رضاعه في بني سعد_12969

رضاعه في بني سعد


ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما معه

:

"وأرضعته صلى الله عليه وسلم ثويبة" بضم المثلثة وفتح الواو وسكون التحتية، فباء موحدة فتاء تأنيث، توفيت بمكة سنة سبع من الهجرة، قال: ابن منده: اختلف في إسلامها، وقال أبو نعيم: لا أعلم أحدا ذكره إلا ابن منده، وقال ابن الجوزي: لا نعلم أنها أسلمت والبرهان في النور لم يذكرها أبو عمر في الصحابة. وقال الذهبي: يقال: إنها أسلمت، فإذًا الراجح عنده أنها لم تسلم، وقال الحافظ في طبقات ابن سعد ما يدل على أنها لم تسلم لكن لا يدفع به نقل ابن منده، قال: ولم أقف في شيء من الطرق على إسلامها مع ابنها مسروح وهو محتمل، انتهى. وذكر الحافظ أبو بكر بن العربي في سراج المريدين: أنه لم ترضعه مرضعة إلا أسلمت. ونقل السيوطي عن بعضهم، ولعله عناه. "عتيقة أبي لهب" لبن ابنها مسروح بفتح الميم وسكون السين المهملة فراء مضمومة فحاء مهملتين، قال البرهان: لا أعلم أحدًا ذكره بإسلام أيامًا قبل أن تقدم حليمة بعد إرضاع أمه له، وما رواه ابن سعد أول من أرضعه ثويبة فالأولية نسبية، أي: غير أمه وقد ذكر العلماء أن مرضعاته صلى الله عليه وسلم عشر:

أمه أرضعته تسعة أيام، ذكره صاحب المورد والغرر وغيرهما، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام، حكاهما الخميس عن أهل السير، ووقع لبعضهم سبعة أشهر، وهو وهم كأنه اشتبه عليه سبعة أيام بأشهر، أو تحرف ذلك على الناقل عنه.

أعتقها حين بشرته بولادته عليه السلام.

__________

وثويبة أيامًا قلائل قبل قدوم حليمة، وأرضعت قبله حمزة وبعده أبا سلمة المخزومي، رواه ابن سعد.

وحليمة السعدية التي فازت بجناية سعدها منه، قاله ابن المنذر وابن الجوزي وعياض وغيرهم، وخولة بنت المنذر زيد أم بردة الأنصارية، ذكرها ابن الأمين في ذيل الاستيعاب عن العدوي وتبعه في التجريد والمورد والعيون، قال الشامي: وهو وهم، وإنما أرضعت ولده إبراهيم، كما ذكر ابن سعد وابن عبد البر وغيرهما، وهو الذي في الإصابة بخطه وقد صرح ابن جماعة بأن ابن الأمين ذكرها في المراضع فوهم، قال: وتبعه على ذلك بعض العصريين وكأنه عنى به اليعمري.

وامرأة من بني سعد غير حليمة أرضعته وهو عند حليمة، ذكره في الهدى وتجويز البرهان في النور أنها خولة التي قبلها لا يصح، فخولة أنصارية، وهذه سعدية.

وأم أيمن بركة الحبشية، ذكرها القرطبي، والمشهور: أنها من الحواضن لا المراضع.

وأم فروة ذكرها جعفر المستغفري.

وثلاث نسوة من بني سليم، قال في الاستيعاب: مر به صلى الله عليه وسلم على نسوة أبكار من بني سليم فأخرجن ثديهن فوضعنها في فيه فدرت، قال بعضهم: ولذا قال: أنا ابن العواتك من سليم، انتهى. لكن قال السهيلي: عاتكة بنت هلال أم عبد مناف عمة عاتكة بنت مرة أم هاشم وعاتكة بنت الأوقص أم وهب جده صلى الله عليه وسلم لأمه هن عواتك ولدته صلى الله عليه وسلم، ولذا قال: ابن العواتك من سليم، وقيل: في تأويل هذا الحديث أن ثلاث نسوة من بني سليم أرضعنه كل تسمى عاتكة، والأول أصح، انتهى.

واقتصر المصنف هنا، وفي المقصد الثاني على ثويبة وحليمة؛ لأنه أراد من استقلت بإرضاعه وهؤلاء لم يتصفن بذلك، وللنزاع في خولة وأم أيمن والعواتك سلمنا إرضاع العواتك، فإنما هو اتفاقي خصوصًا وقد كن أبكارًا وثويبة، وإن قلت: أيام رضاعها مستقلة له فيها، وأما أمه وإن أرضعته تلك المدة فهي في معرض دفعه لمرضعة فلم تستقل به.

"أعتقها" أبو لهب "حين بشرته بولادته عليه السلام" على الصحيح، فقالت له: أشعرت أن آمنة قد ولدت غلامًا لأخيك عبد الله، فقال لها: اذهبي فأنت حرة، كما في الروض. وقيل: إنما أعتقها بعد الهجرة، قال الشامي: وهو ضعيف، والجمع بأنه أعتقها حينئذ ولم يظهره إلا بعد الهجرة مما لا يسمع فإنه لما هاجر كان عدوًا، فلا يتأتى منه إظهارًا أنه كان فرح بولادته وأيضًا فالقائل بالثاني لا يقول: إنه أعتقها للبشارة بالولادة، وقد روي أنه أعتقها قبل ولادته بدهر طويل.

وقد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له ما حالك؟ قال: في النار، إلا أنه خفف عني كل ليلة اثنين، وأمص من بين أصبعي هاتين ماء، وأشار برأس أصبعه وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له.

__________

"وقد رؤي" بالبناء للمفعول "أبو لهب بعد موته في النوم" والرائي له أخوه العباس بعد سنة من وفاة أبي لهب بعد وقعة بدر ذكره السهيلي وغيره، "فقيل له: ما حالك؟ قال: في النار، إلا أنه خفف عني" بعض العذاب بسبب ما أسقاه من الماء "كل ليلة اثنين" وذلك أني "أمص" بفتح الميم أفصح من ضمها من بابي تعب وقتل؛ كما في المصباح. "ومن بين أصبعي هاتين ماء" والظاهر أنهما السبابة والإبهام وحكمة تخصيصهما إشارته لها بالعتق بهما، وحملناه على أن التخفيف بسبب الماء ليلتئم مع ما رواه البخاري وعبد الرزاق الإسماعيلي عن قتادة أن ثويبة مولاة أبي لهب: كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشرحيبة، فقال: ماذا لقيت؟ قال: لم ألق بعدكم، زاد عبد الرزاق: راحة. ولفظ الإسماعيلي: رخاء. قال ابن بطال: سقط المفعول من جميع رواة البخاري، ولا يستقيم إلا به غير أني سقيت في هذه، زاد عبد الرزاق وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه، بعتاقتي ثويبة حبيبة بحاء مهملة مكسورة وتحتية ساكنة وموحدة مفتوحة أي: سوء حال وأصلها حوبة، وهي المسكنة والحاجة قلبت واوها ياء لإنكسار ما قبلها. وذكر البغوي: أنها بفتح الحاء، وللمستملي بخاء معجمة مفتوحة، أي: في حالة خائبة، وقال ابن الجوزي: أنه تصحيف وروي بالجيم، قال السيوطي: وهو تصحيف باتفاق.

"وأشار" أبو لهب إلى تقليل ما يسقاه "برأس أصبعه" إلى النقرة التي تحت إبهامه؛ كما مر في رواية عبد الرزاق، قال ابن بطال: يعني أن الله سقاه ماء في مقدار نقرة إبهامه لأجل عتقها، وقال غيره: أراد بالنقرة التي بين إبهامه وسبابته إذ مد إبهامه فصار بينهما نقرة يسقى من الماء بقدر ما تسعه تلك النقرة، وبهذا علم أن النقرة التي أشار إليها على صورة خلقته في الدنيا، لا على صورة الكفار في جهنم، والمراد بقوله: سقيت من الماء، أنه وصل إلى جوفه بسبب ما يمصه من أصابعه، لا أنه يؤتى له به من خارج جمعًا بين الروايتين، وقد تعسف من قال: ما يسقاه ليسمن الجنة؛ لأن الله حرمها على الكافرين، فإنه لا يتوهم أحد أنه من الجنة سواء قلنا أنه يسقى مما يمصه أو يؤتى له به من خارج حتى ينص عليه.

"و" أشار إلى "أن ذلك بإعتاقي لثويبة" وتقدمت رواية الجماعة بعتاقتي بفتح العين، قال في شرح العمدة: عبر به دون إعتاق وإن كان هو المناسب؛ لأنها أثره فلذا أضافها إلى نفسه. وعلى نقل المصنف فمعنى الإضافة ظاهر؛ لأن الإعتاق فعله والعتاقة أثر يترتب عليه. "حين بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له" أي: بأمره فلا يرد أنه ليس فعله حتى يجازى عليه،

قال ابن الجزري: فإذا كان هذا الكافر، الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم به، فما حال المسلم الموحد من أمته عليه السلام يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم.

ولا زال أهل...................................

__________

ولا يعارضه قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] ، لأنه لما لم ينجهم من النار ويدخلهم الجنة، كأنه لم يفدهم أصلا؛ كما أشار إليه البيهقي أو لأنه هباء بعد الحشر، وهذا قبله. وقال السهيلي: هذا النفع إنما هو نقصان من العذاب، وإلا فعمل الكافر كله محبط بلا خلاف، أي: لا يجده في ميزانه ولا يدخل به الجنة، انتهى. وجوز الحافظ تخفيف عذاب غير الكفر بما عملوه من الخير بناء على أنهم مخاطبون بالفروع. وفي التوشيح قيل هذا خاص به إكرامًا للنبي صلى الله عليه وسلم، كما خفف عن أبي طالب بسببه، وقيل: لا مانع من تخفيف العذاب عن كل كافر عمل خيرًا.

"قال" الحافظ أبو الخير شمس الدين "ابن الجزري" محمد بن محمد بن محمد الدمشقي الإمام في القراءات الحافظ للحديث صاحب التصانيف التي منها النشر في القراءات العشر لم يصنف مثله، ولد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، ومات سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. "فإذا كان هذا الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه" هو "ليلة مولد" وضع "النبي صلى الله عليه وسلم به" أي: بالمولد "فما حال المسلم الموحد من أمته عليه السلام" حال كونه "يسر" وفي نسخة الذي يسر "بمولده ويبذل" بضم الذال: يعطى بسماحة "ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم" من الصدقات، وهو استفهام تفخيم، أي: فحاله بذلك أمر عظيم، ولله در حافظ الشام شمس الدين محمد بن ناصر، في قوله:

إذا كان هذا كافرا جاء ذمه ... وتبت يداه في الجحيم مخلدا

أتى أنه في يوم الاثنين دائما ... يخفف عنه للسرور بأحمدا

فما الظن بالعبد الذي كان عمره ... بأحمد مسرورًا ومات موحدًا

وقوله في يوم الاثنين على حذف مضاف، أي: في ليلة يوم الاثنين فلا يرد عليه حديث المصنف: كل ليلة اثنين الصريح في أن التخفيف ليلا فلا وجه لدعوى أنه يخفف نهارًا بسبب سقيه ليلا، لاحتياجه لبرهان ومجرد النظم لا دلالة فيه لما علم من كثرة حذف المضاف.

"لعمري" بالفتح، أي: لحياتي، فسمي كما في القاموس لغة في العصر يختص به القسم لإيثار الأخف فيه لكثرة دوره على ألسنتهم؛ كما في الأنوار. "إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم" ويمتعه فيها برؤية وجهه العظيم، "ولا زال" أي: استمر "أهل

الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه الصلاة والسلام، ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم.

ومما جرب من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، فرحم الله امرأ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادًا، ليكون أشد علة

__________

الإسلام" بعد القرون الثلاثة التي شهد المصطفى صلى الله عليه وسلم بخيريتها، فهو بدعة. وفي أنها حسنة، قال السيوطي: وهو مقتضى كلام ابن الحاج في مدخله فإنه إنما ذم ما احتوى عليه من المحرمات مع تصريحه قبل بأنه ينبغي تخصيص هذا الشهر بزيادة فعل البر وكثرة الصدقات والخيرات وغير ذلك من وجوه القربات، وهذا هو عمل المولد المستحسن والحافظ أبي الخطاب بن دحية. ألف في ذلك التنوير في مولد البشير النذير، فأجازه الملك المظفر صاحب أربل بألف دينار، واختاره أبو الطيب السبتي نزيل قوص وهؤلاء من أجلة المالكية أو مذمومة وعليه التاج الفاكهاني وتكفل السيوطي، لرد ما استند إليه حرفًا حرفًا، والأول أظهر، لما اشتمل عليه من الخير الكثير.

"يحتفلون" يهتمون "بشهر مولده عليه الصلاة والسلام، ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور" به "ويزيدون في المبرات ويعتنون بقراءة" قصة "مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم" وأول من أحدث فعل ذلك الملك المظفر أبو سعيد صاحب أربل، قال ابن كثير في تاريخه: كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل فيه احتفالا هائلا وكان شهمًا شجاعًا بطلا عاقلا عالمًا عادلا، وطالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر الفرنج بمدينة عكا في سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة، قال سبط بن الجوزي في مرآة الزمان: حكى لي بعض من حضر سماط المظفر في بعض المواليد أنه عد فيه خمسة آلاف رأس غنم شواء وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم، ويطلق لهم البخور وكان يصرف على المولد ثلاثمائة دينار، انتهى.

"ومما جرب من خواصه" أي: عمل المولد "أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية" بكسر الباء وضمها لغة الحاجة التي تبغيها، وقيل: بالكسر الهيئة وبالضم الحاجة، قاله المصباح "والمرام" أي: المطلوب فهو تفسيري، إلى هنا كلام ابن الجوزي في مولده المسمى عرف التعريف بالمولد الشريف.

"فرحم الله امرأ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادًا" جمع عيد "ليكون" الاتخاذ "أشد علة" بكسر العين في أكثر النسخ، أي: مرضًا، وفي بعضها بغين معجمة مضمومة، أي:

على من في قلبه مرض وأعيى داء.

ولقد أطنب ابن الحاج في "المدخل" في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء والغناء بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل، ويسلك بنا سبيل السنة، فإنه حسبنا ونعم الوكيل.

__________

احتراق قلب، فكلاهما صحيح. "على من في قلبه مرض، وأعيى" بفتح الهمزة وسكون العين مضافًا إلى "داء" المقصور للسجع، وأصله المد عطف على أشد علة، أي بما يصيبه من الغيظ الحاصل له بمولده صلى الله عليه وسلم. "ولقد أطنب ابن الحاج" أبو عبد الله محمد بن محمد العدبري الفارسي أحد العلماء العاملين المشهورين بالزهد والصلاح من أصحاب ابن أبي حمزة، كان فقيهًا عارفًا بمذهب مالك وصحب جماعة من أرباب القلوب، مات بالقاهرة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. "في" كتاب "المدخل" إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة والعوائد المنحلة، قال ابن فرحون: وهو كتاب حفيل جمع فيه علمًا غزيرًا، والاهتمام بالوقوف عليه متعين ويجب على من ليس له في العلم قدم راسخ أن يهتم بالوقوف عليه، انتهى.

"في الإنكار على ما أحدثه الناس" البشر، وقد يكون من الإنس والجن، قيل: مشتق من ناس ينوس إذا تحرك، وقيل: من النسيان وإلى ترجيحه يومئ كلام المنجد، قال أبو تمام:

لا تنسين تك العود فإنما ... سميت إنسانًا لأنك ناسي

"من البدع والأهواء" أي: المفاسد التي تميل إليها النفس، فهو مساوٍ للبدع المرادة هنا، "والغناء" مثل كتاب الصوت وقياسه الضم؛ لأنه صوت وغني بالتشديد: ترنم بالغناء؛ كذا في المصباح. "بالآلات المحرمة" كالعود والطنبور "عند عمل المولد الشريف، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل" الجنة ونعيمها "ويسلك بنا سبيل السنة" أي: الطريق الموصلة إليها من فعل الطاعات واجتناب المعاصي، والمراد: طلب الهداية إلى ذلك، وفي نسخة: بنا وبه والمراد بسلوكها بالنسبة لابن الحاج جعله في زمرة المتقين في الآخرة، "فإنه" سبحانه "حسبنا" كافينا "ونعم الوكيل" الموكول إليه هو، والحاصل: أن عمله بدعة لكنه اشتمل على محاسن وضدها، فمن تحرى المحاسن واجتنب ضدها كانت بدعة حسنة، ومن لا فلا.

قال الحافظ ابن حجر في جواب سؤال: وظهر لي تخريجه على أصل ثابت، وهو ما في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى ونحن نصومه شكرًا، قال: فيستفاد منه فعل الشكر على ما من به في يوم معين، وأي نعمة أعظم من بروز نبي الرحمة والشكر يحصل بأنواع العبادة؛ كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وسبقه إلى ذلك الحافظ ابن رجب. قال السيوطي: وظهر

وقد ذكروا أنه لما ولد صلى الله عليه وسلم، قيل: من يكفل هذه الدرة اليتيمة، التي لا يوجد لمثلها قيمة؟ قالت الطيور: نحن نكفله ونغتنم خدمته العظيمة، وقالت الوحوش: نحن أولى بذلك ننال شرفه وتعظيمه، فنادى لسان القدرة: أن يا جميع المخلوقات: إن الله كتب في سابق حكمته القديمة أن نبيه الكريم يكون رضيعًا لحليمة الحليمة.

__________

لي تخريجه على أصل آخر وهو ما رواه البيهقي عن أنس: أنه صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه، ولا تعاد العقيقة مرة ثانية، فيحمل على أنه فعله شكرًا، فكذلك يستحب لنا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات، وتعقبه النجم بأنه حديث منكر؛ كما قاله الحافظ، بل قال في شرح المهذب: إنه حديث باطل، فالتخريج عليه ساقط، انتهى.

"وقد ذكروا" زعم من المراد أهل الإشارة من الصوفية، فأما الفقهاء والمحدثون فلم يذكروا شيئًا من ذلك وفيه نظر، ففي الخميس روي عن مجاهد، قلت لابن عباس: تنازعت الطيور في إرضاع محمد صلى الله عليه وسلم، قال: أي والله، وكل نساء، وذلك لما نادى الملك في السماء الدنيا هذا محمد سيد الأنبياء، طوبى لثدي أرضعه، فتنافست الجن والطير في إرضاعه، فنوديت أن كفوًا فقد أجرى الله ذلك على أيدي الإنس، فخص الله بتلك السعادة وشرف بذلك الشرف حليمة، انتهى.

"أنه لما ولد صلى الله عليه وسلم، قيل: من يكفل هذه الدرة اليتيمة؟ " أي: نادى ملك بمعنى هذا الكلام في سماء الدنيا، حيث قال: طوبى لثدي أرضعه؛ كما مر. "التي لا يوجد لمثلها" أي: لنفي ما يماثلها، "قيمة" فليس المراد أن له مثلا لكن لا قيمة له لنفاسته، بل المراد نفي القيمة والمثل معًا، "قالت الطيور" بلسان القال على الظاهر، ولا مانع منه "نحن نكفله ونغتنم خدمته العظيمة، وقالت الوحوش" حيوان البر "نحن أولى بذلك" منكم أيها الطيور لكونه في الأرض ونحن بها بخلافكم "ننال شرفه وتعظيمه" العائدين على من يكفله "فنادى لسان القدرة" شبه القدرة بذي لسان يأمر به وينهى استعارة بالكناية وإثبات اللسان تخييل والنداء ترشيح، "أن: يا جميع المخلوقات إن الله كتب في سابق حكمته القديمة" والمراد: أن قدرته تعلقت بإعلامهم بذلك "أن نبيه الكريم يكون رضيعًا لحليمة الحليمة" من الحلم، وقد ذكر العزفي أن عبد المطلب سمع وقت دخول حليمة هاتفًا، يقول:

إن ابن آمنة الأمين محمدا ... خير الأنام وخيرة الأخيار

ما أن له غير الحليمة مرضع ... نعم الأمينة هي على الأبرار

مأمونة من كل عيب فاحش ... ونقية الأثواب والأزرار

قالت حليمة: فيما رواه ابن إسحاق وابن راهويه......................

__________

لا تسلمنه إلى سواها إنه ... أمر وحكم جاء من الجبار

"قالت حليمة" بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث، وقيل: الحارث بن عبد الله, السعدية، قال في الاستيعاب: روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، قال: جاءت حليمة بنت عبد الله أم النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة إليه يوم حنين، فقام إليها وبسط لها رداء، فجلست عليه وروت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنها عبد الله بن جعفر. قال في الإصابة: وحديث عبد الله بن جعفر عنها بقصة إرضاعها أخرجه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه، وصرح فيه بالتحديث بين عبد الله وحليمة، انتهى. وقول ابن كثير: لم تدرك البعثة رده الحافظ بأن عبد الله بن جعفر حدث عنها عند أبي يعلى والطبراني وابن حبان، وهو إنما ولد بعد البعثة.

وزعْم الدمياطي وأبي حيان النحوي أنها لم تسلم مردود، فقد ألف مغلطاي فيها جزأ حافلا سماه التحفة الجسيمة في إثبات إسلام حليمة وارتضاه علماء عصره، فأما أبو حيان فليس من فرسان ذا الميدان يذهب إلى زيده وعمره. وأما الدمياطي فحسبنا في الرد عليه قوله: وقد وهل غير واحد فذكروها في الصحابة؛ لأنهم مثبتون لذلك، فمن أين له الحكم عليهم، وقد ذكرها في الصحابة ابن أبي خيثمة في تاريخه، وابن عبد البر، وابن الجوزي في الحداء، والمنذري في مختصر سنن أبي داود، وابن حجر في الإصابة، وغيرهم، وحسبك بهم حجة.

"فيما رواه ابن إسحاق" محمد في السيرة، فقال: حدثني جهم مولى الحارث بن حاطب الجمحي عن عبد الله بن جعفر، أو عمن حدثه عنه، قال: كانت حليمة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته تحدث أنها خرجت. فذكر الحديث، كما يأتي. "وابن راهويه" إسحاق بن إبراهيم بن مخلد التميمي، أبو يعقوب الحنظلي المروزي ساكن نيسابور أحد الأئمة الأعلام، اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع. روى عن ابن عيينة وابن مهدي وابن علية وغيرهم، وعنه الأئمة الستة إلا ابن ماجه، قال ابن حنبل: هو أمير المؤمنين في الحديث، أملى المسند والتفسير من حفظه، وما كان يحدث إلا من حفظه، وقال: ما سمعت شيئًا إلا حفظته، ولا حفظت شيئًا فنسيته، مات ليلة نصف شعبان بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وراهويه براء فألف فهاء مضمومة فتحتية مفتوحة عند المحدثين، قال الحافظ أبو العلاء بن العطار: لأنهم لا يحبون ويه، وبفتح الهاء والواو وسكون التحتية قال الكرماني: وهو المشهور، والنووي: هو مذهب النحويين وأهل الأدب، وفي الكواكب: قال عبد الله بن طاهر لإسحاق: لم قيل لك ابن راهويه؟ فقال: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكة، فقال المراوزة راهويه؛ لأنه ولد في الطريق، وهو بالفارسية راه.

وأبو يعلى والطبراني والبيهقي وأبو نعيم: قدمت مكة في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء في سنة شهباء، على أتان لي ومعي صبي لنا.......................

__________

"وأبو يعلى" الحافظ الثبت محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي صاحب المسند الكبير، سمع ابن معين وطبقته، وعنه ابن حبان وغيره ذو صدق وأمانة وعلم وحلم، وثقه ابن حبان والحاكم، ولد في شوال سنة عشر ومائتين، وعمر وتفرد ورحل الناس إليه، ومات سنة سبع وثلاثمائة.

"والطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب، "والبيهقي" أحمد بن الحسين بن علي، "وأبو نعيم" أحمد بن عبد الله مر بعض ترجمة الثلاثة، "قدمت مكة" أي: أردت قدومها "في" أي: مع "نسوة" عشرة، فيما ذكر "من بني سعد بن بكر" على عادة نساء القبائل التي حول مكة ونواحي الحرم من أنهن يأتينها كل عام مرتين ربيعًا وخريفًا للرضعاء، ويذهبن بهم إلى بدلاهم حتى تتم الرضاعة؛ لأن عادة نساء قريش دفع أولادهن إلى المراضع، قال العزفي: كن يرين رضاع أولادهن عارًا، وقال غيره: لينشأ الولد عربيًا فيكون أنجب ولسانه أفصح؛ كما في الحديث: "أنا أعربكم، أنا من قريش واسترضعت من بني سعد بن بكر". وكانت مشهورة في العرب بالكمال وتمام الشرف، وقيل: لتفرغ النساء للأزواج لكنه منتف في آمنة لموت زوجها وهي حامل على الصحيح.

"نلتمس الرضعاء" جمع رضيع، قال عبد الملك بن هشام: إنما هو المراضع، قال تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} [القصص: 12] .

قال السهيلي: وما قاله ظاهر؛ لأن المراضع جمع مرضع والرضعاء جمع رضيع، لكن للرواية مخرج من وجهين، أحدهما: حذف المضاف، أي: ذوات الرضعاء، الثاني: أن يكون المراد بالرضعاء الأطفال على حقيقة اللفظ؛ لأنهم إذا وجدوا له مرضعة ترضعه فقد وجدوا له رضيعًا يرضع معه، فلا بد أن يقال: التسموا له رضيعًا علمًا بأن الرضيع لا بد له من مرضع.

"في سنة شهباء" ذات قحط وجدب، والشهباء: الأرض البيضاء التي لا خضرة فيها لقلة المطر من الشهبة وهي البيضاء، سميت بذلك لبياض الأرض لخلوها من النبات.

"على أتان لي" بفتح الهمزة والفوقية: الأنثى من الحمير خاصة. قال الجوهري وابن السكيت: ولا يقال إتانة بالهاء، قال ابن الأثير: وإن كان قد جاء في بعض الحديث، لكن في القاموس: إنها لغة سليمية، أي: لبني سليم. "ومعي صبي لنا" هو عبد الله بن الحارث الذي كانت ترضعه حينئذ، لا أعلم له إسلامًا ولا ترجمة؛ كذا في النور، وهو تقصير.

ففي الإصابة: سماه بعضهم عبد الله، ذكره في الصحابة، وكذا سماه ابن سعد لما ذكر أسماء أولاد حليمة، قال: وروى ابن سعد من مرسل إسحاق بن عبد الله، قال: كان

وشارف لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك، لا يجد في ثديي ما يغذيه، ولا في شارفنا ما يغديه.

فقدمنا مكة، فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذ قيل إنه يتيم من الأب.......................

__________

رسول الله صلى الله عليه وسلم أخ من الرضاعة، فقال للنبي -يعني بعد النبوة- أترى أن يكون بعث؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أما والذي نفسي بيده، لآخذن بيدك يوم القيامة، ولأعرفنك"، قال: فلما آمن بعد النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس فيبكي ويقول: أنا أرجو أن يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي يوم القيامة فأنجو، هكذا أورده في ترجمة والده الحارث ثم أعاده في المخضرمين من حرف العين. فقال عبد الله بن الحارث: سماه الواقدي ولم يزد على ذكر خبر ابن سعد هذا، إلا أنه قال: هذا مرسل صحيح الإسناد.

"وشارف لنا" بشين معجمة فألف فراء مكسورة ففاء، أي: ناقة مسنة، وعن الأصمعي: يقال: للذكر والأنثى شارف، والمراد هنا: الأنثى لا غير، والجمع الشرف بضم الراء وتسكن، قاله النور. "والله ما تبض" بفتح الفوقية وكسر الموحدة وشد الضاد المعجمة: ما تدر، "بقطرة" وقال أبو ذر في حواشيه: ما تبض بضاد معجمة: ما تسيل ولا ترشح، ومن رواه بصاد مهملة، فمعناه: ما يبرق عليها أثر لين من البصيص وهو البريق واللمعان. "وما ننام ليلنا ذلك أجمع" من شدة الجوع "مع صبينا ذاك" عبد الله لا ينام، قال في الرواية عند ابن إسحاق: من بكائه من الجوع؛ لأنه "لا يجد في ثديي ما يغذيه" أي: يكفيه، "ولا في شارفنا ما يغديه" بدال مهملة عند ابن إسحاق، ومعجمة عند ابن هشام، قال السهيلي: وهو أتم من الاقتصار على الغداء دون العشاء، وعند بعض الرواة يعذبه بعين مهملة وذال منقوطة وموحدة، أي: ما ينقعه حتى يرفع رأسه، وينقطع عن الرضاع، يقال منه: عذبته وأعذبته إذا قطعته عن الشرب ونحوه، قال: والذي في الأصل -يعني الروايتين المذكورتين- أصح في المعنى والنقل، انتهى من الروض.

"فقدمنا مكة" أي: دخلناها "فوالله ما علمت منا امرأة" أنا واللاتي قدمت معهن، "إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم" هذا صريح في إسلامها حيث قالت رسول الله وصلت عليه "فتأباه" أي: أخذه، "إذ" تعليلية "قيل: إنه يتيم" زاد ابن إسحاق، وذلك أنا كنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، أي: أخذه "من الأب" صفة كاشفة، فاليتيم من لا أب له، وإن كان له جد. وفي نسخ حذف من الأب، وهنا فائدة حسنة.

سئل الحافظ عما يقع من بعض الوعاظ في الموالد في مجالسهم الحفلة المشتملة على الخاص والعام من الرجال والنساء من ذكر الأنبياء بما يخل بكمال التعظيم حتى يظهر للسامعين

فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما لم أجد غيره، قلت لزوجي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، فذهبت فإذا به مدرج في ثوب صوف..................

__________

لها حزن ورقة، فيبقى في حيز من يرحم لا من يعظم؛ كقوله: لم تأخذه المراضع لعدم ماله، إلا حليمة رغبت في رضاعه شفقة عليه، وأنه كان يرعى غنمًا وينشد:

لأغنامه سار الحبيب إلى المرعى ... فيا حبذا راع فؤادي له مرعى

وفيه:

فما أحسن الأغنام وهو يسوقها

وكثير من هذا المعنى المخل بالتعظيم، فأجاب بما نصه: ينبغي لمن يكون فطنًا أن يحذف من الخبر ما يوهم في المخبر عنه نقصًا ولا يضره ذلك، بل هذا جوابه بحروفه، نقله عنه السيوطي. "فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعًا غيري" فلم آخذ لأني لم أعط لما أنا عليه من الضيق.

"فلما لم أجد غيره" يعطى لي "قلت لزوجي" الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي يكنى أبا ذؤيب، أدرك الإسلام وأسلم، رواه يونس بن بكير، قال: حدثنا ابن إسحاق، حدثني والدي عن رجال من بني سعد بن بكر، قالوا قدم الحارث أبو رسول الله من الرضاعة عليه الصلاة والسلام بمكة حين أنزل عليه القرآن فقالت له قريش: ألا تسمع يا حارث ما يقول ابنك؟ قال: وما يقول؟ قالوا: يزعم أن الله يبعث من في القبور، وأن لله دارين يعذب فيهما من عصاه ويكرم فيهما من أطاعه، فقد شتت أمرنا وفرق جماعتنا، فأتاه فقال: أي بني! ما لك ولقومك يشكونك ويزعمون أنك تقول إن الناس يبعثون بعد الموت، ثم يصيرون إلى جنة ونار، فقال صلى الله عليه وسلم: "أنا أزعم ذلك، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت لقد أخذت بيدك حتى أعرفك حديثك اليوم". فأسلم الحارث بعد ذلك فحسن إسلامه، وكان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني إن شاء الله حتى يدخلني الجنة. قال ابن إسحاق: وبلغني أنه إنما أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا في رواية يونس. قال السهيلي: ولم يذكر ذلك البكائي في روايته عن ابن إسحاق ولا ذكره كثير ممن ألف في الصحابة، وقد ذكره فيهم صاحب الإصابة، وذكر هذا الخبر وعقبه بخبر ابن سعد المتقدم في ابنه، وقال: يحتمل أن يكون ذلك وقع للأب والابن.

"والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم" الذي عرض جده علي وسألني أخذه، وقلت له: ألا تذرني أراجع صاحبي، فأذن لها وانتظرها حتى راجعته وعادت، "فلآخذنه" زاد ابن إسحاق، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، قالت: "فذهبت" إليه "فإذا به مدرج في ثوب صوف" بالإضافة والتنوين

أبيض من اللبن، يفوح منه المسك، وتحته حريرة خضراء، راقد على قفاه، يغط، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله، فدنوت منه رويدًا فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكًا، وفتح عينيه لينظر إليّ، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه، وأعطيته ثديي الأيمن، فأقبل عليه بما شاء من لبن، فحولته إلى الأيسر فأبى، وكانت تلك حاله بعد. -قال أهل العلم: ألهمه الله تعالى أن له شريكًا فألهمه العدل- قالت: فروي وروي أخوه.

ثم أخذته، بما هو إلا أن جئت به رحلي، فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي وشرب أخوه حتى روي.............................

__________

حال كون الثوب "أبيض من اللبن يفوح منه المسك وتحته حريرة خضراء راقد على قفاه يغط" بكسر المعجمة من باب ضرب، أي: يردد نفسه صاعدًا إلى حلقه حتى يسمعه من حوله؛ كما في المصباح. "فأشفقت أن أوقظه" أي: خفت من إيقاظه "من نومه" شفقة عليه "لحسنه وجماله، فدنوت منه رويدًا" قليلا بتأن، "فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكًا وفتح عينيه لينظر إليّ فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء" لشدة انتشاره "وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه وأعطيته ثديي الأيمن، فأقبل" الثدي أي: در "عليه بما شاء من لبن، فحولته إلى الأيسر، فأبى" أن يشربه "وكانت تلك" الصفة "حاله بعد" وفيها أنها فعلت ذلك معه في مجلسها الذي وضعت فيه يدها على صدره، وهذا من أول قوله: فإذا به مدرج إلى قوله الآتي قريبًا: ثم أخذته، زائد على ما في ابن سيد الناس؛ لأنه اقتصر على رواية ابن إسحاق، ولم يقع ذلك فيها. وأما المصنف فقد نقل الحديث عن ستة من الحفاظ، فلا يعترض عليه بما في اليعمري.

"قال أهل العلم" في حكمة امتناعه صلى الله عليه وسلم من الثدي الأيسر "ألهمه الله تعالى أن له شريكًا فألهمه العدل" فلذا امتنع وأخذ الأيمن؛ لأنه كان يحب التيمن في أموره كلها، "قالت" حليمة في بقية حديثها الذي رواه من تقدم وأعاد، قالت: لفصله بقول أهل العلم "فروي وروي أخوه" ابنها عبد الله ووقع للبيهقي أن اسمه ضمرة، وتوقف فيه الشامي، فقال: فالله أعلم. "ثم أخذته بما هو" مشتمل عليه من كونه مدرجًا ... إلخ ما مر "إلى أن جئت به" وفي نسخة: فما هو إلا أن جئت به، أي: فما الشأن، فما مبتدأ، وما بعد إلا هو الخبر. وفي رواية: فقالت آمنة: يا حليمة، قيل لي ثلاث ليال استرضعي ابنك في بني سعد بن بكر، ثم في آل أبي ذؤيب، قالت حليمة: فإن زوجي أبو ذؤيب، فجئت به "رحلي" بحاء مهملة مسكن الشخص وما يستصحبه من الأثاث والمنزل والمأوى، قاله البرهان وتبعه الشامي.

"فأقبل عليه ثدياي بما شاء" الله "من لبن، فشرب حتى روي، وشرب أخوه حتى روي،

فقام صاحبي -تعني زوجها- إلى شارفنا تلك، فإذا أنها لحافل، فحلب ما شرب وشربت حتى روينا، وبتنا بخير ليلة، فقال صاحبي: يا حليمة، والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة، ألم تري ما بتنا به الليلة من البركة والخير حين أخذناه، فلم يزل الله يزيدنا خيرًا.

قالت في رواية ذكرها ابن طغر بك في "النطق المفهوم": فلما نظر صاحبي إلى هذا قال: اسكتي واكتمي أمرك، فمن ليلة ولد هذا الغلام أصبحت الأحبار قوامًا على أقدامها، لا يهنؤها عيش النهار ولا نوم الليل.

قالت حليمة: فودعت النساء بعضهن وودعت أنا أم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ركبت أتاني وأخذت محمدًا صلى الله عليه وسلم بين يدي، قالت: فنظرت...................

__________

فقام صاحبي- تعني" حليمة بقولها صاحبي "زوجها" الحارث "إلى شارفنا تلك" التي ما كانت تبض بقطرة "فإذا" فجائية "أنها لحافل" بمهملة وفاء: ممتلئة الضرع من اللبن، "فحلب ما" لبنًا "شرب" هو "وشربت" أنا "حتى روينا وبتنا بخير ليلة، فقال صاحبي" حين أصبحنا؛ كما في ابن إسحاق "يا حليمة، والله إني لأراك" بالفتح: أعتقدك، بدليل رواية ابن إسحاق: تعلمي والله يا حليمة، أي: اعلمي؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "تعلموا أن ربكم ليس بأعور" أي: اعلموا. "قد أخذت نسمة" بفتحات ذاتًا "مباركة".

زاد ابن إسحاق: قلت: والله إني لأرجو ذلك، "ألم تري ما بتنا به الليلة من البركة والخير حين أخذناه" قالت حليمة "فلم يزل الله يزيدنا خيرًا" ببركته صلى الله عليه وسلم "قالت" حليمة. وفي نسخة: بتذكير الفعل على معنى الشخص. "في رواية ذكرها ابن طغربك" بضم الطاء والراء المهملتين بينهما معجمة ساكنة؛ كان علم مركب من طغر وبك، "في" ككتاب "النطق المفهوم، فلما نظر صاحبي إلى هذا قال: اسكتي واكتمي أمرك" فلا تبديه لأحد، خشي عليها الحسد، وعلى المصطفى الناس. "فمن ليلة ولد هذا الغلام أصبحت الأحبار" جمع حبر "قواًا على أقدامها لا يهنؤها" بالهمز من هنأ الطعام لذ، أي: لا يلذ لهم "عيش النهار، ولا نوم الليل" وإخباره بذلك عنهم لما بلغه أو شاهده من بعضهم.

"قالت حليمة" فلما ذهبت بمحمد إلى منزلي مكثنا بمكة ثلاث ليال؛ كذا في شواهد النبوة. قالت: "فودعت النساء بعضهن" بليل، أي: ودع بعض النساء بعضًا. وفي نسخة: فودعت النساء بعضهم بالتذكير، والأول أنسب، بقوله: "وودعت أنا أم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ركبت. أتاني" حماري الأنثى، ويقال: حمارة بالهاء على قلة، "وأخذت محمدًا صلى الله عليه وسلم بين يدي، قالت: فنظرت

إلى الأتان وقد سجدت نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت رأسها إلى السماء مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معي، وصار الناس يتعجبون مني ويقلن النساء لي وهن ورائي: يا بنت أبي ذؤيب أهذه أتانك التي كنت عليها وأنت جائية معنا تخفضك طورًا وترفعك أخرى؟ فأقول: تالله إنها هي فيتعجبن منها ويقلن إن لها لشأنًا عظيمًا، قالت: فكنت أسمع أتاني تنطق وتقول: والله إن لي لشأنًا ثم شأنًا بعثني الله بعد موتي ورد لي سمني بعد هزالي، ويحكن..................

__________

إلى الأتان وقد سجدت" خفضت رأسها أو وضعت وجهها على الأرض وهو الظاهر، فلا مانع "نحو" أي: جهة "الكعبة ثلاث سجدات، ورفعت رأسها إلى السماء" ألهمها الله فعل ذلك شكرًا له أن خصها بكونه صلى الله عليه وسلم على ظهرها، "ثم مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معي، وصار الناس يتعجبون مني" وفي رواية ابن إسحاق: فوالله لقد قطعت بالركب حتى ما يقدر علي شيء من حمرهم، "ويقلن النساء لي" هذا نحو: أسروا النجوى يتعاقبون فيكم ملائكة، وسموها لغة أكلوني البراغيث، وجوزوا في نحوه أن النون فاعل، والاسم الظاهر بدل منه حتى لا يكون من تلك اللغة. "وهن ورائي: يا بنت أبي ذؤيب" بذال معجمة كنية أبيها، واسمه عبد الله بن الحارث بن شجنة بكسر الشين المعجمة فجيم ساكنة فنون مفتوحة ثم تاء التأنيث، هكذا في النور. ووقع في الشامية بسين مهملة ابن جابر بن رزام بكسر الراء ثم زاي فألف فميم ابن ناصر بن سعد بن بكر بن هوازن هكذا في الاستيعاب، وقيل في نسبها غير ذلك.

"أهذه أتانك التي كنت عليها وأنت جائية معنا، تخفضك طورًا" بفتح الطاء مرة "وترفعك" مرة "أخرى" فأنت على معنى الطور لضعفها وعجفها، "فأقول: تالله إنها هي، فيتعجبن منها، ويقلن: إن لها لشأنًا عظيمًا، قالت" حليمة "فكت أسمع أتاني تنطق، وتقول: والله إن لي لشأنًا ثم لشأنًا" وكأنه قيل: ماذا الشأن؟ فقالت: "بعثني الله بعد موتي" أعطاني قوة قدر بها على سرعة السير بعدما كنت كالميتة من الضعف، "ورد لي سمني بعد هزالي" بضم الهاء ضد السمن، وفي نسخة: بعد هزلي، بفتح الهاء وتضم وسكون الزاي بلا ألف بمعنى الأول أيضًا. ففي القاموس: الهزال بالضم نقيض السمن هزل، كعنى وهزل كنصر هزلا وبضم، انتهى. وأما نقيض الجد فبابه ضرب وفرح؛ كما فيه أيضًا، وليس مرادًا هنا، كما هو معلوم. والجملتان تفسير للشأن على الاستئناف البياني، كما قررنا.

"ويحكن" بالنصب بإضمار فعل كلمة ترحم، وويل كلمة عذاب. وقال اليزيدي: هما بمعنى واحد، تقول: ويح لزيد وويل له، فترفعهما على الابتداء ولك نصبهما كأنك قلت: ألزمه.

يا نساء بني سعد إن كن لفي غفلة وهل تدرين من على ظهري، على ظهري خيار النبيين وسيد المرسلين وخير الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين.

قالت -فيما ذكره ابن إسحاق وغيره: ثم قدمنا منازل بني سعد، ولا أعلم أرضًا من أرض الله أجدب -بدال مهملة- منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به شباعًا لبنًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم: اسرحوا حيث تسرح غنم بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح أغنامي شباعًا لبنًا.

__________

الله ويحًا وويلا، ولك إضافتهما فنصبهما بإضمار فعل؛ كذا ذكر العلامة الشمني، ومقتضاه: أنه ليس لويح فعل من لفظه، وقد ذكر ابن عصفور في شرح الجمل: أن من الناس من ذهب إلى أنه قد استعمل من ويح فعل فهو على مذهبه منصوب بفعل من لفظه، تقديره واح ويحًا.

"يا نساء بني سعد، إن كن لفي غفلة وهل تدرين" بكسر الراء "من" أي: الذي "على ظهري" وقوله: على ظهري خبر مبتدؤه "خيار النبيين، وسيد المرسلين, وخير الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين" وكأنها فرضت أنهن كلمنها بما قلنه لحليمة، فإجابتهن بذلك وفي نطقها وسجودها قبل إرهاص للنبي صلى الله عليه وسلم وكرامة لحليمة، "قالت، فيما ذكره ابن إسحاق" مسندًا في بقية الحديث السابق.

"وغيره ثم قدمنا منازل بني سعد، ولا أعلم أرضًا من أرض الله أجدب" بجيم "فدال مهملة" فموحدة ضد الخصب. "منها، فكانت غنمي تروح علي" أي: ترجع بعشي "حين قدمنا به" صلى الله عليه وسلم "شباعًا لبنًا" بضم اللام وكسرها لغتان؛ حكاهما الجوهري وشد الموحدة أي كثيرة اللبن جمع لبون "فنحلب" بضم اللام وكسرها لغتان كما في النور. "ونشرب وما يحلب إنسان" غيرنا "قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضر" هم القوم النزول على ما يقيمون به ولا يرحلون عنه، ويقولون للمناهل المحاضر للاجتماع والحضور، ذكره البرهان. "من قومنا يقولون لرعيانهم" جمع راع. وفي نسخة: لرعاتهم، جمع ثان.

قال القاموس: كل من ولي أمر قوم جمعه رعاة ورعيان ورعاء، ويكسر، انتهى. زاد ابن إسحاق: ويلكم "اسرحوا حيث تسرح" ظرف مكان، أي: اذهبوا إلى المكان الذي تذهب إليه "غنم بنت أبي ذؤيب" ولفظ ابن إسحاق: حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، "فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض" بالضاد معجمة ومهملة "بقطرة لبن، وتروح" ترجع "أغنامي شباعًا لبنًا" مع أن

فلله درها من بركة كثرت بها مواشي حليمة ونمت وارتفع قدرها به وسمت فلم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة وتفوز منه بالحسنى وزيادة.

لقد بلغت بالهاشمي حليمة ... مقامًا علا في ذروة العز والمجد

وزادت مواشيها وأخصب ربعها ... وقد عم هذا السعد كل بني سعد

قال ابن الطراح رأيت في كتاب الترقيص لأبي عبد الله بن المعلى الأزدي

__________

مسرحها واحد، قالت في رواية ابن إسحاق: فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، قال المصنف.

"فلله درها من بركة" تمييز للنسبة في درها؛ لأن مرجع الضمير هنا معلوم. "كثرت بها مواشي حليمة ونمت" زادت "وارتفع قدرها به، وسمت" أي: علت، فهو مساوٍ؛ "فلم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة، وتفوز منه بالحسنى وزيادة" وأنشد لغيره: "لقد بلغت بالهاشمي" محمد صلى الله عليه وسلم "حليمة مقامًا علا" ارتفع "في ذروة" بكسر الذال المعجمة: أعلى، "العز والمجد" مستعار من ذروة الجبل: أعلاه، "وزادت مواشيها وأخصب ربعها" بفتح الراء وسكون الموحدة: محلها ومنزلها، ويطلق على القوم مجازًا.

"وقد عم هذا السعد كل بني سعد" وذلك أن حليمة، قالت لما دخلت به منزلي: لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك، وألقيت محبته في قلوب الناس حتى إن أحدهم كان إذا نزل به أذى من جسده أخذ كفه صلى الله عليه وسلم فيضعها على موضع الأذى فيبرأ بإذن الله سريعًا، وكذا إذا اعتل لهم بعير أو شاه، ولو لم يكن من سعدهم إلا أنهم لما سبوا في وقع



كلمات دليلية: