دار الأرقم بن أبي الأرقم من كتاب السيرة الحلبية

دار الأرقم بن أبي الأرقم من كتاب السيرة الحلبية

اسم الكتاب:
السيرة الحلبية
المؤلف:
نورالدين الحلبي

باب: استخفائه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله تعالى عنهما ودعائه صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام جهرة وكلام قريش لأبي طالب في أن يخلي بينهم وبينه، وما لقي هو وأصحابه من الأذى وإسلام عمه حمزة رضي الله تعالى

عنه

عن ابن اسحاق أن مدة ما أخفى صلى الله عليه وسلم أمره: أي المدة التي صار يدعو الناس فيها خفية بعد نزول يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) [المدّثر: الآية 1] ثلاث سنين: أي فكان من أسلم إذا أراد الصلاة يذهب إلى بعض الشعاب يستخفي بصلاته من المشركين: أي كما تقدم، فبينما سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليه نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا منهم بلحى بعير فشجه، فهو أول دم

أهريق في الإسلام، ثم دخل صلى الله عليه وسلم وأصحابه مستخفين في دار الأرقم: أي بعد هذه الواقعة، فإن جماعة أسلموا قبل دخوله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، ودار الأرقم هي المعروفة الآن بدار الخيزران عند الصفا، اشتراها الخليفة المنصور وأعطاها ولده المهدي، ثم أعطاها المهدي للخيزران أم ولديه موسى الهادي وهارون الرشيد، ولا يعرف امرأة ولدت خليفتين إلا هذه، وولادة جارية عبد الملك بن مروان، فإنها «أم الوليد وسليمان» .

وقد روت الخيزران عن زوجها المهدي عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من اتقى الله وقاه كل شيء» .

فكان صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقيمون الصلاة بدار الأرقم، ويعبدون الله تعالى فيها إلى أن أمره الله تعالى بإظهار الدين:

أي وهذا السياق يدل على أنه صلى الله عليه وسلم استمر مستخفيا هو وأصحابه في دار الأرقم إلى أن أظهر الدعوة، وأعلن صلى الله عليه وسلم في السنة الرابعة: أي وقيل مدة استخفائه صلى الله عليه وسلم أربع سنين وأعلن في الخامسة. وقيل أقاموا في تلك الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون. وقد يقال الإقامة شهرا مخصوصة بالعدد المذكور، فلا منافاة، وإعلانه صلى الله عليه وسلم كان في الرابعة أو الخامسة بقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) [الحجر: الآية 94] وبقوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) [الشعراء: الآية 214] أي أظهر ما تؤمر به من الشرائع، وادع إلى الله تعالى، ولا تبال بالمشركين، وخوّف بالعقوبة عشيرتك الأقربين وهم بنو هاشم وبنو المطلب: أي وبنو عبد شمس وبنو نوفل أولاد عبد المطلب بدليل ما يأتي. قال بعضهم: آية فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: الآية 94] اشتملت على شرائط الرسالة وشرائعها وأحكامها وحلالها وحرامها.

وقال بعضهم: إنما أمر بالصدع لغلبة الرحمة عليه صلى الله عليه وسلم. قال: ذكر بعضهم أنه لما نزل عليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) [الشّعراء: الآية 214] اشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وضاق به ذرعا: أي عجز عن احتماله فمكث شهرا أو نحوه جالسا في بيته حتى ظن عماته أنه شاك: أي مريض، فدخلن عليه عائدات، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما اشتكيت شيئا لكن الله أمرني بقوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) [الشّعراء: الآية 214] فأريد أن أجمع بني عبد المطلب لأدعوهم إلى الله تعالى، قلن: فادعهم ولا تجعل عبد العزى فيهم، يعنين عمه أبا لهب، فإنه غير مجيبك إلى ما تدعوه إليه، وخرجن من عنده صلى الله عليه وسلم:

أي وكني عبد العزى بأبي لهب لجمال وجهه ونضارة لونه كأن وجهه وجبينه ووجنتيه لهب النار: أي خلافا لما زعمه بعضهم أن ولده عقير الأسد أو ولد آخر غيره كان اسمه لهبا.

قال في الإتقان: ليس في القرآن من الكنى غير أبي لهب ولم يذكر اسمه وهو عبد العزى أي الصنم، لأنه حرام شرعا، هذا كلامه وفيه أن الحرام وضع ذلك لا استعماله.

وفي كلام بعضهم ما يفيد أن الاستعمال حرام أيضا إلا أن يشتهر بذلك كما في الأوصاف المنقصة كالأعمش.

وفي كلام القاضي: وإنما كناه والكنية تكرمة أي بالعدول عن الاسم إليها لاشتهاره بكنيته، ولأن اسمه عبد العزى الذي هو الصنم فاستكره ذكره، ولأنه لما كان من أصحاب النار كانت الكنية أوفق بحاله في الآخرة، فهي كنية تفيد الذم.

فاندفع ما يقال هذا يخالف قولهم ولا يكنى كافر وفاسق ومبتدع إلا لخوف فتنة أو تعريف، لأن ذلك خاص بالكنية التي تفيد المدح لا الذم ولم يشتهر بها صاحبها.

قال: فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني عبد المطلب فحضروا وكان فيهم أبو لهب، فلما أخبرهم بما أنزل الله عليه أسمعه ما يكره، قال: تبا لك، ألهذا جمعتنا: أي وأخذ حجرا ليرميه به، وقال له: ما رأيت أحدا قط جاء بني أبيه وقومه بأشرّ ما جئتهم به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم في ذلك المجلس انتهى.

أي وفي الإمتاع: أن أبا لهب ظن أنه صلى الله عليه وسلم يريد أن ينزع عما يكرهون إلى ما يحبون، فقال له هؤلاء عمومتك وبنو عمومتك، فتكلم بما تريد واترك الصبأة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب طاقة، وإن أحق من أخذك وحبسك أسرتك وبنو أبيك إن أقمت على أمرك، فهو أيسر عليك من أن تتب عليك بطون قريش وتمدها العرب، فما رأيت يا ابن أخي أحدا قط جاء بني أبيه وقومه بشر ما جئتهم به، وعند ذلك أنزل الله تعالى تَبَّتْ [المسد: الآية 1] أي خسرت وهلكت يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: الآية 1] أي خسر وهلك بجملته: أي والمراد بالأول جملته، عبر عنها باليدين مجازا، والمراد به الدعاء، وبالثاني الخبر على حد قولهم: أهلكه الله وقد هلك.

أي ولما قال أبو لهب عند نزول تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) [المسد: الآية 1] إن كان ما يقوله محمد حقا افتديت منه بمالي وولدي نزل ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (2) [المسد: الآية 2] أي وأولاده، لأن الولد من كسب أبيه: أي وفي رواية وهي في الصحيحين «أنه دعا قريشا فاجتمعوا، فخص وعم فقال: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار: أي وفيه أنه إنما أمر بالإنذار لعشيرته الأقربين، ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني زهرة أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، يا صفية عمة محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا» وفي لفظ «لا أملك لكم من الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبا، إلا أن تقولوا لا إله إلا الله: أي لا تبقوا على كفركم اتكالا على قرابتكم مني» فهو حث لهم على صالح الأعمال، وترك الاتكال «غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها» أي أصلها بالدعاء: أي والبلال

بالفتح كقطام ما يبل الحلق من الماء أو اللبن، وبل رحمه إذا وصلها، وبلوا أرحامكم:

ندّوها بالصلة، وفي الحديث «بلو أرحامكم ولو بالسلام» أي صلوها: أي وقد ذكر أئمتنا ضابط الصلة.

وفي تخصيصه صلى الله عليه وسلم فاطمة من بين بناته مع أنها أصغرهن، وقيل أصغر بناته رقية. وتخصيصه صلى الله عليه وسلم صفية من بين عماته حكمة لا تخفى. ومن الغريب ما في الكشاف من زيادة «يا عائشة بنت أبي بكر، يا حفصة بنت عمر» .

وعندي أن ذكر عائشة وحفصة بل وفاطمة هنا من خلط بعض الرواة، وأن هذا ذكره صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فذكره بعض الرواة هنا، فإن المراد بالإنقاذ من النار الإتيان بالإسلام، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إلى أن تقولوا لا إله إلا الله» مع أنه تقدم أن بناته عليه الصلاة والسلام لم يكن كفارا فليتأمل.

ثم مكث صلى الله عليه وسلم أياما ونزول عليه جبريل وأمره بإمضاء أمر الله تعالى، فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانيا وخطبهم ثم قال لهم: «إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوآ وإنها لجنة أبدا، أو لنار أبدا، والله يا بني عبد المطلب ما أعلم شابا جاء قومه بأفضل مما جئتكم به؟ إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة» فتكلم القوم كلاما لينا غير أبي لهب، فإنه قال: يا بني عبد المطلب هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ على يديه غيركم، فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم، وإن منعتموه قتلتم، فقالت له أخته صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنها: أي أخي أيحسن بك خذلان ابن أخيك، فو الله ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضئضيء- أي أصل- عبد المطلب نبي فهو هو، قال: هذا والله الباطل والأماني، وكلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش وقامت معها العرب فما قوتنا بهم، فو الله ما نحن عندهم إلا أكلة رأس، فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم جميع قريش وهو قائم على الصفا، وقال: «إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سنح- بالنون والحاء المهملة- أي أصل، وفي لفظ: سفح بالفاء والحاء المهملة- هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم تكذبوني؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، إني لكم نذير مبين بين يدي عذاب شديد» ، أي وفي لفظ «إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله فخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف يا صباحاه يا صباحاه أتيتم أتيتم» .

ومن أمثاله صلى الله عليه وسلم «أنا النذير العريان» أي الذي ظهر صدقه، من قولهم: عري

الأمر، إذا ظهر، وقولهم: الحق عار: أي ظاهر، وقيل الذي جرده العدو فأقبل عريانا ينذر بالعدو، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل.

واختلفت الروايات في محل وقوفه. ففي رواية «وقف على الصفا» كما تقدم، وفي رواية «وقف على أضمة من جبل فعلا أعلاها حجرا يهتف: يا صباحاه، فقالوا:

من هذا الذي يهتف؟ قالوا محمد فاجتمعوا إليه، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا» الحديث وفي رواية «صاح على أبي قبيس: يا آل عبد مناف إني نذير» وروي أنه لما نزل قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) [الشّعراء: الآية 214] جمع بني عبد المطلب في دار أبي طالب وهم أربعون» وفي الإمتاع خمسة وأربعون رجلا وامرأتان، فصنع لهم عليّ طعاما: أي رجل شاة مع مدّ من البر وصاعا من لبن، فقدّمت لهم الجفنة، وقال: كلوا بسم الله، فأكلوا حتى شبعوا، وشربوا حتى نهلوا. وفي رواية «حتى رووا» وفي رواية «قال ادنوا عشرة عشرة فدنا القوم عشرة عشرة، ثم تناول القعب الذي فيه اللبن فجرع منه ثم ناولهم، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة» وفي رواية «يشرب العس من الشراب في مقعد واحد» فقهرهم ذلك، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم بدره أو لهب بالكلام، فقال: لقد سحركم صاحبكم سحرا عظيما. وفي رواية: محمد، وفي رواية: ما رأينا كالسحر اليوم، فتفرقوا ولم يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان الغد قال:

«يا عليّ عد لنا بمثل ما صنعت بالأمس من الطعام والشراب، قال عليّ: ففعلت، ثم جمعتهم له صلى الله عليه وسلم فأكلوا حتى شبعوا وشربوا حتى نهلوا، ثم قال لهم: يا بني عبد المطلب إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة، فقال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) [الشّعراء: الآية 214] وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان، شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فمن يجيا بني إلى هذا الأمر ويوازرني- أي يعاونني- على القيام به؟ قال عليّ: أنا يا رسول الله، وأنا أحدثكم سنا وسكت القوم» زاد بعضهم في الرواية «يكن أخي ووزيرا وورثي وخليفتي من بعدي، فلم يجبه أحد منهم، فقام عليّ وقال أنا يا رسول الله، قال اجلس، ثم أعاد القول على القوم ثانيا فصمتوا، فقام عليّ وقال أنا يا رسول الله، فقال: اجلس، ثم أعاد القول على القوم ثالثا فلم يجبه أحد منهم، فقام عليّ فقال: أنا يا رسول الله، فقال اجلس فأنت أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي» .

قال الإمام أبو العباس بن تيمية أي في الزيادة المذكورة أنها كذب وحديث موضوع من له أدنى معرفة في الحديث يعلم ذلك، وقد رواه: أي الحديث مع زيادته المذكورة ابن جرير والبغوي بإسناد فيه أبو مريم الكوفي وهو مجمع على تركه. وقال أحمد: إنه ليس بثقة، عامة أحاديثه بواطيل وقال ابن المديني: كان يضع الحديث، وفي رواية عن عليّ رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خديجة فصنعت له

طعاما، ثم قال لي ادع لي بني عبد المطلب، فدعوت أربعين رجلا» الحديث، ولا مانع من تكرر فعل ذلك ويجوز أن يكون عليّ فعل ذلك عند خديجة وجاء به إلى بيت أبي طالب، ولعل جمعهم هذا كان متأخرا عن جمعهم مع غيرهم المتقدم ذكره ويشهد له السياق، فعل ذلك حرصا على إسلام أهل بيته، فلما دعا قومه ولم يردوا عليه ولم يجيبوه: أي وفي رواية: صار كفار قريش غير منكرين لما يقول فكان صلى الله عليه وسلم إذ مرّ عليهم في مجالسهم يشيرون إليه إن غلام بني عبد المطلب ليكلم من السماء، وكان ذلك دأبهم حتى عاب آلهتهم: أي وسفه عقولهم وضلل آباءهم: أي حتى أنه مر يوما وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام، فقال: «يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم، فقالوا إنما نعبد الأصنام حبا لله لتقربنا إلى الله فأنزل الله تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: الآية 31] فتناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم، وجاؤوا إلى أبي طالب وقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وعقولنا، ينسبنا إلى قلة العقل، وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر دين الله ويدعو إليه لا يرده عن ذلك شيء، وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله:

ثم قام النبي يدعو إلى الله ... وفي الكفر شدة وإباء

أمما أشربت قلوبهم الكف ... ر فداء الضلال فيهم عياء

أي ثم قام صلى الله عليه وسلم يدعو جماعاتهم إلى الله تعالى بأن يقولوا لا إله إلا الله حسبما أمر، فقد جاء أن جبريل تبدى له صلى الله عليه وسلم في أحسن صورة وأطيب رائحة وقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: أنت رسول الله إلى الجن والإنس، فادعهم إلى قول لا إله إلا الله فدعاهم والحال أن في أهل الكفر قوة تامة وامتناعا عن اتباعه، اختلط الكفر بقلوبهم وتمكن فيها حبه حتى صارت لا تقبل غيره، وبسبب ذلك صار داء الضلال: أي داء هو الضلال فيهم عضال يعيي الأطباء مداواته وحصول شفائه، ثم شري الأمر- أي بالشين المعجمة وكسر الراء وفتح المثناة تحت- كثر وتزايد وانتشر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا: أي أضمروا العداوة والحقد وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وتذامروا عليه- بالذال المعجمة- وحض أي حث بعضهم بعضا عليه أي على حربه وعداوته ومقاطعته، ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا: يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد طلبنا منك أن تنهي ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا: أي عقولنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى

يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا عنه، فعظم علي بن أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بأن يخذل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه خاذله وأنه ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال له: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك فيه ما تركته، ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي حصلت له العبرة التي هي دمع العين فبكى، ثم قام» فلما ولى ناداه أبو طالب فقال:

أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه، فقال اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك وأنشد أبياتا منها:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا

وحكمة تخصيص الشمس والقمر بالذكر وجعل الشمس في اليمين والقمر في اليسار لا تخفى، لأن الشمس النير الأعظم واليمين أليق به، والقمر النير الممحو واليسار أليق به وخص النيرين حيث ضرب المثل بهما لأن الذي جاء به نور، قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التّوبة: الآية 32] .

ومن غريب التعبير أن رجلا كان عاملا لسيدنا عمر رضي الله تعالى عنه فقال لسيدنا عمر: إني رأيت في المنام كأن الشمس والقمر يقتتلان ومع كل واحد منهما نجوم فقال له عمر: مع أيهما كنت؟ قال مع القمر، قال: كنت مع الآية الممحوة، اذهب فلا تعمل لي عملا؟ فاتفق أن هذا الرجل كان مع معاوية يوم صفين وقتل ذلك اليوم.

فلما عرفت قريش أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالو له: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد بن المغيرة أنهد. أي أشد- وأقوى فتى في قريش وأحمله، فخذه لك ولدا: أي بأن تتبناه وأسلم إلينا ابن أخيك الذي خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل كرجل، فقال لهم أبو طالب: والله لبئس ما تسومونني أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله لا يكون أبدا: أي وقال أرأيتم ناقة تحن إلى غير فصيلها قال المطعم بن عدي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا، فقال له أبو طالب: والله ما أنصفوني، ولكن قد أجمعت: أي قصدت خذلاني ومظاهرة القوم:

أي معاونتهم عليّ فاصنع ما بدا لك: أي وقد مات عمارة بن الوليد هذا على كفره بأرض الحبشة بعد أن سحر وتوحش وسار في البراري والقفار كما سيأتي. ومات

المطعم بن عدي المذكور على كفره أيضا فعند عدم قبول أبي طالب ما أرادوه اشتد الأمر.

ولما رأى أبو طالب من قريش ما رأى دعا بني هاشم، وبني المطلب إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه فأجابوه إلى ذلك، غير أبي لهب فكان من المجاهرين بالظلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل من آمن به، وتوالى الأذى من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى من أسلم معه.

فما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذية ما حدث به عمه العباس رضي الله تعالى عنه قال: كنت يوما في المسجد فأقبل أبو جهل فقال: لله عليّ إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ عنقه، فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول أبي جهل فخرج غضبان حتى دخل المسجد، فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم من الحائط، وقرأ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) [العلق: الآية 1- 2] حتى بلغ شأن أبي جهل كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (7) [العلق: الآية 6 و 7] إلى أن بلغ آخر السورة سجد، فقال إنسان لأبي جهل يا أبا الحكم، هذا محمد قد سجد، فأقبل إليه ثم نكص راجعا، فقيل له في ذلك، فقال أبو جهل: ألا ترون ما أرى، لقد سد أفق السماء عليّ. وفي رواية: رأيت بيني وبينه خندقا من نار، وسيأتي أن قوله تعالى:

أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْداً إِذا صَلَّى (10) [العلق: الآية 9 و 10] إلى آخر السورة نزل في أبي جهل.

ومن ذلك ما حدث به بعضهم قال: ذكر أن أبا جهل بن هشام قال يوما لقريش: يا معشر قريش إن محمدا قد أتى إلى ما ترون من عيب دينكم وشتم آلهتكم وتسفيه أحلامكم وسب آبائكم إني أعاهد الله لأجل له يعني النبي صلى الله عليه وسلم غدا بحجر لا أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا والله لا نسلمك لشيء أبدا، فامض لما تريد، فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو إلى الصلاة: أي وكانت قبلته صلى الله عليه وسلم إلى الشام إلى صخرة بيت المقدس، فكان يصلي بين الركن اليماني والحجر الأسود ويجعل الكعبة بينه وبين الشام على ما تقدم، وقريش جلوس في أنديتهم وهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه: أي متغيرا بالصفرة مع الكدرة من الفزع وقد يبست يداه على حجره حتى قذفه من يده: أي بعد أن عالجوا فكه من يده فلم يقدروا كما سيأتي، وقامت إليه رجال من قريش وقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي فحل

من الإبل والله ما رأيت مثله قط، همّ بي أن يأكلني، فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ذاك جبريل لو دنا لأخذه» وإلى ذلك يشير صاحب الهمزية بقوله:

وأبو جهل إذ رأى عنق الفح ... ل إليه كأنه العنقاء

أي وأبو جهل الذي هو أشد الأعداء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت أن همّ أن يلقي الحجر عليه صلى الله عليه وسلم وهو ساجد أبصر عنق الفحل وقد برزت إليه كأنه الداهية العظيمة:

أي فرجع عن ذلك الرمي بذلك الحجر: أي وفي رواية أن أبا جهل قال: رأيت بيني وبينه كخندق من نار. ولا مانع أن يكون وجد الأمرين معا.

وذكر في سبب نزول قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) [يس: الآية 8] أي إنا جعلنا أيديهم متصلة بأعناقهم واصلة إلى أذقانهم ملصقة بها، رافعون رؤوسهم لا يستطيعون خفضها من أقمح البعير رفع رأسه وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) [يس: الآية 9] إن الآية الأولى نزلت في أبي جهل لما حمل الحجر ليرضخ به رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه أثبتت يداه إلى عنقه ولزق الحجر بيده فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم فلم يفكوا الحجر من يده إلا بعد تعب شديد. والآية الثانية نزلت في آخر لما رأى ما وقع لأبي جهل قال أنا ألقي هذا الحجر عليه، فذهب إليه صلى الله عليه وسلم، فلما قرب منه عمي بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إليهم فأخبرهم بذلك.

وعن الحكم بن أبي العاص: أي وابنه مروان بن الحكم، أن ابنته قالت له: ما رأيت قوما كانوا أسوأ رأيا وأعجز في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منكم يا بني أمية، فقال لها:

لا تلومينا يا بنية إني لا أحدثك إلا ما رأيت، لقد أجمعنا ليلة على اغتياله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيناه يصلي ليلا جئنا خلفه فسمعنا صوتا ظننا أنه ما بقي بتهامة جبل إلا تفتت علينا:

أي ظننا أنه يتفتت، وأنه يقع علينا، فما عقلنا حتى قضى صلاته صلى الله عليه وسلم ورجع إلى أهله، ثم تواعدنا ليلة أخرى، فلما جاء نهضنا إليه فرأينا الصفا والمروة التصقتا إحداهما على الأخرى، فحالتا بينا وبينه، ويتأمل هذا لأن صلاته صلى الله عليه وسلم إنما تكون عند الكعبة وليست بين الصفا والمروة.

وفي رواية «كان صلى الله عليه وسلم يصلي فجاءه أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا فأنزل الله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْداً إِذا صَلَّى (10) [العلق: الآية 9 و 10] إلى آخر السورة» .

وفي رواية «أنه صلى الله عليه وسلم لما انصرف من صلاته زأره أبو جهل أي انتهره وقال: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (18) [العلق: الآية 17 و 18] » قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله: أي وقال يوما: ولقد لقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد علمت أني أمنع

أهل البطحاء وأنا العزيز الكريم، فأنزل الله تعالى فيه ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) [الدّخان: الآية 49] كذا قاله الواحدي: أي تقول له الزبانية عند إلقائه في النار ما ذكر توبيخا له.

ومن ذلك ما حدث به بعضهم قال: لما أنزل الله تعالى سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: الآية 1] جاءت امرأة أبي لهب وهي أم جميل واسمها العوراء، وقيل اسمها أروى بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر: أي بكسر الفاء وسكون الهاء حجر يملأ الكف، فيه طول يدق به في الهاون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فلما رآها قال: يا رسول الله إنها امرأة بذية: أي تأتي بالفحش من القول، فلو قمت لتؤذيك، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنها لن تراني» فجاءت فقالت: يا أبا بكر صاحبك هجاني: أي وفي لفظ: ما شأن صاحبك ينشد فيّ الشعر؟ قال لا وما يقول الشعر أي ينشئه. وفي لفظ: لا ورب هذا البيت ما هجاك، والله ما صاحبي بشاعر وما يدري ما الشعر: أي لا يحسن إنشاءه، قالت له: أنت عندي تصدق، وانصرفت: أي وهي تقول:

قد علمت قريش أني بنت سيدها: أي تعني عبد مناف جدّ أبيها، ومن كان عبد مناف أباه لا ينبغي لأحد أن يتجاسر على ذمه، قلت: يا رسول الله لم لم ترك؟ قال: «لم يزل ملك يسترني بجناحه» أي فقد جاء في رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: «قل لها: هل ترين عندي أحدا، فسألها أبو بكر، فقالت أتهزأ بي، والله ما أرى عندك أحدا» .

أقول: وفي الإمتاع أنها جاءت وهو صلى الله عليه وسلم في المسجد معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وفي يدها فهر، فلما وقفت على النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الله على بصرها فلم تره ورأت أبا بكر وعمر، فأقبلت على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقالت: أين صاحبك؟ قال وما تصنعين به؟ قالت بلغني أنه هجاني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فمه، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ويحك إنه ليس بشاعر، فقالت إني لا أكلمك يا ابن الخطاب: أي لما تعلمه من شدته، ثم أقبلت على أبي بكر لم تعلمه من لينه وتواضعه، فقالت: والثواقب أي النجوم إنه لشاعر وإني لشاعرة: أي فكما هجاني لأهجونه وانصرفت، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنها لن تراك، فقال إنها لن تراني، جعل بيني وبينها حجاب: أي لأنه قرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (45) [الإسراء: الآية 45] وفي رواية أقبلت ومعها فهران وهي تقول:

مذمما أبينا* ... ودينه قلينا*

وأمره عصينا*

فقالت: أين الذي هجاني وهجا زوجي، والله لئن رأيته لأضربن أنثييه بهذين الفهرين. قال أبو بكر: فقلت لها يا أم جميل والله ما هجاك ولا هجا زوجك، قالت: والله ما أنت بكذاب، وإن الناس ليقولون ذلك، ثم ولت ذاهبة، فقلت: يا

رسول الله إنها لم ترك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حال بيني وبينها جبريل» ولعل مجيئها قد تكرر فلا منافاة بين ما ذكر وكذا ما يأتي، وكما يقال في الحمد محمد يقال في الذم مذمم، لأنه لا يقال ذلك إلا لمن ذم مرة بعد أخرى، كما أن محمدا لا يقال إلا لمن حمد مرة بعد أخرى كما تقدم. وقد جاء «أنه صلى الله عليه وسلم قال: ألا تعجبون كيف يصرف الله تعالى عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمما، ويلعنون مذمما وأنا محمد» .

وفي الدر المنثور «أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في الملأ، فقالت: يا محمد علام تهجوني؟ قال: إني والله ما هجوتك، ما هجاك إلا الله. قالت: رأيتني أحمل حطبا أو رأيت في جيدي حبلا من مسد» وهذا مما يؤيد ما قاله بعض المفسرين أن الحطب عبارة عن النميمة، يقال: فلان يحطب عليّ: أي ينمّ، لأنها كانت تمشي بين الناس بالنميمة، وتغري زوجها وغيره بعداوته صلى الله عليه وسلم، وتبلغهم عنه أحاديث لتحثهم بها على عداوته صلى الله عليه وسلم، وأن الحبل عبارة عن حبل من نار محكم.

وعن عروة بن الزبير: مسد النار سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا، والله أعلم وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله:

وأعدت حمالة الحطب الفهر ... وجاءت كأنها الورقاء

ثم جاءت غضبى تقول أفي ... مثلي من أحمد يقال الهجاء

وتولت وما رأته ومن أين ... ترى الشمس مقلة عمياء

أي وهيأت حمالة الحطب الفهر؟ ولقبت بذلك، لأنها كانت تحتطب: أي تجمع الحطب وتحمله لبخلها ودناءة نفسها، أو كانت تحمل الشوك والحسك وتطرحه في طريقه صلى الله عليه وسلم. ولا مانع من اجتماع الأوصاف الثلاثة، لكن استفهامها يبعد الوصفين الأخيرين. والفهر الحجر الذي يملأ الكف كما تقدم، لتضرب به النبي صلى الله عليه وسلم والحال أنها جاءت في غاية السرعة والعجلة كأنها في شدة السرعة الحمامة الشديدة الإسراع، حالة كونها غضبى من شدة ما سمعت من ذمها في سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: الآية 1] ، تقول: أفي مثلي وأنا بنت سيد بني عبد شمس يقال الهجاء والسب حالة كونه من أحمد وتولت والحال أنها ما رأته، وكيف ترى الشمس عين عمياء.

أقول: في ينبوع الحياة أنها لما بلغها سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: الآية 1] جاءت إلى أخيها أبي سفيان في بيته وهي مضطرمة: أي متحرقة غضبى، فقالت له:

ويحك يا أخمس: أي يا شجاع أما تغضب أن هجاني محمد، فقال سأكفيك إياه، ثم أخذ سيفه وخرج ثم عاد سريعا فقالت: هل قتلته؟ فقال لها: يا أخية أيسرك أن رأس أخيك في فم الثعبان؟ قالت: لا والله، قال: فقد كان ذلك يكون الساعة. أي فإنه رأى ثعبانا لو قرب منه صلى الله عليه وسلم لالتقم رأسه.

ولما نزلت هذه السورة التي هي تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: الآية 1] قال أبو لهب لابنه عتبة أي بالتكبير رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم يوم الفتح كما سيأتي: رأسي من رأسك حرام إن لم تفارق ابنة محمد، يعني رقية رضي الله عنها فإنه كان تزوّجها ولم يدخل بها ففارقها ووقع في كلام بعضهم طلقها لما أسلم فليتأمل.

وكان أخوه عتيبة بالتصغير متزوجا ابنته صلى الله عليه وسلم أم كلثوم، ويدخل بها. فقال: أي وقد أراد الذهاب إلى الشام: لآتين محمدا فلأوذينه في ربه، فأتاه فقال: يا محمد هو كافر بالنجم: أي وفي لفظ برب النَّجْمِ إِذا هَوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم بصق في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وردّ عليه ابنته وطلقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم سلط» وفي رواية «اللهم ابعث عليه كلبا من كلابك» وكان أبو طالب خاضرا فوجم لها أبو طالب.

وقال: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عتيبة إلى أبيه أبي لهب فأخبره بذلك، ثم خرج هو وأبوه إلى الشام في جماعة، فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من دير. فقال لهم: إن هذه الأرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه إنكم قد عرفتم نسبي وحقي، فقالوا أجل يا أبا لهب. فقال أعينونا يا معشر قريش هذه الليلة، فإني أخاف على ابني دعوة محمد، فأجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة ثم افرشوا لابني عليه ثم افرشوا حوله، ففعلوا ثم جمعوا جمالهم وأناخوها حولهم وأحدقوا بعتيبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتيبة فقتله. وفي رواية «فضخ رأسه» وفي رواية «ثنى ذنبه ووثب وضربه بذنبه ضربة واحدة فخدشه فمات مكانه» وفي رواية «فضغمه ضغمة فكانت إياها» فقال وهو بآخر رمق ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس لهجة ومات، فقال أبوه: قد عرفت والله ما كان ليفلت من دعوة محمد: أقول: وحلفه بالنجم إلى آخره يدل على أن ذلك كان بعد الإسراء والمعراج.

ووقع مثل ذلك لجعفر الصادق، قيل له: هذا فلان ينشد الناس هجاءكم يعني أهل البيت بالكوفة، فقال لذلك القائل: هل علقت من قوله بشيء؟ قال نعم قال فأنشد:

صلبنا لكم زيدا على رأس نخلة ... ولم أر مهديا على الجذع يصلب

وقستم بعثمان عليا سفاهة ... وعثمان خير من عليّ وأطيب

فعند ذلك رفع جعفر يديه، وقال اللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبا من كلابك، فخرج ذلك الرجل فافترسه الأسد، وإنما سمي الأسد كلبا لأنه يشبه الكلب في أنه إذا بال رفع رجله. ومن ثم قيل: إن كلب أهل الكهف كان أسدا. وقيل كان رجلا منهم جلس عند الباب طليعة لهم، فسمي باسم الكلب لملازمته للحراسة، ووصف ببسط الذراعين لأن ذلك من صفة الكلب الذي هو الحيوان.

وقد جاء «أنه ليس في الجنة من الحيوان إلا كلب أهل الكهف، وحمار العزير، وناقة صالح» والله أعلم.

ومما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذية ما حدّث به عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو يصلي، وقد نحر جزور وبقي فرثه: أي روثه في كرشه. فقال أبو جهل: ألا رجل يقوم إلى هذا القذر يلقيه على محمد» أي وفي رواية «قال: قائل: ألا تنظرون إلى هذا المرائي أيكم يقوم إلى جزور بني فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه» وفي رواية: «أيكم يأخذ سلي جزور بني فلان لجزور ذبحت من يومين أو ثلاثة فيضعه بين كتفيه إذا سجد، فقام شخص من المشركين» وفي لفظ «أشقى القوم وهو عقبة بن أبي معيط. وجاء بذلك الفرث، فألقاه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد: أي فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض أي من شدة الضحك. قال ابن مسعود: فهبنا أي خفنا أن نلقيه عنه صلى الله عليه وسلم» وفي لفظ «وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعة لطرحته عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءت فاطمة رضي الله تعالى عنها أي بعد أن ذهب إليها إنسان وأخبرها بذلك واستمر صلى الله عليه وسلم ساجدا حتى ألقته عنه، واستمراره في الصلاة عند فقهائنا لعدم علمه بنجاسة ما ألقي عليه، ولما ألقته عنه أقبلت عليهم تشتمهم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول وهو قائم يصلي: اللهم اشدد وطأتك: أي عقابك الشديد، على مضر سنين كسني يوسف. اللهم عليك بأبي الحكم بن هشام، يعني أبا جهل، وعتبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف. زاد بعضهم: وشيبة بن أبي ربيعة، والوليد بن عتبة» بالمثناة فوق لا بالقاف كما وقع في رواية مسلم.

فقد اتفق العلماء على أنه غلط، لأنه لم يكن ذلك الوقت موجودا أو كان صغيرا جدا وعمارة بن الوليد: أي وهو المتقدم ذكره الذي أرادوا أن يجعلوه عوضا عنه صلى الله عليه وسلم.

أقول: والذي في المواهب «فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: اللهم عليك بقريش، ثم سمى، اللهم عليك بعمرو بن هشام» إلى آخر ما تقدم ذكره. وفي الإمتاع: «فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع يديه ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا ثلاثا ثم قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش فلما سمعوا صوته ذهب منهم الضحك وهابوا دعوته، ثم قال: اللهم عليك بأبي جهل بن هشام» الحديث، وإن ابن مسعود قال: والله لقد رأيتهم، وفي رواية: رأيت الذي سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر.

واعترض بأن عمارة بن الوليد مات بالحبشة كافرا كما تقدم ويأتي، وبأن

عقبة بن أبي معيط لم يقتل ببدر وإنما أخذ أسيرا منها وقتل بعرق الظبية كما سيأتي، وبأن أمية بن خلف لم يطرح بالقليب وأجيب بأن قول ابن مسعود: رأيتهم أي رأيت أكثرهم.

وقد يقال: لا مانع أن يكون صلى الله عليه وسلم أتى بهذا الدعاء وهو قائم يصلي، وبعد الفراغ من الصلاة فلا منافاة والله أعلم.

والمراد بسني يوسف بتخفيف الياء، ويروى سنين بإثبات النون مع الإضافة:

القحط والجدب: أي فاستجاب الله دعاءه، فأصابتهم سنة أكلوا فيها الجيف والجلود والعظام والعلهز وهو الوبر والدم، أي يخلط الدم بأوبار الإبل ويشوى على النار، وصار الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كالدخان من الجوع، وجاءه صلى الله عليه وسلم جمع من المشركين فيهم أبو سفيان، قالوا: يا محمد إنك تزعم أنك بعثت رحمة، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم «فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعا، فشكا الناس كثرة المطر فقال: اللهم حوالينا ولا علينا. فانحدرت السحابة» .

وجاء أنهم قالوا: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) [الدخان: الآية 12] أي لا نعود لما كنا عليه، فلما كشف عنهم ذلك عادوا: أي وفيه أن هذا إنما كان بعد الهجرة فسيأتي «أنه صلى الله عليه وسلم مكث شهرا إذا رفع رأسه من ركوع الركعة الثانية من صلاة الفجر بعد قوله سمع الله لمن حمده يقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين بمكة اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» وربما فعل ذلك بعد رفعه من الركعة الأخيرة من صلاة العشاء، وسيأتي ما فيه.

وقد يقال: لا مانع أن يكون حصل لهم ذلك قبل الهجرة وبعد الهجرة مرة أخرى سيأتي الكلام عليها.

ثم رأيت في الخصائص الكبرى ما يوافق ذلك حيث قال: قال البيهقي: قد روي في قصة أبي سفيان ما دل على أن ذلك كان بعد الهجرة، ولعله كان مرتين، أي وسيأتي في السرايا أن ثمامة لما منع عن قريش الميرة أن تأتي من اليمن حصل لهم مثل ذلك وكتبوا في ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي البخاري «لما استعصت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فبقيت السماء سبع سنين لا تمطر» وفي رواية فيه أيضا: لما أبطؤوا على النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام قال: اللهم اكفنيهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة حصت كل شيء» الحديث. وفي رواية «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة

الدخان من الجهد، فأنزل الله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (11) [الدخان: الآية 10 و 11] فأتى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى صلى الله عليه وسلم فسقوا، فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) [الدّخان: الآية 16] » يعني يوم بدر.

ومن ذلك ما حدث به عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويده في يد أبي بكر وفي الحجر ثلاثة نفر جلوس: عقبة ابن أبي معيط، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، فمرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، فلما حاذاهم أسمعوه بعض ما يكره، فعرف ذلك في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فدنوت منه حتى وسطته: أي جعلته وسطا، فكان صلى الله عليه وسلم بيني وبين أبي بكر وأدخل أصابعه في أصابعي وطفنا جميعا، فلما حاذاهم قال أبو جهل: والله لا نصالحك ما بلّ بحر صوفة وأنت تنهى أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا ذلك، ثم مشى عنهم فصنعوا به في الشوط الثالث مثل ذلك، حتى إذا كان الشوط الرابع ناهضوه، أي قاموا له صلى الله عليه وسلم، ووثب أبو جهل يريد أن يأخذ بمجامع ثوبه صلى الله عليه وسلم، فدفعت في صدره فوقع على استه، ودفع أبو بكر أمية بن خلف، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط ثم انفرجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف. ثم قال: أما والله لا تنتهون حتى يحل بكم عقابه أي ينزل عليكم عاجلا. قال عثمان: فو الله ما منهم رجل إلا وقد أخذته الرعدة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بئس القوم أنتم لنبيكم، ثم انصرف إلى بيته وتبعناه حتى انتهى إلى باب بيته، ثم أقبل علينا بوجهه. فقال: أبشروا، فإن الله عز وجل مظهر دينه، ومتمم كلمته، وناصر نبيه، إن هؤلاء الذين ترون مما يذبح الله على أيديكم عاجلا، ثم انصرفنا إلى بيوتنا، فو الله لقد ذبحهم الله بأيدينا يوم بدر» .

أقول: ولا يخالف ذلك كون عقبة بن أبي معيط حمل أسيرا من بدر وقتل بعرق الظبية صبرا وهم راجعون من بدر، ولا كون عثمان بن عفان لم يحضر بدرا والله أعلم.

وفي رواية «أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته صلى الله عليه وسلم الشريفة وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان» .

أي وفي رواية «دخل عقبة بن أبي معيط الحجر فوجده صلى الله عليه وسلم يصلي فيه فوضع ثوبه على عنقه صلى الله عليه وسلم وخنقه خنقا شديد


تحميل : دار الأرقم بن أبي الأرقم من كتاب السيرة الحلبية

كلمات دليلية: