حلف الفضول من كتاب السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث

حلف الفضول من كتاب السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث

اسم الكتاب:
السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث
المؤلف:
على محمد الصلابي

عاشرا: حلف الفضول:

كان حلف الفضول بعد رجوع قريش من حرب الفجار، وسببه أن رجلا من زبيد (6) قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل، ومنعه حقه فاستعدى عليه الزبيدي أشراف قريش، فلم يعينوه لمكانة العاص فيهم، فوقف عند الكعبة واستغاث بآل فهر وأهل المروءة ونادى بأعلى صوته:

يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر

_________

(1) اللطيمة: الجمال التي تحمل الطيب والبز والتجارة.

(2) قريش فرع من كنانة.

(3) وقفات تربوية مع السيرة النبوية, ص53.

(4) السيرة النبوية لابن هشام (1/ 221 - 224) , السيرة الحلبية (1/ 127 - 129)

(5) انظر: وقفات تربوية, ص53.

(6) زبيد: بلد باليمن.

ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال وبين الحِجر والحَجَر

إن الحرام لم تمت كرامته ... ولا حرم لثوب الفاجر الغُدر (1)

فقام الزبير بن عبد المطلب فقال: ما لهذا مترك. فاجتمعت بنو هاشم، وزهرة، وبنو تَيْم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعامًا، وتحالفوا في شهر حرام، وهو ذو القعدة، فتعاقدوا وتحالفوا بالله ليكونُنّ يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يُرد إليه حقه ما بل بحر صوفة، وما بقي جَبَلا ثبير وحراء مكانهما (2).

ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي، فدفعوها إليه.

وسمت قريش هذا الحلف حلف الفضول، وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر.

وفي هذا الحلف قال الزبير بن عبد المطلب:

إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا ... ألا يقيم ببطن مكة ظالم

أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا ... فالجار والمُعترّ (3) فيهم سالم

وقد حضر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحلف الذي هدموا به صرح الظلم، ورفعوا به منار الحق، وهو يعتبر من مفاخر العرب وعرفانهم لحقوق الإنسان. (4) وقد قال صلى الله عليه وسلم: «شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم، وأني أنكثه» (5).

وقال صلى الله عليه وسلم: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» (6).

دروس وعبر وفوائد:

1 - إن العدل قيمة مطلقة وليست نسبية، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يظهر اعتزازه بالمشاركة في تعزيز مبدأ العدل قبل بعثته بعقدين، فالقيم الإيجابية تستحق الإشادة بها حتى لو صدرت من أهل الجاهلية (7).

2 - كان حلف الفضول واحة في ظلام الجاهلية، وفيه دلالة بينة على أن شيوع الفساد في نظام

_________

(1) انظر: الروض الأنف للسهيلي (1/ 155 - 156).

(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/ 213).

(3) المعتر: الزائر من غير البلاد.

(4) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/ 214).

(5) صحيح السيرة النبوية، إبراهيم العلي, ص59، وصححه الألباني رحمه الله.

(6) السيرة النبوية لابن هشام (1/ 134) فقه السيرة للغضبان، ص102.

(7) انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (1/ 112).

أو مجتمع لا يعني خلوه من أي فضيلة, فمكة مجتمع جاهلي هيمنت عليه عبادة الأوثان والمظالم والأخلاق الذميمة كالظلم والزنا والربا، ومع هذا كان فيه رجال أصحاب نخوة ومروءة يكرهون الظلم ولا يقرونه، وفي هذا درس عظيم للدعاة في مجتمعاتهم التي لا تحكِّم الإسلام، أو تحارب الإسلام (1).

3 - إن الظلم مرفوض بأي صورة، ولو وقع الظلم على أقل الناس (2)، إن الإسلام يحارب الظلم ويقف بجانب المظلوم دون النظر إلى لونه ودينه ووطنه وجنسه (3).

4 - جواز التحالف والتعاهد على فعل الخير وهو من قبيل التعاون المأمور به في القرآن الكريم قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: 2]، ويجوز للمسلمين أن يتعاقدوا في مثل هذا الحال لأنه تأكيد لشيء مطلوب شرعًا، على ألا يكون ذلك شبيهًا بمسجد الضرار، بحيث يتحول التعاقد إلى نوع من الحزبية الموجهة ضد مسلمين آخرين ظلمًا وبغيًا، وأما تعاقد المسلمين مع غيرهم على دفع ظلم أو في مواجهة ظالم، فذلك جائز لهم، على أن تلحظ في ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين في الحاضر والمستقبل، وفي هذا الحديث دليل (4). والدليل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: «ما أحب أن لي به حمر النعم» (5) لما يحقق من عدل، ويمنع من ظلم، أو النكث به مقابل حمر النعم، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» (6) طالما أن يردع الظالم عن ظلمه, وقد بين صلى الله عليه وسلم استعداده للإجابة بعد الإسلام لمن ناداه بهذا الحلف (7).

5 - وعلى المسلم أن يكون في مجتمعه إيجابيًا فاعلاً، لا أن يكون رقمًا من الأرقام على هامش الأحداث في بيئته ومجتمعه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم محط أنظار مجتمعه، وصار مضرب المثل فيهم، حتى ليلقبوه بالأمين وتهفو إليه قلوب الرجال والنساء على السواء بسبب الخلق الكريم الذي حبا الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم، وما زال يزكو وينمو حتى تعلقت به قلوب قومه, وهذا يعطينا صورة حية عن قيمة الأخلاق في المجتمع، وعن احترام صاحب الخلق ولو في المجتمع المنحرف (8).

* * *

_________

(1) انظر: فقه السيرة النبوية للغضبان ص110.

(2) انظر: فقه السيرة للغضبان ص110.

(3) انظر: السيرة النبوية لأبي فارس ص121.

(4) انظر: الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية (1/ 171، 172).

(5) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/ 134).

(6) المصدر نفسه.

(7) انظر: الأساس في السنة (4/ 172).

(8) انظر: فقه السيرة للغضبان ص110، 111.

المبحث السادس

تجارته لخديجة وزواجه منها وأهم الأحداث إلى البعثة

أولاً: تجارته لخديجة وزواجه منها:

كانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها أرملة (1) ذات شرف ومال، تستأجر الرجال ليتجروا بمالها، فلما بلغها عن محمد صدق حديثه, وعظم أمانته, وكرم أخلاقه, عرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجرًا وتعطيه أفضل ما تعطي غيره من التجار، فقبل وسافر معه غلامها ميسرة، وقدما الشام، وباع محمد صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد من السلع، فلما رجع إلى مكة وباعت خديجة ما أحضره لها تضاعف مالها.

وقد حصل محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة على فوائد عظيمة بالإضافة إلى الأجر الذي ناله، إذ مر بالمدينة التي هاجر إليها من بعد, وجعلها مركزًا لدعوته، وبالبلاد التي فتحها ونشر فيها دينه، كما كانت رحلته سببًا لزواجه من خديجة بعد أن حدثها ميسرة عن سماحته وصدقه وكريم أخلاقه (2)، ورأت خديجة في مالها من البركة ما لم تر قبل هذا وأُخبرت بشمائله الكريمة، ووجدت ضالتها المنشودة, فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه تفاتحه أن يتزوج خديجة (3) فرضي بذلك، وعرض ذلك على أعمامه، فوافقوا كذلك، وخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب فخطبها إليه، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصدقها عشرين بَكرة، وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت رضي الله عنها (4)، وقد ولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين وأربع بنات، وابناه هما: القاسم، وبه كان صلى الله عليه وسلم يكنى وعبد الله، ويلقب بالطاهر والطيب. وقد مات القاسم بعد أن بلغ سنًّا تمكنه من ركوب الدابة، ومات عبد الله وهو طفل، وذلك قبل البعثة.

أما بناته فهن: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، وقد أسلمن وهاجرن إلى المدينة وتزوجن (5). هذا وقد كان عمر الرسول صلى الله عليه وسلم حين تزوج خديجة رضي الله عنها خمسًا وعشرين سنة، وكان عمرها أربعين سنة (6).

_________

(1) تزوجها عتيق بن عائذ ثم مات عنها، فتزوجها أبو هالة ومات أيضا.

(2) انظر: رسالة الأنبياء، عمر أحمد عمر (3/ 27).

(3) انظر: مواقف تربوية ص56.

(4) انظر: السيرة النبوية لأبي فارس ص122.

(5) انظر: رسالة الأنبياء (3/ 28).

(6) انظر: السيرة النبوية لأبي فارس ص122.

دروس وعبر وفوائد:

1 - إن الأمانة والصدق أهم مواصفات التاجر الناجح، وصفة الأمانة والصدق في التجارة في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم, هي التي رغبت السيدة خديجة في أن تعطيه مالها ليتاجر به ويسافر به إلى الشام، فبارك الله لها في تجارتها، وفتح الله لها من أبواب الخير ما يليق بكرم الكريم.

2 - إن التجارة مورد من موارد الرزق التي سخرها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة, وقد تدرب النبي صلى الله عليه وسلم على فنونها، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن التاجر الصدوق الأمين في هذا الدين يُحشر مع الصديقين والشهداء والنبيين، وهذه المهنة مهمة للمسلمين ولا يقع صاحبها تحت إرادة الآخرين واستعبادهم وقهرهم وإذلالهم, فهو ليس في حاجة إليهم, بل هم في حاجة إليه وبحاجة إلى خبرته وأمانته وعفته.

3 - كان زواج الحبيب المصطفى من السيدة خديجة بتقدير الله تعالى، ولقد اختار الله سبحانه وتعالى لنبيه زوجة تناسبه وتؤازره، وتخفف عنه ما يصيبه، وتعينه على حمل تكاليف الرسالة وتعيش همومه (1).

قال الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله-: وخديجة مثلٌ طيب للمرأة التي تكمل حياة الرجل العظيم، إن أصحاب الرسالات يحملون قلوبًا شديدة الحساسية, ويلقون غَبنا بالغًا من الواقع الذي يريدون تغييره، ويقاسون جهادًا كبيرًا في سبيل الخير الذي يريدون فرضه، وهم أحوج ما يكونون إلى من يتعهد حياتهم الخاصة بالإيناس والترفيه، وكانت خديجة سباقة إلى هذه الخصال، وكان لها في حياة محمد صلى الله عليه وسلم أثر كريم (2).

4 - نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذاق مرارة فقْد الأبناء، كما ذاق من قبل مرارة فقد الأبوين، وقد شاء الله -وله الحكمة البالغة- ألا يعيش له صلى الله عليه وسلم أحد من الذكور حتى لا يكون مدعاة لافتتان بعض الناس بهم، وادعائهم لهم النبوة، فأعطاه الذكور تكميلا لفطرته البشرية، وقضاء لحاجات النفس الإنسانية، ولئلا ينتقص النبي في كمال رجولته شانئ، أو يتقول عليه متقول، ثم أخذهم في الصغر، وأيضا ليكون ذلك عزاء وسلوى للذين لا يرزقون البنين، أو يرزقون ثم يموتون، كما أنه لون من ألوان الابتلاء، وأشد الناس بلاء الأنبياء (3) , وكأن الله أراد للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الرقة الحزينة جزءًًا من كيانه؛ فإن الرجال الذين يسوسون الشعوب لا يجنحون إلى الجبروت, إلا إذا كانت نفوسهم قد طبعت على القسوة والأثرة، وعاشت في أفراح لا يخامرها كدر، أما الرجل الذي خبر الآلام فهو أسرع الناس إلى مواساة المحزونين ومداواة المجروحين (4).

_________

(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/ 122، 123).

(2) انظر: فقه السيرة للغزالي، ص75.

(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/ 223، 224).

(4) انظر: فقه السيرة، للغزالي ص78.

5 - يتضح للمسلم من خلال قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة، عدم اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأسباب المتعة الجسدية ومكملاتها، فلو كان مهتما بذلك كبقية الشباب لطمع بمن هي أقل منه سنًا، أو بمن لا تفوقه في العمر، وإنما رغب فيها النبي صلى الله عليه وسلم لشرفها ومكانتها في قومها، فقد كانت تلقب في الجاهلية بالعفيفة الطاهرة.

6 - وفي زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة ما يلجم ألسنة وأقلام الحاقدين على الإسلام وقوة سلطانه, من المستشرقين وعبيدهم العلمانيين, الذين ظنوا أنهم وجدوا في موضوع زواج النبي صلى الله عليه وسلم مقتلا يصاب منه الإسلام، وصوروا النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الرجل الشهواني الغارق في لذاته وشهواته، فنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم عاش إلى الخامسة والعشرين من عمره في بيئة جاهلية، عفيف النفس، دون أن ينساق في شيء من التيارات الفاسدة التي تموج حوله، كما أنه تزوج من امرأة لها ما يقارب ضعف عمره، وعاش معها دون أن تمتد عينه إلى شيء مما حوله، وإن من حوله الكثير وله إلى ذلك أكثر من سبيل، إلى أن يتجاوز مرحلة الشباب، ثم الكهولة، ويدخل في سن الشيوخ، وقد ظل هذا الزواج قائما حتى توفيت خديجة عن خمسة وستين عاما، وقد ناهز النبي عليه الصلاة والسلام الخمسين من العمر دون أن يفكر خلالها بالزواج بأي امرأة أخرى، وما بين العشرين والخمسين من عمر الإنسان هو الزمن الذي تتحرك فيه رغبة الاستزادة من النساء والميل إلى تعدد الزوجات للدوافع الشهوانية.

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفكر في هذه الفترة بأن يضم إلى خديجة مثلها من النساء: زوجة أو أمة، ولو أراد لكان الكثير من النساء والإماء طوع بنانه.

أما زواجه بعد ذلك من السيدة عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين فإن لكل منهن قصة، ولكل زواج حكمة وسبب, يزيدان في إيمان المسلم بعظمة محمد صلى الله عليه وسلم ورفعة شأنه وكمال أخلاقه (1).

ثانيًا: اشتراكه في بناء الكعبة الشريفة:

لما بلغ محمد صلى الله عليه وسلم خمسًا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لتجديد بناء الكعبة لما أصابها من حريق وسيل جارف صدّع جدرانها، وكانت لا تزال كما بناها إبراهيم عليه السلام رضما (2) فوق القامة فأرادوا هدمها ليرفعوها ويسقفوها, ولكنهم هابوا هدمها، وخافوا منه، فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم نزغ، ولا نريد إلا الخير.

وهدم من ناحية الركنين: فتربص الناس تلك الليلة, وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم

_________

(1) انظر: فقه السيرة النبوية للبوطي ص53، 54.

(2) الرضم: حجارة منضودة بعضها على بعض من غير طين.

منها شيئًا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا، فأصبح الوليد غاديًا يهدم، وهدم الناس معه حتى انتهوا إلى حجارة خُضرة كالأسنمة (1) آخذ بعضها ببعض.

وكانوا قد جزؤوا العمل, وخصوا كل قبيلة بناحية، واشترك سادة قريش وشيوخها في نقل الحجارة ورفعها، وقد شارك النبي صلى الله عليه وسلم وعمه العباس في بناء الكعبة وكانا ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، فخر إلى الأرض (2) وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق فقال: «إزاري إزاري» فشد عليه إزاره (3) فلما بلغوا موضع الحجر الأسود اختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، وكادوا يقتتلون فيما بينهم، لولا أن أبا أمية بن المغيرة قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب المسجد، فلما توافقوا على ذلك دخل محمد صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، قد رضينا, فلما أخبروه الخبر قال: «هلموا ثوبًا؟» فأتوه به فوضع الحجر فيه بيديه ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوا جميعًا» فرفعوه، حتى إذا بلغوا موضعه وضعه بيده ثم بنى عليه.

وأصبح ارتفاع الكعبة ثمانية عشر ذراعًا, ورفع بابها عن الأرض بحيث يصعد إليه بدرج، لئلا يدخل إليها كل أحد، فيدخلوا من شاؤوا، وليمنعوا الماء من التسرب إلى جوفها، وأسند سقفها إلى ستة أعمدة من الخشب، إلا أن قريشًا قصرت بها النفقة الطيبة عن إتمام البناء على قواعد إسماعيل، فأخرجوا منها الحِجر، وبنوا عليه جدارًا قصيرًا دلالة على أنه منها؛ لأنهم شرطوا على أنفسهم أن لا يدخل في بنائها إلا نفقة طيبة، ولا يدخلها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة لأحد (4).

دروس وعبر وفوائد:

1 - بنيت الكعبة خلال الدهر كله أربع مرات على يقين:

فأما المرة الأولى منها: فهي التي قام بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، يعينه ابنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام.

والثانية: فهي تلك التي بنتها قريش قبل البعثة، واشترك في بنائها النبي صلى الله عليه وسلم.

والثالثة: عندما احترق البيت من رميه بالمنجنيق في زمن يزيد بن معاوية بفعل الحصار الذي ضربه الحصين السكوني, على ابن الزبير حتى يستسلم، فأعاد ابن الزبير بناءها.

_________

(1) جمع سنام وهو أعلى ظهر البعير.

(2) ففعل ذلك فوقع.

(3) رواه البخاري، كتاب الحج رقم 1582.

(4) انظر: وقفات تربوية ص 57، رسالة الأنبياء، عمر أحمد عمر، (3/ 29، 30).

وأما الرابعة: في زمن عبد الملك بن مروان بعدما قتل ابن الزبير, حيث أعاده على ما كان عليه زمن النبي صلى الله عليه وسلم (1) , لأن ابن الزبير باشر في رفع بناء البيت، وزاد فيه الأذرع الستة التي أخرجت منه، وزاد في طوله إلى السماء عشرة أذرع وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه، وإنما جرأه على إدخال هذه الزيادة حديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم» (2).

2 - طريقة فض التنازع كانت موفقة وعادلة، ورضي بها الجميع وحقنت دماء كثيرة، وأوقفت حروبًا طاحنة، وكان من عدل حكمه أن رضيت به جميع القبائل, ولم تنفرد بشرف وضع الحجر قبيلة دون الأخرى، وهذا من توفيق الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وتسديده قبل البعثة، إن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب الصفا كان قدرًا من الله، لحل هذه الأزمة المستعصية، التي حُلت نفسيًّا قبل أن تحل على الواقع، فقد أذعن الجميع لما يرتضيه محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الأمين الذي لا يظلم وهو الأمين الذي لا يحابي ولا يفسد, وهو الأمين على البيت والأرواح والدماء (3).

3 - إن حادثة تجديد بناء الكعبة قد كشفت عن مكانة النبي صلى الله عليه وسلم الأدبية في الوسط القرشي (4) , وحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة شرفان، شرف فصل الخصومة ووقف القتال المتوقع بين قبائل قريش، وشرف تنافس عليه القوم وادخره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ألا وهو وضع الحجر الأسود بيديه الشريفتين، وأخذه من البساط بعد رفعه ووضعه في مكانه

من البيت (5).

4 - إن المسلم يجد في حادثة تجديد بناء الكعبة كمال الحفظ الإلهي, وكمال التوفيق الرباني في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما يلاحظ كيف أن الله أكرم رسوله بهذه القدرة الهائلة على حل المشكلات بأقرب طريق وأسهله، وذلك ما تراه في حياته كلها صلى الله عليه وسلم وذلك معلم من معالم رسالته، فرسالته إيصال للحقائق بأقرب طريق، وحل للمشكلات بأسهل أسلوب وأكمله (6).

ثالثًا: تهيئة الناس لاستقبال نبوة محمد صلى الله عليه وسلم:

شاءت حكمة الله تعالى أن يعد الناس لاستقبال نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بأمور منها:

 


ملف pdf
ملف pdf

كلمات دليلية: