بيعة العقبة الأولى من كتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

بيعة العقبة الأولى من كتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
عبدالله محمد عبدالوهاب

بيعة العقبة الأولى

فلقي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم - عند العقبة: ستة نفر من الأنصار كلهم من الخزرج. منهم أسعد بن زرارة وجابر بن عبد اللَّه بن رئاب السلمي. فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا. ثم رجعوا إلى المدينة، فدعوا

_________

(1) الآيتان 89 - 90 من سورة البقرة.

إلى الإسلام. فنشأ الإسلام فيها، حتى لم تبق دار إلا ودخلها. فلما كان العام المقبل جاء منهم اثنا عشر رجلا - الستة الأول. خلا جابرا - ومعهم عبادة بن الصامت، وأبو الهيثم بن التيهان، وغيرهم. الجميع اثنا عشر رجلا.

وكان الستة الأولون قد قالوا له - لما أسلموا -: إن بين قومنا من العداوة والشر ما بينهم وعسى اللَّه أن يجمعهم بك، وسندعوهم إلى أمرك. فإن يجمعهم اللَّه عليك فلا رجل أعز منك وكان الأوس والخزرج أخوين لأم وأب. أصلهم من اليمن من سبأ. وأمهم قيلة بنت كاهل - امرأة من قضاعة - ويقال لهم لذلك أبناء قيلة. قال الشاعر.

بهاليل من أولاد قيلة لم يجد ... عليهم خليط في مخالطة عتبا

فوقعت بينهم العداوة بسبب قتيل فلبثت بينهم الحرب مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأها اللَّه بالإسلام. وألف بينهم برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم - وذلك قوله {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]- الآية (1) .

فلما جاءه الاثنا عشر رجلا العام الآتي - الذين ذكرنا - ومنهم اثنان من الأوس: أبو الهيثم وعويم بن ساعدة والباقي من الخزرج.

فلما انصرفوا بعث معهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم - مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام. فنزل على أبي أمامة - أسعد بن زرارة - فخرج بمصعب - في إحدى خريجاته - فدخل به حائطا من حيطان بني ظفر. فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم.

_________

(1) آية 103 من سورة آل عمران.

[إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير]

,

إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير

فقال سعد بن معاذ - سيد الأوس - لأسيد بن حضير اذهب إلى هذين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما. فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك ذلك. وكان سعد وأسيد سيدي قومهما. فأخذ أسيد حربته. ثم أقبل إليهما. فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك. فاصدق اللَّه فيه. قال مصعب إن يكلمني أكلمه. فوقف عليهما. فقال ما جاء بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا، إن كان لكما في أنفسكما حاجة. فقال له مصعب أو تجلس فتسمع. فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره. فقال أنصفت. ثم ركز حربته وجلس فكلمه مصعب بالإسلام وتلا عليه القرآن. قال فواللَّه لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتهلله.

ثم قال ما أحسن هذا وما أجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ . قالا له تغتسل وتطهر ثوبك. ثم تشهد شهادة الحق. ثم تصلي ركعتين. فقام واغتسل. وطهر ثوبه. وتشهد وصلى ركعتين. ثم قال إن ورائي رجلا إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه. وسأرشده إليكما الآن - سعد بن معاذ - ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد في قومه وهم جلوس في ناديهم.

فقال سعد أحلف باللَّه لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلما وقف على النادي. قال له سعد ما فعلت؟ فقال كلمت

الرجلين. فواللَّه ما رأيت بهما بأسا. وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت.

وقد حدثت: أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه - وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك - ليخفروك. فقام سعد مغضبا، للذي ذكر له. فأخذ حربته فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما. ثم قال لأسعد بن زرارة واللَّه يا أبا أمامة. لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره؟ .

وقد كان أسعد قال لمصعب جاءك واللَّه سيد من ورائه قومه. إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد.

فقال له مصعب أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره قال قد أنصفت. ثم ركز حربته فجلس.

فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن. قال فعرفنا واللَّه في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتهلله. ثم قال كيف تصنعون إذا أسلمتم؟ قالا: تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق. ثم تصلي ركعتين ففعل ذلك. ثم أخذ حربته. فأقبل إلى نادي قومه. فلما رأوه قالوا: نحلف باللَّه لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به فقال يا بني عبد الأشهل كيف أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا. وابن سيدنا، وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة. قال فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا باللَّه ورسوله. فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا أسلموا، إلا الأصيرم. فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد.

فأسلم وقاتل وقتل ولم يسجد للَّه سجدة.

فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم - «عمل قليلا وأجر كثيرا» . فأقام مصعب في منزل أسعد يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف.

وذلك أنهم كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر. وكانوا يسمعون منه فوقف بهم عن الإسلام حتى كان عام الخندق، بعد أن هاجر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم -.

فلما كان من العام المقبل. وجاء موسم الحج. قال من أسلم من الأنصار: حتى متى نترك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم - يطرد في جبال مكة ويخاف؟ ! فخرجوا مع مشركي قومهم حجاجا.

[بيعة العقبة الثانية]


ملف pdf

كلمات دليلية: