withprophet faceBook withprophet twitter withprophet instagram withprophet youtube withprophet new withprophet pinterest


المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار_14646

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار


تكوين الدولة في يثرب

أول شيء قام به النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد استقراره في يثرب هو ضمان معيشة المهاجرين، وهم جماعة تجار، تركوا أموالهم في مكة، ولا أمل لهم في استردادها. وقد اعتمد النبي على حسن نية المسلمين من أهل يثرب -الذين عُرِفُوا بالأنصار- وقد أظهر هؤلاء روحًا عالية من المروءة والكرم، فأعطوا المهاجرين شيئًا من المال وسمحوا لهم بالتجارة1، كما عمل بعض المهاجرين في مزارع الأنصار مزارعة2، واستطاعوا بذلك أن ينظِّموا أمر معاشهم ولو على نحو ضئيل.

ثم رأى من أول الأمر أن يتخذ مكانًا يكون بمنزلة نادٍ عام للجماعة الإسلامية، تقيم فيه شعائرها الدينية، وفي الوقت نفسه تبحث فيه شئونها العامة، فقام ببناء المسجد بعد أن استقر في المدينة بقليل3، فكان هذا المسجد هو المقر الذي اتخذته الرياسة الجديدة، وفيه كانت تُبْرَم كل الأمور، وفيه كان الاتصال بين المسلمين للتشاور في شئونهم العامة من سِلْمِ وحرب واستقبال وفود، وما إلى ذلك.

__________

1 البخاري 3/ 52، 65، 109.

2 نفسه 3/ 104، 155، 116. ابن كثير 2/ 228، 229.

3 البخاري 3/2619.

وبجوار المسجد اتخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- مساكنه، وقد جعلت متصلة بالمسجد بحيث يخرج من بيته إلى المسجد رأسًا1، وأصبح من السنة أن تبنى المساجد وتكون بيوت الولاة ودواوينهم مجاورة للمسجد. فالغرض من تأسيس المسجد كان دينيًّا لأداء الصلاة وسياسيًّا لإيجاد رابطة للجماعة الإسلامية.

بعد ذلك عمل النبي -صلى الله عليه وسلم- على إقامة الاستقرار بين الجماعة اليثربية، وإذا كانت لُحْمَة الدم قد فشلت -في المدينة- في أن تكون رباطًا يؤلف بين الناس، فقد أحل النبي -صلى الله عليه وسلم- محلها رابطة العقيدة؛ فأصبح أولًا بين الأوس والخزرج وحرص على إزالة كل ما من شأنه أن يذَكِّر بالعداء القديم بينهما، فجمعهما في اسم واحد هو: الأنصار. وإنا لنلمس هذا الغرض واضحًا في تسمية المسلمين من أهل يثرب بالأنصار فقد عرفوا جميعًا بهذا الاسم، وصار علمًا عليهم جميعًا، وفي هذا إبعاد لروح العصبية وإدماجها تحت هذا الاسم الواحد، يذكرهما دائمًا بالتآلُف لغرض أسمى وهو نصرة المبدأ الإسلامي، والاندماج في غرض أكبر من الأغراض القبلية. ثم عمد إلى التأليف بين هؤلاء الأنصار من الأوس والخزرج وبين المهاجرين من أهل مكة، وفي هذا التجأ إلى المؤاخاة. والمؤاخاة تسمية إسلامية للنظام العربي القديم، وهو نظام الحِلْفِ فقد جعل كل رجل من المهاجرين يؤاخي رجلًا من الأنصار، فيصير الرجلان أخوين بينهما من الروابط ما بين الأخوين من قرابة الدم. وقد أنزل النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه القرابة الحكمية منزلة الأخوة الطبيعية. بأن جعل المتآخيين يرث أحدهما الآخر، فإذا مات المهاجر ورثه أخوه الأنصاري، وإذا مات الأنصاري ورثه أخوه المهاجر. وقد ظل المهاجرون والأنصار يتوارثون بهذا النظام إلى أن استقرت الدولة الإسلامية في يثرب ووضع نظام التوارث الإسلامي على أساس القرابة الطبيعية2. فهذا كان نظامًا مؤقتًا في حقيقته والغرض منه سياسي، وهو الربط والتأليف بين المهاجرين إلى المدينة وبين أهلها الأصليين، وقد نزلت آية الوراثة بإلغاء هذا النظام بعد ذلك: {وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} [الأحزاب] . فصارت هذه الأخوة أخوة أدبية لا ينطبق عليها التوارث، ولكن آثارها الأدبية بقيت زمنًا طويلًا في الإسلام3.

__________

1 ابن هشام 2/ 118.

2 ابن هشام 2/ 123، 124.

3 ابن هشام 2/ 127.

بعد ذلك وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- دستورًا لتنظيم الحياة العامة في المدينة، وتحديد العلاقات بينها وبين جيرانها، ويدل هذا الدستور على مقدرة فائقة من الناحية التشريعية، وعلى علم كبير بأحوال الناس وفهم لظروفهم، وقد عرف هذا الدستور بالصحيفة، ولا نكاد نعرف من قبل دولة قامت منذ أول أمرها على أساس دستور مكتوب غير هذه الدولة الإسلامية؛ فإنما تقوم الدول أولًا ثم يتطور أمرها إلى وضع دستور. ولكن النبي ما كاد يستقر في المدينة وما كاد العام الأول من هجرته إليها ينتهي، حتى كَتَبَ هذه الصحيفة التي جعل طرفها الأول: المهاجرين، والطرف الثاني: الأنصار وهم الأوس والخزرج جميعًا، والطرف الثالث: اليهود من أهل يثرب. وهذه الصحيفة مهمة جدًّا؛ لأنها حددت شكل الدولة الإسلامية، وكذلك هي مهمة لفهم الحوادث التي نشأت بعدها.

وقد بدأ كأنما ابتلعت الجماعة القائمة على أساس الدين، تلك الجماعات القديمة القائمة على أساس رابطة الدم، ولكن تلك الجماعات في الحقيقة بقيت كما هي، وإن كان الشأن الأول قد انتقل منها إلى الجماعة الكبرى، فدخلت الطوائف التي كانت موجودة في ذلك الحين، ونعني بها القبائل والبطون والعشائر في الجماعة الكبرى الجديدة، واحتفظ لها الدستور بشخصيتها، ولكنه نقل منها اختصاصاتها كوحدات قبلية إلى الدولة، وإن بقي لها كل ما من شأنه أن يحفظ على الناس الروابط فيما بينهم؛ وبذلك تكونت في المدينة جماعة موحدة من حيث إنها أمة الله، ولكن ذلك لم يكن دفعة واحدة؛ فقد ظل يتحقق بخطًى مستمرة ثابتة.

,

الصحيفة

قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وَادَعَ فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي -صلى الله عليه وسلم- بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. إنهم أمة واحدة من دون الناس،

المهاجرون من قريش على ربعتهم1 يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم2 بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم3 الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحرث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، لا يتركون مُفْرحًا4 بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة5 ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم. وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناسِ. وإنه من تبعنا من يهود فإنه له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم. وإن سلم المؤمنين واحدة: لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضًا، وإن المؤمنين يبيء6 بعضهم على بعض مما نال

__________

1 على ربعتهم: الحال التي جاء الإسلام وهم عليها، يعني على شأنهم الأول وعاداتهم من أحكام الديات والدماء. ابن هشام 2/ 119.

2 العاني: الأسير

3 معاقلهم: جمع معقلة، من العقل، وهو الدية.

4 مفرحًا: مثقلًا بالدين.

5 الدسيعة: العطية.

6- يبيء: يمنع ويكف.

دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه. وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش، ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن. وإنه من اعتبط1 مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول. وإن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولايؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد -صلى الله عليه وسلم- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ2 إلا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم3، وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد -صلى الله عليه وسلم- وإنه لا ينحجز على ثأر جرح، وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم. وإن الله على أبر من هذا، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار4 يخاف فساده فإن مرده إلى

__________

1 اعتبطه: قتله من غير ما شيء يوجب قتله.

2 يوتغ: يهلك.

3 إن البر دون الإثم: أي أن البر ينبغي أن يكون حاجزًا عن الإثم، والوفاء ينبغي أن يمنع من القدر.

4 الاشتجار: الاختلاف.

الله -عز وجل- وإلى محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره. وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب1، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين: على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر الحسن من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم: لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم. وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا لمن ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"2

هذا هو نص الصحيفة كما ذكره ابن إسحاق. وأول ما نلاحظه هنا أن ابن إسحاق انفرد بهذا النص ولم يذكر إسناده في روايته، كذلك لم يشر إلى المصدر الذي أخذه عنه فلم يذكر أنه وجده مكتوبًا أو أخذه من أحد كتبه، وإن يكن من غير المستبعد أن يكون أخذه من بعض من سبقوه ممن كتبوا في السيرة ولم تصل إلينا كتاباتهم3. على أن هذا لا يقلل من قيمة هذه الوثيقة التاريخية المهمة ولا يطعن في صحتها؛ وذلك لأن المصادر الأخرى أشارت إليها وإن لم تذكر نصها4، وقد ذكرتها المصادر المتأخرة5؛ ولأن أسلوب هذه الصحيفة يوافق تمامًا أسلوب العصر، كما يوافق روح التنظيم في المجتمع العربي من حيث الترابط القبلي والاعتراف بقوة العصبية وأثرها في المجتمع، وأنه ليس من السهل التخلص منها.

وقد بدا واضحًا في الصحيفة أن البطون والعشائر أدخلت في النظام الجديد بشخصياتها القبلية لا بأفرادها، وهذا ما كان يجري عليه المجتمع العربي في تكوينه في

__________

1 دهم يثرب: فاجأها.

2 ابن هشام 2/ 119- 123.

3 انظر مقدمة سيرة ابن هشام، بقلم محمد محيي الدين عبد الحميد 1/ 15- 17.

4 للواقدي 138، ابن سعد 3/ 68، الطبري 2/ 172، إمتاع 1/ 49.

5 ابن كثير 3/ 224، 225، ابن سيد الناس 1/ 197.

ذلك الوقت. ثم إنها توافق تشكيل المجتمع في المدينة من حيث أقسام القبائل وبطونها وارتباطاتها الحِلْفية، وكذلك حالة العرب في المدينة من حيث دخول بعضهم في الإسلام قبل كتابة الصحيفة وتأخر دخول بعضهم الآخر؛ فقد ذكرت أسماء البطون التي كانت قد دخلت الإسلام جميعها، وأدمجت البطون التي لم تكن قد دخلت في الإسلام في بندٍ عام مثل: بني الأوس مع أن هؤلاء كانوا بطونًا متعددة.

ثم إن نصوص الصحيفة توافق القرآن الكريم في المبادئ من حيث: اعتبار المسلمين أمة واحدة من دون الناس1، ومن حيث التراحم والتعاون بينهم، ومعاونة بعضهم بعضًا فيما يفدح بعضهم ويثقل كاهله2. ومن حيث الاحتفاظ برابطة الولاء وما يترتب عليها من حقوق الموالاة3. ثم من حيث مراعاة حقوق القرابة والصحبة والجوار4 كذلك تحديد المسئولية الشخصية5، والبعد عن ثارات الجاهلية وحميتها6. كذلك وافقت الصحيفة القرآن في وجوب الرضوخ للقانون، ورد الأمر إلى الدولة بأجهزتها للتصرف في الأمور7. وفي شئون الحرب والسلم، وأن حرب الأفراد

__________

1 {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران] {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال] {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ} [الأنفال] .

2 {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة] {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} [التوبة] .

3 {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} [التوبة] .

4 {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء] .

5 {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} [النساء] ، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت] .

6 {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف] .

7 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء] .

وسلمهم إنما تدخل في الاختصاص العام فلا تحدث فرديًّا1. كذلك معاونة الدولة في إقرار النظام والأخذ على يد الظالم وعدم نصر المحدث أو إيوائه2.

ونلاحظ أن الصحيفة ذكرت البطون الخمسة الكبرى للخزرج، وهم بنو عوف، وبنو ساعدة، وبنو الحرث، وبنو جشم، وبنو النجار، ولم تذكر من بطون الأوس الكبرى إلا بطنين هما بنو عمرو بن عوف، وبنو النبيت، ثم أدمجت باقي البطون الأوسية الأخرى تحت اسم واحد وهو بنو الأوس. وهذا يوافق ما كانت عليه الحالة في يثرب من حيث انتشار الإسلام بها في الوقت الذي وضعت فيه الصحيفة، فإن بطون الخزرج كلها كانت قد دخلت في الإسلام وحتى من لم يكن منها مؤمنًا فقد دخل في الإسلام ظاهريًّا، وأما بطون الأوس فلم يدخل منها في الإسلام إلا بنو عمرو بن عوف وهم أهل قباء، وبنو النبيت. أما باقي البطون الأوسية؛ فقد تأخر إسلامها إلى ما بعد الخندق فذكرتها الصحيفة مدمجة باسمها العام، وقد كانت تسمى: أوس الله3. كذلك نلاحظ أن الصحيفة قد ذكرت اليهود الموالين للبطون العربية، وأهملت ذكر القبائل الكبرى من اليهود، فقد يتفق تمامًا مع ما كانت عليه الحالة السياسية في يثرب، فإن البطون اليهودية الصغرى كانت قد دخلت في أحلاف مع الأوس أو مع الخزرج وذلك به سيادة هؤلاء في يثرب.

أما قبائل اليهود الكبرى الثلاثة فقد اعتزت بقوتها وبقيت محتفظة بشخصيتها، ثم إنها ناوأت الإسلام وأظهرت عداءها، ومع ذلك فقد وضعت الصحيفة بندًا عامًّا لدخول اليهود في الدولة احتمالًا لما قد يحدث من دخول هذه القبائل في النظام الجديد، وفعلًا ألحقت هذه القبائل بالدولة في محالفات ملحقة كما سنوضح فيما بعد.

من كل ذلك يتبين أن الصحيفة التي ذكرها ابن إسحاق صحيحة وأنها وثيقة مهمة جدًّا لفهم تطورات الأمور في الدولة اليثربية.

__________

1 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة] ، {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال] .

2 {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر] .

3 ابن هشام 2/ 46.

وقد بينت هذه الصحيفة الأسس الكبرى في القانون الذي ينظم الحياة العامة والسياسية والتي كان معمولًا بها في المدينة في أول الأمر، ويتجلى من هذا الكتاب إلى أي حد قد تغيرت الأحوال القديمة وإلى أي حد لم تتغير.

وأول هذه الأسس أن هذه الصحيفة أعطت صفة للجماعة الإسلامية، فقد قررت أن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس. وكلمة الأمة هنا ليست اسمًا للجماعة العربية القديمة التي تربطها رابطة النسب، بل هي تدل على الجماعة بالمعنى المطلق، وبهذا التقرير ألغى النبي -صلى الله عليه وسلم- الحدود القبلية، أو على الأقل لم يجعل لها وجودًا رسميًّا بالنسبة للدولة، أو بلفظ آخر ارتفع هو عن المستوى القبلي المحدود، وبهذا أصبح الإسلام ملكًا لمن دخل فيه؛ فدخل بناء على هذه القاعدة شعوب كثيرة في الإسلام دون أن يضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمامها عقبات تحول بينها وبين الاشتراك في حياة العالم الإسلامي. وهذا المبدأ مرن جدًّا ومرونته هي التي كفت المسلمين في العصور الوسطى كثيرًا من الشرور وكفلت للإسلام دائمًا حيوية جديدة وسيوفًا تدافع عنه، وهذه الفكرة كانت جديدة بالنسبة للعالم اليوناني والروماني القديم. وللأمة في هذه الصحيفة صبغة دينية أيضًا فهي جماعة الله التي ترعى مبادئ السلام ومبادئ حماية الجار ونصرة المظلوم والله هو الشهيد الذي يشرف عليها، ومحمد يشرف عليها باسمه، فالإيمان هو رباط الاتحاد والمؤمنون هم ممثلو معناه، وهم لذلك أول من يجب عليهم الوفاء لهذا الاتحاد، وهم في الوقت نفسه أول من يتمتع بالحقوق التي يخولها لهم.

والأمة لها منطقة من الأرض إجمالية، وهي منطقة المدينة وكل هذه المنطقة ينبغي أن تكون حرمًا وأرض سلام لا يعتدي فيها أحد على أحد. والأمة لذلك لا تشتمل على المؤمنين وحدهم بل هي تتألف من كل من يتبعهم ويحارب معهم أي من كل أهل المدينة، وكان بين الأنصار قوم لم يسلموا ولكنهم لم يستبعدوا من الأمة بل أدمجوا فيها بنص صريح، وكذلك اليهود شملتهم الأمة وإن كانوا لا ينتمون إليها انتماء وثيقًا كالمهاجرة والأنصار. ولذلك لم تكن تقع عليهم نفس الواجبات وليس لهم نفس

الحقوق، وقد ألحق بعضهم بنص صريح تمشيًا مع الروابط الحلفية بينهم وبين الأنصار، ووضع بند عام لكل من يتبع الأمة بعد ذلك منهم ثم عزز هذا البند بمحالفات خاصة بعد ذلك. وعلى هذا فدرجة الانتماء للأمة لم تكن واحدة بحيث بقي ما يشبه التمايز العربي القديم بين أصحاب الحق الكامل وبين غيرهم من تابع ونزيل.

والأمة برغم أنها ضمت كل طوائف المدينة؛ فإنها لم تكن تتكون من أفراد؛ وإنما كانت تتكون من جماعات، فالفرد لا ينتمي إلى الأمة إلا عن طريق العشيرة والقبيلة، فقد جاء في الصحيفة أن تبقى القبائل كما هي وأن تدخل في الأمة كما هي، وبذلك بقي التشكيل الاجتماعي القبلي كما هو، ومع أن الإسلام أنكر نظريًّا فكرة امتيازات المجتمع الوثني في العصر الجاهلي؛ إلا أن نظام القبيلة بقوته الداخلية وأسلوبه في معاملة الغرباء كان أمرًا مفيدًا بحيث لم يكن بالإمكان نبذه أو الاستغناء عنه، وكذلك ترك رؤساء القبائل كما هم ولم يحل محلهم موظفون دينيون.

أما فيما يتصل بالعلاقة بين الأمة والقبائل وبتحديد سلطة كل منهما وواجباتها؛ فقد بقيت على القبائل النفقات التي ليست ذات صبغة خاصة محضة وخصوصًا دفع الدية وفداء الأسرى. وذلك أنه لم تكن قد وجدت بعد خزينة للدولة. وكذلك بقى للعشيرة والقبيلة مسألة الولاء، فلا يجوز لأحد أن يحالف مولى دون مولاه، وكذلك بقي حق الإجارة لم يقيد، فلكل فرد الحق في أن يجير شخصًا غريبًا وهو لذلك يلزم الجماعة كلها، ولكن استثني من هذا إجارة قريش ومن نصرها؛ فإن ذلك كان محرمًا على كل المشتركين في هذه الصحيفة.

وبمقتضى كل ذلك أصبح على القبائل أن تتنازل عن حق الأخذ بالثأر فيما بينها؛ لأن أول غاية للأمة هو منع نشوب حرب في الداخل فإذا قام نزاع؛ وجب أن يعرض على القضاء، وقد جاء في الصحيفة: "وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد -صلى الله عليه وسلم- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل ومحمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" فإذا تعكر السلام في الداخل بسبب القتل أو الفساد وجب لا على المجني عليه أو على قبيلته أو

على الجماعة كلها فحسب، بل على أقرباء الجاني نفسه أن يهبوا متكاتفين عليه وأن يسلموه لصاحب الثأر لكي يقتاد منه بالعدل. وعلى هذا لم يصبح الثأر أمرًا يتحول إلى ثأر يجر ثأرًا، كما كانت الحال في القبيلة العربية من قبل حيث لم تكن هناك سلطة لها قوة القهر، أما في المدينة فقد نفذ مبدأ العقاب بالمثل تنفيذًا صارمًا؛ لأن الله في المدينة فوق رابطة الدم، لكن العقاب بالمثل لم يكن قد صار عقابًا بالمعنى الحقيقي؛ لأن تنفيذه كان متروكًا للمجني عليه أو وليه، وكان له أن يثأر لنفسه أو يتنازل عن الثأر ويأخذ الدية أو يعفو، ولكن مع هذا فإن مبدأ العقاب بالمثل صار نقطة انتقال من مبدأ الأخذ بالثأر إلى مبدأ الأخذ بالعقاب؛ وذلك أنه بانتقال حق التأديب من الفساد إلى الجماعة حدثت خطوة مهمة في سبيل جعل الأخذ بالثأر شأنًا من شئون الدولة، وكانت الخطوة كافية لتفادي الترات الداخلية ولكي يسود السلام في منطقة المدينة ويكون شاملًا لا استثناء فيه، وعلى هذا لم تصبح هناك جماعات متعددة بتعدد القبائل تراعي السلام، الأمر الذي يجعل حمايتها غير كافية أو على الأقل غير فعالة على الوجه المرضي خارج حدود القبيلة، بل أصبح هناك سلام واحد شامل هو سلام الأمة.

والغرض الثاني الذي أوضحته الصحيفة هو اتحاد القبائل لرد كل عدوان من الخارج، وعلى المؤمنين أن ينصر بعضهم بعضًا دون الناس، وهم يتعاقلون بينهم ويدهم على من سواهم، وهم على من بغى منهم. وليس واجب الثأر من الأعداء واقعًا على أقرباء المقتول بحكم رابطة الدم؛ وإنما هو واقع على كاهل المؤمن ليثأر للمؤمن، وبذلك خرجت الحرب من أن تكون داخلة ضمن الثأر للدم كما كانت من قبل هي والثأر للدم شيئًا واحدًا، وإنما صارت الحرب حربًا فحسب، وكذلك صار السلام مع قوم أجانب أمرًا يعم المؤمنين جميعًا شأنه شأن الحرب، بحيث لا يستطيع أحد منهم أن يعقد سلامًا منفردًا لا يكون سلامًا للجميع.

وهكذا رسمت الصحيفة التخطيط العام للأمة، وإذا كانت هناك بعض الثغرات متمثلة في حق المجني عليه في الأخذ بالثأر أو العفو، وفي حق الإجارة الذي يجب أن يكون من حقوق سيادة الأمة ورئيسها، إلا أن نظام الأمة أخذ يكتمل شيئًا فشيئًا،

وكان المؤمنون وعلى رأسهم النبي -صلى الله عليه وسلم- هم روح هذه الأمة والعنصر الناهض الذي كانت تصدر منه الحركة، وكلما كان الدين ينتشر؛ كانت أركان الأمة تقوى وتتوطد1.

وكانت مهمة النبي -صلى الله عليه وسلم- السياسية بعد هذا تنحصر في الدفاع عن حدود دولته وضمان الأمن لها، ولم تخرج تصرفاته عن هذا الهدف طوال العصر المدني. والأساس التي نفسر به كل التصرفات السياسية هو أن المدينة ومن انضم إليها دولة واحدة غير متصلة بما عداها إلا بالشروط الجديدة التي وضعها النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا صلة بين يثرب وبين غيرها إلا عن طريق الإسلام وعن طريق الالتحاق بها والتبعية لها. ولتقوية جبهة المدينة اعتبرت الهجرة إلى المدينة أساسًا للحصول على حق الرعوية للدولة الجديدة؛ فعلى من يدخل الإسلام ويريد أن يكون مواطنًا في يثرب أن يهاجر إليها، وقد نزل القرآن بنص صريح من ذلك فقال: {وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال] .

ونستطيع أن نقول: إن حكومة المدينة ظلت مقصورة على المدينة نفسها وعلى ريفها إلى عام فتح مكة سنة 8هـ، فالطور الأول في شكل الحكومة المدينية هو طور: المدينة- الدولة. City - State وقد دام ثماني سنوات، فإذا استطاع أحد أن ينكر وجود مقومات الدولة المدينية في يثرب قبل الهجرة فهو لا يستطيع أن ينفي عن يثرب هذه الصفة بعد الهجرة.

وكما حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على أن يوجد في داخل المدينة أداة للحكم، وأن ينظم شئونها الداخلية، كذلك حرص عن طريق السرايا على أن ينضم إلى المدينة ما حولها من ريف وما حولها من قبائل، وأن يخطط لها مجالها ويقرر حدودها، ويعقد لها أحلافًا مع القبائل النازلة فيما حولها؛ لأن الحاضرة لا تستطيع أن تعيش بنفسها، ولا تستغني عن ريف يمدها بالمؤن ويكون مجالًا لنشاطها. ولهذا الغرض قام النبي -صلى الله عليه وسلم- بعدة سرايا، ابتدأت من المدينة واتجهت إلى جميع الجهات. فأمنت هذا الريف، وعقدت

__________

1 انظر فلهوزن: تاريخ الدولة العربية ص: 11- 15.

في أثناء هذه السرايا أحلافًا مع القبائل المجاورة1؛ إذ إنه لا بد لسكان المدن التي تقوم في وسط جو بدوي أن تعمل حسابًا كبيرًا لغزوات البدو، ولا يكون ذلك إلا عن طريق محالفة البدو ومهادنتهم، وأحيانًا بدفع الإتاوات لهم، ثم كسر شوكتهم بالضرب على أيديهم عند اللزوم، وإشعارهم دائمًا بقوة المدينة وقدرتها على الضرب.

والسرايا التي عرفت في السنتين الأوليين كانت عبارة عن حملات حربية صغيرة لا يقصد بها إلى الحرب، بل يقصد بها ما يقصد من أعمال الدوريات الحربية، وهي المحافظة على الحدود أو الاستكشاف، وأحيانًا إيقاع الضرر بأي عدو والانسحاب بسرعة، وقد بلغ عدد السرايا التي أرسلها النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل موقعة بدر ثماني سرايا اتجهت إلى كل الجهات، قاد بعضها بنفسه وعقد لبعض أصحابه على بعضها2.

ويذكر المؤرخون هذه السرايا على أنها عمليات حربية مقصودة بذاتها3 وعلى أنها متصلة بالصراع بين النبي -صلى الله عليه وسلم- ومكة، وهذا خطأ في نظرنا، والخطأ آتٍ من أن المصادر نفسها والمؤرخين المحدثين لم يفطنوا إلى أن هذه السرايا كانت عمليات حربية داخلية، يقصد بها تقوية الجبهة الداخلية، ويقصد بها كذلك ضمان الأمن ودفع الأذى الذي قد يأتي من الخارج.

على أنه كان من مهمة هذه السرايا منع تجارة قريش من المرور في أراضي الدولة الجديدة، طبقًا لنص الصحيفة الذي يقول: إنه لا تجار قريش ولا أموالها وهذا داخل في نطاق أعمال السيادة للدولة اليثربية، وكان لا بد من إشعار قريش، ومن إشعار القبائل المجاورة أن حدود الدولة الجديدة محروسة، وأن سيادتها على أراضيها يجب أن تحترم وأنه من الخير الاتفاق معها والاعتراف بها. ولم يكن الأمر في حقيقته من جانب يثرب بالنسبة لقريش أمر إعنات وإحراج وحروب؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ينظر إلى قريش نظرة خاصة، فهو يقدر الميزات التي تنطوي عليها مهادنة قريش واعترافها بالدولة الجديدة، كما كان يدرك قيمة قريش بين العرب وما يعود من وراء الاتفاق معها من

__________

1 ابن هشام 2/ 224، 236.

2 ابن هشام 2/ 223- 242، الطبري 2/ 121، ابن كثير 3/ 248.

3 الطبري 2/ 120- 123، ابن كثير 3/ 246- 248، الواقدي 4 هيكل: حياة محمد 237- 242.

Watt, Muhammad at Medina p.2- 3

فوائد الدعوة الجديدة. كما كان يقدر ما تضم هذه القبيلة -التي هي قبيلته- من رجال تمرسوا بالحياة وخبروا الحكم وتسيير دفة الأمور سياسيًّا واقتصاديًّا عبر عن هذه في مناسبة بعد النصر في معركة بدر؛ إذ يقول أحد الشبان من الأنصار، وقد جاء الناس يهنئون النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنصر: "ما الذي تهنئوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبدن المعلقة فنحرناها،

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أي ابن أخي، أولئك الملأ من قريش لو شهدت فعالهم احتقرت فعلك" 1. فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحرص على مهادنة هذه القبيلة تقريرًا لميزاتها أكثر مما يحرص على حربها وعداوتها كما أنه كان يريد في الوقت نفسه أن يشعرها بقوة الدولة الجديدة وتصميمها على المحافظة على كيانها وسيادتها، وأنه لا يسمح مطلقًا بأن توطأ أرضها من عدو لا غازيًا ولا تاجرًا. كما أن السرايا حملت في الوقت نفسه تهديدًا لقريش بأن تجارتها مرهونة برضاء الدولة اليثربية، وعليها إذا كانت تريد أن تستمر في تسيير قوافلها نحو الشام أو نحو العراق أن تحسب حساب الوضع الجديد، ويجب أن تغير من سياستها المنطوية على العدوان بالنسبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين في يثرب. وأن تترك الحرية للمسلمين الذين حبستهم في مكة، وتترك الدعوة الجديدة تأخذ مجالها الحر دون مناوأة ودون حرب؛ وإلا فإنها تعرض نفسها لقطع تجارتها والقضاء على مواردها الاقتصادية؛ بقفل طريق التجارة المار في أراضي الدولة اليثربية في وجه تجاراتها، لكن السرايا لم تحمل أكثر من هذا التهديد؛ فلم تشتبك في حرب مع قوافل قريش ولم تستول على شيء منها، إلا ما كان من سرية أرسلها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بطن نخلة بين مكة والطائف لتعرف أخبار قريش، ولم تكن هذه السرية من القوة بحيث تشتبك في حرب أو تصادر قافلة، ولكن أفرادها تصرفوا على مسئوليتهم الخاصة؛ فاستولوا على قافلة صغيرة لقريش وقتلوا أحد رجالها وأسروا رجلين، وقد لام النبي -صلى الله عليه وسلم- بالفعل رجال هذه السرية على تصرفهم الشخصي هذا2، ومن هنا يتبين أن مهمة السرايا لم تكن هجومية ولم يكن يقصد بها إلى

__________

1 ابن هشام 2/ 286.

2 نفسه 2/ 238- 241.

لو سلمنا بهذا الأساس استطعنا أن نقول: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقم بحرب هجومية إطلاقًا، حتى في أثناء المعارك الكبيرة التي وقعت بينه وبين قريش؛ فإن موقعة بدر التي حدثت في السنة الثانية الهجرية حدثت داخل حدود إقليم المدينة، وعلى أثر تحدي المكيين للنبي -صلى الله عليه وسلم- وتسييرهم قوافلهم بأراضي المدينة ممتهنين بذلك حق السيادة اليثربية، فأبو سفيان حين مر بقافلته في المنطقة اليثربية كان يتحدى ويدل على أهل يثرب بقوته ويستضئل شأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولهذا خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إليه وأراد أن يصادر هذه القافلة أو أن يحاربها، وكان أمرها يشغله منذ خرجت إلى الشام حتى رأى في منامه قبل أن تعود رؤيا تبشره بأن إحدى الطائفتين ستكون لهم، والطائفة الأولى هي القافلة والطائفة الثانية المعنية هي قوات قريش التي كان من المحتمل أن تخرج لنجدتها، ومنع النبي -صلى الله عليه وسلم- من مصادرتها1.

ثم إن وقعة أحد سنة 3هـ وقعت في جوار المدينة مباشرة وعلى نحو ميلين منها، وكان المكيون فيها مُهَاجِمين مطالبين بثأر بدر2. ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج في السنة الرابعة إلى بدر لوعد بالحرب كان بينه وبين المكيين يوم أحد3، فلم يلق النبي -صلى الله عليه وسلم- يومئذ حربًا. لكنه حين سار إلى بدر إنما سار إلى حدود إقليمه ولم يتجاوزها.

فلما كان العام الخامس وهو العام الذي وقعت فيه موقعة الخندق كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مستقرًّا في يثرب وعدوه هو الذي جاء إليه متحديًا منتهكًا لحقه في السيادة كما كان الحال في عام أحد، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن مهاجمًا، بل إنه أراد أن يبين نيته السلمية وأن يفهم الناس بطريقة مادية محسوسة أنه لا يريد حربًا، ولجأ في التعبير عن هذه النية إلى طريقة مستحدثة تأباها الفروسية العربية، وهي طريقة حفر خندق حول المدينة5. ثم

__________

1 {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال] .

2 ابن هشام 2/ 3 وما بعدها.

3 ابن هشام 3/ 45.

4 نفسه 222.

5 ابن هشام 3/ 231.

ظهرت نية النبي -صلى الله عليه وسلم- السلمية بشكل واضح جدًّا لا يختلف عليه المؤرخون بعد عام الخندق، ونادى النبي -صلى الله عليه وسلم- بكلمة التقوى أو كلمة السلم واعتبرها مقابلة لما كان يتبعه الناس يومئذ من الاستجابة لحمية الجاهلية، فحمية الجاهلية تقابل كلمة السلم عند النبي -صلى الله عليه وسلم- والعبارتان رامزتان لمثلين مختلفين: المثل الإسلامية، والمثل العربية الجاهلية1.

وقد حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- حين فتح مكة أن يتفادى الاصطدام بالمكيين. وفعلًا تم فتح مكة سنة 8هـ، وكان فتحًا خلا من القتال بوجه عام. وهو من قبل هذا في عام الحديبية سنة 6هـ، قد مال إلى السلم برغم معارضة كثير من أصحابه، وعد الفوز بالسلم غنيمة كبرى وفتحًا مبينًا2، إذ استطاع عمليًّا أن يسود المبدأ الإسلامي ويتغلب نهائيًّا على مبدأ الجاهلية؛ ففي تسويد مبدأ السلم احتفاظ بقوى العرب سليمة، قوى يثرب وقوى مكة على السواء؛ استعدادًا لما كان يهدف إليه من توحيد العرب توحيدًا شاملًا، وما تتطلبه الوحدة من قوة مادية وأدبية: من رجال ومن خبرة وتجربة. هذا إلى أن في السلم إبعادًا لسخيمة النفوس وأحقادها مما قد يكون له من أثر سيئ على روح الأفراد، سواء إذا تم الأمر بالنصر أو بالصلح، على أن في تسويد السلم حرية للعقيدة أن تنتشر دون أن تقف في وجهها عقبات مادية أو نفسية تصدها عن الانتشار أو تعطيل من سيرها؛ ولذلك نزل القرآن الكريم بسورة الفتح بعد صلح الحديبية {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح] . والنبي - صلى الله عليه وسلم- لم يلجأ إلى حرب هوازن وثقيف يوم حنين إلا لأن هذه القبائل تحدته وتقدمت لحربه ورفضت الدخول فيما دخل فيه المكيون؛ وكانوا من قبل يسيرون حيث يسير أهل مكة، وكانت الطائف تعتبر من ريف مكة، ولا يوجد شريف من أهل مكة إلا وله في الطائف بستان. وكذلك حرب النبي -صلى الله عليه وسلم- مع القبائل العربية؛ فإنه لم يهاجم إلا القبائل التي استعدت لقتاله وتجمعت لذلك، وكذلك لم يهاجم اليهود إلا لخياناتهم وتجميعهم الجموع لحرب المدينة.

__________

1 {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الفتح] .

2 ابن هشام 3/ 355- 372.




كلمات دليلية: