوع من اليقين الأعمى والاتكالية السالبة ويحشر في صفوفهم الكثير الكثير من ضعاف الإيمان وطالبي المغانم، فلا بد من هزة عنيفة تنخل المنتمين إلى الدعوة وتسقط عنهم أولئك الذين لا يقدرون على الصمود ومجابهة الخطر وجها لوجه، وممارسة الموت بإيمان.

ولقد ظل القرآن الكريم، الذي خصص الكثير من آياته في سورة آل عمران لهذه التجربة المرة، ظل طيلة العصر المدني، كما كان شأنه في العصر المكي، يعلم المسلمين بالتجارب والأحداث ويا بني حركتهم بالهزائم والانتصارات وتتنزل آياته مفرّقة وعلى مكث، واحدة واحدة، ومجموعة مجموعة، إثر كل حدث يمارسه المسلمون، وعقب كل تجربة يخوضونها ... تتنزل لكي تمتزج مع حيوية التجربة المعاشة، وواقعيتها وثقلها، لكي ما تلبث هذه الآيات أن تغدو جزآ من كيان المسلم، متمثلا في لحمه ودمه وعصبه ووجدانه، إنه الارتباط الشرطي الذي أشار إليه «علم النفس» ، إن القيم والتعاليم إذا ارتبطت بحدث خطير له في النفوس وقع كبير سرعان ما تستقر في أعماق النفوس والقلوب والعقول، وتبقى هنالك حتى النهاية، تؤتي ثمارها نضجا للتجربة وتقويما للحركة واستقامة على الطريق.

__________

(1) ابن هشام ص 191- 193 الطبري 2/ 534- 536 ابن سعد 2/ 1/ 34- 35 الواقدي 1/ 334- 340 خليفة بن خياط: تاريخ 1/ 35 المسعودي: تنبيه ص 211 البلاذري: أنساب 1/ 338- 339 ابن حزم: جوامع ص 175 ابن الأثير: الكامل 2/ 164- 165 ابن كثير: البداية 4/ 48- 52. وعن الآيات المتعلقة بمعركة أحد انظر: سورة آل عمران: الآيات 121- 128، 137- 161، 164- 176.

ولا بأس هنا أن نختار فقرات من (فقه السيرة) يعقّب فيها محمد الغزالي على موقف القرآن الكريم إثر معركة (أحد) من الهزيمة التي كان لا بد منها في علم الله وقدرته لكي يتعلم المسلمون من نارها الممحصة وعن طريق ما يرتبط بها من آيات بينات ملامح الطريق وما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ «1» فلقد «ترفق القرآن الكريم وهو يعقب على ما أصاب المسلمين في أحد على عكس ما نزل في بدر من آيات، ولا غرو فحساب المنتصر على أخطائه أشد من حساب المنكسر. في المرة الأولى قال: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «2» .

أما في أحد فقال: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ «3» .

حسب المخطئين ما لحقهم من أوضار الهزيمة، وفي القصاص العاجل درس يذكر المخطىء بسوء ما وقع فيه. وقد اتجهت الآيات إلى مزج العقاب الرقيق بالدرس النافع وتطمين النفوس المؤمنة، حتى لا يتحول انكسارهم في الميدان إلى قنوط يغل قواهم، وحسرة تشل انتاجهم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ. هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «4» ، ثم مضى الوحي يذكر المسلمين ما جهلوا من سنن الحياة ويذكرهم بما نسوا من ذلك، فيبين أن المؤمن مهما عظمت بالله صلته فلا ينبغي أن يغتر به أو يحسب الدنيا دانت له أو يظن أن قوانينها الثابتة طوع يديه! كلا، كلا. فالحذر البالغ والعمل الدائم هما عدتا المسلم لبلوغ أهدافه المرسومة، ويوم يحسب المسلم أن الأيام كلها كتبت له، وأن شيئا منها لم يكن عليه، وأن أمجاد الدارين تنال دون بذل التكاليف الباهظة، فقد سار في طريق الفشل الذريع إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ... «5» أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ

__________

(1) سورة آل عمران: الآية 179.

(2) سورة الأنفال: الآيتان 67- 68.

(3) سورة آل عمران: الآية 152.

(4) سورة آل عمران: الآيات 137- 139.

(5) سورة آل عمران: الآية 140.

تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «1» . وأولو الألباب يستحيون أن يطلبوا السلعة الغالية بالثمن التافه، وهم يبدون استعدادهم للتضحية بأنفسهم لقاء ما ينشدون، بيد أن الاستعداد أيام الأمن يجب ألايزول أيام الروع. إن الإنسان في عافيته قد يتصور الأمور سهلة مبسطة، وقد يتأدى به ذلك إلى المجازفة والخداع، فليحذر المؤمن هذا الموقف وليستمع إلى تأنيب الله لمن تمنوا الموت ثم حادوا عنه لما جاء وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ «2» ، ثم عاتب الله عز وجل من أسقط في أيديهم وانكسرت همتهم لما أشيع أن الرسول صلى الله عليه وسلم مات. ما كذلك يسلك أصحاب العقائد، إنهم أتباع مبادىء لا أتباع أشخاص، ولو افترض أن الرسول صلى الله عليه وسلم قتل وهو ينافح عن دين الله فحقّ على أصحابه أن يثبتوا في مستنقع الموت، وأن يردوا المصير نفسه الذي ورده رائدهم، لا أن ينهاروا ويتخاذلوا ... إن عمل محمد صلى الله عليه وسلم ينحصر في إضاءة الجوانب المعتمة في فكر الإنسان وضميره، فإذا أدى رسالته ومضى فهل يسوغ للمستنير أن يعود إلى ظلماته فلا يخرج منها؟ لقد جمع صلى الله عليه وسلم الناس حوله على أنه عبد الله ورسوله، والذين ارتبطوا به عرفوه إماما لهم في الحق وصلة لهم بالله، فإذا مات عبد الله ظلت الصلة الكبرى بالحي الذي لا يموت باقية نامية وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ «3» .. ولعل ما ترتب على عصيان الأوامر في هذه الموقعة درس عميق يتعلم منه المسلمون قيمة الطاعة والجندية ... فإحسان الطاعة كإحسان القيادة. فكما أن إصدار الأوامر يحتاج إلى حكمة، فإن إنفاذها يحتاج إلى كبح وكبت، ولكن عقبى الطاعة في هذه الشؤون تعود على الجماعة بالخير الجزيل. لذلك لما دهش المسلمون للكارثة التي قلبت عليهم الأمور، بيّن الله أنهم هم مصدرها، فما أخلفهم موعدا ولا ظلمهم حقا أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «4» ... » «5» .

__________

(1) سورة آل عمران: الآية 142.

(2) سورة آل عمران: الآية 143.

(3) سورة آل عمران: الآية 144.

(4) سورة آل عمران: الآية 165.

(5) انظر بالتفصيل: محمد الغزالي: فقه السيرة ص 280- 289 والمؤلف: في النقد الإسلامي المعاصر ص 136- 139، 139- 141.

ولذلك أيضا يحدثنا مجاهد بأن الملائكة حضرت معركة أحد لكنها لم تقاتل لما كان من المسلمين، كما يحدثنا عبد الحميد بن سهيل بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمد يوم أحد بملك واحد «1» ، هذا بينما كان مقاتلو بدر قد تلقوا ساعة الصمود والصبر معونة سماوية قدرت بالاف من الملائكة مردفين! كما تلقى الرجال الذين قاوموا وراء الخندق، فيما بعد، عشرين ليلة، باذلين كل جهدهم وإمكاناتهم، معونة إلهية أخرى جاءت على شكل ريح عاتية لم تدع للمعسكر الوثني، بعد التصدع النفسي الذي أصابه، فرصة للتجمع والتفكير والاستقرار، فكان الانسحاب ... ذلك هو منطق العون الإلهي الذي علمنا إياه الإسلام منذ تجربة الهجرة وما قبلها ... إن مدد الله لا يتنزل إلا على أولئك الذين استكملوا الأسباب البشرية جميعا ... حركة وعقلا وإرادة وتصميما، وبدون ذلك لن تتنزل معونة الله حتى لو حبسوا أنفسهم في المساجد ليلا ونهارا.

وجدت الوثنية العربية فرصتها للانتقام من المسلمين في أعقاب هزيمتهم في أحد وراحت توجه إليهم الضربات الغادرة كلما تمكنت منها، متجاوزة في ذلك أعرافها وقيمها الجاهلية التي درجات عليها مئات السنين.

فبعد وقت قصير من عودة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أحد قدم عليه وفد من قبيلتي عضل والقارة في صفر، وقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام.

فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم معهم سبعة من أصحابه ... مرثد بن أبي مرثد، خالد بن أبي البكير، معتب بن عبيد، عاصم بن ثابت، خبيب بن عدي، زيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، وأمّر عليهم مرثد بن أبي مرثد «2» . فانطلق الدعاة يجتازون الصحراء حتى إذا بلغوا ماء الرجيع بين عسفان ومكة، حيث تقطن بنو هذيل، غدر بهم أعراب عضل والقارة، فاستصرخوا عليهم هذيلا، التي كان زعيمها سفيان بن خالد قد قتل على أيدي المسلمين في أعقاب أحد حيث حشد أتباعه للهجوم على المدينة، فلم يرع الدعاة إلا والرجال بأيديهم السيوف يحيطون بهم، فشهروا أسيافهم ليقاتلوهم فقال لهم رجال بني هذيل: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكن نريد

__________

(1) البلاذري: أنساب 1/ 322.

(2) يجعلهم ابن سعد عشرة: 2/ 1/ 39.

أن نصيب بكم مالا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألانقتلكم. فأما خالد ومرثد وعاصم ومعتب فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا، وانطلقوا يقاتلون وعاصم ينشد:

............... ... ... الموت حق والحياة باطل

وكل ما حمّ الإله نازل ... بالمرء والمرء إليه آثل

حتى قتلوا جميعا. وأما إخوانهم الثلاثة، فقد أسرتهم هذيل وحملتهم إلى مكة لتبيعهم بها، ومعنى هذا أنها تسلمهم لمصارعهم، حتى إذا بلغوا الظهران تمكن عبد الله بن طارق من انتزاع يده من الحبل الذي شدت به، وإشهار سيفه، فانهال عليه آسروه ضربا بالحجارة حتى قتل.

واقتيد خبيب وزيد إلى مكة حيث استبدلا هناك بأسيرين كانا في مكة. فأما زيد فقد ابتاعه صفوان بن أمية ليقتله ثأرا لأبيه، أمية بن خلف، وبعث به إلى مكان خارج مكة ليلاقي مصيره، واجتمع حوله رهط من قريش وسأله أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني جالس في أهلي! فقال أبو سفيان للملأ من حوله: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا! ثم قتل زيد رحمه الله «1» .

وخرجوا بخبيب إلى نفس المكان ليصلبوه فسألهم أن يمنحوه فرصة يركع فيها ركعتين، فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة. فكان خبيب أول من سنّ ركعتي القتل عند المسلمين. وعندما رفعوه على الخشبة وأوثقوه، رفع وجهه إلى السماء فقال: اللهم إنّا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلّغه الغداة ما يصنع بنا ... اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا! وصلبوه وهو ينشد:

__________

(1) ابن هشام ص 194- 196 الطبري 2/ 538- 542 ابن سعد 2/ 1/ 39- 40 الواقدي 1/ 354- 363 خليفة بن خياط: تاريخ 1/ 36- 37 ابن حزم: جوامع ص 176- 178 المقدسي 4/ 209- 211 ابن كثير: البداية 4/ 62- 67.

إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع

وقد خيّروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع

فو الله ما أرجو إذا مت مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي «1»

وفي صفر في نفس العام، قدم أبو براء عامر بن مالك، الملقب بملاعب الأسنة، على رسول الله في المدينة، فعرض عليه الرسول الإسلام، ودعاه إليه، فلم يسلم، ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك، إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك. وعندما أعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم، إنه يخشى عليهم أهل نجد، بعد أن أصيب أصحابه



كلمات دليلية: