حديث الإفك من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

حديث الإفك   من كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

اسم الكتاب:
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
المؤلف:
محمدالخضري

حديث الإفك

النادرة الثانية وهي أفظع من الأولى وأجلب منها للمصائب وهي رمي عائشة الصّدّيقة زوج رسول الله بالإفك، فاتهموها بصفوان بن المعطّل «3» السّلمي وذلك أنهم لما دنوا من المدينة أذن عليه الصلاة والسلام ليله بالرحيل. وكانت السيدة عائشة قد مضت لقضاء حاجتها حتى جاوزت الجيش، فلمّا قضت شأنها أقبلت إلى

__________

(1) سريعا.

(2) وفي رواية ابن اسحاق أن عبد الله بن أبي بن سلول أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله أنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمر لي به فأنا أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر لوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا.

(3) قال السهيلي: وكان يكون على ساقة العسكر يلتقط ما يسقط من متاع المسلمين، حتى يأتيهم به. سكن المدينة وشهد الخندق والمشاهد كلها يكنى أبا عمرو، وكان خيرا فاضلا شجاعا بطلا، وكان جلدا حصورا لا يأتي النساء، وقتل شهيدا في خلافة معاوية، واندقت رجله يوم قتل فطاعن بها، وهي منكسرة، حتى مات.

رحلها. فلمست صدرها فإذا عقد لها من جزع ظفار «1» قد انقطع، فرجعت تلتمس عقدها، فحبسها ابتغاؤه، فأقبل الرهط «2» الذين كانو يرحلونها فاحتملوا هودجها «3» ظانين أنها فيه لأن النساء كن إذ ذاك خفافا لم يغشهنّ اللحم، فلم يستنكر القوم خفّة الهودج، وكانت عائشة جارية حديثة السنّ، فجاءت منزل الجيش بعد أن وجدت عقدها، وليس بالمنزل داع ولا مجيب، فغلبتها عيناها فنامت، وكان الذي يسير وراء الجيش يفتقد ضائعه صفوان بن المعطّل. فأصبح عند منزلها فعرفها لأنه كان راها قبل الحجاب، فاسترجع، فاستيقظت باسترجاعه «4» ، وسترت وجهها بجلبابها «5» فأناخ راحلته، وأركبها من غير أن يتكلّما بكلمة، ثم انطلق يقود بها الراحلة حتى وصل الجيش، وهو نازل للراحة، فقامت قيامة أهل الافك، قالوا ما قالوا في عائشة وصفوان. والذي تولّى كبر الإفك عبد الله بن أبيّ، ولما قدموا المدينة مرضت عائشة شهرا، والناس يفيضون «6» في قول أهل الإفك. وهي لا تشعر بشيء، وكانت تعرف في رسول الله رقّة إذا مرضت، فلم يعطها نصيبا منها في هذا المرض، بل كان يمرّ على باب الحجرة لا يزيد على قوله: كيف حالكم؟

مما جعلها في ريب عظيم، فلما نقهت «7» خرجت هي وأم مسطح بن أثاثة «8» أحد أهل الإفك للتبرز خارج البيوت، فعثرت أم مسطح في مرطها «9» فقالت: تعس مسطح! فقالت عائشة: بئس ما قلت!!! أتسبيّن رجلا شهد بدرا؟ فقالت: يا هنتاه «10» أولم تسمعي ما قالوا؟ فسألتها عائشة عن ذلك فأخبرتها الخبر، فازدادت مرضا على مرضها، ولما جاءها عليه الصلاة والسلام كعادته، استأذنته أن تمرّض في بيت أبيها، فأذن لها، فسألت أمها عمّا يقول الناس فقالت با بنيّة هوّني عليك،

__________

(1) الجزع: الخرز. وظفار: مدينة باليمن.

(2) قوم الرجل وقبيلته ومن ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة.

(3) مركب النساء.

(4) أي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون.

(5) الجلباب هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار

(6) أي يخوضون.

(7) أي أفاقت من المرض.

(8) رائطة بنت صخر وهي مشهورة بكذبها، أسلمت فحسن إسلامها، وكانت من أشد الناس على مسطح حين تكلم مع أهل الإفك.

(9) وأحد المروط وهي أكسية من صوف أو خز كان يؤتزر بها.

(10) أي هذه.

فو الله لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة «1» عند رجل يحبّها لها ضرائر إلّا أكثرن عليها فقالت عائشة: سبحان الله! أو قد تحدّث الناس بهذا؟! وبكت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لها دمع، ولا تكتحل بنوم. وفي خلال ذلك كان عليه الصلاة والسلام يستشير كبار أهل بيته فيما يفعل، فقال له أسامه بن زيد «2» لما يعلمه من براءة عائشة: أهلك أهلك ولا نعلم عليهم إلّا خيرا، وقال علي بن أبي طالب: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. فدعا عليه الصلاة والسلام بريرة «3» جارية عائشة وقال لها: هل رأيت من شيء يريبك؟ فقالت:

والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه «4» غير أنها جارية حديثة السّن تنام عن عجينها، فتأتي الداجن «5» فتأكله.

فقام عليه الصلاة والسلام من يومه، وصعد المنبر، والمسلمون مجتمعون، وقال: من يعذرني «6» من رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلّا خيرا. ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما يدخل على أهلي إلّا معي.

فقال سعد بن معاذ: أنا يا رسول الله أعذرك منه، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة الخزرجي وقال: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أنه يقتل، فقام أسيد بن خضير، وقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه، فإنك منافق تجادل المنافقين. وكادت تكون فتنة بين الأوس والخزرج لولا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نزل من فوق المنبر، وخفّضهم حتى سكتوا، أما عائشة فبقيت ليلتين لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم. وبينما هي مع أبويها إذ دخل النبي عليه

__________

(1) أي حسنة جميلة.

(2) الكلبي الحب ابن الحب يكنى أبا محمد فأمه أم أيمن حاضنة النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولد أسامه في الإسلام ومات النبي صلّى الله عليه وسلّم وله عشرون سنة، وقد أمّره على جيش عظيم، فمات النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل أن يتوجّه فأنفذه أبو بكر، وكان عمر يجلّه ويكرمه، اعتزل أسامة الفتن بعد قتل عثمان إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية، وكان سكن المزة من أعمال دمشق، ثم رجع فسكن وادي القرى، ثم نزل إلى المدينة، فمات بها بالجرف سنة 54 هـ، وفضائله كبيرة، أحاديثه شهيرة.

(3) اشترتها عائشة فاعتقتها، وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، وقصتها تلك في الصحيحين. والبريرة واحدة البرير وهو ثمر الأراك.

(4) أعيبه عليها.

(5) هي الشاة التي تألف في البيوت ولا تخرج إلى المرعى.

(6) أي ينصرني إن جازيته على سوء صنيعه.

الصلاة والسلام فسلّم ثم جلس فقال: أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف وتاب تاب الله عليه، فتقلّص «1» دمع عائشة، وقالت لأبويها:

أجيبا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالا: والله ما ندري ما نقول، فقالت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم:

إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة لتصدّقنّي، فو الله لا أجدلي ولكم مثلا إلّا أبا يوسف حيث قال فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ «2» .

ثم تحولت واضطجعت على فراشها، ولم يزاول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مجلسه حتى نزلت عليه الايات من سورة النور ببراءة السيدة المطهرة عائشة الصديقة إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «3» فسرّي عن رسول وهو يضحك، وبشّر عائشة بالبراءة «4» ، فقالت لها أمها: قومي فاشكري رسول الله، فقالت: لا والله،

__________

(1) أي بمعنى جف من شدّة الحزن.

(2) سورة يوسف اية 18.

(3) اية 11- 21

(4) وقد برأ الله أربعة بأربعة برأ يوسف بلسان الشاهد (وشهد شاهد من أهلها) وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها (إني عبد الله) وبرأ عائشة بهذه الايات العظام.

لا أشكر إلّا الله الذي برّأني «1» . وبعد ذلك أمر عليه الصلاة والسلام بأن يجلد من صرّح بالإفك ثمانين جلدة وهي حد القاذف، وكانوا ثلاثة: حمنة بنت جحش «2» ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت. وكان أبو بكر ينفق على مسطح بن أثاثة «3» لقرابته منه، فلمّا تكلّم بالإفك قطع عنه النفقة، فأنزل الله وَلا يَأْتَلِ «4» أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «5» فقال أبو بكر: بل نحب ذلك يا رسول الله، وأعاد النفقة على مسطح. فهذه مضار المنافقين الذين يدخلون بين الأمم مظهرين لهم المحبة وقلوبهم مملوءة حقدا يتربصون الفتن، فمتى رأوا بابا لها ولجوه فنعوذ بالله منهم.


ملف pdf

كلمات دليلية: